فلما ذكر الله المنافقين الذين استأذنوه في التخلف عن الجهاد في غزوة تبوك، وذمهم وهؤلاء كانوا من أهل المدينة، قال سبحانه: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97] فإن الخير كله ــ أصله وفصله ــ منحصر في العلم والإيمان كما قال سبحانه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ} [الروم: 56].
وضد الإيمان: إما الكفر الظاهر، أو النفاق الباطن، ونقيض العلم: عدمه.
فقال سبحانه عن الأعراب: إنهم أشد كفرا ونفاقا من أهل المدينة وأحرى منهم أن لا يعلموا حدود الكتاب والسنة، والحدود: هي حدود الأسماء المذكورة، فيما أنزل الله من الكتاب والحكمة، مثل: حدود الصلاة والزكاة والصوم والحج، والمؤمن والكافر، والزاني والسارق والشارب، وغير ذلك حتى يعرف من الذي يستحق ذلك الاسم الشرعي ممن لا يستحقه، وما تستحقه مسميات تلك الأسماء: من الأحكام»(179) .
فتبين من هذه النصوص، أن الأعراب قوم يتميزون عن غيرهم من الأصناف بسمات وخصائص، وهي: (الجهل، مع الغلظة والجفاء)، ومع ذلك فإن منهم قومًا من أهل الإيمان.
فأخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم
