الماضي؛ فضلا عن إضاعته للوقت، فإنه يجلب الإحباط واليأس في النفوس، التي تقعد عن العزيمة والنشاط في الحاضر، لذا كان مضيعا له، وكذلك بذل الوقت في أماني المستقبل التي لا تعدو كونها مجرد أحلام، مستهلكة الوقت الحاضر، مع عدم اقترابها من التحقق إذا ظلت في إطار الخيال.
قال ابن القيم: (فإن الاشتغال بالوقت الماضي والمستقبل يضيع الوقت الحاضر، وكلما حضر وقت اشتغل عنه بالطرفين، فتصير أوقاته كلها فواتا.
قال الشافعي — رضي الله عنه : صحبت الصوفية، فما انتفعت منهم إلا بكلمتين، سمعتهم يقولون: الوقت سيف؛ فإن قطعته وإلا قطعك. ونفسك إن لم تشغلها بالحق، وإلا شغلتك بالباطل.
وأيضا فالغيرة على التفويت تفويت آخر، كما يقال: الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر. ولذلك يقال: الوقت سيف، إن لم تقطعه، وإلا قطعك)(93) .
ولا يخفى على ذي لب أن المراد بالندم هو ما أشرت أيه آنفا، وليس الندم الذي هو إقرار بالتقصير، وعزم على التعويض، وليس كذلك مقصود ابن القيم بالانشغال بالمستقبل التخطيط والترتيب، وإنما الأماني الكاذبة المهلكة للأوقات، والله أعلم.
