مع كونِ أحدهما نصرانيًا والثاني امرأةً!
وعلى ما سبق: فلا ضيرَ في كلِّ ذلك، فَوَرقةُ إنما قال ما قاله لِعلمِه بما في كتبِ أهلِ الكتابِ مما يتعلقُ بالوحيِ ونبيِّ آخر الزمان، وخديجةُ رضي الله عنها قالت ما قالت لِعلمها بحالِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، الصادقِ الأمينِ الكريمِ المُسارعِ لكلّ خيرٍ، المُباعِدِ عن كلِّ شرٍّ، ومثلُه لا يُسلِمُه الله عز وجل للشياطين، ومع ذلك، أرادت خديجةُ رضي الله عنها أن تُطلعَ ورقةَ على حاله، لِعلمها بسَعةِ عِلمه، واطّلاعِه على ما سُطر في كتب الأوّلين، وليكون عاملًا أساسًا في طَمأَنَةِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وبيانِ الحِكْمَة المترتّبة على ذلك، وكونه طريقًا سار فيه من قَبلَه ممّن اصطفاهم الله واجتباهم وهداهم إلى صراطٍ مستقيم، ورفع قَدرَهم وذِكرَهم بحمل رِسالاته سبحانه وتعالى إلى خَلقه.
فالذي كان سببًا في طَمأنةِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم الاثنان مَعًا: خَديجةُ رضي الله عنها باطّلاعها على خاصّة أمرِهِ صلى الله عليه وسلم، وشديدِ معرَفَتِها بكمالِ أهلِيّتهِ صلى الله عليه وسلم لِحملِ هذا الشرفِ العَظيمِ، وورقةُ بنُ نوفل بشمولِ اطّلاعه على كُتبِ أهلِ الكتاب بما فيها مِن علوم تشملُ جوانبَ الشّريعةِ عامةً، وأخبارِ أنبياءِ الله عليهم السلام خاصةً، والتي منها: اقترابُ ظُهورِ النّبيّ الأُمّي صلى الله عليه وسلم، وإرسالِ الله عز وجل له {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)} [التوبة: 33]، فاجتمع قولُهما على أن ما نَزل عليه صلى الله عليه وسلم هو الوَحيُ الذي لا يَنزِلُ إلا على أمْثالِه صلى الله عليه وسلم.
