وصاحبُ هذه الدعوى لا بُدّ أن يُقيم الأدلّةَ البيِّنةَ الواضحةَ مِن صحيحِ المنقولِ أو صريحِ المَعقولِ؛ أو مَنْهُما معًا على صِحّة ما ادّعاه، أمّا أن يُطلقَ هذه الدعوى هكذا جُزافًا، ويقيمَها على شفا جُرُفٍ هارٍ، ساعيًا السعيَ الحثيثَ لإقناع الآخرين بها بشتّى الطُّرق، والتي مِن أهمِّهما إرهابُ المعترضين عليه بأنّ مخالفَتَه في هذه المسألة تعني القَدحَ الصريحَ في مَقامِ النُّبُوَةِ، وخَلْعَ ربقةِ الإسلام، فهذه بضاعةٌ لا تَنفقُ إلا عند الأغرارِ المُنغمسين في أَعماقِ التقليدِ المُظلمِ المَذموم لأناسٍ {ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104].
والناظرُ في هذه الدعوى يراها قائمةً على تفريقٍ طارئٍ بين متماثلاتٍ، لا يقومُ على أيِّ أساسٍ قويمٍ، وهو مخالفٌ لكلِّ ما تعارف عليه أهلُ الفِقه والفضلِ، والفَهمِ والعَقلِ، لكونِ الأنبياء عليهم السلام أنقى الناسِّ قلوبًا، وأطهرَهم ظاهرًا وباطنًا، وأبعدَهم عن كلِّ نقيصةٍ وهم عليهم السلام وإن تفاوتت منازِلُهم في الفَضلِ(544) إلا أنهم جميعهم يلتقون في ضَرورةِ إِبلاغِ ما بُعثوا بِه من رَبِّ العالمين، وعلى الوَجْه الذي أُمروا به في البَلاغِ، ممّا يَستلزمُ مصاحبةَ العِصمةِ لهم في هذا البلاغ، وتَمكينَ اللهِ عز وجل لهم في ذلك، ولذا كان إثباتُ العصمة الكاملةِ لبَعضِهم دون جميعِهم تَحَكُّمٌ لا
