أنفسُهُم الذين مِن خلالهم وَصل لنا كتابُ الله غضًّا طريًّا كما أُنزل، وهم أنفسُهُم الذين نقلوا لنا سيرةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأقوالَه وأفعالَه وتقريراتِه وهديَه وسنّتَه، ولم يصلْنا شيءٌ مِن ذلك، سواءٌ ما كان متعلّقًا بكتابِ اللهِ عز وجل أو بسُنّةِ نَبيّنا صلى الله عليه وسلم إلا عَن طَريقِهم، ونِسبةُ الكذبِ لبعضهم فضلًا عَن أَكثرِهم بدون أيِّ دليلٍ واضحٍ بيِّنٍ كالشّمس في رائعةِ النّهار، لا يصدُر إلا من مُكابرٍ، أو فاجرٍ ماكر، يمكر مَكرَ الليل والنهارِ لهَدْمِ بُنيان هذا الدين المتين، {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].
ولا يعود سوءُ هذه القالَةِ الشّنيعة الظالمةِ إلا على صاحبِها الظالمِ مُستمرئ الكذِب على أولياءِ الله عز وجل، الذين اختارهُم اللهُ عز وجل لصُحبةِ نَبيِّه صلى الله عليه وسلم، وفَضَّلهم على مَن سِواهم مِن خَلْقِه، وشَرّفَهم لِحَمْلِ هذه الأمانةِ العظيمةِ، فقاموا بها خيرَ قيامٍ، وكانوا نِعْم السّلفِ لخيرِ خلفٍ، وصدق عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه حينما وصفَ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم بقولِه: إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ»(453) .
ولو لم يأتِ مثلُ هذا الخبر، وما شابَهَهُ في معناه، لتوصَّل كلُّ مُسلمٍ
