فهرس
إِدَارَةُ الوَقْتِ
فِي تُرَاثِ الآلِ وَالأصْحَاب
تأليف
طارق بن محمد بن إبراهيم الطيار
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| مقدمة مبرة الآل والأصحاب | 11 |
| تمهيد | 15 |
| المقدمة | 26 |
| قيمة الوقت | 30 |
| أهمية الموضوع | 34 |
| التصنيف في الوقت وأهميته ليس وليد هذا العصر | 41 |
| تحديد المفاهيم | 42 |
| * أولا: الصحابي | 42 |
| نقل الإجماع على تفضيل الصحابة — رضوان الله عليهم أجمعين — على غيرهم | 45 |
| * ثانيا: آل البيت | 47 |
| * ثالثا: الوقت | 52 |
| * رابعا: إدارة الوقت | 55 |
| تحديد مناط البحث | 57 |
| الفصل الأول الوقت في الإسلام | 59 |
| المبحث الأول الوقت في القرآن |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| الكريم | 62 |
| * قسم الله تعالى بالزمان أو بجزء منه بيانا لشرف قدره وعظيم منزلته | 63 |
| * بيان أن الله تعالى وقت للناس زمانهم؛ إعانة لهم على أمور دينهم ودنياهم | 65 |
| * بيان أن الله تعالى أعان عباده على تنظيم أوقاتهم، وتخصيص كل وقت لما يناسبه | 65 |
| * بيان أن القدر الممنوح من الوقت للإنسان كاف للقيام بما أوجبه الله تعالى عليه | 67 |
| * تعين أوقات مخصوصة بالشرف ومضاعفة الأجور | 68 |
| * اقتران جملة من العبادات بعامل الوقت | 69 |
| المبحث الثاني الوقت في السنة النبوية المطهرة | 71 |
| * بيان أهمية الوقت، وأنه نعمة من أجلّ النعم، وأن ضياعه ومن أعظم الخسران | 71 |
| * بيان مدى مسؤولية الوقت | 72 |
| * الحث على استغلال أوقات النشاط في أداء الأعمال | 73 |
| * بيان ما جاء في السنة من: تنظيم الوقت وتخطيطه، وإعطاء كل شيء حقه وقدْره، وأن للنفس حقا أيضا | 74 |
| * بيان ما جاء في السنة من: تحديد الأهداف، وترتيب الأولويات، وتقديم الأَوْلى منها | 75 |
| * الحث على المبادرة بالأعمال قبل حصول الشواغل، واغتنام الفرص المتاحة | 77 |
| * بيان ما جاء في السنة من تعلق جملة من العبادات بعامل الوقت، وارتباطها به ارتباطا وثيقا | 78 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| * الحث على اغتنام الأوقات الفاضلة | 79 |
| * إعطاء الواجبات المستحقة والاحتياجات المتنوعة قدرها ومساحته المناسبة من الوقت | 80 |
| * المثابرة والمداومة على العمل، والأمر بأن يكلف الإنسان نفسه من الأعمال ما يطيق | 83 |
| * الاجتهاد في العمل، وبلوغ الدرجة العليا في ذلك | 84 |
| * عدم الانقطاع عن العمل بحال حتى لو علم الإنسان قرب نهايته | 85 |
| المبحث الثالث الوقت في التراث الإسلامي، ونظرة السلف له | 87 |
| * أهمية الوقت، والنظر له على أنه عمر الإنسان | 87 |
| * إدارة الوقت تبدأ بالتخطيط والتنظيم اليومي للعمل | 89 |
| * ذكر أوراد الليل | 91 |
| * الاعتناء بالوقت الحاضر، وعدم الانشغال بغيره، سواء بالتحسر على فوات الماضي أو أحلام المستقبل | 92 |
| المبحث الرابع سمات النظرة الإسلامية للوقت | 94 |
| * أولا: إعطاء قيمة عظمى للوقت | 95 |
| * ثانيا: الوقت أعظم من أن يضيع منه شيء | 96 |
| * ثالثا: الوقت يُحسب باللحظة ويعد بالأنفاس، ومحاسبة النفس تكون على هذا القدر منه | 97 |
| * رابعا: لكل واجب من الواجبات، وكل حاجة من احتياجات النفس وقتها المقدر لها | 98 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| * خامسا: الحث على المداومة على العمل بلا انقطاع ولا فتور | 100 |
| * سادسا: الموازنة والاعتدال في تقسيم الأوقات | 100 |
| * سابعا: طلب الأجر في كل لحظة حتى ما كان منه للنوم والراحة | 101 |
| * ثامنا: مراعات اختلاف الأحوال بين الناس | 102 |
| * تاسعا: الوقت الممنوح للإنسان كفيل بتحقيق الأعمال المنوطة به | 103 |
| * عاشرا: المباركة في الوقت عموما، وفي أوقات بعينها خصوصا | 103 |
| * حادي عشر: تكليف النفس بما تطيق من العمل | 106 |
| * ثاني عشر: ضياع الوقت ضياع لما وجب فيه من العمل | 107 |
| الفصل الثاني إدارة الوقت في تراث الآل والأصحاب | 109 |
| المبحث الأول أهمية الوقت عند الآل والأصحاب، ونظرتهم إليه | 112 |
| * الوقت محل للتسابق والمنافسة في الخيرات | 114 |
| * مراعاة الدقة في المواعيد | 115 |
| * مرور الوقت في الحقيقة نقصان من العمر واستهلاك له | 118 |
| * بذل الوقت في الغالي والنفيس | 119 |
| * التحفيز على عدم إضاعة الوقت | 119 |
| * محاسبة النفس مخافة ضياع الوقت في غير نفع | 120 |
| * حساب الوقت وساعات الليل والنهار | 122 |
| المبحث الثاني استثمار الوقت وعدم إضاعته | 123 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| * الاستفادة من الوقت بعمل الخيرات على كل حال | 123 |
| * الأمر بالمحافظة على الوقت، والنهي عن إضاعته | 124 |
| * الحث على سرعة القراءة مع الإتقان اختصار للأوقات والحفاظ عليها | 126 |
| * بغضهم إضاعة الوقت، أو استحقار شيء من الأعمال | 127 |
| * عدم الاكتفاء بالأقوال الجوفاء التي لا عمل يصدقها | 129 |
| * الإلمام بشؤون الحياة المختلفة والمشاركة فيها | 130 |
| المبحث الثالث تخطيط الوقت وتنظيمه | 132 |
| * تقسيم الوقت | 134 |
| * التنظيم والتخطيط اليومي للعمل | 136 |
| * توزيع الوقت بين المهام المختلفة | 138 |
| * التعاون وتقسيم العمل وتكليف الغير ببعض المهام لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة من الوقت | 140 |
| * تحديد الأولويات وتقديم الأَوْلى فالأَوْلى | 142 |
| المبحث الرابع اختيار الوقت المناسب للعمل مع مراعاة اختلاف الأحوال | 145 |
| المبحث الخامس تفريغ الوقت والجهد للأعمال العظام | 149 |
| المبحث السادس اغتنام أوقات الشباب والمعافاة | 152 |
| الفصل الثالث فقه الآل والأصحاب في إدارة الوقت | 159 |
| المبحث الأول تكليف النفس بما |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| تطيق | 162 |
| المبحث الثاني مراعاة كافة جوانب الحياة | 167 |
| المبحث الثالث المسابقة والمنافسة في اغتنام الأوقات | 173 |
| المبحث الرابع تحري الأوقات المخصوصة | 182 |
| المبحث الخامس المحاسبة والمراجعة للنفس | 186 |
| المبحث السادس إعطاء النفس حظها من الراحة والترويح لاستعادة النشاط | 190 |
| المبحث السابع المداومة وعدم الانقطاع | 196 |
| الفصل الرابع فقه الآل والأصحاب في التعامل مع مضيعات الوقت ومعوقات إدارته | 201 |
| المبحث الأول الكسل | 204 |
| المبحث الثاني التسويف | 212 |
| المبحث الثالث بذل الوقت فيما لا نفع فيه أو فيما غيره خيرٌ منه | 217 |
| الخاتمة | 223 |
| المصادر والمراجع | 225 |
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة مبرة الآل والأصحاب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين الغر الميامين، أما بعد؛
فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه.
وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]، وقال عز وجل: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ﴾ [الممتحنة: 6]، وقال عقب ذكر صفوةٍ من رسله وأنبيائه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: 90]، وقال عزّ مِن قائل: ﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل.
والواجب على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغم مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخز به من تحدياتٍ عظيمة. فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدى ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في جميع المجالات بأدواتها ووسائلها.
ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبيقًا وتفعيلًا؛ خيرًا مما نجده عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيار وأهل بيته الأطهار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة.
وقد أخذت مبرة الآل والأصحاب كعادتها على عاتقها مهمةَ تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛ لكونها مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها بفضل الله الريادة في ذلك
المجال.
وقد كان أصل هذا المشروع الذي بين أيدينا فكرةً من قِبل رئيس مجلس إدارة المبرة د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي تتضمن توسيع نطاق الأبحاث المتعلقة بالآل والأصحاب لتضمّ مجالات جديدة ورحابًا أوسع ولا تقتصر على الموضوعات الدينية المألوفة، ثم أوعز بهذه الفكرة وبعض عناصرها إلى مركز البحوث والدراسات بالمبرة؛ فقام المركز مشكورًا مأجورًا بوضع خطة طموحة تتضمن العديد من الموضوعات الهادفة، العلمية والعملية؛ التي نستهدف أن نستضيء فيها بتراث الآل والأصحاب، ونكشف عن ملامح تطبيقهم الوحي على جميع الأصعدة والأنحاء، بشكل يتجلّى فيه الجانب الإبداعي من تخصص المبرة في خدمة تراث الآل والأصحاب، و«التخصص يقود إلى الإبداع» بحمد الله وتوفيقه، بحيث نقدم للمكتبة العلمية والدعوية تجميعًا غير مسبوق لبعض الجوانب الدقيقة في تراث الآل والأصحاب؛ ومِن ثَمَّ نسَّق المركز مع مجموعة من الباحثين ليقدموا جهودهم في تحويل تلك الأفكار والموضوعات إلى أبحاث علمية وفق منهجية مركز البحوث والدراسات المنضبطة، القائمة على التحقيق العلمي، والاستدلال الصحيح، والاسترشاد بكتب أهل العلم السابقين والمعاصرين، واستمر جهد المركز في متابعة الأبحاث ومراجعتها وتعديل ما يحتاج منها إلى تعديل، عبر خلية عمل تفرغت للمشروع تحت إشراف رئيس مركز البحوث والدراسات الشيخ محمد سالم الخضر مباشرة، فالشكر موصول لجميع الباحثين الكرام في المركز.
ثم تضافرت جهود أقسام المبرة الأخرى كقسم الإعلام في إتمام العمل بتنسيق الكتب وإخراجها حتى تمويلها لطباعتها؛ فكانت هذه السلسلة من الموضوعات، التي تندرج في سلسلة (تراث الآل والأصحاب)؛ ثمرةً لهذا التعاون المبارك.
وقد أرفقنا في ذيل هذا الكتاب قائمةً بعناوين هذه المجموعة المتكاملة من الموضوعات الدقيقة والمهمة في تراث الآل والأصحاب.
ولأنه لم يشكر اللهَ مَن لمْ يشكر الناس، فإننا نود التوجه بالشكر والتقدير للإخوة الأعزاء في جمعية الشيخ عبد الله النوري الخيرية على تبنيهم طباعة هذا الكتاب، وتكفلهم بتكلفته المالية، فهذا ليس بأول مساعيهم الطيبة لنشر الدعوة الإسلامية الوسطية، والشيء من معدِنه لا يستغرب، وهذا مثالٌ حَسَنٌ على تعاون الجمعيات والمبرات الأهلية في مجال الدعوة ونشر الثقافة الإسلامية.
نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجمع لنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
مبرة الآل والأصحاب
تمهيد
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه، وأثني عليه الخير كله، لا نحصي ثناء عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، وعلى آله الطيّبين الطّاهرين، وأصحابه الغر المحجلين، صلاة وسلامًا تملآن ما بين السماء والأرض نورًا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الله عز وجل لم يخلق الإنسان عبثًا؛ تعالى سبحانه عن ذلك علوًا كبيرا، وإنما خلقه لغاية عظيمة، قد أخبرنا بها جلّ شأنه حين قال: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ٥٦ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ٥٧﴾ [الذاريات: 56]، وهي غاية ما أعظمها وأشرفها على الإطلاق، ومن أجل عظم هذه الغاية وشرفها، ولإعانة الإنسان على أدائها على أحسن وجه سخر الله تعالى له ما سخر من خلقه العظيم في السموات والأراضين، وآتاه من نعمه ما لا يحصى؛ فقال سبحانه: ﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَة﴾ [لقمان: 20]،
وقال أيضا: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ٣٢ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ٣٣ وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ﴾ [إبراهيم: 32 34]، وغير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى سخر للإنسان من المخلوقات العظيمة ما يعينه على القيام بالغاية التي خلق من أجلها، وأن يكرس جهده ويعقد عزمه على الوفاء بها، ويصرف فيها من عمره ما يتناسب مع قدرها؛ فهي غاية حري بها أن ينفق فيها جميع عمره.
ومن أجل تحقيق هذه الغاية العظمى على الطريقة المثلى، وإقامة الحجة على الخلق، وبيان المثال الذي يحتذى به، أنزل الله تعالى الكتب، وأرسل الرسل إلى الناس مبشرين ومنذرين، يعلمونهم كيف يعبدون ربهم، وما هو السبيل الذي يسلكونه إليه، والوسيلة التي يتقربون بها إليه سبحانه، فقال تعالى في ذلك: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا١٦٥﴾ [النساء: 165]، وقال سبحانه: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُم﴾ [إبراهيم: 4]، وقال: ﴿وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ٦٤﴾ [النحل: 64].
هذا، وقد وهب الله تعالى للإنسان مقدارًا من الزمان وهو عمره ووقته الذي يمضيه في هذه الحياة ليمَكِّنه من أداء تلك المهمة المنوطة
به، على الوجه الذي عُلِّم، من خلال رسل الله له، والوحي الذي نزل عليهم بما يريده الله منهم، فوهبه سبحانه ذلك القدر من الزمان ابتلاء واختبار له؛ فيتبين أيهم أحسن عملا، كما أوضح سبحانه ذلك في كتابه: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ﴾ [الملك: 2]، فيتحقق بذلك إعمار الأرض، وطمأنينة النفس، فيحصِّل الإنسان من النجاح الدنيوي والأخروي إن شاء الله تعالى بقدر ما بذل، بكيفية إمضائه ذلك العمر.
وكان في هذا القدر من الزمان الممنوح للإنسان ما يكفي ليكون محلا للفلاح في هذا الاختبار، فإن الله تعالى قال: ﴿أَوَ لَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ﴾ [فاطر: 37]، فتبين أن القدر الممنوح من العمر لكل مكلف كان فيه الكفاية لتحصيل ما هو منوط به من العمل الكافي لفلاحه.
وقد اتفقت دعوة الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام على عبادة الله تعالى وحده، واجتناب عبادة غيره سبحانه، وعلى الأمر بطاعة الله تعالى فيما أمر والانتهاء عما نهى، وأن ذلك كله هو الهداية الحقة، ومخالفته هو الضلال المبين: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُ﴾ [النحل: 36]؛ فمن أحسن فيما كُلف به جُزي بالحسنى كما أخبرنا ربنا سبحانه وتعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ﴾ [الزمر: 10]، ولا يتأّتَّى ذلك إلا بالاستغلال الأمثل لذلك القدر الممنوح من الزمان، وإنفاقه بالطريقة
المثلى في العمل النافع في الدين والدنيا، فيُحصل الإنسان أفضل الجزاء في الدارين، فكل إنسان يحقق كمًّا من الإنجازات بقدر ما أحسن استغلال ما وُهب له من العمر وسائر النعم.
وكل عمل يعمله الإنسان يستغرق قدرا من الزمن، وهذه القدر الذي ينفقه في ذلك العمل — خيرا كان أو شرا — هو الوقت، ومجموع هذه الأوقات يشكل عمر الإنسان، فكلما أحسن في إنفاق وقته كلما أحسن في استغلال عمره، وكلما ازدادت إنجازاته، وعظمت، وارتفعت درجته في الدارين، وذلك كله راجع لحسن تنظيم وقته وتوزيعه على جميع شؤنه، أو قل: حسن إدارته لوقته.
وحسن إدارة الإنسان لوقته لا يأتي من فراغ، إنما يكون بحسن التخطيط والتنظيم، وحسن الاستغلال، مع وضوح الأهداف والغايات، وبذل الجد والاجتهاد في السير على هذه الطريق إلى بلوغها، فعليه أن يحسن في ذلك كله ويبذل قدر ما يستطيع، ويسلك كل السبل المتاحة للوصول إلى أقصى إفادة ممكنة من هذه الحياة.
ولما كان الإنسان بحسب طبيعته وما جبل عليه ليس كاملا، وإنما يسعى من رُزق الهداية والحكمة إلى الكمال، فهو بحاجة إلى أسوة يتأسى بها، وأمثلة يَحْتذي بها، فيكون سابقوه في سلوك الدرب غالبا قد بلغوا الغاية المنشودة، وسلكوا السبيل الأقوم، فيكونون له نبراسا ودليلا يهتدي به، فيسير بسيرتهم، ويمشي على خطاهم، فيلحق
بركبهم، ويصل إلى ما وصلوا إليه.
وإذا كنا بصدد البحث عن القدوة والأسوة فلا نجد أفضل ممن زكاهم الله سبحانه وتعالى، ورسوله — صلى الله عليه وسلم — من الصحابة الكرام، فهم خير الناس علما وعملا، وخير الناس قولا وفعلا، وهم أيضا خير الناس قرنا(1) ، وآل البيت الأطهار الأبرار، الذين ذكر الله تعالى طهارتهم في كتابه الكريم، حيث قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا٣٣﴾ [الأحزاب: 33].
