أمَّا الشيخان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فحدِّثْ ولا حرج، فقد كانا يتنافسان في الصدقة أيّهما يسبق الآخر، إلا أنَّ الصِّدِّيق كان سبَّاقًا دائمًا، فعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعتُ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (أمرَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومًا أنْ نتصدَّق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلتُ: اليومَ أسبقُ أبا بكرٍ إنْ سبقتُه يومًا، فجئتُ بنصف مالي، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟»، قلتُ: مثلَه، قال: وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكلِّ ما عندَه، فقال له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قال: أبقيتُ لهم اللهُ ورسولُه، قلتُ: لا أسابقُك إلى شيءٍ أبدًا)(382) .
قال ملا علي قاري في تعليقه على قول الفاروق: (لا أسابقك إلى شيءٍ أبدًا): لأنَّه إذا لم يقدر على مغالبته حين كثرة مالِه، وقلة مال أبي بكر، ففي غير هذا الحال أولى أن لا يسبقه(383) .
وأمَّا عثمان رضي الله عنه فقد بلغ الذروة في هذا المقام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (اشترى عثمانُ بن عفان رضي الله عنه من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الجنَّةَ مرتَيْن بَيْعَ الحقِّ: حين حفر بئرَ رُومة، وحين جهَّز جيشَ العُسرة)(384) .
وعن عبد الرحمن بن خباب السلمي قال: (إنِّي لتحت منبرِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر، فحضَّض على جيش العُسرة، فلم يجُبْه أحدٌ، فقام
