وقل مثل ذلكَ بالنّسبة لقولِه تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29](204) ، فهذه الآيةُ الكريمةُ مِن سورةِ النّساء، وسورة النّساءِ كما هو معلومٌ مدنيةٌ، أي أنّها نزلتْ بعد هذه الحادِثةِ بسَنواتٍ وسنواتٍ.
وهذا أمرٌ أقربُ ما يكونُ للبَدَهياتِ، لو تَنَبَّه المظفّرُ لذلك لما وَقعَ فيما وَقعَ فيه، إذ لم يُعرف في طُرُقِ الاستدلالِ تَحريمُ الفِعلِ المتقدّمِ زمانًا بِنصٍّ مُتأخّرٍ عليه!
وهذا يعني: أن ما همَّ به النّبيُّ صلى الله عليه وسلم - لو صَحّ عنه - لم يكن قد نُهي عنه بَعدُ في شَرعِنا، وكلُّ ما صحّ مِن النصوص في النّهي عنه إنما جاء بعد ذلك.
وعليه: فإن لم يَكنْ قد ثبتَ تحريمُه شرعًا؛ فلا مؤاخذةَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك، إلا على قول مَن ادَّعى له العِصمةَ حتى قَبلَ مَبعثِه، ومن كلِّ صغيرةٍ وكبيرة، وفي هذا نقاشٌ كبيرٌ، يطولُ بنا المقامُ في تقريرِ خِلافِه، لكن يكفي في تقريرِه الوقوفُ على نَقلين مِن إمامين من أئِمة الإسلامِ، الأولّ: ما قالَه الإمام الباقلاني وأقرّه عليه الآمدي بنقله إياه ونقلِ موافقةِ جمهور الأصحابِ عليه، بل وبتصريحِه بتصحيحه، كما سيأتي، والثاني: هو قولُ شيخ الإسلام ابنِ تيمية، فأمّا قولُ الباقلانيّ فقد صدّره الآمديُّ عِند عرضِه لما ذُكر في عِصمةِ الأنبياءِ عليهم السلام، قائلًا: أمّا