فمن هذا المنطلق جاءت فكرة هذا البحث: إِدَارَةُ الْوَقْتِ فِي تُرَاثِ الْآلِ وَالْأَصْحَاب؛ فالوقت أثمن ما يملكه الإنسان؛ إذ هو عمره، وحري أن يعطى القدر الأكبر والنصيب الأوفر من الاهتمام بالبحث والتحقيق، أما الآل والأصحاب فإنهم خيرة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، الذين أقاموا الدين وبلّغوه، وأفضل من عمل به بعد النبي — صلى الله عليه وسلم ، وفهمهم له خير فهم، وتطبيقهم له أحسن تطبيق، شهد الله لهم بالرضا على ما قاموا به، وأعلمنا سبحانه نيلهم الجزاء الحسن على ذلك، كما أثبتت السنون حسن صنيعهم، وغزارة إنتاجهم، فاستحقوا أن يكونوا نبراسا وقدوة لمن جاء بعدهم، فكانت خيرية البحث في طرفيه.
هذا، وقد أوصت مبرة الآل والأصحاب بارك الله في سعيها
بهذا العمل، ليكون نافذة يرى منها طالب الحق صنيعهم وآثارهم في هذا الباب، فيهتدي بهديهم من أراد السير بمسيرتهم، ورام القدوة الحسنة، والمثال الذي أثبتت الأيام فوز صاحبه.
وقد قمت بالنظر في تراث الآل والأصحاب، لاستخراج هذا البحث، فأخذت من سيرهم وتراجمهم، وما أثر عنهم من أقوالهم وأفعالهم؛ مما سطره أهل الأثر والمؤرخون عنهم، وكان من الصعوبة التي واجهتني في البحث أن الموضوع يشمل كل مناحي حياتهم؛ إذ الوقت هو العمر كله، وينفق كذلك في جميع جوانب الحياة؛ إذ هو وعاء لكل ما يقوم به المرء من أعمال؛ دينية ودنيوية، أو روحية ومادية، فلا يقتصر الأمر هنا على تناول جانب علم أو جهاد أو عبادة من العبادات أو عمل من أعمال الدنيا كالتجارة أو الصناعة والحرفة، بل جميع اليوم وما فيه من أعمال، والعمر كله وما يشمله من أحداث داخل في إطار البحث من هذا المنطلق؛ إذ يشمل تخطيط الوقت القدر الذي أخذ منه للعمل والجد كما يشمل ما أخذ منه للراحة والترويح — كما سيتبين إن شاء الله ، فكان لزاما أن يشمل البحث جل نواحي حياتهم، وجميع أعمالهم في يومهم وليلتهم، مما يجعل رقعة البحث واسعة لتشمل ذلك كله، ولنرى كيف أداروا أوقاتهم؛ فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من الفوز العظيم بالجزاء والعطاء الوفير، والثناء الجميل، والذكر الحسن، وبلوغ الغاية في الدارين، رضي الله عنهم أجمعين.
هذا، وقد جاء البحث في مقدمة وأربعة فصول، وخاتمة،
وتفصيل ذلك على الوجه التالي:
المقدمة: أستهل بها البحث، وأمهد لموضوعه، تناولت فيها بعض المسائل المتعلقة بالبحث منها: الكلام إجمالا عن والوقت وقيمته، وأهمية موضوع البحث، وكون التصنيف في هذا الباب ليس وليد هذا العصر، ثم تحديد المفاهيم، وتعيين مناط البحث.
الفصل الأول: الوقت في الإسلام.
ويتضمن الكلام على الوقت، وقيمته في الإسلام، وبيان ذلك من الكتاب والسنة، وفي التراث الإسلامي، وفيه مباحث:
المبحث الأول: الوقت في القرآن.
المبحث الثاني: الوقت في السنة.
المبحث الثالث: الوقت في التراث الإسلامي، ونظرة السلف له.
المبحث الرابع: سمات النظرة الإسلامية للوقت.
الفصل الثاني — وهو مع الفصول التي تليه لب البحث ومداره : إدارة الوقت في تراث الآل والأصحاب.
ويتضمن التطبيق العملي، وتنزيل الوارد عن الآل والأصحاب من الآثار على مباحث إدارة الوقت التي ذكرها المعاصرون في تصانيفهم، وفيه مباحث:
المبحث الأول: أ
همية الوقت عند الآل والأصحاب، ونظرتهم إليه.
المبحث الثاني: ا ستثمار الوقت، وعدم إضاعته.
المبحث الثالث: تخطيط الوقت وتنظيمه.
المبحث الرابع: لكل وقت عمله المخصص له.
المبحث الخامس: مراعاة كافة الحقوق والواجبات في تعاملهم مع الوقت.
المبحث السادس: الاجتهاد عموما وبذل المزيد منه في أوقات مخصوصة طلبا لمزيد من الأجر والمثوبة.
المبحث السابع: المسارعة في الخيرات، وهي من مميزات النظرة الإسلامية للوقت.
المبحث الثامن: ا غتنام أوقات الفراغ والصحة والشباب.
المبحث التاسع: تحري الأوقات الفاضلة والمخصوصة.
المبحث العاشر: إ عطاء النفس حظها من المرح واللهو المباح لتجديد النشاط.
المبحث الحادي عشر: آخر العمر محل الاجتهاد ومضاعفة الأعمال وليس وقت الراحة.
الفصل الثالث: فقه الآل والأصحاب في إدارة الوقت.
نتناول فيه طريقتهم في إدارة الوقت، والأسس التي ساروا عليها في التعامل مع الوقت، وفيه مباحث:
المبحث الأول: تكليف النفس بما تطيق.
المبحث الثاني: مراعاة كافة جوانب الحياة.
المبحث الثالث: المسابقة والمنافسة في اغتنام الأوقات.
المبحث الرابع: تحري الأوقات المخصوصة.
المبحث الخامس: المحاسبة والمراجعة للنفس.
المبحث السادس: إعطاء النفس حظها من الراحة والترويح لاستعادة النشاط.
المبحث السابع: المداومة وعدم الانقطاع.
الفصل الرابع: فقه الآل والأصحاب في التعامل مع مضيعات الوقت، ومعوقات إدارته.
نتناول الكلام على مضيعات الوقت التي تعوق إدارة الوقت، وفقه الآل والأصحاب في التعامل معها، وتحذيرهم منها، يتركز الكلام فيه على ثلاث معوقات رئيسية، تعد هي لب معوقات إدارة الوقت، وفيه مباحث:
المبحث الأول: الكسل.
المبحث الثاني: التسويف.
المبحث الثالث: بذل الوقت فيما لا نفع فيه، أو فيما غيره خير منه.
ثم خاتمة البحث .
ثم قائمة المصادر والراجع.
ثم فهرس الموضوعات.
هذا وكان من طريقتي في العمل جمع الآثار الواردة عن الآل والأصحاب الكرام — رضي الله عنهم — مما يحمل المعاني المشتملة على موضوع البحث، ويبرز جوانب إدارة الوقت فيها، جمعا يتناسب مع حجم البحث والمراد منه، ولم أتوسع في الكلام على الآثار الواردة؛ إلا ما كان منها عن رسول الله — صلى الله عليه وسلم ، أو بعض الآثار اليسيرة التي اشتملت على حدث تاريخي، أو واقعة بعينها، وما دون ذلك فجاء الكلام عليه باختصار، وربما كان في الأثر بعض الضعف في سنده، إلا أننا نذكره من باب الإشارة للمعنى الذي تضمنه؛ مما هو مرتبط بموضوع البحث، وأن تلك المعاني — على أقل تقدير — كانت متداولة في تلك الحقبة من الزمان.
كما أن المباحث التي تضمنها البحث راعيت فيها أن تكون على نفس المنوال المتداول في الأبحاث المعاصرة — وهي كثيرة — في باب إدارة الوقت، وقد استفدت من بعضها، وذكرت ذلك في موطنه.
أسأل الله تعالى التوفيق والسداد، وأن يجازي القائمين على مبرة الآل والأصحاب الأجر العظيم؛
على جهدهم في نشر الخير، والحث عليه، وإظهار نماذجه المشرقة في أبواب شتى، كما أرجوه سبحانه أن يرزقني الإخلاص والتوفيق والسداد، وأن يتجاوز عن الخطأ والتقصير؛ إذ هو دأب كل عمل بشري، خاصة في مثل هذه الأعمال التي تتسع رقعة البحث فيها؛ فإن البحث في سير هؤلاء العظام واستخراج الدرر منها بحر لا ساحل له، ولا يحيط به إلا الله تعالى، فربما كان في سيرة الواحد منه ما يستحق المؤلفات العظام في عدد من فروع المعرفة، ثم لا يوفّى بعد ذلك حقه، والله الموفق والمستعان.
وكتب الفقير إلى عفو ربه سبحانه
طارق بن محمد بن إبراهيم الطيار
المقدمة
الوقت بالنسبة للإنسان هو ذلك القدر من الزمان الذي يمضيه في عمل ما، وهو أيضا الأيام والسنون التي يمضيها في حياته الدنيا، فهذا الزمان في مجموعه هو عمر الإنسان، قال ابن القيم: (وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة)(2) ، فالوقت هو العمر، وهو الحياة.
والوقت — الذي هو عمر الإنسان — إن ضربنا له مثلا، فهو أشبه بموسم الزرع، خاصة في مقتبل العمر، ووقت الشباب، فلا يزال يحسن فيه حتى تأتي بدايات موسم الحصاد في حياته الدنيا، إلى بلوغ ذروته في الآخرة، فالعاقل من أحسن الزرع لتحسن الثمار؛ إذ لا حصاد بلا زرع، ولا ثمرة بلا جهد، فالوقت هو المحور الرئيس في حياة الإنسان، فكل شيء تعلق بالإنسان تعلق تبعا بقدر من وقته وعمره.
والوقت أثمن من المال بالنسبة للإنسان، فالمال الذي يجمعه الإنسان بكده يمكن تعويضه إن فاته منه شيء، وربما حصل عليه بلا أدنى جهد منه كما في حالة الميراث والهبة مثلا بخلاف
الحال مع الوقت؛ فهو غير متجدد، وما مضى منه لا يرجع، وما يفنى منه لا يُعوَّض بشيء، ولا يُوهب منه شيء، ولو كان يسيرًا، ولا يُورَّث. وهو أيضا سريع الانقضاء، ولا يمكن التغير أو التعديل فيه بحال، فكل مقدار منه يمر فهو يأخذ من عمر الإنسان بمقدار ما مر، لذا فالوقت من أهم الموارد وأنفسها بالنسبة للإنسان، بل هو المورد الأهم على الإطلاق، لذا كان أثمن ما يملكه الإنسان. وعليه فإنه ليس حكيما على الإطلاق من أضاع وقته، ولم يشغله بما ينفعه، وقد قال ابن وهب رحمه الله لا يكون البطّال(3) من الحكماء(4)
وهذه المعاني ليست على مستوى الأفراد فحسب، بل على مستوى الأمم كذلك، فالوقت في الأهمية للأمم كما هو للفرد، وفي هذا المعنى يقول د. عبد الكريم بكار: (حجم استغلال الوقت، والاستفادة منه من أهم العلامات الفارقة بين الأمم المتقدمة والأمم المتخلفة، وبين الأشخاص الناجحين والأشخاص العاديين، ويمكن للمرء أن يقول — وهو مطمئن : إنه ليس هناك ناجحون في الحياة على نحو ظاهر لا يهتمون بأوقاتهم)(5) .
لذا كان من أضاع وقته بلا فائدة محل ذم شديد وانتقاص ووعيد، فقد
روي أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يكرر موعظة كل خميس، وكان مما فيها: وإن من شرار الناس بطال النهار جيفة الليل(6)
وترجع نفاسة الوقت وأهميته إلى أنه الإطار الحتمي الذي يدور في فلكه كل عمل يقوم به الإنسان، إذ لا يتصور وقع أي عمل من الأعمال خارج إطار الزمن، فلابد لأي فعل أن يستهلك قدرا من الزمان؛ لهذا كان الوقت أهم وأنفس ما وهبه الله تعالى للإنسان، وكل شيء وُهب للإنسان فأحسن استخدامه جنى أطيب ثماره، وإن كان على خلاف ذلك فأقله ضياع ما وهبه الله تعالى من النعم هباء، وربما تسبب له فيما هو أشد من ذلك.
وتبرز قيمة الوقت والاستخدامِ الأمثل له من تفاوت ما يحصِّله الناس بمرور الوقت عليهم؛ إذ جميعهم يملكون في يومهم أربعا وعشرين ساعة، لكن النتائج المترتبة على ذلك تتفاوت تفاوتا عظيما بقدر تفاوت أقدار الناس أنفسهم، لذا كان لزاما عليهم حسن استغلال أوقاتهم، أو قل حسن إدارة أوقاتهم، فحسن الإدارة هو حسن التخطيط والتنظيم، والاستغلال الأمثل للموارد والطاقات، مع اعتبار الغايات القريبة والبعيدة، بالصورة
التي تضمن أفضل النتائج المترتبة على ذلك.
فلُبّ الأمر حقيقة ليس في مقدار الوقت المتوفر، ولكن في كيفية إدارة هذا الوقت، وحسن توزيع القدر المتاح منه على المهام المنوطة بالإنسان، والغايات التي يسعى إليها، والحاجات والمسؤوليات المتعلقة به، نعم توفر الوقت مهم، لكن ما يفوقه أهمية هو كيفية إدارة هذا الوقت، وحسن توزيعه.
قيمة الوقت
إن العمر ذاك المورد غير المتجدد وعاء لجميع الممارسات التي يقوم بها الإنسان طوال حياته، وهو رأس المال الحقيقي له، فوجب الحفاظ عليه بقدر الحفاظ على الحياة نفسها، لأنه هو الحياة حقيقة، وتبرز قيمة الوقت حين تراه أول ما يندم عليه الإنسان حين يرى أن حياته أوشكت على النفاد، فيتحسر على فواته في مضرة أو في غير منفعة، فبين قائل: ﴿رَبِّ ٱرۡجِعُونِ٩٩ لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ﴾ [المؤمنون: 99 100]، وآخر يقول: ﴿رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ١٠ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ﴾ [المنافقون: 10 11]، فهي أمنية محال تحقيقها(7) فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن لا يرجع الزمان بأحد، وقد
منح منه القدر الكافي لإنجاز ما كان مطلوبا منه إنجازه، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر 37]، فليته أحسن فيه قبل هذا التحسر والندم.
فالوقت هو العمر، ومكانته تضاهي مكانة الحياة نفسها؛ فهو منحة ربانية للإنسان، وهبها له ليُحسن استغلالها، فإن أحسن جُزي بالإحسان إحسانا، وإلا فلا يلومنّ إلا نفسه.
ويجب على الإنسان أن يتعامل مع الوقت بحذر شديد؛ إذ هو يمر بلا توقف، لا في حال حركة الإنسان ولا سكونه، فالوقت نفسه في حال حركة لا تنقطع، وسير في اتجاه لا يرجع منه، وليس للإنسان مقدرة لأن يُحدث فيه تعديلا، لا بزيادة ولا نقصان، ولا أن يقلل من سرعة مروره، أو أن يعَجِّل فيها، وكذلك الأمم مهما كانت قوتها وقدرتها لا تستطيع أن توقف مرور الزمان، قال الله تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: 11]، وقال أيضا: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ٣٤﴾
[الأعراف: 34]، غير أن الله تعالى امتن على الإنسان بأن وهبه القدرة على الاستخدام الأمثل للوقت، والمقدرة على إدارته وحسن التخطيط له، ومن هنا فإن الإجراءات المتبعة لتحقيق ذلك ليست من باب التغير في طبيعة الوقت، إنما تكون فقط من جهة حسن التعامل معه، فإدارة الوقت الناجحة تساوي حياة ناجحة، ونتائج أعظم قدرا وأجل أثرا ونفعا، كما أنها تمنح مساحة عريضة لكثير من الممارسات والأعمال التي لا يكاد يحصِّل مثلها من انعدمت أو ساءت إدارته لوقته، وفي المقابل يعد عدم التخطيط والتنظيم من أهم أسباب إهدار الوقت وضياع العمر.
فعلى الإنسان أن يعطي للوقت القدر الذي يستحق من الاهتمام، وأن يعمل على استغلاله على الوجه الأكمل، وأن يشغل جميع أوقات فراغه بالنافع، ويغتنم الأوقات الأكثر نشاطا، فقد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إن للقلوب شهوة وإقبالاً، وفترة وإدباراً، فخذوها عند شهواتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها)(8) ولا يهملنّ في أمر وقته فيهدره، ويضيع العمر، وتهذب الحياة بلا نفع، فإنه إما منشغل بالنافع، أو فارغ بلا هدف، لا ينفع نفسه ولا غيره، فمثله عالة على غيره، حري به أن يكون بغيضا، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إني لأمقت الرجل لا
أراه في شيء من الدنيا أو الآخرة)(9)
وليس معنى ذلك أنه لا حظ للنفس، أو أنه ليس على إنسان أن يعطيها قدرا من الراحة والترويح، بل إن إعطاءها حظها من الترويح، وإعطاء البدن حقه من الراحة لهو من جملة التخطيط والتنظيم الجيد للوقت والحياة؛ فتواصل النفس نشاطها بلا ملل ولا ضجر، قادرة على التحمل، مواصلة مسيرة البذل بجد واجتهاد، فكان أبو الدرداء — رضي الله عنه — يقول: إنّي أستجمّ ببعض الباطل(10) ليكون أنشط لي في الحق(11) .
