وهذا الاعتراض كان يمكن أن يكون له حظٌّ من نظرٍ له لو افترضنا أن الخَبر جاءَ بمناداةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم لرجلٍ مِن مكان بعيدٍ، دون أدنى مناسبةٍ، ومن ثُمَّ إخبارِه بأنه إنما ناداه ليُخبرَه بسوءِ مصيرِ أبيهِ، وأنه في نارِ جهنّم خالدًا فيها، فلَو كان سياقُ الخَبرِ هو هذا لقلنا باحتماليةِ وجاهةِ هذا التعقيب من السُّبحانيّ على كلام الإمامِ النوويّ رحمه الله، لكن الخبر جاء بخلاف ذلك، حيث جاء الرّجلُ نفسُه للنبيّ صلى الله عليه وسلم سائلًا له عن حال أبيه، فأجابه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذلك، وزاد بيانًا بأنّ كلّ مَن كان حالُه كحاله في الدنيا فمآله كمآله في الآخرةِ، وعُدّ هذا البيانُ مِن حُسنِ مواساتِه لذاك السائل، وإن كان السائلُ قد كُسر قلبُه - بحسب تعبيرِ المعترض -، فذلك بسببِ حِرصِه على مَعرفَةِ جوابِ سؤالِه الذي سأَلَه، ومع ذا؛ فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم ألحقَ ذلك بإخبارِه بالواقعِ القاضي بمماثلة مصيرَ أبيه مع مصير أبي السائل، لاشتراكهما في العلّة نفسِها، ألا وهي عدمُ الإيمانِ بالله العظيم.
ثم تابع السبحانيُّ اعتراضه بقوله:
إنّ الذين عاشوا بعد المسيح إلى حين بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على طائفتين، فمنهم من تمّت عليه الحجّة فلا شكّ انّه في نار الجحيم، وأمّا من لم تتم عليه الحجّة فهو ممّن قال سبحانه في حقّه: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكيم) (التوبة/106) فليس كلّ من عاش بين الفترتين في النار قطعاً، فهل كان والد السائل ممن تمت عليه الحجة؟
قلت:
