أعلم.
ومن أشهر مواقف المزاح عند أمهات المؤمنين ما ورد عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة، فصنعتُ حريرة — عصيدة، تصنع من الدقيق واللبن والدسم — وجئت به، فقلت لسودة: كلي. فقالت: لا أُحب. فقلتُ: والله لتأكلن أو لألطخن به وجهك. فقالت: ما أنا بذائقته. فأخذتُ بيدي من الصحفة شيئًا منه فلطَّختُ به وجهها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بيني وبينها، فخفض رسول الله ركبتيه لتستقيد مني، فتناولتْ من الصحفة شيئًا، فمسحتْ به وجهي، وجعل رسول الله يضحك»(87) .
وكما قلنا، كان البيت النبوي في جميع الأوقات منبعًا ثريًّا للرحمة والتواد، ولا تخلو مواقفه اليومية من جو المرح والممازحة، فقد أخرج الطبراني في المعجم الكبير رواية عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، تظهر فيها رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال الصغار، وحبه ممازحتهم إدخالاً للسرور على أمهاتهم.
فعن أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت: لَمَّا خَطَبَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ لَهُ: فِيَّ خِلَالٌ ثَلَاثٌ، أَنَا كَبِيرَةُ السِّنِّ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُطَفَّلٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ شَدِيدَةُ الْغَيْرَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا الْأَطْفَالُ فَهُمْ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ فَأَدْعُو اللهَ أَنْ يُذْهِبَهَا عَنْكِ، وَأَمَّا السِّنُّ فَأَنَا أَكْبَرُ مِنْكِ سِنًّا»، فَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ تُرْضِعُ بِنْتَهَا زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَلَا يَقْرَبُهَا، وَكَانَ يُمَازِحُ ابْنَتَهَا إِذَا دَخَلَ،