أهمية الموضوع
فإذا كان للوقت هذا القدر من الأهمية وجب إعطاؤه مقدرا مماثلا من الاهتمام، فإدارة الوقت الهدف منها أن يُعطى كل من الواجبات، والغايات، والاحتياجات ذلك القدر من الوقت والجهد الذي يستحقه، من غير أن يطغى على غيره، أو يؤثر فيه سلبا، ما لم تدعو ضرورة لخلاف ذلك، وهذه العملية من الأهمية بمكان؛ فإن مسار الحياة مترتب عليها.
إن مسألة إدارة الوقت من المسائل التي شغلت العالَم المعاصر بقدر كبير، حيث تأكد لصنوف المنشغلين بألوان الحياة قيمة الوقت، وأهمية إدارته، فالعالِم والتاجر والصانع والسياسي والمفكر والطالب وغيرهم قد أصبح ذلك جليا لهم، حتى أنه يمكننا القول بأن مسألة إدارة الوقت صارت صيحة العصر، وسمة لهذه الحقبة، وكما قال مطرف بن عبد الله العامري: (عقول الناس على قدر زمانهم)(12) .
ومع تسابق الأمم والبلدان إلى مكان الصدارة، والنهوض بالمجتمعات كان لزاما عليهم أن يولوا مسألة إدارة الوقت قدرها المناسب، وكان أيضا
لزاما على كل أمة أن تبحث عن مصادر ومناهج وأفكار تخرج منها بالنموذج الأمثل لإدارة الوقت.
هذا، وتختلف نظرة الناس تجاه الوقت باختلاف رؤيتهم له، فنظرة التاجر بخلاف نظرة العابد، وكلاهما على خلاف نظرة الفارغ، وكذلك تختلف مناهجهم في التعامل معه باختلاف الأفكار والفلسفات والمعتقدات التي تشكل — على وجه الحقيقة — البناء النفسي والعلمي والعقدي للإنسان، والذي ينبني عليه الجانب النظري والعملي في تعامل الإنسان مع الأشياء، وعموم نظرته للحياة، والمناهج المتبعة فيها، فالنظرة الغربية للوقت على خلاف نظرة الإسلام، والنظرة الاقتصادية البحتة على خلاف النظرة الإنسانية، فكل يراعي القضايا التي تشغله ويهتم بها، وذلك لاختلاف الأفكار والفلسفات التي بنيت عليها.
ومع الاختلاف في أنظار الناس للوقت، ووجهاتهم في تعاملهم معه وجب على العاقل أن يأخذ بأحسنها وأنسبها له، وأكثرها مراعاة للجوانب المختلفة للإنسان في حياته، وإن الله تعالى كفل لنا هذا الجانب، أعني جانب المعتقدات والأفكار وبناء النظرة العامة التي يُصاغ منها نظرة الإنسان لوقته الذي هو عمره على الحقيقة وللحياة عموما، والتي من خلالها يبني المسلم منهجه وطريقته في التعامل الأشياء، فإننا نجد أن نظرة الإسلام للوقت فيها تعظيم كبير لقيمته، من جهة أنه الفرصة المتاحة له للسعي لربح عظيم في الدارين، فلا هو ذو نظرة دنيوية بحتة، ولا رهبانية منقطعة عن الدنيا، فإن الوقت قد أعطي قدرا كبيرا من الأهمية في الإسلام؛
فكم من الآيات الدالة على ذلك، والصور المختلفة لهذا التعظيم لشأنه كما سيأتي بيانه إن شاء الله
وإن أُمتنا تفضّل الله تعالى عليها أن جعل لها المنهج القويم، والمصدر الذي لا ريب في صوابه؛ إذ ما ترك خيرا إلا ودلنا عليه، ولا شرًا إلا وحذرنا منه، إما بطريق مباشر، أو هديا نهتدي به، وأصلا نرجع إليه، قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ﴾ [الأنعام: 38]، وقال أيضا: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَآءَهُمۡۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ٤١ لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ٤٢﴾ [فصلت: 41 — 42]، فنستطيع أن نصل من خلاله في كل باب لما لا يصل إليه غيرنا بحال.
فإن الانشغال بالوقت، وعظيم قدره، وحسن إدارته، والحكمة في توزيعه على كافة المحاور المتعلقة بالإنسان تراه جليا في ديننا الحنيف، فإنك ترى ذلك جليا في ارتباط أركان هذا الدين بعامل الوقت ارتباطا وثيقا، فالصلاة، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، قال الله تعالى في شأنها: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا١٠٣﴾ [النساء: 103]، وعن عبد الله بن مسعود — رضي الله عنه ، قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ — صلى الله عليه وسلم : أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»(13) .
وهكذا تجد عامل الوقت هاما ومؤثرا ومحورا رئيسا في جملة من العبادات؛ فالزكاة مرتبطة بعامل الوقت، ولها وقت محدد، والصوم شهر معروف،
يصوم فيه المسلم وقتا بعينه، ويفطر بانتهائه، والحج أشهر معلومات وأيام معدودات، يؤدي فيها أعمالا مخصوصة، وفيه يوم هو خير يوم طلعت فيه الشمس، وإن شئت أن ترى أثر الوقت في غير ذلك من العبادات أيضا فإنك تراه، فعلى سبيل المثال: تجد حثًّا على طلب الرزق في أوقات النهار والبكورة منه، وأمرًا بالانتشار في الأرض بعد انقضاء الصلاة، وترغيبًا في صلاة ليل، والاستغفار بالأسحار، كما ترى عموم الأمر باغتنام العمر، وعدم إضاعته في قول النبي صلى الله عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ(14)
بل إنك تجد فيه تقسيما للأوقات، وتوزيعا لها على الحقوق المنوطة بالعبد، بما في ذلك إعطاء مساحة للنفس من الترويح، وراحة البدن، ومجالسة المتحابين المتزاورين في الله تعالى، فهذه الأمور لم تكن محل إهمال في ديننا، وقد أقر النبي — صلى الله عليه وسلم — سلمان حين قال: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعطِ كل ذي حق حقه، فقال النبي — صلى الله عليه وسلم : « صدق سلمان(15) » ، حتى السمر النافع والحوار المثمر له وقته أيضا(16) .
كل ذلك وغيره مما ستأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى تجده
منصوصا عليه في الكتاب والسنة، وفي التطبيق العملي لهما من عمل الآل والأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين
ومع حاجة الإنسان للقدوة والمثال الذي يحتذى به، كان لزاما عليه أن ينتقي القدوة الحسنة، وليس أحد أحق أن يقتدى به في ذلك من النبي — صلى الله عليه وسلم — الذي كان مؤيدا بالوحي من رب العالمين، ثم صحابته الكرام، وآل بيته المطهرين — عليهم السلام ، الذين طبقوا ما فهموه وما تعلموه وآمنوا به، حتى صاروا النبراس والقدوة، ومصابيح الدجى، وهداة على طريق الحق، فصاروا أصلا يرجع إليه عند اختلاف المناهج والسبل.
وقَلَّ أن تجد خيرا في من لا أصل له يرجع إليه، وكما قال ابن الجوزي: (ينبغي للعاقل أن ينظر إلى الأصول في من يخالطه..؛ أما الأصول: فإن الشيء يرجع إلى أصله، وبعيد ممن لا أصل له أن يكون فيه معنى مستحسن)(17) ، ولاشك أنّ الأمم التي تسعى للرقي بحاضرها نحو مستقبل أفضل = بحاجة ماسةٍ إلى النظر في تراثها، فتكتسب من نقاط قوته، وتعتبر مما يخالف ذلك.
وتتفاوت الاستفادة من تراث كل أمة بقدر: أصالتها، وعراقة تاريخها، وبقدر صحة الخبر، وصحة النظر والاعتبار في هذا التاريخ، كما تعظم الفائدة أيضا كلما كان هذا التراث عميقا في أحداثه وآثاره، وليس أمة من الأمم تملك من هذا ما تملكه أمتنا، فإن تراثها: عظيم
الأحداث، كثير الفوائد، جمّ المنافع، غزير المعاني والعبر، كما أن قدر الأخبار الصحيحة فيه لا تحظى بمثله أمة أخرى، ثم هو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوحي الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: 3]؛ مما زاده شرفًا ورفعة، ونفعا في الدين والدنيا؛، وذلك خصيصة له؛ لا منافس له في ذلك.
فأمةٌ أنزل الله في شأنها قوله تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 110]، وكذلك قوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 143]، وقال في شأنها رسوله الكريم — صلى الله عليه وسلم : «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْض»(18) ، وقال أيضا: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتُوا الكتاب من قبلنا»(19) = لهي أمة جديرة بأن تكون أهلا لمكان السبق، وقدوة لغيرها في كل باب، فضلا عن باب استثمار الأوقات والأعمار.
وإن أولى مراحل كل أمة بالدراسة والبحث والنظر لهي أكثر هذه المراحل أصالة، وأشدها أثرًا وتأثيرًا، وأعظمها نفعًا، وإنّ هذا لينطبق بالدرجة الأولى في تاريخنا على أكثر مراحل الأمة نورًا وعلمًا، وأشدها وضوحًا في المنهج، وأكثرها تمسكا به، وأحسنها تطبيقا له، ألا وهي الحقبة التي كان فيها الوحي ينزل من السماء من عند رب العالمين على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم فيتلقاه بالسمع والطاعة خيرة الخلق، المشهود لهم بالرضا،
ثم يتبعوا ذلك التلقي التطبيقَ العملي لما تلقوه، إيمانا به، وتصديقا للوعد الذي جاء فيه، فكان خير تطبيق لما علموا، وخير تصديق لما آمنوا، وقد فطِن لهذا علماء المسلمين؛ فأكثروا من البحث والنظر في سير الأئمة والأعلام، واستخرجوا منها الدرر، فبلغ ذلك من الكثرة بمكان؛ قال الأديب الدكتور محمود الطناحي: (يوشك هذا العلم يعني التاريخ أن يكون نصف المكتبة العربية...؛ وتفسير هذا أن علم التاريخ عند المسلمين ليس هو فقط تلك الكتب الحولية؛ مثل تاريخ الطبري وابن الأثير...، وإنما يدخل فيه، بل يمثل الجانب الأكبر منه فن التراجم وهو بحر خضم)(20)
وبناء على ما سبق فإن من أنفع الأمور النظر في سير الآل والأصحاب وتراجمهم، والآثار المنقولة عنهم، واستخراج الدرر الكامنة منها في كل باب من أبواب الخير، لاسيما في باب الوقت، وكيفية إدارتهم له، وممارساتهم لذلك، لنسلك سبيلهم فنهتدي سواء السبيل؛ وسبيلهم أولى أن يتبع من غيرهم، قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ﴾ [النساء: 115]، وإن من سبلهم الحفاظ على أوقاتهم، وحسن تنظيمها، فنحفظ بذلك لأمتنا ما لا حصر له من الساعات المهدرة يوميا، فترجع إلى موضعها اللائق بها، وتكون نورا ونبراسا لسائر الأمم من حولها.
التصنيف في الوقت وأهميته ليس وليد هذا العصر
هذا، وليس الاهتمام بالوقت وإدارته وليد اليوم، وليس التصنيف فيه نشأ مع ميلاد المصطلح، بل نستطيع القول أن نشأته العلمية كانت مع ظهور الإسلام ونزول الوحي، وإلا فهو في الفطرة السليمة للإنسان، فقد جاءت الآيات الدالة على ذلك، والأحاديث الواردة في الباب مع ظهر الإسلام، ثم نقل التابعون ومن بعدهم من آثار الآل وأصحاب رضي الله عنهم في الباب، وقد دُوِّن من ذلك قدرٌ كبيرٌ، ثم أفردت المصنفات للمسألة منذ نشأة التدوين والتأليف، فعلى سبيل المثال مما كتبه ابن أبي الدنيا: العمر والشيب، وقصر الأمل، وللبيهقي: فضائل الأوقات، وصنف ابن الجوزي: حفظ العمر، ومواسم العمر، وما ذكره من أبواب في تقسيم اليوم وتنظيمه في كتابه منهاج القاصدين، واختصر ما ذكره ابن الجوزي وزاد عليه ابن قدامة المقدسي، وكتب ابن رجب الحث على اغتنام الأوقات، وفي كتب التراجم تجد صور حيّة، وأمثلة يقتدى بها لما بوبه المصنفون في إدارة الوقت، والناظر في الكتب التي ترجمت لأعلام الأمة، وعلى رأسهم الآل والأصحاب يرى في تراجمهم التطبيق العملي لموضوع البحث، وفي المصنفات التي تتحدث عن طلب العلم وتحصيله، وكيف كان بذل الأولون الجهد فيه، وتكريس الأوقات، واستغلال مراحل العمر، وأوقات النشاط، وغير ذلك ما تحار في استيعابه العقول، أما الحديث عنه في ثنايا عموم المصنفات في التراث الإسلامي فلا يعلم حصره إلا الله تعالى؛
إذ ربما لا يخلو مصنف من الحديث عن هذه المسألة أو الإشارة إليها، حتى يمكن القول إنه يمكن اعتبار جُلّ هذه المصنفات جميعا ذات علاقة بوجه أو بآخر بفن إدارة الوقت.
وأما ما صنفه المعاصرون أيضا في الباب فحدّث ولا حرج، فهي من الكثرة بمكان، وكل يدلي فيها بدلوه، ويذكر فيها ما رآه من منطلق توجهه وفكره، وسنشير لبعضها في أثناء البحث إن شاء الله تعالى.
تحديد المفاهيم
من أهم عوامل نجاح الأبحاث وإيتائها ثمارها أن تكون المفاهيم التي يتناولها البحث واضحة محددة؛ فيتجلى المقصود منها، ويُحترز من اللبس فيها، والإيهام باحتمال ما لا يحتمل في البحث، وبذلك يتضح مناط البحث على وجه جلي، لذا أذكر في هذه الأسطر المفاهيم المتناولة في البحث بشيء من التوضيح، وأعقب بتعيين مناط البحث.
أولا: الصحابي
من هو الصحابي: قال السخاوي: الصّحابيّ لغة: يقع على من صحب أقلّ ما يطلق عليه اسم صحبة، فضلا عمّن طالت صحبته وكثرت مجالسته(21) .
وقال ابن حجر: (الصحابي كذلك وهو: من لقي النبي — صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم — مؤمنا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح)(22)(23) )( .
وقال في الشرح: لا خفاء في رجحان رتبة من لازمه — صلى الله عليه وسلم — وقاتل معه، أو قتل تحت رايته على من لم يلازمه، أو لم يحضر معه مشهدا، أو على من كلمه يسيرا، أو ماشاه قليلا، أو رآه على بعد، أو في حال الطفولية وإن كان شرف الصحبة حاصلا للجميع(24) .
وقد أثنى الله تعالى على المهاجرين والأنصار جميعًا أجمل الثناء، فقال سبحانه: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ٨ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ٩﴾ [الحشر: 8 9]،
عليهم رضوان الله أجمعين، وذكر توبته عليهم ورضاه عنهم، فقال تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ﴾ [التوبة: 117].
فهم أرجح الناس عقلًا، وأكرم الناس ضيفًا، وأحسن الناس خُلُقًا؛ غُرٌ مُحَجَّلُون من أثر الوضوء، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. حكموا الدنيا فملؤها نورًا وعلمًا ورحمة، واتسعت رقعت بلادهم؛ فعمّ الخير متى حلّوا، ألا يكونون بعد ذلك أحق الناس أن تحيى ذكراهم، وأن ينفض الغبار عن سيرهم، فتبرز وتنتشر معارفهم وأخلاقهم، والصور الحسان التي خلّفوها، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
كما أن ذكرهم، والتمثل بما كانوا عليه من أسباب الأمان للأمة، فقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن أصحابه ورضوان الله عليهم أَمَنَة للأمة حين شبههم بالنجوم في السماء، فإن هم ذهبوا أتى الأمة ما توعد، فقال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء قال فجلسنا، فخرج علينا، فقال: «ما زلتم هاهنا؟» قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال «أحسنتم أو أصبتم» قال فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون،
وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون(25)(26)
نقل الإجماع على تفضيل الصحابة — رضوان الله عليهم أجمعين — على غيرهم
وأمّا إجماع الأمة على ذلك فقد نقله غير واحد، منهم: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري، قال: (وأجمعوا على أن خير القرون قرن الصحابة، ثم الذين يلونهم؛ على ما قال: «خيركم قرني»، وعلى أن خير الصحابة أهل بدر، وخير أهل بدر العشرة، وخير العشرة الأئمة الأربعة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضوان الله عليهم. وقال: وأجمعوا على أن الخيار بعد العشرة في أهل بدر من المهاجرين والأنصار على قدر الهجرة والسابقة، وعلى أن كل من صحب النبي ولو ساعة أو رآه ولو مرة مع إيمانه به وبما دعا إليه أفضل من
التابعين بذلك)(27)
ونقل ابن حجر في مقدمة الإصابة عن الخطيب البغدادي قوله : (وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها؛ من: الهجرة، والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل المهج، والأموال، وقتل الآباء، والأبناء، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين = القطع على تعديلهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله)(28) اه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله — صلى الله عليه وسلم ، كما وصفهم الله به في قوله تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ١٠﴾ [الحشر: 10]، وطاعة النبي في قوله: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي. فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»)(29) . اه
ثانيا: آل البيت
ذُكر في تعين المراد بالآل أقوال عدة، وجعلهم البعض أقساما، حتى ذهب البعض إلى أنهم خمسا وعشرين قسما، فقد قال ابن خلكان في ترجمة ابن خالويه: (وله كتاب لطيف، سماه: الآل، وذكر في أوله أن الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسماً..)(30) ، وقد استفاض غير واحد من أهل العلم في ذكر المراد بآل النبي — صلى الله عليه وسلم ، وذكر الخلاف الحاصل في المسألة، والذي ذهب إليه كثير من أهل العلم أنهم من حرمت عليهم الصدقة — وهو قول زيد بن أرقم(31) — رضي الله عنه ، ومنصوص الشافعي وأحمد والأكثرين(32) ؛ وهم بنو هاشم، وأن أزواجه وذريته أحق من دخل في آله — صلى الله عليه وسلم — أيضا(33) ، وهذا الذي سنسير عليه في البحث إن شاء الله تعالى.
