ها هنا، قال: وكان في بستانٍ له ومعه غلامٌ له، فأذَّن المؤذِّنُ، فقال الغلامُ: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، فقال: أَسَبَقْتني إليها؟ أنتَ حرٌّ، ولك هذه النخلة)(108)
وفي الأثرِ مدى حرصِ هذا الصحابيِّ الجليلِ على التسابقِ في الخيراتِ، والتنافسِ في الطاعاتِ، حتَّى ولو في إجابةِ المؤذنِ، فإنه لم يحب أن يُسبَق بذلك، وهذا غايةٌ في فهمِ حقيقةِ هذه الدنيا، والزهدِ فيها، والعملِ للآخرة.
عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: (تابَعْنا الأعمالَ، فلم نجد شيئًا أبلغ في طلبِ الآخرةِ من الزهدِ في الدنيا)(109) .
وهذه حقيقةٌ جليَّةٌ لمن كان له بصيرةٌ، فإنَّ الإنسانَ كلَّما تعلَّق قلبُه بالدنيا، نقص تعلُّقه بالآخرةِ بمقدارِه ولا بد، والعكسُ بالعكسِ، فمن زهد في الدنيا طلبَ الآخرةِ، ومن أقبلَ على الدنيا ورغبَ فيها، أعرضَ عن الآخرةِ وزهدَ فيها، فاختر لنفسِك أيُّها الإنسانُ من أيِّ الفريقين أن تكون.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (الدُّنيا جنَّةُ الكافرِ، وسجنُ المؤمنِ، وإنَّما مثلُ المؤمنِ حين تَخرج نفسُه كمثلِ رجلٍ كان في سجنٍ فأُخرجَ منه، فجعل يتقلَّبُ في الأرضِ ويتفسَّحُ فيها)(110) .
