الله عليه وسلم بِعَظْمِهِم ولَحْمِهِم، وصارَ حديثُه صلى الله عليه وسلم والحديثُ عنه شُغلَهُم الشّاغِلَ الذي لا يُفارِقُهم في حِلِّهم وتِرحالِهم، ولَيلِهم ونَهارِهم، بل صاروا لا يُعرفون إلا بِانتسابِهم لَه؟ وقد رفَعَ الله عز وجل شأنَهم، وخَلّد ذِكرَهم، وجعل لهم لِسانَ صِدقٍ في الآخرين، لا يُذكرونَ عند العُقلاءِ مِن أهلِ المِللِ إلا بِكُلِّ خَيرٍ، ولا يُعرفونَ إلا بالإتقانِ وحُسْنِ التَّصنيفِ، وجَمالِ التّأليفِ، وبراعةِ الابتكارِ في الانتخابِ والجَمعِ والتَّرتيبِ، قد انتفعَ مِن تُراثِهم كُلُّ عالمٍ مُنصِفٍ، واتُّخِذتْ طرائِقُهم في التَّقميشِ والتَّفتيشِ والكِتابةِ والتَّدوينِ مناهجَ تَعليميةً تَربَويَةً؛ يَنْتَفِعُ بها كُلُّ مَن سارَ في طَريقِ العُلومِ الشّرعيةِ على اختلافِها وتَنَوُّعِها.
وليست هذه الدعوى بأغربَ من أُخرى سَبَقَتْها زَمانًا وفاقتها شَرًّا وطُغيانًا؛ ادّعى أصحابُها زورًا وبُهتانًا أنّ صَحابةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ارتدّوا عَن آخرِهم وانْقلبوا على أعْقابِهم بعد وفاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، إلا نفرًا يسيرًا مِنهم، يُطلقون هذه الدّعوى الجائرةَ في أُناسٍ شَهِدوا مَولِدَ دينِ الإسلامِ، وعاصَروا بداياتِ النُّبوة ومراحِلَها من إسرارٍ وجهرٍ وجهادٍ ونصرٍ وفتحٍ مبينٍ، وشَكّلوا بِأجسادِهم تُرْسًا متينًا يَدفعون بِه عن رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم كُلَّ أذىً ولو دَقّ، مُحيطين به مِن كلّ جانبٍ إحاطةَ القِلادةِ بالجِيدِ، باذِلينَ المُهَجَ في ذلك، مُتقرّبين إلى الله عز وجل بِبَذلِ الغَالي والنّفيسِ في سبيلِ هذا الدّين القويمِ.
