وإلا لو كانت صورة كلٍّ من الجنِّ والإنسِ واحدةً، لكانت القسمة ثنائيةً: إنسٌ وطيرٌ، وكان الإنس أنفسُهم ينقسمون إلى: إنسٍ في ظاهرهم وباطِنهم، وإنسٍ في ظاهرهم دون باطنهم، وهذا القسمُ الثّاني لا يَعْرِفُ ماهِيّتَهم، ولم يطّلعُ على حقيِقتهم إلا سليمانُ عليه السلام، وفي هذا مِن البُعد ما فيه، وما عهِدنا وقوعَ مثلَ هذا التّمويه في كتاب الله عز وجل المنزّل {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 195]، والله أعلم.
وقد صحّ عن غيرِ واحدٍ من أهلِ العِلم الثّقاتِ أنّهم رأوا بعضَ الجَنِّ على صورَتِه الحَقيقيةِ، فقال الخَطّابي: وقد رأينا غيرَ واحدٍ من ثِقاتِ أهلِ الزُّهدِ والوَرَعِ؛ وبلغنا عن غيرِ واحدٍ مِن أصحابِ الرِّياضاتِ؛ وأهلِ الصّفاءِ والإِخلاصِ مِن أهلِ المَعرفةِ؛ يُخبرون أنّهم يُدرِكونَ أشخاصَهم، فأما قولُ الله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]، فإنّ ذلك حُكمُ الأعَمِّ الأغلبِ مِن أحوالِ بني آدم، امتَحَنَهم اللهُ بذلك، وابتلاهُم لِيفزَعوا إليه ويَستعيذوا بِه مِن شَرِّهِم، ويَطلبوا الأمانَ مِن غائِلتِهِم، ولا يُنكَر أن يكونَ حكمُ الخاصِّ والنّادرِ مِن المَصطفينَ مِن عِبادِه بِخلافِ ذلك، فقد قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] وقال: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)} [الحجر: 40]، فأَخبرَ أنّهم لا يُسَلّطونَ على أوليائِه، ولا يَجِدون السّبيل إليْهم، وهذا المعنى كأنّه هو عِلَّةُ رؤيتِهِم إيّانا وعدمِ رؤيَتِنا إيّاهم، والله أعلَم، ورُوِّينا عن عُمرَ بنِ الخطّاب وأبي أيوب الأنصاريِّ وغيرِ واحدٍ مِن
