حالٍ: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبِهم، فكما أنَّ الجنَّةَ قِيعانٌ وهو غِراسُها، فكذلك القلوبُ بُورٌ وخرابٌ وهو عمارتُها وأساسُها.
وهو جلاءُ القلوبِ وصِقالُها، ودواؤُها إذا غشيها اعتلالُها، وكلمَّا ازداد الذاكرُ في ذكره استغراقًا، ازداد المذكورُ محبةً إلى لقائِه واشتياقًا، وإذا واطأ في ذكرِه قلبه للسانه، نسِي في جنب ذِكره كلَّ شيءٍ، وحفظ اللهُ عليه كلَّ شيءٍ، وكان له عوضًا من كلِّ شيءٍ.
به يزول الوَقرُ عن الأسماع، والبُكمُ عن الألسن، وتنقشع الظلمةُ عن الأبصار، زيَّن اللهُ به ألسنةَ الذاكرين، كما زيَّن بالنور أبصارَ الناظرين، فاللسانُ الغافلُ كالعين العمياء، والأذنِ الصَّمَّاءِ، واليدِ الشَّلَّاءِ، وهو بابُ اللهِ الأعظمُ المفتوحُ بينه وبين عبدِه، ما لم يغلِقْه العبدُ بغفلتِه)(513) .
إنَّ المتأمَّلَ في نصوص الوحيَيْن يلحظ عنايةً فائقةً، ووصيةً مستمرةً بذكرِ اللهِ تعالى؛ كثرةً في النُّصوصِ، وتنوُّعًا في الأسلوبِ، ووفرةً في الثَّوابِ، ولو ذهَبْنا نسوقُ الشواهدَ لطال بنا المقامُ، فننتخبُ منها بعضها:
فمِن كلام ربِّنا جل جلاله:
قال الله تعالى: ﴿وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ﴾ [العنكبوت: 45]، وقال عزَّ من قائلٍ: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ﴾ [البقرة/152]، وقال جل وعلا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا٤١ وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41، 42]، وقال أيضًا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا
