الآخرةِ من العقوبةِ والعذابِ الأليمِ، وقيل: إنَّ المؤمنَ عرض نفسَه عن الملاذِّ وأَخَذَها بالشدائدِ، فكأنه في السجنِ، والكافرُ فرجها بالشهواتِ فهي له كالجنةِ، كذا ذكر في الفائق. ويؤيِّد القولَ الأخيرَ ما قاله فضيلُ بن عياض: من ترك لذاتِ الدنيا وشهواتِها فهو في سجنٍ، فأمَّا الذي لا يترك لذاتِها وتمتعاتِها فأيُّ سجنٍ عليه؟)(112)
وقال المناوي: (ذكروا أنَّ الحافظَ ابن حجرٍ لمَّا كان قاضي القضاةِ مرَّ يومًا بالسوقِ في موكبٍ عظيمٍ، وهيئةٍ جميلةٍ، فهجم عليه يهوديٌّ يبيع الزيتَ الحارَّ، وأثوابُه ملطَّخةٌ بالزيتِ، وهو في غايةِ الرَّثاثةِ والشناعةِ، فقبض على لجامِ بغلتِه وقال: يا شيخَ الإسلامِ تزعُمُ أنَّ نبيَّكم قال: (الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ)، فأيُّ سجنٍ أنت فيه، وأيُّ جنَّةٍ أنا فيها؟ فقال: أنَا بالنسبة لمَّا أعدَّ اللهُ لي في الآخرةِ من النعيمِ كأني الآنَ في السجنِ، وأنتَ بالنسبة لمَّا أعدَّ لك في الآخرةِ من العذابِ الأليمِ كأنَّك في جنَّةٍ، فأسلمَ اليهوديُّ)(113) .
قال الصنعاني: (ويُحفظُ أنَّ مِثْلها اتَّفق للإمامِ عبد الله بن حمزة عليهما السلام، وأنه أجابَ وهو حدثُ السِّنِّ بهذا الجوابِ، فأُعجبَ به أهلُ زمانِه، ولا يَبعُد في اتفاق ذلك للرجلين)(114) .
قال ابن علَّان: (وفي الحديثِ تحريضٌ للمؤمنِ على الإعراضِ عنها، وعدم النظرِ لها نظرَ محبةٍ؛ لأنَّ ذلك شأن السجنِ)(115) .
عن أبي