وقد روى الشيخان — البخاري ومسلم رحمهما الله — عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَنْزَلَ اللهُ عز وجل: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ٢١٤﴾ [الشعراء: 214]، قَالَ: «يا معشر قريش — أو كلمة نحوها — اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا»(34) .
وأما فضل آل البيت وقدرهم فلا يحتاج مع شهرته ووجوب الإيمان به إلى كثرة استدلال، وإنما نذكر منه نزرًا يسيرًا؛ طلبًا لحصول الشرف بالحديث عنهم، فقد أمرنا بمودة أهل البيت، وجعلت مودتهم من باب
الشكر على الرسالة، قال تعالى: ﴿قُل لَّآ أَسَۡٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ﴾ [الشورى: 23](35) فللآل شرف لا يشترك معهم فيه غيرهم، ولهم من الفضل ما لا ينكره مسلم، فهم الذين أراد الله تعالى طهارتهم بخصوصهم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا٣٣﴾ [الأحزاب: 33](36) وفي صحيح مسلم عن عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل، من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا٣٣﴾ [الأحزاب: 33](37)
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بهم، وأكد الوصية، ففي صحيح مسلم أيضا عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا،
بماء يدعى خُمًّا.. ثم قال: (أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به) فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»(38)
وقد جاءت الصلاة على الآل دلالة على شرفهم أيضا، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليكم؟ قال: قولوا: « اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد(39) » .
هذا، وقد تعلق بالحديث عنهم أصناف عدة من المنصفات دارت في فلكهم، ذكر فيها من فضائلهم وتراجمهم وسيرهم، والأحداث التي ألمت بهم؛ ربما لا نستطيع حصرها كثرة، حتى أن الطباطبائي(40) ، له مصنف، ذكر فيه ما صنفه أهل السنة باللغة العربية في آل البيت(41) ، مقتصرا على ذلك، فذكر فيه قريبا من ألف عنوان.
ثالثا: الوقت
ربما كان من الصعب وضع تعريف متفق عليه للوقت، نظرًا لأن التعريف هنا راجع إلى مجموعة الأفكار والأيديولوجيات التي تكون الفلسفة التي ينطلق منها(42) إلا أننا يمكننا القول باختصار أن الوقت
من الناحية الشرعية واللغوية جاءت الألفاظ والمعاني المعبرة عنه قريبة نوعا ما من بعضها، ومن هنا يمكن القول باختصار أن الوقت: هو تلك المدة الزمنية التي يمضيها الإنسان في فعل شيء ما، سواء كان نافعا أو غير نافع(43) فمتى قام الإنسان بعمل من الأعمال، فالوقت هو ما استغرقه من الزمان في ذلك العمل، ونحو هذا المعنى جاء في السنة، وفي المعاجم والشروحات كذلك، قال ابن الأثير: (قد تكرر ذكر التَّوْقِيتِ والمِيقات في الحديث، والتَّوْقِيتُ والتَّأْقِيتُ: أن يجعل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة. يقال: وَقَّتَ الشيء يُوَقِّتُهُ. ووَقَتَهُ يَقِتُهُ، إذا بين حده)(44)
وما أمضاه الإنسان من الزمان في الحياة وقت أيضا، وهو هنا عمره، فالوقت هو العمر، والعمر هو الحياة، قال ابن منظور: (العَمْر والعُمُر والعُمْر: الْحَيَاة)(45) عن الحسن قال: (ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب
يوم ذهب بعضك)(46) لذا قال د. محمد شحارة: (لعل إطلاق صفة الحياة على قتلة أوقاتهم إطلاق خاطئ)(47)
فإن كان هذا من جهة الشرع واللغة في المعنى العام للوقت، فإنه من الناحية الاصطلاحية كان قريبا من ذلك أيضا، حيث عُرَّف بأنه المدة التي تستغرق في عمل ما(48) .
وربما كان من الأمور التي جعلت من الصعب وضع تعريف متفق عليه للوقت أننا لا نستطيع التعامل مع الوقت من حيث هو زمن مجرد؛ فلا نستطيع التغير فيه بزيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو غير
ذلك، وإنما الذي نستطيعه هو التعامل الأمثل معه، والذي يكون من خلال كيفية إنفاقه، والشيء الذي ينفق فيه، ولما كانت المثالية هنا مختلفة باختلاف الأفكار والأزمان والأحوال كانت رؤية الناس للوقت مختلفة.
وعليه فإن الوقت هو العمر، وهو الحياة، وهو أيضا ما ينفق من الزمان في كل عمل يقوم به الإنسان خلال تلك الحياة من مولده إلى مماته. وإدارته هي إدارة للحياة كلها.
رابعا: إدارة الوقت
إدارة الوقت هي إدارة للذات، هكذا باختصار وسهولة عبرت طائفة من ذوي الاختصاص في إدارة الوقت(49) ولكن الخلاف في تعريف إدارة الوقت من الناحية الاصطلاحية أكثر وضوحا منه في تعريف الوقت، وذلك لأن مبنى التعريفات الاصطلاحية يصاغ في الأساس بناء على الوجهة والمرجع والمغزى، المختلف في الأساس باختلاف وجهات
النظر، إلا أن هذه التعريفات أيضا تدور في فلك تخطيط الوقت وتنظيمه، مع توزيع القدر المتاح منه على الأمور المستهلك فيها ذلك الوقت حسب الأهمية والأولوية، يقول د. خالد الجريسي: (فإدارة الوقت هي الاستخدام الأفضل للوقت، وللإمكانات المتاحة، وذلك بطريقة تؤدي إلى تحقيق الأهداف)(50)
تحديد مناط البحث
بناء على ما سبق نستطيع القول أن مناط البحث هنا هو: كيف أنفق الآل والأصحاب أوقاتهم، وكيف نظموها وخططوا لها واستثمروها، وكيف وزّعوها على الحقوق والمسؤوليات المنوطة بهم، حتى حظي كل حق بنصيبه منها، وكيف كان النصيب الأكبر للأعمال العظام، ذات النفع المتعدي، والثواب العظيم، وصور الجد والاجتهاد في حياتهم، وأنه إن أنفق مزيدا من الوقت في بعض الأعمال بعينها فإن الحكمة والمصلحة الراجحة اقتضته.
وسنذكر من أقوالهم وأفعالهم ما يتضح به ذلك كله إن شاء الله تعالى.
الفصل الأول الوقت في الإسلام
الفصل الأول
الوقت في الإسلام
ونتناول في هذا الفصل الكلام عن الوقت في الإسلام وأهميته، والنظرة الشرعية للوقت في: القرآن، والسنة، وفي التراث الإسلامي وعلماء الأمة، وما تميزت به النظرة الإسلامية للوقت، فإن للوقت في الإسلام شأن عظيم، ويبدو ذلك جليا بتنوع الخطاب عنه في القرآن والسنة وكلام الأئمة الأعلام، ومن المساحة التي شغلها، وصور الاهتمام به.
المبحث الأول الوقت في القرآن
لا شك أن للوقت والزمان عموما شأن عظيم في كتاب الله تعالى، فكل قارئ لكتاب الله تعالى وكل مستمع لآياته يرى ذلك بوضوح، حين تمر عليه الآية تلو الأخرى، وحين يرى تنوع الخطاب في ذلك، فيجد تارة التذكير بأن الوقت نعمة من أجل نعم الله تعالى على عباده، أو أن الله تعالى يقسم به أو بجزء منه؛ بيانا لشرف قدره وعظم منزلته، وتارة يذكِّر ربنا سبحانه أن خلق الزمان، وتصريفه، وتنوع مروره بين ليل ونهار، وأشهر وسنين من الآيات العظام التي توجب التفكر والإنابة، ويرى كذلك آيات تأمر بحسن استغلاله لوقته، وأخر فيها تحسر من ضاع وقته وفات زمانه بلا نفع، أو في شر قضاه فيه، كما أنك ترى في بعض إرشاد للناس في جعل أوقات النهار للسعي والطلب، وأوقات الليل للراحة والسكون، وغير ذلك من صور الحديث عن شرف الوقت، وعظيم منة الله تعالى به على خلقه.
وسنعرض بعض الآيات التي اشتملت على تلك المعاني:
قسم الله تعالى بالزمان أو بجزء منه بيانا لشرف قدره وعظيم منزلته
من أوضح ما يبرز قيمة الوقت هو أن الله تعالى — وهو اللطيف الخبير — يقسم به في كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ﴾ [العصر: 1]، والعصر هنا — كما عليه كثير من المفسرين — هو الدهر عموما أو جزء منه(51) ، فما أقسم الله تعالى به إلا لشرفه، وقد أقسم به أيضا على أمر شريف، قال الرازي: (فكأن الدهر والزمان من جملة أصول النعم، فلذلك أقسم به..، وقد بينا هناك أن الزمان أعلم وأشرف من المكان، فلما كان كذلك كان القسم بالعصر قسما بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته(52) ) .
وأقسم الله بجملة من الأوقات والأزمنة الشريفة بيانا لفضلها، فقال سبحانه: ﴿وَٱلضُّحَىٰ١ وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ٢﴾ [الضحى: 1 — 2]، وقال: ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ١ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ٢﴾ [الليل: 1 — 2]، وأقسم أيضا بوقت بعينه لبيان خصوص فضله، فقال سبحانه: ﴿وَٱلۡفَجۡرِ﴾ [الفجر: 1]، وقوله: ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ٣٣ وَٱلصُّبۡحِ إِذَآ أَسۡفَرَ٣٤﴾ [المدثر: 33 — 34]، وقوله: ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا عَسۡعَسَ١٧ وَٱلصُّبۡحِ إِذَا تَنَفَّسَ١٨﴾ [التكوير: 17 — 18].
كما جعل الله تعالى تنوع الأوقات من الآيات الدالة على عظمته سبحانه وربوبيته ووحدانيته، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ٦﴾ [يونس: 6]، ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ١٩٠﴾ [آل عمران: 190]، ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا٦٢﴾ [الفرقان: 62]، وقال تعالى أيضا: ﴿وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا١ وَٱلۡقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا٢ وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا٣ وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا٤﴾ [الشمس: 1 — 4].
وذكر سبحانه أن تنوع الأوقات، وما يحمل كل وقت من صفات تعين الناس على دينهم ودنياهم من خصائص قدرته، وأن المنة في ذلك راجعة له وحده سبحانه، فقال تعالى: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ٧١ قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ٧٢ وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ٧٣﴾ [القصص: 71 — 73].
وفي باب تقسيم اليوم إلى أوقات محددة: ﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ١٧ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ١٨﴾ [الروم: 17 — 18]، ﴿وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ١٧﴾ [آل عمران: 17].
بيان أن الله تعالى وقت للناس زمانهم؛ إعانة لهم على أمور دينهم ودنياهم
قال تعالى: ﴿۞يَسَۡٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ﴾ [البقرة: 189]، وقال: ﴿لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ﴾ [يونس: 5]، أي هي مواقيت لكم، تعرفون بها أوقات صومكم وإفطاركم، ومناسك حَجّكم، وبين الحكمة من وجود الأهلّة، وأنه يستعين بها الناس في التوقيت لأمور حياتهم وعباداتهم، ليعلموا دخول السنين وانقضاءها وحساب أيامها، فتنتظم معيشتهم.
بيان أن الله تعالى أعان عباده على تنظيم أوقاتهم، وتخصيص كل وقت لما يناسبه
أعان الله تعالى عباده على تنظيم الوقت، وتقسيمه بين الالتزامات والاحتياجات، فبين سبحانه أن اليوم مقسم إلى جزأين أساسين، جُعل أحدهما للنشاط والسعي، والآخر للسكينة والراحة، وجَعل ما كان من الوقت مناسبا منه للنشاط والعمل كذلك، وما كان للسكن والراحة فله، وأن ذلك من جملة نعم الله على خلقه، ودلائل ربوبيته، فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا٤٧﴾ [الفرقان: 47]، وقال أيضا: ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا١٠ وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا١١﴾ [النبأ: 10 11]، وقال: ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا١٢﴾ [الإسراء: 12]،
وقال أيضا: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ٧١ قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ٧٢ وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ٧٣﴾ [القصص: 71 73].
فكان جعل الليل محلا لسكون والراحة متناسبا مع الفطرة السليمة، وسببا لجلب الراحة والعافية للأبدان، وإعانة على التنظيم والتقسيم، وجعل النهار محلا للعمل والنشاط والسعي من أسباب البركة وطلب الأرزاق، فكان الليل وما يتجلاه من الظلمة أنسب للنوم السكون، بعدما عناء البدن في مشقته في سعيه حال انتشار النهار(53) .
وبين سبحانه أن من جملة صفات الفائزين بسعادة الدارين تنظيم أوقاتهم بين حقوق الله تعالى وحظ النفس والبدن من الراحة، فقال سبحانه: ﴿كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ١٧ وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ١٨﴾ [الذاريات: 17 — 18].
وفي جانب مراعاة معاش الناس مع إقامتهم العبادة على الوجه الفاضل يقول تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا٦ إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا٧﴾ [المزمل: 6 — 7].
ومن ذلك يظهر جليا أن للعبادة وقتها، وللمعاش والسعي وقته، وتقسيم الوقت بين هذا وذاك، ومراعاة الجانبين، قال الله تعالى: ﴿۞إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [المزمل: 20]، وقال أيضا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ٩ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ١٠﴾ [الجمعة: 9 — 10].
بيان أن القدر الممنوح من الوقت للإنسان كاف للقيام بما أوجبه الله تعالى عليه
إن المقدار الذي منحه كل إنسان منا من العمر لهو كاف في الحقيقة
للقيام بما كلفه الله تعالى به، وهو كفيل بتحقيق الفوز والفلاح له في الدارين، قال تعالى: ﴿أَوَ لَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ﴾ [فاطر: 37]، وفي قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا٦٢﴾ [الفرقان: 62].
فكم من معمّرٍ ذهب عمره هباء، وكم من إنسان مات في مقتبل عمره، ومع ذلك هو أعلا علّيين، له من الآثار الباقية مدد القرون، وسير الأعلام مليئة بالأمثلة على ذلك.
تعين أوقات مخصوصة بالشرف ومضاعفة الأجور
وهب الله تعالى لعباده الصالحين، أوقاتا وأزمنة معلومة، تضاعف فيه الأجور، وتزاد فيها البركة، وبينها لنا؛ لنوليها مزيدا من الاهتمام والجهد، طلبا لمضاعفة الأجور، وحصول البركة في الأعمال والأعمال، يقول تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ﴾ [البقرة: 203]، وقال أيضا: ﴿وَٱلۡفَجۡرِ١ وَلَيَالٍ عَشۡرٖ٢ وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ٣ وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ٤﴾ [الفجر: 1 — 4]، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ١ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ٢ لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ٣﴾ [القدر: 1 — 3]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ﴾ [التوبة: 36]، فهذه وغيرها من الأوقات والأزمنة الشريفة التي نبهنا الله تعالى لشرفها وعظيم قدرها، ومضاعفة الأجر فيها، فبينها بيانا جليا لبعث النشاط وبذل الجهد فيها.
اقتران جملة من العبادات بعامل الوقت
ومن بيان مدى قيمة الوقت أن الله تعالى ربط العديد من العبادات، ومن أركان الإسلام العظام بالتوقيت؛ فجعلت على صلة وثيقة بالوقت؛ إذ يجب أداؤها في وقت بعينه، وزمان محدد لها، فمن أعظمها شأنا الصلاة، قال سبحانه في شأنها: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا١٠٣﴾(54) [النساء: 103]؛ قال ابن مسعود — رضي الله عنه — أيضا: (إن للصلاة وقتا كوقت الحج)(55) .
كذلك الحال في الصيام، قال تعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ﴾ [البقرة: 185]، قول: ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلَٰۡٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ﴾ [البقرة: 187].
ومن أصناف الزكاة كذلك، قال تعالى: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ١٤١﴾ [الأنعام: 141]، ونحوه في الحج أيضا، قال تعالى: ﴿لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ﴾ [الحج: 28]، وفي باب ذكره سبحانه قال تعالى: ﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ١٧﴾ [الروم: 17] وغيرها من الآيات.
هذا، ولا يُستطاع الإتيان بكل ما حمله القرآن الكريم من معان وحكم متعلقة بقيمة الوقت، وشرف الزمان، فهذا تمام علمه عند الحكيم الخبير سبحانه.
وقد جاءت السنة المطهرة بنحو من هذه المعاني، وكما سيتضح في المبحث التالي إن شاء الله.
المبحث الثاني الوقت في السنة المطهرة
لا يخفى على كل ناظر في السنة النبوية المشرفة — دون جهد — ما للوقت من حظ وافر فيها، أما المتبحر فيها فإنه يرى من درر ذلك الشيء الكثير.
فتجد في حديث النبي — صلى الله عليه وسلم — صورا متنوعة لشأن الوقت وشرف منزلته؛ فتجد التخويف من إضاعته، والتحذير الشديد من عدم استغلال أوقات النشاط والقوة، والنصيحة بمراعاة كافة الحقوق في إنفاقه، والأمر بأداء العبادة في وقتها، وغير ذلك من صور الاهتمام بالوقت في السنة المشرفة، كما سيتضح بإذن الله تعالى.
