ويجوز أن يكون إنما أخَّر الغسل لعذرٍ من الاعذار، إما لاستحضار الماء أو لتسخينِه عند البرد أو سببٍ عارض، لأن عند حصول شيءٍ من هذه الاعذار يجوزُ تأخير الغسل ولا يلزمُ القضاءَ ولا الكفارة، وقد بيَّنا فيما تقدم ما يدلُّ على هذا المعنى، فلا وجه لإعادته(310) اهـ.
قلت: وما ذهب إليه الطوسي من احتمالِ كون النبي صلى الله عليه وسلم أخّر الغسل لعُذر كإحضار الماء أو تسخينه، قد لا يُسلّم دائماً، وقد مضى مثلُ هذا التوجيهِ في كلامنا السابق، ومع ذا، لو افترضنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخِّر غسلَه دائمًا من أجل هذا العذرِ، فلازمُ الإشكال الذي أورده المظفَّر يبقى قائمًا، فالملائكةُ على رأيه ستحتجبُ أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يُزيل هذه الجنابة، سواءٌ أزالها مباشرةً أم انتظرَ حتى يتحصّل على مرادِه من الماء، وقد يقولُ قائل: بأن هذا اللازم لو كان قائمًا دائمًا لحرص النبيُّ صلى الله عليه وسلم على إحضارِ الماء وتسخينه قبل التلبُّس بالجنابة، حتى لا ينقطعَ نزول الملائكة عليه، والجواب عليه أن يُقال: إن هذا كلّه من التكلُّف الذي ضيَّق به المظفَّر على نفسِه وعلى أتباعه به.
ونحو هذا التكلُّف المرفوض: تكلّف الطوسي في دعواه أن هذا الفعل من النبيِّ صلى الله عليه وسلم قد يكون على سبيل التَقيَّة(311) لكون رواة هذا الخبر هم من أهلِ السنة!
