نُسب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ما لا يَخطرُ على قلبِ مسلمٍ قط.
لكن، لا بأسَ مِن القول بأن الاشتراكَ في المُصاب من أسبابِ تخفيف وقع المصيبةِ، ولمّا يعلمُ ذاك الرّجلُ - الذي فوجئَ بمصير أبيه، وولّى حزينًا - بأن مصيرَ أبيه هو مصيرُ أبي خير البشر، فلا بُدّ أن يَزولَ عنه الجزءُ الأكبرُ مِن الحُزْنِ، ولذا لمّا صدّق العقلاءُ هذا الخبرَ، وأنعموا النّظرَ في معناه وجدوا هذه المواساةَ بين ثناياهُ، وفي هذا يقول الإمامُ النّوويُّ: وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن أبي وأباك في النار» هو مِن حُسن العِشرةِ للّتسليةِ بالاشتراكِ في المصيبةِ(689) .
ولذا؛ لو تواضع المعترضُ وخَضَغ للحقّ، وسلّم بصحةِ إسنادِ هذا الخبرِ، وأدرجَ مَتْنَهُ مع مُسلّمات الشّريعةِ، ولم ينطلق في اعتراضِه عليه مِن رواسبَ خلافاتٍ عقديةٍ، لوقَفَ كما وقفَ غيرُه مِن العلماءِ العقلاءِ على جانبٍ مِن جوانبِ رحمةِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وحُسنِ مواساتِه وعظيمِ رِفْقِه بأصحابه - البعيدِ منهم والقريبِ، والمعروفِ منهم وغير المعروفِ -، ولَضَمَّ هذا الحديثَ إلى أمثالِه مِن نُصوصِ الشّريعةِ القاضيةِ بهذا المعنى العظيمِ، الذي عُرف به نبيُّ الرّحمةِ صلى الله عليه وسلم.
وقد نَقلَ المعترضُ نصّ الإمامِ النّوويِّ السابق في بيان حُسن مواساة النبيّ صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل، ثم أتبعه قائلاً: « نعم من حسن العشرة، لكن من غير مبرِّرٍ لكَسرِ قلبِه ببيانِ مصير أبيه، ثمّ تسليته » . اهـ.