بيان أهمية الوقت، وأنه نعمة من أجلّ النعم، وأن ضياعه ومن أعظم الخسران
تأتي السنة بما يوافق كتاب الله تعالى، وتأكد أن الوقت نعمة من أجلّ النعم، إلا أن الكثير لا يفطن لذلك؛ فلا يبادر بحسن استغلالها، حتى إذ خسرها علم أنه خسر أثمن ما كان يملك، «نعمتان مغبون
فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»(56) فجاء الحديث للتحذير من ذلك، والتوجيه لاستغلال الأوقات، خاصة ما كان فيه الإنسان في سلامة وعافية، وقلة شواغل.
بيان مدى مسؤولية الوقت
جاءت السنة أيضا بما يفيد أن العمر في ذاته مسؤولية يسأل عنها كل إنسان، فقد صحح الإمام الترمذي حديث أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ، قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيهما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه»(57) .
فمن هذا الخبر تظهر مدى مسؤولية الإنسان تجاه وقته وعمره، ومدى أهمية هذا الوقت بالنسبة له، وكونه مسؤولا عنه في أول ما يسأل.
الحث على استغلال أوقات النشاط في أداء الأعمال
وقد حثنا النبي — صلى الله عليه وسلم — على استغلال أوقات النشاط والهمة العالية، واغتنام تلك المنح التي ربما لا تعوض، فمتى وجد الإنسان نفسه كذلك فليغتنم تلك الفرصة، فإنه لا يدري متى تذهب، أو متى تعود، فإن أصابه الفتور فليكن همه ألّا يخرجه ذلك عن الطريق الحقة، فيتعرض للخسران والهلاك.
فعن عبد الله بن عمرو — رضي الله عنهما — قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم : «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي، فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك، فقد هلك»(58) .
وعن عمرو بن ميمون مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك»(59) .
فهذا توجيه النبي — صلى الله عليه وسلم — بالحث على استغلال الأوقات المباركة التي يكون فيها نشاط الإنسان في ذروته، فيضاعف العمل والإنتاج في آن، فيعظم الأجر والجزاء.
بيان ما جاء في السنة من: تنظيم الوقت وتخطيطه، وإعطاء كل شيء حقه وقدْره، وأن للنفس حقا أيضا
إن من أوضح ما ورد في السنة المطهرة مما يجلي مسألة تنظيم الوقت، وتقسيمه بين الحقوق والواجبات المتنوعة، وإعطاء كل شيء حقه ونصيبه من ذلك، بما في ذلك حق النفس من الراحة والاستجمام، واللذة المباحة، ذلك الإرشاد النبوي الشريف، والإقرار للتقسيم الحكيم بين الحقوق والواجبات وحظ النفس أيضا.
فقد روي عن أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْب السُّوَائِيّ رضي الله عنه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان، وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاما، فقال: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، قال: فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم
فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان»(60)
فالنبي — صلى الله عليه وسلم — هنا يقرر ما ذكره سلمان — رضي الله عنه ، وأنه لكل حق من الحقوق وواجب من الواجبات قدر لابد له منه، فلا يطغى الإنسان على حق بدنه ولو كان بذريعة العبادة، وفي ذلك من مراعاة الشريعة لكل الجوانب المتعلقة بالإنسان، حتى ما كان منها متعلقًا براحة الأبدان، ونصيبها من اللذات المباحة، وإعطائها حقها من ذلك.
بيان ما جاء في السنة من: تحديد الأهداف، وترتيب الأولويات، وتقديم الأَوْلى منها
لا شك أن البدء بالواجب الذي لا ينفك عن صاحبه أولى من البدء بما هو دونه، فالقيام بالواجب هو من أحب الأعمال إلى الله تعالى، ففي الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»(61) ، فالبدء بالفرائض والواجبات — التي هي أولى من غيرها ، وهذه المعاني كلها واضحة جلية من سنة النبي — صلى الله عليه وسلم — وهديه وسيرته، إذ كان من هديه وسيرته — صلى الله عليه وسلم — أن يقدم العمل الذي جاء من أجله على غيره، ولو تشابهت المواقف، فيبدأ بما هو مطلوب أولا من جهة ترتيب الوقت والحاجة، ولو كان غيره أجل منه من جهة العموم.
ففي الصحيح عن محمود بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه أن عتبان
بن مالك رضي الله عنه وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددت يا رسول الله، أنك تأتيني فتصلي في بيتي، فأتخذه مصلى، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سأفعل إن شاء الله» قال عتبان: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: «أين تحب أن أصلي من بيتك» قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر، فقمنا فصفنا فصلى ركعتين ثم سلم، قال وحبسناه على خزيرة صنعناها له..(62)
وفي الصحيح أيضا عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: «قوموا فلأصل لكم» قال أنس: فقمت إلى حصير لنا، قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم انصرف(63) .
فنراه — صلى الله عليه وسلم — مرة يبدأ بالصلاة قبل أن يجلس — حين كانت الدعوة لأجل الصلاة ، ثم يثني بالطعام، ومرة يبدأ بالطعام — حين كانت الدعوة لأجل — الطعام، ثم يثني بالصلاة، وفي ذلك إشارة بإعطاء الأولية في ترتيب الأعمال لما يعرف بواجب الوقت.
الحث على المبادرة بالأعمال قبل حصول الشواغل، واغتنام الفرص المتاحة
إن الإنسان بحكم وجوده في الحياة الدنيا لابد له أن يتعرض فيها لبعض المحن أو الشواغل التي لا تكون في حسبانه، وبالتالي لم يضع لها أي خطط لمواجهتها، فيأتي الإرشاد النبوي الشريف باغتنام الأوقات الخالية من تلك المحن والشدائد التي في كثير من الأحيان تأتي فجأة، أو دون أن يعمل لها الإنسان حسابا، فإن بادر الإنسان قبل مجيئها باستغلال وقت عافيته وسلامته من ذلك فقد حقق فوزا عظيما، وإلا فلا يلومن إلا نفسه.
فكان النبي — صلى الله عليه وسلم — يبادر بالأعمال ويحث على ذلك قبل حصول ما يشغل عنها من العوائق؛ فقال — صلى الله عليه وسلم : «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم..»(64) .
وقال — صلى الله عليه وسلم : «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أَوِ الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم أو أمر العامة»(65) .
فإن هذه الأمور العظام إذا جاءت أخرت الإنسان بلا شك عن مساره الذي يسيره فيه في حال عدهما، وألهته بما فيها من أحداث جسام، لذا كان الأولى له أن يبادر بالإكثار من الأعمال قبل مجيئها.
بيان ما جاء في السنة من تعلق جملة من العبادات بعامل الوقت، وارتباطها به ارتباطا وثيقا
وكما جاء في كتاب الله تعالى من بيان ارتباط العبادات في الإسلام بعامل الوقت ارتباطا وثيقا، جاءت السنة بنحو هذا أيضا.
ومن ذلك ما ورد عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حين سأله عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله — صلى الله عليه وسلم : أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها».. الحديث(66) ، فكانت الصلاة لوقتها أول ما ذكر حين سئل — صلى الله عليه وسلم — عن أفضل الأعمال، وذلك مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا١٠٣﴾ [النساء: 103].
وفي شأن الصيام قال النبي — صلى الله عليه وسلم : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»(67) ، وفي شأنه أيضا قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم : «إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم»(68) ، فللصوم وقت معلوم، ولكيفيته توقيت محدد.
وكذلك حين ذكر النبي — صلى الله عليه وسلم — أفضل صلاة تطوع، ذكر صلاة الليل، وبين أحسن تقسيم للوقت في ذلك، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوما، ويفطر يوما»(69) .
الحث على اغتنام الأوقات الفاضلة
كذلك أيضا حثنا النبي — صلى الله عليه وسلم — على اغتنام الأوقات الفاضلة، التي يضاعف فيها الأجر، وبين ذلك.
فعَنْ أبي هريرة رضي الله عنه، يرفعه، قال: سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: «أفضل الصلاة، بعد الصلاة المكتوبة، الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان، صيام شهر الله المحرم»(70) .
وكذلك أيضا حين ذكر النبي — صلى الله عليه وسلم — الوقت المبارك من اليوم، الذي يكون أقرب لإجابة الدعاء، ومغفرة الذنوب، فرُبط ذلك بالوقت أيضا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني، فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»(71) .
إعطاء الواجبات المستحقة والاحتياجات المتنوعة قدرها ومساحتها المناسبة من الوقت
كان النبي — صلى الله عليه وسلم — مع اجتهاده في العبادة والتبليغ، وانشغاله بشؤون الأمة والرسالة، إلا أنه — صلى الله عليه وسلم — كان لا يهمل حقا من الحقوق، فكان يوزع وقته بين الواجبات المتعددة، ويعطي كل شيء مساحته المناسبة من الوقت، فهو — صلى الله عليه وسلم — الذي أقر سلمان حين نصح أبدا الدرداء — رضي الله عنهما — في ذلك، فقال له: (فأعطِ كل ذي حق حقه)، قال — صلى الله عليه وسلم : «صدق سلمان»(72) .
فعن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى، فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة»(73) .
وعنها أيضا — رضي الله عنها ، قالت: كان رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يحب الحلواء، ويحب العسل، وكان إذا صلى العصر أجاز على نسائه فيدنو منهن(74) .
فكان صلى الله عليه وسلم يعطي أهله من وقته مقدار؛ يتحدث معهن، ويستمع إليهن، ومما يظهر ذلك بجلاء حديث عائشة رضي الله عنها المعروف بحديث أم زرع، حين جلست رضي الله عنها تحكي له صلى الله عليه وسلم ما قصته إحدى عشرة
امرأة عليها من أحوالهن مع أزواجهن، وهو يستمع إليها في كل ذلك، ثم يجيبها بما يطيب به خاطرها(75)
وكان صلى الله عليه وسلم
يجلس لأصحابه، ويتحاور معهم، ويطرح المسألة ويستمع منهم؛ فعَنِ ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي» قال: فوقع الناس في شجر البوادي قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: «هي النخلة»(76)
وكان — صلى الله عليه وسلم — يجلس بين المتشاحنين من أصحابه يصلح بينهم — رضي الله عنهم أجمعين .
فعن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني عمرو بن عوف بقباء كان بينهم شيء، فخرج يصلح بينهم في أناس من أصحابه، فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت الصلاة.. الحديث(77) .
وكان — صلى الله عليه وسلم — يجلس للذكر، وحوله أصحابه — رضوان الله عليهم أجمعين — حين يتكلمون فيما يضحكهم، فيتبسم.
عن سماك بن حرب، قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم كثيرا، «كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح، أو الغداة، حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام،
وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم»(78)
وهكذا سيرته — صلى الله عليه وسلم — كلها خير نموذج في هذا الباب، وسردها لا يحتمله المقام، صلوات الله عليه وسلامه.
المثابرة والمداومة على العمل، والأمر بأن يكلف الإنسان نفسه من الأعمال ما يطيق
وكان النبي — صلى الله عليه وسلم — يداوم على الأعمال التي يقوم بها، ويحث على ذلك، وبين — صلى الله عليه وسلم — أن أحب الأعمال إلى الله تعالى، وأعظمها نفعا للإنسان ما كان مستمرا يداوم الأنسان عليه، لاشتمال ذلك على معاني الخيرية في العمل والعامل، وكان النبي — صلى الله عليه وسلم — يأمر أن يكلف الإنسان نفسه من الأعمال ما يطيق؛ حتى يستطيع المداومة عليه.
عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: سئل النبي — صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «أدومها وإن قل» وقال: «اكلفوا من الأعمال ما تطيقون»(79) .
وعَنْها — رضي الله عنها — أيضا، أَنَّهَا قَالَتْ: «كان أحب العمل إلى رسول الله — صلى الله عليه وسلم — الذي يدوم عليه صاحبه»(80) .
وعن مَسْرُوق، قال سألت عائشة رضي الله عنها، أي العمل كان أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟
قالت: «الدائم»، قلت: متى كان يقوم؟ قالت: «كان يقوم إذا سمع الصارخ»(81)
وكان ينهى عن خلاف ذلك، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال لي رسول الله — صلى الله عليه وسلم : «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل، فترك قيام الليل»(82) .
الاجتهاد في العمل، وبلوغ الدرجة العليا في ذلك
كان النبي — صلى الله عليه وسلم — يجتهد في العمل اجتهادا عظيما، ويداوم أيضا على ذلك الاجتهاد، حتى أن غيره لا يطيق أن يعمل مثل عمله — صلى الله عليه وسلم .
فعن علقمة، قلت لعائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يختص من الأيام شيئا؟ قالت: (لا، كان عمله ديمة، وأيكم يطيق ما كان رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يطيق)(83) .
وكان — صلى الله عليه وسلم — مع أن الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، إلا أنه كان يحافظ ويداوم على ذلك الاجتهاد، وبلغ منه مبلغا عظيما، فإذا سئل عن ذلك أجاب بأنه شكر على ما أنعم الله تعالى به عليه.
فعن المغيرة، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من
ذنبك وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبدا شكورا»(84)
عن عائشة — رضي الله عنها : أن نبي الله — صلى الله عليه وسلم — كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لمَ تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا فلما كثر لحمه صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع»(85) .
عدم الانقطاع عن العمل بحال حتى لو علم الإنسان قرب نهايته
فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم : «إن قامت على أحدكم القيامة، وفي يده فسيلة فليغرسها»(86) .
فجاءت سنة النبي — صلى الله عليه وسلم — بالحث على القيام بالعمل الذي يرجى نفعه، وإن كان القائم بالعمل نفسه ظن قيام الساعة.
فالنبي — صلى الله عليه وسلم — هديه خير هدي، وسنته أفضل السنن؛ فأي وصية على أداء الأعمال على وجهها، والصبر والمثابرة عليها خير من ذلك؟! فكانت سيرته — صلى الله عليه وسلم — أفضل نموذج على الإطلاق، فتعلم منه واهتدى بهديه — صلى الله عليه وسلم — آل بيته الأطهار، وأصحابه الكرام — رضوان الله عليهم أجمعين — فأخذوا من ذلك النبع الصافي حتى رووا وارتووا.
المبحث الثالث الوقت في التراث الإسلامي، ونظرة السلف له
لقد حظي الوقت في التراث الإسلامي بحظ وافر، لم يحظ بمثله في ثقافة أخرى، وربما لم يحظ غير الوقت بمثل ما حظي به الوقت في التراث الإسلامي نفسه، فلا يكاد يخلو مصنف من الكلام عن الوقت بطريقة أو بأخرى سواء كان الكلام مباشرا، أو غير مباشر، أو عن قيمته، واستغلاله على الوجه الأكمل، وتوزيعه على الواجبات المختلفة، والتخطيط لذلك، وإعطاء النماذج والأمثلة على ذلك.
وقد أفردت له بعض المصنفات، وحظي بصيب وافر في أخرى، أو تناثر الكلام عنه في ثنايا كثير منها.
أهمية الوقت، والنظر له على أنه عمر الإنسان
ينظر للوقت في التراث الإسلامي على أنه أنفس ما يملكه الإنسان، وأنه رأس ماله الحقيقي، وبضاعته التي لا يكاد يملك غيرها، وبلغ الحفاظ عليه عند بعضهم ألا يفرط في مقدار نفس من أنفاسه، ولا لحظة من لحظات عمره، وكان أحدهم يفضل الاختصار في الطعام والشراب
والكلام المباح طلبا لاختصار الوقت، وسيأتي من كلامهم وأفعالهم بيان ذلك، ومن الأمثلة عليه ما تنبهر به العقول، وتنشرح له الصدور.
قال شمس الدين السفاريني: (وفي وصية الإمام الموفق ابن قدامة — طيب الله روحه — ما لفظه: فاغتنم رحمك الله حياتك النفيسة، واحتفظ بأوقاتك العزيزة، واعلم أن مدة حياتك محدودة، وأنفاسك معدودة، فكل نفس ينقص به جزء منك، والعمر كله قصير، والباقي منه هو اليسير، وكل جزء منه جوهرة نفيسة لا عدل لها...، فلا تضيع جواهر عمرك النفيسة بغير عمل، ولا تذهبها بغير عوض، واجتهد أن لا يخلو نفس من أنفاسك إلا في عمل طاعة أو قربة تتقرب بها. فإنك لو كانت معك جوهرة من جواهر الدنيا لساءك ذهابها، فكيف تفرط في ساعاتك وأوقاتك؟! وكيف لا تحزن على عمرك الذاهب بغير عوض؟!)(87) .
وقال ابن القيم — رحمه الله : ( إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها)(88) .
وقال أيضا: فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضّنْك في العذاب الأليم، وهو يمرّ أسرع من مرّ السحاب. فما كان من وقته لله وبالله، فهو حياته وعمره.
وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته)(89)
قال الوزير بن هبيرة: [الكامل]
| وَالْوَقْت أَنْفَسُ مَا عُنيتَ بِحفْظِه | وَأرَاهُ أَسْهلَ مَا عَلَيْك يَضِيعُ(90) ( 90 ) |
|---|
إدارة الوقت تبدأ بالتخطيط والتنظيم اليومي للعمل
تعد الخطوة الأولى لإدارة الوقت هي التنظيم والتخطيط اليومي للأعمال المنوطة بالإنسان، وتوزيعها على اليوم بحسب الحال، ومراعاة الأولويات، وقد دأب علماء المسلمين على هذا النسق في حياتهم ويومهم، ومنهم من نص على ذلك صراحة في بعض تصانيفه.
