ولا تفريط، بل كان يأخذ من مباحات الدنيا إن وجدها، وإن لم يجدها لم يتبعها نفسه، أما أن يتقصد ترك المباح بحجة العبادة والزهادة، فلم يكن ذلك من هديه وطريقته عليه الصلاة والسلام، ويكفينا في ذلك حديث النفر الثلاثة الذين جاءوا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا بذلك كأنهم تقالّوها! فلما بلغ خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم خطب في الناس فقال: «أَنْتُمُ الذَّينَ قُلْتُمْ كَذا وَكَذا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشاكُمْ لِلهِ وَأَتْقاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»(14)
زهد النبي صلى الله عليه وسلم:
ومن الأحاديث التي تدل على زهد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا ومتاعها:
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: (أَلَسْتُمْ فِي طَعامٍ وَشَرابٍ ما شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ(15) مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ)(16) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ»)(17) .
