وأما الشبهة الثانية فهي قول السبحاني: « إنّ الرواية تُعْرِبُ عن أنّ لإبليس وجنوده سلطةً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث أخذه في غفلة وخديعة، كما يشهد عليه قوله « يفتك » ، وهذا ما يكذِّبه الكتاب العزيز ويقول: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99] وحملُ السلطة على خصوص الإغواء خلاف الإطلاق » .
قلتُ: كونُ اللّفظِ يُحملُ على خِلافِ الإطلاقِ لا ضيرَ فيه، متى ما كان الحاملُ على ذلك دليلًا آخَرَ يُقَيّدُ ذلك المُطلَقَ، والسُّلطانُ المّنفيُّ هنا لا بُدّ من حَملِه على السُّلطان الكامِلِ، الذي يَتَمَكَّنُ مِن خِلالِهِ الشيطانُ مِن حَملِ عبادِ الله المؤمنين على فِعلِ كُلِّ سُوءٍ، بما في ذلك خُروجهم من دين الله، وهذا ما لا يَستطيعُه الشيطانُ بحالٍ مِن الأَحوالِ ما دام المَذكورون في الآية الكريمةِ مؤمنين بربّهم مُتَوَكّلين عليه، ولذا أتبع الله عز وجل هذه الآية الكريمة بقوله: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 100]، فَما نفاه في الآية الأولى في حقِّ أوليائِه، أثبَتَهُ في الآيةِ الثانيةِ في حَقِّ أولياءِ الشيطان، وهذا واضحٌ لا لَبسَ فيه لمن شَرَح الله صدره للهداية والرّشاد.
ونصوصُ الشريعة الكريمة تؤيِّدُ هذا التوجيه، وتعزّزه بكثيرٍ من الأمثلةِ الواضحةِ البَيِّنَةِ، والتي مِن أَصْرَحِها ما وقع لسادةِ أولياءِ الله عز وجل، وأشدِّهِم إيمانًا وأكثرِهم توكُّلًا عليه، وهم: أنبياؤه عليهم السلام، حيث جاءت هذه الأمِثلَةُ بِسردِ صُورٍ مِن تَسلُّطِ الشيطانِ على بَعضِهم، والعملِ على إغوائِهِ، كصنيعِهِ
