ومغفرةً وصلاةً، فكلاهما عليهما الصلاة والسلام كانا يَصدُران من مشكاةٍ واحدةٍ: مشكاةٍ الوحيِّ المؤيّد من الله عز وجل.
فإن قيل: ما جاء في خبرِ موسى عليه السلام إنما صَدَرَ بسببِ ظَنِّه خطأَ تَصَرُّفِ أخيه هارون عليه السلام، وبهذا يُفارقُ ما جاء في خَبرِ نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم، إذ علّق فِعْلَه بالغَضبِ، لا بِظنٍّ لم يقع في مَحَلِّهِ؟ فالجواب أن يقال: لا فرق في الأمرين، لأن المحذور في النصّين واحدٌ، وهو: وُقوعُ الأذى على غيرِ مستحِقّه، بل إن ما بَدَرَ مِن موسى عليه السلام إنّما كان مبدؤه ودافعُه الغضبَ، ألم يقرأْ عبدُ الحسين شرفُ الدين قولَه تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا} [طه: 86] وقولَه تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)} [الأعراف: 154]، وهذا أيضًا تراجعٌ مِن موسى عليه السلام عن إلقائِه الألواحَ بِسببِ غَضَبِه، فإن كان قد اشْتَبَه على سيدنا موسى عليه السلام شأنُ سيدِنا هارون عليه السلام؛ وظنَّ تقصيرَه في هدايةِ قَومِه، فما هو الذنبُ الذي ارتكبَتْهُ الألواحُ حتى تُلقى وتُكسر؟! والمقصودُ من هذا أن موسى عليه السلام إنّما فَعلَ ما فَعلَ لشِدَّةِ غَضبِه، حيث لم يوافِق الصوابَ في حُكْمِه، ولا غَضاضةَ عليه في ذلك، فهو كَليمُ اللهِ عز وجل، وأحدُ الخَمسةِ أولي العَزمِ مِن الرُّسلِ عليهم السلام، ولَمْ يَنْقَدِح في ذِهْنِ أحدٍ من المسلمين أن ما فَعلَه موسى عليه السلام ينْقصُ من قَدْرهِ الشريف وحاشاه عليه السلام من أن يُنسبَ له شيءٌ من السوء كما لم يَنْقَدِح في ذِهْنِ أحدٍ من المسلمين أن القرآن الكريم يمكن أن يُخبر عن موسى عليه السلام ما يستحيلُ أن يَصدُر مِنْه وحاشا لكتابِ الله أن يُظنَّ به مثلُ ذلك بل مكانةُ كتاب الله محفوظةٌ عن كلِّ سوء، ومكانةُ موسى عليه السلام محفوظةٌ كذلك من كُلِّ سوءٍ، لكنه بشرٌ يَغضبُ ويرضى، ويَفْرحُ ويحزَنُ، ويُحبُّ ويُبغض، {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33)} [المؤمنون: 33]، وهذه البشرية