ومن ذلك ما ذكره ابن قدامة في كتابه: مختصر منهاج القاصدين، حيث اقترح نظاما لليوم والليلة، ورسمه بشكل دقيق، ربما فاق ما وضعه كثير من مؤلفي إدارة الوقت المعاصرين، من جهة الاستغلال الأمثل للأوقات، وبذل الحد الأقصى من الجهد، والانشغال بالأنفع، وقد راعى في تقسيمة الجوانب الدينية والدنيوية، حتى أنه نظم أوقات النوم والراحة، وراعى أيضا الفروق في الأحوال من شخص لآخر، ومع الشخص الواحد من آن لآخر، وسمى ذلك: أوراد اليوم والليلة، وسنذكره باختصار لأهمية،
ودلالته:
قال ابن قدامة: (بيان عدد أوراد(91) الليل والنهار وترتيبها: أوراد النهار سبعة، وأوراد الليل ستة:
الورد الأول من أوراد النهار : ما بين طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، وهو وقت شريف، وقد أقسم الله تعالى به فقال: ﴿وَٱلصُّبۡحِ إِذَا تَنَفَّسَ١٨﴾ [التكوير: 18]، وينبغي له قبل خروجه إلى صلاة الفجر أن يصلى السنة في منزله، ثم يطلب الصف الأول، فإذا صلى الفجر استحب أن يمكث في مكانه إلى طلوع الشمس، وليكن وظائف وقته أربعاً: الدعاء، الذكر، والقراءة، والفكر، وليأت بما أمكنه، وليتفكر في قطع القواطع، وشغل الشواغل عن الخير ليؤدّي وظائف يومه، وليتفكر في نعم الله تعالى ليتوفر شكره.
الورد الثاني: ما بين طلوع الشمس إلى الضحى، وذلك بمضي ثلاث ساعات من النهار، وهذا وقت شريف، وفيه وظيفتان: أحدهما: صلاة الضحى، أو حضور مجلس علم.
الورد الثالث: من وقت الضحى إلى الزوال، والوظيفة في هذا الوقت، الأقسام الأربعة، وزيادة أمرين:
أحدهما: الاشتغال بالكسب والمعاش، والثاني: القيلولة، فإنها مما تعين على قيام
الليل..
الورد الرابع: ما بين الزوال إلى الفراغ من صلاة الظهر، وهو أقصر أوراد النهار وأفضلها..
الورد الخامس: ما بعد ذلك إلى العصر، فيستحب له في هذا الوقت الاشتغال بالذكر، والصلاة، وفنون الخير..
الورد السادس: إذا دخل وقت العصر إلى أن تصفر الشمس، يتشاغل بالأقسام الأربعة التي سبق ذكرها في الورد الأول..
الورد السابع: من اصفرار الشمس إلى أن تغرب، وبالمغرب تنتهي أوراد النهار، فينبغي أن يلاحظ العبد أحواله ويحاسب نفسه، فقد انقضت من طريقه مرحلة. وليعلم أن العمر أيام تنقضي جملتها بانقضاء آحادها.
ذكر أوراد الليل
الورد الأول: إذا غربت الشمس إلى وقت العشاء، فإذا غربت صلى المغرب واشتغل بإحياء ما بين العشاءين.
الورد الثاني: من غيبوبة الشفق الأحمر إلى وقت النوم، يستحب أن يصلى بين الأذانين.
الورد الثالث: الوتر قبل النوم، إلا من كان عادته القيام بالليل.
الورد الرابع: النوم، وإنما عددناه من الأوراد، لأنه إذا روعيت آدابه وحسن المقصود به احتسب عبادة، وينبغي له أيضا أن لا يبالغ في تمهيد الفراش متنعماً
بذلك، فإنه يزيد في النوم.
الورد الخامس من أوراد الليل: يدخل بمضي النصف الأول إلى أن يبقى من الليل سدسه، وذلك وقت شريف [وذكر قيام الليل].
الورد السادس من الليل: السدس الأخير وهو وقت السحر، قال الله تعالى: ﴿وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ١٨﴾ [الذاريات: 18].
وأما الليل: فأحسن قسمة فيه قسمة الشافعي — رحمه الله ، فانه كان يقسمه ثلاثة أجزاء: الثلث الأول لكتابة العلم، والثاني للصلاة، والثالث للنوم، فأما الصيف، فربما لا يحتمل ذلك، إلا إذا كان أكثر النوم بالنهار)(92) .
ثم ذكر ابن قدامة تقسيم الوقت وتنوع الأعمال بين أصحاب المشاغل المختلفة، كالعالم والمتعلم والوالي والقاضي والمحترف، وفي ذلك نموذجا حيا رائعا لما نسميه إدارة الوقت، فما أروع هؤلاء القوم، وما أحفظهم لأوقاتهم، رحمة الله عليهم أجمعين.
الاعتناء بالوقت الحاضر، وعدم الانشغال بغيره، سواء بالتحسر على فوات الماضي أو أحلام المستقبل
إن الانشغال عن العمل والبذل في الحاضر بالبكاء على الماضي، أو الأماني المستقبلة، إنما هو في حقيقته ضياع للوقت الحاضر، فإن البكاء والمفرط، والحزن الذي يبعث الانكسار في النفس على ما فات في
الماضي؛ فضلا عن إضاعته للوقت، فإنه يجلب الإحباط واليأس في النفوس، التي تقعد عن العزيمة والنشاط في الحاضر، لذا كان مضيعا له، وكذلك بذل الوقت في أماني المستقبل التي لا تعدو كونها مجرد أحلام، مستهلكة الوقت الحاضر، مع عدم اقترابها من التحقق إذا ظلت في إطار الخيال.
قال ابن القيم: (فإن الاشتغال بالوقت الماضي والمستقبل يضيع الوقت الحاضر، وكلما حضر وقت اشتغل عنه بالطرفين، فتصير أوقاته كلها فواتا.
قال الشافعي — رضي الله عنه : صحبت الصوفية، فما انتفعت منهم إلا بكلمتين، سمعتهم يقولون: الوقت سيف؛ فإن قطعته وإلا قطعك. ونفسك إن لم تشغلها بالحق، وإلا شغلتك بالباطل.
وأيضا فالغيرة على التفويت تفويت آخر، كما يقال: الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر. ولذلك يقال: الوقت سيف، إن لم تقطعه، وإلا قطعك)(93) .
ولا يخفى على ذي لب أن المراد بالندم هو ما أشرت أيه آنفا، وليس الندم الذي هو إقرار بالتقصير، وعزم على التعويض، وليس كذلك مقصود ابن القيم بالانشغال بالمستقبل التخطيط والترتيب، وإنما الأماني الكاذبة المهلكة للأوقات، والله أعلم.
المبحث الرابع سمات النظرة الإسلامية للوقت
اتصفت النظرة الإسلامية للوقت بالعديد من الصفات والخصائص، اشتركت في بعضها مع غيرها من جهة أصل وجود الصفة، وتميزت وانفردت في البعض الآخر، وإن كان بلا شك أنها فاقت غيرها حتى في الصفات المشتركة؛ ذلك أن مبنى هذه النظرة راجع لما أوحى به الله تعالى وأنزله على عباده.
إن من أهم ما تميزت به النظرة الإسلامية عدم طغيان جانب على آخر، ومراعاة جميع الجوانب للإنسان، فللجوانب الإيمانية والروحانية الحظ الأوفر، وللمعاش والسعي وعمارة الأرض نصيبه الذي يحقق المبتغى منه، وللراحة وإعطاء النفس حقها منها وحظها المقدر لها أيضا، فلا هي مادية صرفة، ولا روحانية رهبانية صرفة، بل مزيج معتدل يراعي المصالح الخاصة والعامة والجوانب المختلفة للإنسان، وإن كان للعبادة ومراعاة الآخرة الحظ الأوفر في ذلك، ذلك مع النظرة الحكيمة في توزيع الوقت بين المهام المختلفة.
ومما تميزت به النظرة الإسلامية أيضا أن العمر يحسب باللحظة،
وأن القليل منه يساوي الكثير، فيمكن للمسلم أن يحصّل الأجر العظيم في الوقت اليسير بتوفيق من الله للعبد في ذلك.
وسنناقش بعض ما تميزت به النظرة الإسلامية للوقت من خلال النظر إلى أهميته وقيمة القليل والكثير منه.
أولا: إعطاء قيمة عظمى للوقت
الوقت في النظرة الإسلامية بالغ الأهمية؛ حيث ينظر إليه على أنه بضاعة الإنسان الحقيقية في هذه الدنيا، وأن الكثير منه أو القليل ذو قيمة عالية، وأن ضياع أي مقدار منه هو في الحقيقة انتقاص من عمر الإنسان، وليس نقصا من عمره فحسب، بل يتبع ذلك ضرر جسيم به، وقد عبر عدد من الأئمة عن تلك المعاني في جملة من مصنفاتهم.
قال ابن القيم: (فكل نَفَس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظ لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه: خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن: ﴿يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ﴾ [آل عمران: 30])(94) .
وقال ابن قدامة: (فإن بهذه الحياة اليسيرة خلود الأبد
في النعيم، أو العذاب الأليم، وإذا عادلت هذه الحياة بخلود الأبد علمت أن كل نَفَس يعدل أكثر من ألف ألف ألف عام في نعيم لا خطر له أو خلاف ذلك، وما كان هكذا فلا قيمة له)(95)
ثانيا: الوقت أعظم من أن يضيع منه شيء
لا يخفى قيمة الوقت وشرف منزله في النظرة الإسلامية للوقت، فقد بلغ منزلة ربما لا تضاهى، حتى أنه على بمنزلة عن أن يضيع منه القليل، أو يذهب منه اليسر في غير محله، وقد عبر بعض العلماء عن ذلك.
قال ابن مفلح: (فصل في العناية بحفظ الزمان واتقاء إضاعته فيما لا فائدة فيه من الزيارات وغيرها:
قال ابن الجوزي — رحمه الله : رأيت العادات قد غلبت على الناس في تضييع الزمان فهم يتزاورون فلا ينفكون عن كلام لا ينفع وغيبة، وأقله ضياع الزمان، وقد كان القدماء يحذرون من ذلك قال الفضيل: أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة..، وقد كان جماعة قد قعدوا عند معروف وأطالوا، فقال: إن ملك الشمس لا يفتر عن سوقها فمتى تريدون القيام؟...
واعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة، فكم يضيع للآدمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل، وهذه الأيام مثل المزرعة، وكأنه
قد قيل: للإنسان كلما بذرت حبة أخرجنا لك ألفا، هل ترى يجوز للعاقل أن يتوقف عن البذر أو يتوانى؟ والذي يعين على اغتنام الزمان الانفراد والعزلة مهما أمكن والاختصار على السلام أو حاجة مهمة لمن يلقى، وقلة الأكل فإن كثرته سبب النوم الطويل وضياع الليل، ومن نظر في سير السلف وآمن بالجزاء بان له ما ذكرته)(96)
ثالثا: الوقت يُحسب باللحظة ويعد بالأنفاس، ومحاسبة النفس تكون على هذا القدر منه
كانوا يصفون الإنسان بأنه أنفاس معدودة وأرزاق معدودة، فكأنما مثلوا عمره بعدد من الأنفاس، متى بلغه انتهى عمره، لذا كان العمر عندهم يحسب بالنَفَس، فكلما خرج من الإنسان نَفَس من الأنفاس كلما نقص من عمره بمقداره.
قال الرازي: (فلو ضيعت ألف سنة، ثم تبت في اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد، فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة، فكأن الدهر والزمان من جملة أصول النعم، فلذلك أقسم به ونبه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها المكلف(97) ) .
وقال ابن الجوزي: (وإهمال المحاسبة للنفس أصل التفريط، وأن
العمر إن لم يستدرك أدركه الفوت، وأن مراحل الأنفاس تسرع بالراكب إلى منزل الموت)(98)
قال ابن القيم: (فكل نَفَس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة.. فإضاعة هذه الأنفاس.. خسران عظيم)(99) .
وقال ابن قدامة: (وإذا عادلت هذه الحياة بخلود الأبد علمت أن كل نَفَس يعدل أكثر من ألف ألف ألف عام)(100) .
رابعا: لكل واجب من الواجبات، وكل حاجة من احتياجات النفس وقتها المقدر لها
تتعدد الواجبات والاحتياجات الإنسانية، وكان مما تميزت به النظرة الإسلامية للوقت أنها تراعي جميع الجوانب الإنسانية؛ فلا يعطى جانب المادة كل الوقت، ولا يعطى العبادة كل الوقت، ولا تهمل الراحة والترويح بينهما، وذلك مصداق للحديث الشريف، حين قال سلمان — رضي الله عنه : إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فَأَعْطِ كل ذي حق حقه، فقال النبي — صلى الله عليه وسلم : «صدق سلمان»(101) ، ولما جاء في كتاب الله تعالى: ﴿وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ﴾ [القصص: 77].
وهذا التوازن من السمات الأصيلة في الإسلام، فقد روى مسلم — رحمه الله — عن حنظلة الأسيدي، قال: — وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم — قال: لقيني أبو بكر، فقال: كيف أنت؟ يا حنظلة قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة، يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما ذاك؟» قلت: يا رسول الله نكون عندك، تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» ثلاث مرات(102) .
فهكذا إذن تكون إدارة الوقت، ساعة وساعة، ساعة للعبادة والذكر، وساعة للعمل والجد، وساعة للترويح، وتوازن بديع، بتقدير من اللطيف الخبير سبحانه.
خامسا: الحث على المداومة على العمل بلا انقطاع ولا فتور
لا تخفى روح الجهد والاجتهاد، والعمل غير المنقطع في عموم الشريعة بين آيات الذكر الحكيم، كقوله تعالى: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ٩٩﴾ [الحجر: 99] وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ٧﴾ [الشرح: 7]، والسنة المشرفة، كما في قول عائشة — رضي الله عنها — عن النبي — صلى الله عليه وسلم : كان عمله دِيمَةً(103) ، وقوله — صلى الله عليه وسلم : (إن قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسيلة فليغرسها)(104) .
قال ابن الجوزي: (فصل: لا تُضَيّعْ لحظة في غير قربةٍ: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل)(105) .
سادسا: الموازنة والاعتدال في تقسيم الأوقات
لاشك أن الموازنة في تقسيم الوقت مطلب حثيث، ولا شك أيضا أن الموازنة في هذا التقسيم مطلب لا يقل أهمية عن التقسيم نفسه، وقد روعي ذلك تمام المراعة في النظرة الإسلامية
للوقت.
قال ابن قدامة: (واعلم: أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فالاعتدال أن ينام من ذلك الثلث، وهو ثمان ساعات، فمن نام أقل من ذلك لم يأمن اضطراب بدنه، ومن نام أكثر من ذلك كثر كسله)(106) .
سابعا: طلب الأجر في كل لحظة حتى ما كان منه للنوم والراحة
ومن أهم ما تمتاز به النظرة الإسلامية هو طلب الأجر من الله تعالى في كل عمل كبير أو صغير، حتى في وقت الراحة والمرح إن حَسُنت النية:
فعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، أن معاذا سأل أبا موسى — رضي الله عنهما : يا عبد الله، كيف تقرأ القرآن؟ قال: أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي(107) .
وقال ابن قدامة وهو يقسم الأعمال المنوطة بالإنسان في يومه وليلته: (الورد الرابع: النوم، وإنما عددناه من الأوراد؛ لأنه إذا روعيت آدابه، وحسن المقصود به احتسب عبادة)(108) .
ثامنا: مراعاة اختلاف الأحوال بين الناس
ومما تميزت به أيضا النظرة الإسلامية أكثر من غيرها هي مراعاة اختلاف الأحوال بين الناس، وأن ما يجب على المتفرغ يختلف عمّا يجب على المنشغل، أو صاحب العذر.
قال ابن قدامة: (فصل في اختلاف الأوراد باختلاف الأحوال:
اعلم: أن السالك لطريق الآخرة لا يخلو من ستة أحوال: إما أن يكون عابداً، أو عالماً، أو متعلما.. وقد تختلف وظائفه، فقد كانت أحوال المتعبدين من السلف مختلفة، فمنهم من كان يغلب على حاله التلاوة.. ومنه من يكثر الصلاة، ومنه من يكثر الطواف بالبيت.
فإن قيل: فما الأولى أن يصرف إليه أكثر الأوقات من هذه الأوراد؟
فاعلم أن قراءة القرآن في الصلاة قائما مع التدبر يجمع الجميع، ولكن ربما عسرت المواظبة على ذلك، والأفضل يختلف باختلاف حال الشخص، ومقصود الأوراد تزكية القلب وتطهيره، فلينظر المريد ما يراه أشد تأثيراً فيه فليواظب عليه.. العالم: الذي ينتفع الناس بعلمه في فتوى، أو تدريس، أو تصنيف، أو تذكير، فترتيبه في الأوراد يخالف ترتيب العابد.. والأولى بالعالم أيضاً أن يقسم أوقاته، لأن استغراق الأوقات في العلم لا تصبر عليه النفس..)(109) .
تاسعا: الوقت الممنوح للإنسان كفيل بتحقيق الأعمال المنوطة به
ومن خصائص النظرة الإسلامية للوقت أيضا أن الوقت الممنوح من الله للعبد فيه الكفاية للقيام بما يناط به من أعمال.
قال تعالى: ﴿أَوَ لَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر 37].
قال الزمخشري: (﴿أَوَ لَمۡ نُعَمِّرۡكُم﴾ توبيخ من الله.. وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر، إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم)(110) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بَلَّغَه ستين سنة»(111) .
