خوفٍ وعدمِ تيقّنٍ إنّما كان في بدايةِ ظهورِ الوحيِ له، ثم بدأ اليقينُ يملأ قلبَه شيئًا فشيئًا بما يَسّرَه اللهُ عز وجل له مِن أسبابٍ، والتي مِن ضِمنها تأكيدُ خديجةَ رضي الله عنها له بأن مَثلَه لا يُضيّعهُ الله عز وجل، وتأكيدُ ورقةَ بنِ نوفلٍ له بأن ما أتاه هو مِن جِنسِ ما أتى الأنبياءَ الكرامَ عليهم السلام قبلَه، فأين وجد عبدُ الحسين بُغيتَه في هذه الأحاديثِ الكريمة، والتي توصَّل مِن خلالها إلى ما ادّعاه؟
وقد كان يصحُّ إيرادُ هذا الإشكالِ مِن عبدِ الحسين لو كان أخرجَ لنا خبرًا يُظهرُ ما ادّعاه ظُهورًا بيّنًا أو حتى يُشير إلى ذلك، كأن يذكُرَ لنا خبرًا جاءً فيه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بقي شاكًّا في أمرِ نبوّته حتى بعدَ اصطفاءِ الله عز وجل له، وتكرُّرِ نزولِ جبريلَ عليه السلام عليهِ بالقرآن، ودعوتِه صلى الله عليه وسلم لقومِه ليلًا ونهارًا، جَهْرًا وإسْرارًا، وتحمّله الأذى النَّفسيَّ والجسديَّ في ذاتِ الله عز وجل، وخوضِه المعركةَ تِلوَ الأُخرى مع كفّارِ قريشٍ ومَن شايعَهُم على ضَلالِهم، فمثلُ هذا الخبرِ - لو وُجدَ لكان هو الذي يُوصلُ إلى مثلِ تلك النّتيجة التي جَزمَ بها عبدُ الحسين، وهيهاتَ أن يوجد مثلُ هذا، أو تصحّ نسبةُ شيءٍ منه إلى النّبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم، وذلك لِما عُلم من مخالفة هذا الافتراضِ لضرورياتِ هذا الدين القويم.
وقد سبق معنا توجيهُ طمأنةِ خديجةَ رضي الله عنها للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بأن الله لنْ يَخْذُلَه، لِما رأتْهُ فيه من اجتماعِ أفضل الصّفاتِ التي يُمكنُ أن يَتحلّى بها بشرٌ، وسبق كذلك توجيهُ طمْأَنَةِ ورقةَ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم بأنّه يَسيرُ في طريقِ الأنبياء عليهم
