فينبغي للإنسان — بحكم هذه الآية — أن يتذلل لوالديه تذلل الرعية للأمير، والعبيد للسادة، وقد ضرب خفض الجناح ونصبه مثلًا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده. ولا يختص بر الوالدين بكونهما مسلِمَيْن، بل يبرهما وإن كانا كافرين، ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد. قال — سبحانه —: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ١٤ وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ١٥﴾ [لقمان: 14 — ١٥].
وعن أسماء — رضي الله عنها — قالت: «قَدِمت عَلي أمي وهي مشركة — في عهد قريش؛ إذ عاهدهم —، فاستفتيت النبي — صلى الله عليه وسلم —، فقلت: «يا رسول الله! إنَّ أمي قدمت عليّ، — وهي راغبة — أفأصلها؟ قال: « نعم، صِلِي أمك(31) »...» .
فإذا أمر الله — تعالى — بمصاحبة هذين بالمعروف مع هذا القبح العظيم الذي يأمران ولدهما به، وهو الإشراك بالله — تعالى —، فما الظن بالوالدين المسلمَين سيما إن كانا صالِحَينِ؟! تالله إن حقهما لمن أشد الحقوق وآكدها، وإن القيام به على وجهه أصعب الأمور وأعظمها، فالموفَّق من هُدِي إليها، والمحروم كل المحروم من صرف عنها، وقد جاء في السنة من التأكيد في ذلك ما لا تحصى كثرته ولا تحد غايته، فمن ذلك:
ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