عاشرا: المباركة في الوقت عموما، وفي أوقات بعينها خصوصا
من أهم الميزات والخصائص أن الله تعالى يبارك في الأوقات لعباده، وأن ذلك من إعانته سبحانه وتعالى وتوفيقه لهم:
فعن صخر الغامدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها». وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار «وكان صخر رجلا تاجرا، وكان يبعث
تجارته من أول النهار فأثرى وكثر ماله»(112)
قال ابن بطال: («اللهم بارك لأمتي في بكورها» لا يدل أن غير البكور لا بركة فيه؛ لأن كل ما فعل النبي — صلى الله عليه وسلم — ففيه البركة، ولأمته فيه أكبر الأسوة. وإنما خص — صلى الله عليه وسلم — البكور بالدعاء بالبركة فيه من بين سائر الأوقات — والله أعلم — لأنه وقت يقصده الناس بابتداء أعمالهم، وهو وقت نشاط وقيام من دعة، فخصه بالدعاء؛ لينال بركة دعوته جميع أمته)(113) .
وعن أبي هريرة، عن النبي — صلى الله عليه وسلم — قال: «واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة»(114) .
فجاء الأمر بالاستفادة من الأوقات المباركة وأوقات النشاط.
قال ابن حجر: (قوله: «استعينوا بالغدوة» أي استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة)(115) .
وقال عبد الرحمن بن سعدي: (ختم الحديث بوصية خفيفة على النفوس، وهي في غاية النفع. فقال: «واسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» وهذه الأوقات الثلاثة كما أنها السبب الوحيد لقطع المسافات القريبة والبعيدة في الأسفار الحسِّية، مع راحة المسافر، وراحة راحلته، وصوله براحة وسهولة، فهي السبب الوحيد لقطع السفر الأخروي، وسلوك الصراط المستقيم، والسير إلى الله سيراً جميلاً. فمتى أخذ العامل نفسه، وشغلها بالخير والأعمال الصالحة المناسبة لوقته أوّل نهاره وآخر نهاره وشيئاً من ليله، وخصوصاً آخر الليل حصل له من الخير ومن الباقيات الصالحات أكمل حظ، وأوفر نصيب، ونال السعادة والفوز والفلاح، وتم له النجاح في راحة وطمأنينة، مع حصول مقاصده الدنيوية، وأغراضه النفسية، وهذا من أكبر الأدلة على رحمة الله بعباده بهذا الدين الذي هو مادة السعادة الأبدية؛ إذ نصبه لعباده، وأوضحه على ألسنة رسله، وجعله ميسراً مسهلاً، وأعان عليه من كل وجه. ولطف بالعاملين، وحفظهم من
القواطع والعوائق)(116)
فإن من توفيق الله وإعانته للعبد مباركته له في وقته.
قال ابن القيم: (وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت، وجعل وقته مساعدا له، وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه، وناكده وقته، فكلما أراد التأهب للمسير لم يساعده الوقت، والأول: كلما همت نفسه بالقعود أقامه الوقت وساعده)(117) .
حادي عشر: تكليف النفس بما تطيق من العمل
ومن الخصائص الحميدة الحكيمة تكليف النفس بما تطيق من العمل، وعدم الإثقال والتشديد عليها، وذلك طلب لحصول النشاط لها، والقدرة على الاستمرار وتحقيق الأهداف.
فعن عائشة، أن النبي — صلى الله عليه وسلم — دخل عليها وعندها امرأة، قال: «من هذه؟» قالت: فلانة، تذكر من صلاتها، قال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يَمَلُّ الله حتى تملوا»(118) .
وعن أبي هريرة — رضي الله عنه ، عن النبي — صلى الله عليه وسلم — قال: «إن الدين يسر، ولن يُشَادَّ الدِّينَ أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا»(119) .
فكان الهدي النبوي أن يكلف الإنسان نفسه ما يطيق، وليس ذلك طلبا للراحة، وإنما مراعاة لحال النفس، وطلبا لاستدامة العمل، وطردا لما يجلب للنفس الملل والضجر، فتنقطع عن العمل.
ثاني عشر: ضياع الوقت ضياع لما وجب فيه من العمل
ومما تتضمنه النظرة الإسلامية للوقت أن لكل وقت واجبه الخاص، فإذا ضاع شيء من الوقت ضاع معه ما كان يجب فيه، وإذا جاء الوقت الذي يليه جاء بما يجب فيه أيضا، وأن ذلك مما يشمله معنى قولهم: إن ما ضاع من الوقت لا يمكن تعويضه.
قال ابن القيم: (والوقت أعز شيء عليه، يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك، فإذا فاته الوقت لا يمكنه استدراكه البتة؛ لأن الوقت الثاني قد استحق واجبه الخاص، فإذا فاته وقت فلا سبيل له إلى تداركه. كما في المسند مرفوعا: «من أفطر يوما من رمضان، متعمدا من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر، وإن صامه»)(120) .
فهذا شيء مما تميزت به النظرة الإسلامية للوقت من سمات، وقد برزت هذه السمات والمزايا من مبادئ: الشمولية، والاعتدال، والتوازن، وإيفاء الحقوق، ومراعاة الجوانب المختلفة للإنسان؛ التي يراعيها الإسلام، لذا تجد أن الوقت في توزيعه والتعامل معه كان مقسمًا بين
هذه الجوانب، مراعيا اختلاف الأحوال.
ولما كان الآل والأصحاب — رضوان الله عليهم — أفعالهم وطريقتهم نابعة من الإسلام: قرآنًا وسنة، كان ما أثر عنهم من تراثهم في باب إدارة الوقت يسير وفق هذا المنهج الرباني، والسنة النبوية الشريفة، فسنجد أن الوارد عنهم في الباب مندرج تحت هذه المعاني وتلك السمات، كما سنرى فيما يلي إن شاء الله تعالى.
الفصل الثاني
إدارة الوقت
في تراث الآل والأصحاب
الفصل الثاني
إدارة الوقت في تراث الآل والأصحاب
لا شك أن إدارة الوقت من جهة الاصطلاح أمر مستحدث، لكن من جهة حقيقته فهو موجود بقدم الإنسان، إلا أنه تطور بتطور حياته، ولما كان مبناه على استهلاك الوقت في الأنفع فضلا عن النافع، وحسن توزيعه على المهام المختلفة، والاحتياجات المتنوعة، كان تطبيقه بحاجة إلى علم بذاك النافع والأنفع، وحكمة في التطبيق، وعزيمة على المواصلة على هذا النمط، وما من شك أن أولى من توفرت فيه هذه الصفات من نعم بصحبة سيد ولد آدم — صلى الله عليه وسلم — وآل بيته الكرام.
وسوف نعرض لشيء من الوارد عنهم في الباب، بحسب المباحث المعاصرة في فن إدارة الوقت.
المبحث الأول أهمية الوقت عند الآل والأصحاب، ونظرتهم إليه
فهذا الحسن البصري — رحمه الله — يحكي عمّن رآه من الصحابة(121) ، وعن حرصهم الشديد على الوقت، حتى يصل بهم في الوصف في إنفاق الوقت بالشح، وأنهم كانوا أحرص على أوقاتهم من غيرهم على ماله درهمه وديناره.
فقد كان القوم أحرص ما يكونون على وقتهم، لا يبذلونها بسخاء إلا فيما ينفع، قال الحسن: أدركت أقواما كان أحدهم أشح على عمره منه على درهمه وديناره(122) .
وكانوا كذلك ينظرون للوقت على أنه وقت الزرع، الذي يتبعه وقت الحصاد، وذلك ترغيبا للعمل والاجتهاد فيه؛ ابتغاء تحصيل أفضل الثمار.
فعن عبد الرحمن بن حجيرة، عن أبيه، قال: كان عبد الله بن مسعود إذا قعد يقول: إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيرا يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع ما زرع(123) .
وذلك لعلمهم أن الوقت بضاعتهم في الدنيا، وأن سعيهم في هذه الحياة الدنيا ما هو إلا سبب للفوز العظيم، فتعاملوا مع الوقت على هذا الأساس، وزاد حرصهم عليه.
لذا فقد ندموا على ضياعه أشد الندم، فقد روي عن ابن مسعود — رضي الله عنه — أنه قال: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه؛ نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي(124) .
فهم من تعلموا من النبي — صلى الله عليه وسلم — أن يعملوا لآخر ساعة من أعمارهم، حين قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم : «إن قامت على أحدكم القيامة، وفي يده فسيلة فليغرسها»(125) .
لذا كانوا يمقتون الرجل إذا كان مضيعا وقته وعمره بلا نفع؛ لا هو
في عمل من أعمال الدنيا ولا أعمال الآخرة، فعن عمر رضي الله عنه قال: إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا؛ لا في عمل دنيا، ولا في عمل آخرة(126)
وقال ابن مسعود — رضي الله عنه : إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا؛ ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة(127) .
ولما كان الوقت ثمينا عندهم، فقد حرصوا عليه أشد الحرص، وتنوعت الصور في تقديرهم له.
ومن تلك الصور:
الوقت محل للتسابق والمنافسة في الخيرات
فكان الوقت بالنسبة لهم كحلقة سباق، يتسابقون فيها إلى بلوغ الغاية، ويتنافسون في الخيرات في هذا المضمار، عملا بقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ٢٦﴾ [المطففين: 26]، وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [الحديد: 21].
فعن أبي عبد الرحمن، قال: قام حذيفة بالمدائن فخطب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ﴿ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ١﴾ [القمر: 1]: ألا إن
الساعة قد اقتربت، وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد أذنت بالفراق، ألا وإن المضمار اليوم، وإن السباق غدا، وإن الغاية النار، وإن السابق من سبق إلى الجنة(128)
مراعاة الدقة في المواعيد
عظّم الآل والأصحاب — رضوان الله عليهم — شأن الوقت، واهتموا بمراعاة الدقة في المواعيد، كما أمروا بذلك من خلال مراعاة هذه الدقة في إقامة شعائر الإسلام.
ومن ذلك حرصهم الشديد على أن تكون شعيرة الصلاة على وقتها، ولم يسمحوا بالتهاون في ذلك، ولو بقدر يسير.
فعن عن إبراهيم النخعي قال: كانوا إذا أذن المؤذن بليل أتوه فقالوا: اتق الله، وأعد أذانك(129) ، وهذا تصديقا لما جاءت به السنة المشرفة عن ابن عمر — رضي الله عنهما — أن رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قال: « إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم»، قال: ما كان بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا(130) .
ومع أن الفارق قليل بحيث أنه ما بين الأذانين إلا أن ينزل
هذا، ويصعد ذاك، إلا أن الدقة في الميعاد اقتضت مراعاة مثل هذا الفارق لأهمية التوقيت.
وكانوا أيضا يوصون بمثل هذه الدقة في المواعيد، ويكتب بها الخليفة إلى الأمصار، يوصي بذلك عماله، فتصير تلك الدقة نظاما عاما تسير عليه الدولة وعموم الناس، فعَنِ ابن عمر قال: كتب عمر إلى أهل الأمصار: (أن صلوا الظهر إذا زالت الشمس إلى أن يكون ظل كل شيء مثله، والعصر والشمس باقية قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة، والمغرب حين تغرب الشمس وتدخل الليل، والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل، لا تشاغلوا عن الصلاة، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه)(131) .
وفي لفظ عن نافع، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله: (إن أهم أموركم عندي الصلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لسواها أضيع.
ثم كتب: أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعا إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة، والمغرب إذا غربت الشمس، والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، والصبح والنجوم بادية مشتبكة)(132) .
وكان ذلك منهجا مطَّردًا عند جميعهم، فعن عبد الله بن عمرو — رضي الله عنه — أيضا قال: (إذا زالت الشمس عن بطن السماء، فصلاة الظهر دركا حتى يحضر العصر، وصلاة العصر دركا حتى يذهب الشفق، فما بعد ذلك إفراط، وصلاة العشاء درك، حتى نصف الليل، فما بعد ذلك إفراط، وصلاة الفجر درك، حتى تطلع قرن الشمس، فما بعد ذلك فهو إفراط)(133) .
وقد أسس عبد الله بن عمرو — رضي الله عنهما — هذه الدقة على ما تعلمه من رسول الله — صلى الله عليه وسلم ، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: سئل رسول الله — صلى الله عليه وسلم — عن وقت الصلوات، فقال: «وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول، ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء، ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، ويسقط قرنها الأول، ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس، ما لم يسقط الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل»(134) .
وعن قتادة، أن ابن مسعود قَالَ: «إن للصلاة وقتا كوقت الحج»(135) .
ولم تكن تلك الدقة في المواعيد قاصرة على أمر الصلاة فحسب، فقد أدرك القوم حساب ساعات اليوم والليلة، ورتبوا أمورهم بدقة وفقًا لذلك.
مرور الوقت في الحقيقة نقصان من العمر واستهلاك له
وكانوا يعلمون أن مرور الوقت هو في الحقيقة نقصان من عمر الإنسان، وأن نقصان يوم من عمره هو نقصان من بعضه.
قال أبو الدرداء: «ابن آدم طأ الأرض بقدمك، فإنها عن قليل تكون قبرك، ابن آدم إنما أنت أيام، فكلما ذهب يوم ذهب بعضك، ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ يوم ولدتك أمك»(136) .
وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال في خطبته: (اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه)(137) .
فلما نظروا لمرور الوقت على أنه استهلاك للعمر، كانوا أحرص ما يكونون عليه.
فهذا عمر رضي الله عنه يحث على العمل، ويأمر بترك اتباع الهوى، حرصا منه على العمر، وتحذيرا من ضياعه، فعن أبي هريرة، قال: كان عمر بن الخطاب إذا خطب الناس يقول في خطبته: (أفلح منكم من حفظ من الهوى والطمع والغضب، ليس في ما دون الصدق من الحديث خير، من يكذب يفجر، ومن يفجر يهلك، إياكم والفجور، وما فجور عبد خلق
من تراب، وإلى التراب يعود، وهو اليوم حي، وغدا ميت؟ اعملوا يوما بيوم، واجتنبوا دعوة المظلوم، وعدوا أنفسكم من الموتى)(138)
بذل الوقت في الغالي والنفيس
ولما علموا قيمة الوقت، وأنه هو الحياة، وعظمت عندهم قيمته فلم يرضوا إلا أن يبذل في الغالي والنفيس.
قال محمد بن الحنفية محمد بن علي بن أبي طالب — رضي الله عنهما : من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر(139) .
وقال ابن الحنفية أيضا: إن الله جعل الجنة ثمنا لأنفسكم فلا تبيعوها بغيرها(140) .
التحفيز على عدم إضاعة الوقت
وكانوا حريصين على التوجيه والإرشاد والتحفيز على عدم إضاعة الأوقات، واستغلالها أفضل استغلال.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه
إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا، محزونا، حليما، سكيتا، لينا. ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيا، ولا غافلا، ولا سخابا، ولا صياحا، ولا حديدا)(141)
وقال علي رضي الله عنه: (إن أخوف ما أخاف عليكم: اتباع الهوى، وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن سبيل الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة. ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة ألا وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل)(142) .
محاسبة النفس مخافة ضياع الوقت في غير نفع
وكانوا يأمرون أنفسهم وإخوانه بمحاسبة النفس، تشديدا على الحرص على الخير، وعدم إضاعة العمر في غير نفع.
عن عمر ابن الخطاب — رضي الله عنه : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر: ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ١٨﴾ [الحاقة: 18])(143) .
وعن
عمر رضي الله عنه أيضا قال وهو يخطب الناس: «تعلمن أن الطمع فقر حاضر، وأن اليأس غنى حاضر، ومن أيس عن شيء استغنى عنه»(144)
ومن المواعظ البليغة في الحفاظ على العمر، واستغلال الأوقات في الطاعة قبل فوات الأوان ما ذكره الطبراني في الكبير عن أبي بكر رضي الله عنه فقد روى عن نعيم بن نمحة قال: كان في خطبة أبي بكر: (أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم، فمن استطاع أن يقضي الأجل وهو في عمل الله تعالى فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله عز وجل إن قوما جعلوا آجالهم لغيرهم فنهاكم أن تكونوا أمثالهم، ولا تكونوا كالذين نسوا الله، أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم وحلوا
فيه بالشقوة والسعادة، أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحفوها بالحوائط قد صاروا تحت الصخر والآبار، هذا كتاب الله عز وجل لا تفنى عجائبه فاستضيئوا منه ليوم ظلمة واتضحوا بشأنه وبيانه، إن الله عز وجل أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ٩٠﴾ [الأنبياء: 90] لا خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن لا يغلب حلمه جهله، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم)(145)
حساب الوقت وساعات الليل والنهار
وكانوا يعرفون حساب الوقت، وتقسيمه إلى عدد مضبوط من الساعات، فعن عبد الله بن سلام قال: «النهار اثنتا عشرة ساعة، والساعة التي يذكر فيها من يوم الجمعة ما يذكر آخر ساعات النهار»(146) .
المبحث الثاني استثمار الوقت وعدم إضاعته
كان صحابة رسول الله — صلى الله عليه وسلم — وآل بيته الأطهار — رضوان الله عليهم أجمعين — أحرص الناس على استثمار أوقاتهم في كل نافع، وكانوا أحرص الناس وأشدهم تمسكا بذلك، فعلموا وعملوا من أمور الدين والدنيا ما يثير الإعجاب والانبهار بأعمالهم واستغلال أوقاتهم.
ولاستثمار الوقت عندهم صور عدة، منها:
الاستفادة من الوقت بعمل الخيرات على كل حال
فمن ذلك قراءتهم للقرآن وذكر الله تعالى على كل حال، في حال الوضوء بالأصالة، وعلى غير وضوء، فعن ابن المسيب يقول: ربما سمعت أبا هريرة يقرأ؛ يحدر السورة، وإنه لغير متوضئ(147) .
عن ابن سيرين قال: خرج عمر بن الخطاب من الخلاء فقرأ آية أو آيات قال له أبو مريم الحنفي: أخرجت من الخلاء وأنت تقرأ؟ قال
له عمر: أمسيلمة أفتاك بهذا؟! وكان مع مسيلمة(148)
وعن الحسين بن علي، عن علي — رضي الله عنهما — قال: أشد الأعمال ثلاثة: إعطاء الحق من نفسك، وذكر الله على كل حال، ومواساة الأخ في المال(149) .
