عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)} [النمل: 23]، وبعدَ ذلك؛ وفي نِهايةِ المِطافِ، بَيَّنَ سُبحانه حالَ الجِنِّ لما تبيّن لهم موتُ سليمان، وهم الذين كانوا يَصِلونَ اللّيلَ بالنِّهارِ مِن أجلِ خِدمَتِه وتَنفيذِ أوامِرِه، قائلًا سبحانه: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)} [سبأ: 14]، أقول: لو استحضر المرءُ كلَّ هذه الآياتِ الكريماتِ المُبَيِّناتِ لحالِ الجِنِّ في دولةِ سُليمان عليه السلام، وتأمّل وتَفَكَّر في أحوالِهم وشؤونِهم هناك: هل كان سيخطُرُ بِبالِهِ أن سُليمانَ عليه السلام كان يراهُم على غَيرِ صورَتِهم الحَقيقيةِ التي خلقهم الله عليها؟ وهل سيتصوَّرُ القارئُ لكتابِ الله أنّ العفريتَ الذي عَرضَ على سليمان عليه السلام إحضارَ العرشِ العظيمِ بسرعة لا تخطُرُ على قلبِ أحدٍ من البشر على مرّ العصور: كان سيحضرُه له وهو على غير صورتِه الحقيقيةِ؟ أو أنّ الجنّ الذين سَخّرهمُ اللهُ لخِدمةِ سليمانِ عليه السلام كانوا يَظهرون له ويَعملونَ بين يديه بإذنِ ربّهم على صُورٍ غيرِ صُوَرهم الحَقيقيةِ؟
إن المُنصف مَع نفسِه ومع غيرِهِ، والعاقلَ في تفكيره: لا يستطيعُ أن يَدفعَ الصورةَ التي يُثبتها ظاهرُ القرآنِ مِن أنّهم كانوا مُسَخّرين للعمل تحت سلطان سليمانَ عليه السلام وهم على هيئاتهم الحقيقية، بل إن في قوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17]، أتمَّ البيان في تقسيمِ جيشِ سليمان عليه السلام لهذه الأصنافِ الثّلاثةِ؛ كلّ على حقيقَتِه وهيْئَتِهِ التي خَلَقَه اللهُ عليها: الجِنُّ على خِلقَتِهم، وكذا الإنسُ والطّيرُ،
