لم يُصرّح بأولّية سورة المدثّر في النّزولِ، وإنما أخبرَ السّامعَ بما أخبرَه به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولو سَلّمَنا بأن جابرًا رضي الله عنه كان يقولُ بأولِّيتها، لعُدّ هذا القول خاصًّا به، لم يُتابَع عليه مِن كبيرِ أحدٍ، وأنّ القولَ الأولّ هو المشهورُ المتداوَلُ، قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله: فإن أولّ ما أُنزل من القرآن {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] عندَ جماهيرِ العلماء، وقد قيل {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] رُوي ذلك عن جابرٍ، والأولّ أصحّ(215)
ثم ذكر شيخُ الإسلامِ الأجوبةَ على ما جاء في حديثِ جابرٍ، وبيّن بأنّ في بعض روايات الحديث أن ذلك كان في (فترةِ الوَحيِ)، أي: انقطاعِه، وهذا أيضًا ظاهرٌ في أوليَّةِ نزولِ فواتحِ سورةِ العَلقِ، مما يزيدُ في تأكيدِ صحّة حديثِ البابِ.
بل، لو أنعم المظفّرُ نظرَه قليلًا وسعى في التوفيقِ بينَ ما تعارضَ في ظاهرِ الحديثين، لوجد سبيلًا أو سُبلًا إلى ذلك، منها أن يقال: بأن أوليّةَ فواتحِ سورة المدثّر متعلِّقة بأمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالإنذارِ، فتكونُ على ذلك أولِيّةً نسبيّةً، بينما أوليّةُ فواتحُ سورة العَلَق هي أوليَّةٌ مطلَقةٌ عن أيِّ تقييد، وتكون بذلك أولّ ما نزل من كتاب الله عز وجل على نبيّنا صلى الله عليه وسلم.
وقد أشار إلى هذا التوفيق شيخ الإسلام ابنُ تيمية فقال رحمه الله: فإن قولَه {اقْرَأْ} [العلق: 3]، أمرٌ بالقراءةِ لا بتبليغِ الرسالة وبذلك صار نَبيًّا، وقولُه {قُمْ فَأَنْذِرْ (2)} [المدثر: 2] أمرٌ بالإنذارِ وبذلك صارَ رسولًا منذرًا(216) .
