وأشير في هذا المقام إلى أن أهل العلم قد اختلفوا في الاحتجاج بروايات المبتدعة على أقوال: فمنهم من رد روايته مطلقاً لأنه فاسق ببدعته، ومنهم من قبلها إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه سواء كان داعية إلى بدعته أو لم يكن.
ومنهم من قبل رواية من لم يكن داعية لم يقبل من كان داعية إلى بدعته(405) .
ورد رواية المبتدعة هو المذهب الأصح في اعتقادي، لما فيه من الاحتياط للدين– لاسيما الغلاة منهم– لأنهم يسبون الصحابة ويكفرونهم، «والكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم»(406) .فمن كانت تلك حالهم فالكذب والصدق عندهم سيان، من فعلهما فهو في عبادة، ومن هذه حاله لا تقبل روايته كائناً من كان وفي أي حال من الأحوال.
الزنادقة
وكذلك عملت الزنادقة على محاولة دس المكذوبات في التاريخ الإسلامي وأكثروا من ذلك، فحينما تاب أحد الزنادقة من كفره كان يبكي ويقول: كيف تقبل توبتي وقد زورت أربعة آلاف حديث تدور في أيدي الناس(407) .
ويروى أن الخليفة هارون الرشيد أخذ زنديقاً فأمر بضرب عنقه، فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي يا أمير المؤمنين؟ قال: أريح العباد منك؟ قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها ما فيها حرف نطق به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
