وعودًا لمناقشة عبدِ الحسين فيما ذهب إليه من عدم الاحتجاجِ بهذا الخبر كونه من مراسيل الصحابة الذين لم يدركوا هذه الحادثة، نقول: لو سلمّنا - تنزُّلًا - بعدمِ الاحتجاجِ بمرسلِ الصحابيِّ إلحاقًا له بسائر المراسيل، لما أنزل تسليمُنا بذلك الخبَرَ إلى مَصافِّ الأخبارِ الموضوعة المكذوبة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم التي لا تقبل بحالٍ من الأحوال، كما يطمعُ عبدُ الحسين ومن نحا نحوَه في السعيِ لإبطالِ الاحتجاجِ بهذا الحديث، وإنما قُصارى الأمر أن يُتوقّف في قبوله، أو يُحكمَ بضعْفِه شأنه في ذلك كشأن سائر المراسيل(232) ، لكن أن يُحكمَ بوضعه لمجرّد كونه مرسلًا؛ فهذا يخالفُ ما تعارف عليه المحدّثون وتناقلوه في كتبِ روايةِ الحديث، بل وما تعارفَ عليه سائرُ العلماء في سائرِ فنونِ الشريعة، لأن الصحابةَ رضي الله عنهم أبعدُ الناس عن نسبة خبرٍ مكذوبٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونصُّ أهل العلم على عدم جوازِ رواية الموضوع لمن كان عارفًا بِوضعه؛ إلا لبيان وضعه، وإن كان هذا قد عُمل به في القرون التي أعقبت قرنَ الصحابة، فمن باب أولى أن يمتنعَ الصحابةُ عن رواية ما لا يَصحُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمرُ أقرب إلى كونِه من البَدَهيات، التي لا يُحتاج إلى التدليل عليه؛ عند من سَلِم عَقلُه من الاختلالات الذّهنيةِ، وطهر قلبُه من الشُّبهات المهلكةِ.
وإذا كان أهلُ العلم لم يَحكموا بوضع مراسيلِ التابعين، لأنهم يعلمون