وعن علي قال: اقرأ القرآن على كل حال ما لم تكن جنبا(150) .
وهذه — عائشة — رضي الله عنها — تقرأ القرآن مضطجعة، فعن الأسود قال: قالت عائشة: إني لأقرأ جزئي — أو قالت حزبي ، وإني لمضطجعة على السرير(151) .
وعن فاطمة بنت حسين بن علي بن أبي طالب: أنها كانت تسبح بخيوط معقود فيها(152) .
الأمر بالمحافظة على الوقت، والنهي عن إضاعته
وكان عمر رضي الله عنه من حرصه على استفادة الرعية بأوقاتهم أن يدفعهم لذلك
دفعا، فعن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: كان عمر بن الخطاب يعس(153) المسجد بعد العشاء، فلا يرى فيه أحدا إلا أخرجه، إلا رجلا قائما يصلي، فمر بنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبي بن كعب، فقال: من هؤلاء؟، قال أبي: نفر من أهلك يا أمير المؤمنين، قال: ما خلفكم بعد الصلاة؟، قال: جلسنا نذكر الله، قال: فجلس معهم، ثم قال لأدناهم إليه: خذ، قال: فدعا فاستقرأهم رجلا رجلا يدعون، حتى انتهى إليّ، وأنا إلى جنبه، فقال: هات، فحصرت(154) وأخذني من الرعدة أفكل(155) حتى جعل يجد مس ذلك مني، فقال: ولو أن تقول: اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا..(156)
وعن عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما أن عمر كان إذا خرج إلى ناد في المسجد، قال: إياكم واللغط(157)
فعمر — رضي الله عنه — يخرجهم من المسجد حتى لا تضيع أوقات الناس في القيل والقال بلا نفع، ويمنعهم من اللغط، وإنما يأمرهم بالذهاب لمصالحهم، أو لراحة أبدانهم، ما لم يكن عملا صالحا يشغلهم.
ونحو ذلك صنع ابن مسعود — رضي الله عنه ، فعن أبي عمرو الشيباني، قال: رأيت عبد الله بن مسعود، يعس المسجد بالليل فلا يرى فيه سوادا إلا أخره إلا رجلا قائما يصلي(158) .
وكذلك كان يفعل أبو ذر — رضي الله عنه — في حث الناس على حسن استغلال الوقت، قال الثوري: كان أبو ذر رضي الله عنه، يقول: إني لكم ناصح، إني عليكم شفيق، صلوا في ظلمة الليل لوحشة القبور، صوموا لحر يوم النشور، تصدقوا مخافة يوم عسير، وقال: يكفي الدعاء مع البر ما يكفي الملح من الطعام(159) .
الحث على سرعة القراءة مع الإتقان اختصارًا للأوقات والحفاظ عليها
قد بلغ بهم شدة الحرص على الوقت مبلغا عظيما، حتى
استحبوا السرعة في القراءة، على غرار ما ينظِّر له المهتمون بهذا الشأن من المعاصرين.
فقد روي أن ابن عباس حثَّ على سرعة القراءة لرسالة وصلته، فعن سعيد بن جبير: أن امرأة من أهل الكوفة كتبت إلى ابن عباس بكتاب فدفعه إلى ابنه ليقرأه، فتعتع فيه، فدفعه إليّ فقرأته، فقال ابن عباس: (أما لو هذرمته(160) كما هذرمها الغلام المصري)(161) .
بغضهم إضاعة الوقت، أو استحقار شيء من الأعمال
فإن كان الأمر كذلك في الاهتمام بالوقت، والحرص على استغلاله على أكمل وجه، فقد جاء عنهم في المقابل ما يفيد بغضهم إضاعة الوقت، أو استحقار شيء من العمل، أو التقليل من شأنه، لأن الحساب سيكون بمثقال الذرة.
عن ابن مسعود من قوله: (إني لأكره الرجل فارغا لا في عمل الدنيا، ولا في الآخرة)(162) .
وقد روي عن عمر — رضي الله عنه — نحو هذا، المعنى — ولكنه غير ثابت عنه ، بلفظ: (إني لأكره أن أرى أحدكم سَبَهْللا، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة)(163) .
وقد روي عن أبي الدرداء أنه قال: (لولا ثلاث خلال لأحببت أن لا أبقى في الدنيا، فقلت وما هن؟ فقال: لولا وضوع وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار؛ تقدمة لحياتي، وظمأ الهواجر، ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام كما تنتقى الفاكهة. وتمام التقوى أن يتقي الله العبد، حتى يتقيه في مثقال ذرة، حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما، حاجزا بينه وبين الحرام، إن الله تعالى قد بين للعباد الذي هو مصيرهم إليه، قال الله عز وجل: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ٨﴾ [الزلزلة: 7 — 8]، فلا تحقرن شيئا من الشر أن تتقيه، ولا شيئا من الخير(164) أن تفعله) .
عدم الاكتفاء بالأقوال الجوفاء التي لا عمل يصدقها
وكانوا يهتمون بالعمل، ويعجبهم ذلك، ولا يعجبهم الاكتفاء بمجرد القول، الذي هو ضياع أجوف للوقت والعمر.
فعن القاسم بن محمد، قال: «أدركت أصحاب رسول الله — صلى الله عليه وسلم — وهم يعجبهم الفعل، ولا يعجبهم القول، وإنا اليوم يعجبنا القول ولا يعجبنا الفعل، يعني العمل»(165) .
الإلمام بشؤون الحياة المختلفة والمشاركة فيها
ومع ما قاموا به من أعمال عظام في حياتهم، ومع انشغالهم تجد الواحد منهم مع انشغاله بالأمور العظام إلا أنه له باع أيضا في مساعدة أهله في أمور البيت.
فهذا عمر — رضي الله عنه — مع انشغاله بشؤون الخلافة، إلا أنك تراه مع ما كان على عاتقه من المهام، وما عرف عنه من اهتمامه بشؤون الرعية إلا أنه لم يكن ذلك هو الشيء والوحيد الذي يعلمه أو يعمله، فقد كان على دراية بشؤون الحياة اليومية والأعمال المنزلية العادية التي أثارت إعجاب معاصريه ورعيته، فكان على علم بأمور الطعام وإعداده، إلا أنه ترك ذلك طلبا للأجر، وإنفاقا للوقت فيما هو أنفع.
فعن حفص بن أبي العاصي، قال: (كنا نتغدى عند عمر بن الخطاب بخبز جشب(166) وكان ينهى الناس أن ينخلوا الدقيق، ويقول: هو طعام، فنتغدا ثريدا بلبن، أو ثريدا بلحم غليظ، فلا يأكل القوم. فقلت: يا أمير المؤمنين إنهم يرجعون إلى طعام هو ألين منه. فقال: أو ما كنت تراني أحسن أعمد إلى صاع أو صاعي زبيب فيرش عليه من الماء
ثم يصفى كأنه دم الغزال، وأعمد إلى صاع أو صاعي دقيق فيحور لي، وأعمد إلى عناق فتذبح ويلقى عنها شعرها، ثم تخرج من التنور كأنه صنا؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين إني أراك عالما بطيب الطعام؟ قال: أجل والله الذي لا إله إلا هو، ولكني لا أتعجل طيباتي، وقد سمعت الله ذكر قوما فقال: ﴿أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ﴾ [الأحقاف: 20])(167)
فكان — رضي الله عنه — يترك لين الطعام ادخارا للأجر والثواب عند الله تعالى، وليس جهلا به، بل إنه حتى كان يحسن صنعه، ويجمع الناس على طعام خشن مع انشغاله بأعمال الخلافة، فيتعلموا من فقهه وزهده.
المبحث الثالث تخطيط الوقت وتنظيمه
تخطيط الوقت، وتنظيمه، وتوزيعه على المهام المختلفة من أساسيات إدارة الوقت وأهم لوازمه، وبالنظر في سير الآل والأصحاب تجد أنه أمر معروف ومعمول به عنده؛ إذ يبدو جليا في نظام حياتهم، وعموم سيرتهم، ولعل ذلك كان أقرب لسجيتهم وفطرتهم، فحين تنظر لأحوالهم ترى كأنهم أجادوا تطبيق كل ما كتبه المعاصرون في هذا الباب، وأتقنوه أيما إتقان، بل وزادوا على ما ذكره المعاصرون بشكل تنظيري في صورة مقترحات ونماذج، فترى منهم في ذلك تطبيقا عمليا رائعا بلا فلسفات كلامية، أو تنظيرات بعيدة عن الواقع، وكأن سجيتهم جبلت على ذلك.
فحين ترى الخليفة أو الأمير — ومن على شاكلتهم ممن تكاثرت عليهم المشاغل — يجد الوقت ليصلح من شأن آحاد رعيته، أو يقوم بأعمال بيته، واحتياجات خاصة أهله، توقن أنهم أتقنوا إدارة الوقت بشكل ربما لا نظير له.
فهذا عمر رضي الله عنه وهو خليفة المسلمين يصلح بنفسه من
أحوال بعض الجند، فعن السائب بن يزيد، قال: رأيت عمر بن الخطاب السنة يصلح أداة الإبل التي يحمل عليها في سبيل الله، براذعها(168) وأقتابها(169) فإذا حمل الرجل على البعير جعل معه أداته(170)
وهذا أبو هريرة — رضي الله عنه — وهو أمير يومئذ، يذهب يجمع الحطب لبيته وحاجة أهله، ويضاحك رعيته، فعن ثعلبة بن أبي مالك: أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمة حطب، وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك، فقلت: أصلحك الله، يكفي هذا، قال: وسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك، والحزمة عليه(171) .
فكيف مع أدائهم لما كلفوا به من إدارة شؤون المسلمين ورعاية مصالح الأمة كانوا يجدون الوقت لمثل هذه الأمور، التي قد يترفع عنها من هم أقل منهم شأنا وانشغالا في يومنا هذا؟ فيا عجبا لما كانوا عليه!! — رضي الله عنهم .
فلما كانوا على ذلك القدر وتلك القدرة على إدارة أوقاتهم، كان لتخطيط الوقت وتنظيمه عندهم ملامح مميزة، وسنستعرض ذلك
من خلال الجوانب التي ذكرها المعاصرون في مسائل إدارة الوقت.
إن توزيع الوقت بين الأعمال، أو تقسيم وأقات النهار، وأوقات الليل إلى أجزاء مناسبة لما تعلق بها من مهمات، والتعاون في والتعاون وتقسيم الأعمال بين الأفراد المشتركة في جانب من الجوانب، أو تفريغ الطاقة للمهام العظام، ونحو ذلك من المسائل المتعلقة بتخطيط الوقت وتنظيمه، كان لكل ذلك صور رائعة، في سير الآل والأصحاب — رضوان الله عليهم أجمعين ، ومن ذلك:
تقسيم الوقت
لا شك أن تقسيم الوقت يبدو للوهلة الأولى من أساسيات تخطيط الوقت وتنظيمه، إذ ربما لا يمكننا تنظيم الوقت من غير تقسيمه، فمن البديهي أن يكون هناك أعمال تناسب الليل، وأخرى للنهار، ووقت النهار نفسه، هناك ما يتناسب مع أوله، وما يتناسب مع آخره، وكذلك وقت الليل، وأعمال تناسب وقت النشاط وحضور الذهن وأخرى تتناسب مع غير ذلك، وهذا ما تراه جليًّا في صنيع الآل والأصحاب — رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، فقد كانوا يحسنون تقسيم الوقت بين صنوف العبادات، والالتزامات الواجبة عليهم.
ومما يشهد لحرصهم على مراعاة تقسيم الوقت، وهو الأمر الذي يقره الشرع والفطرة السليمة: ما أوصى به أبو بكر عمرَ بن الخطاب رضي الله عنهما،
حين أراد استخلافه، حيث قال له: إني موصيك بوصية إن حفظتها: إن لله تعالى حقا بالنهار لا يقبله بالليل، ولله في الليل حقا لا يقبله في النهار، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة(172)
وقد قبل عمر رضي الله عنه الوصية، وعمل بها، وصارت ديدنه؛ فكان فيما روي
عنه يجهد نفسه في عمل النهار، ويصنع مثل ذلك في عبادة الليل، فلما يسأل عن ذلك يقول: إن نمت بالنهار أضعت حق الناس، وإن نمت بالليل أضعت حق الله.
وممن روي عنه حسن تقسيم وقته أيضا ابن عباس — رضي الله عنهما ، حيث كان يقسم وقت ليله بين الراحة والعبادة، فعن عبد الله بن أبي مليكة، قال: سافرت مع ابن عباس من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى المدينة، فكان يقوم شطر الليل(173) .
ولما سئل عمرو بن العاص رضي الله عنه عن المروءة فكان مفاد الجواب أنها تقسيم أعمال الرجل — الذي يتبعه تقسيمه لوقته — بين إصلاح ماله، ونفع إخوانه، فهو يصلح شأن نفسه، ويعاون في إصلاح شأن غيره، فعن عن حبان بن أبي جبلة قال: قيل لعمرو بن العاص: ما المروءة؟ فقال: يصلح الرجل ماله ويحسن إلى إخوانه(174) .
التنظيم والتخطيط اليومي للعمل
لا شك أن من أهم دعائم إدارة الوقت هو: التنظيم والتوزيع للعمل اليوم، حيث يعد ذلك التطبيق الحقيقي لإدارة الوقت، وقد كان للآل والأصحاب رضوان الله عليهم من ذلك الحظ الوافر؛ فإنك تراهم في تنظيمهم للعمل اليومي غاية في الإتقان، وآية في المداومة، وقدوة
في بذل الجهد في ذلك، وكأنهم يعدون جداول زمنية تقسم فيها أوقات اليوم والليلة بين أمور الدين والدنيا، يسيرون عليها بلا كلل ولا ملل، مراعين حق الله تعالى، وحقوق الغير، بلا نسيان لحظ النفس والبدن.
فعن ابن عمر — رضي الله عنهما ، أنه كان يجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يرتفع الضحى ولا يصلي، ثم ينطلق إلى السوق فيقضي حوائجه، ثم يجيء إلى أهله فيبدأ بالمسجد فيصلي ركعتين، ثم يدخل بيته(175) .
وكان للحسن بن علي — رضي الله عنه — نحو هذا النظام اليومي أيضا، فقد روى ابن سعد: أن معاوية — رضي الله عنه — قال لرجل من أهل المدينة من قريش: أخبرني عن الحسن بن علي قال: يا أمير المؤمنين، إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، ثم يساند ظهره فلا يبقى في مسجد رسول الله — صلى الله عليه وسلم — رجل له شرف إلا أتاه، فيتحدثون حتى إذا ارتفع النهار صلى ركعتين، ثم نهض فيأتي أمهات المؤمنين فيسلم عليهن، فربما أتحفنه، ثم ينصرف إلى منزله، ثم يروح فيصنع مثل ذلك. فقال: ما نحن معه في شيء(176) .
وعن أنس بن مالك، قال: كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة(177) .
توزيع الوقت بين المهام المختلفة
من أهم عوامل إدارة الوقت هو توزيع الوقت على المهام المختلفة، مراعاة حق كل مهمة من المهام والتزام من الالتزامات من ذلك الوقت، وقد كان هذا مما تعلمه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منه، فعن حنظلة الأسيدي، قال: لقيني أبو بكر، فقال: كيف أنت؟ يا حنظلة قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة، يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما ذاك؟» قلت: يا رسول الله نكون عندك، تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات(178) نسينا كثيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي،
وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» ثلاث مرات(179)
فأرشدهما النبي — صلى الله عليه وسلم — ومن بعدهم، أن الوقت ينفق في هذه الأمور كلها، وهذا ما كُلف به الإنسان من عبادة ربه سبحانه وتعالى، وإعمار الأرض، وإصلاح شأن الأهل والأولاد ورعايتهم، والقيام بما هو منوط به من الأعباء والالتزامات.
ونحو هذا ما ذكره أنس — رضي الله عنه — من صنيع عموم أصحاب النبي — صلى الله عليه وسلم — حين كانوا يبكرون بالصلاة يوم الجمعة، ويجعلون القيلولة بعدها، بيانا لتقسيم الوقت حسب الحال والأولويات، فعن أنس بن مالك، قال: «كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة»(180) .
ومع الانشغال والقيام بالمهام المختلفة الخاصة، كان هناك قدر من الوقت ينفق في القيام بحوائج الناس، فعن أبي الأسود قال: دخل على الحسن بن علي — رضي الله عنهما — نفر من أهل الكوفة وهو يأكل طعاما، فسلموا عليه وقعدوا، فقال لهم الحسن: الطعام أيسر من أن يقسم عليه الناس، فإذا دخلتم على رجل منزله، فقرب طعامه، فكلوا من طعامه، ولا تنتظروا أن يقول لكم هلموا، فإنما يوضع الطعام ليؤكل، قال: فتقدم القوم فأكلوا، ثم سألوه حاجتهم، فقضاها لهم(181) .
وكان هذا الصنيع من شيمة آل البيت كلهم، فكما يفعل الحسن، يفعل الحسين وعائشة — رضي الله عنهم أجمعين ، فعن حِبَال بن رُفَيْدَة، قال: أتيت الحسن بن علي — رضي الله عنهما — فقال: ما حاجتك؟ فقلت: سائل، فقال: إن كنت تسأل في دم موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع، فقد وجب حقك، وإلا فلا حق لك، فقلت: إني سائل في إحداهن، فأمر لي بخمسمائة.
ثم أتيت الحسين بن علي رضي الله عنه فاستقبلني بمثل ما استقبلني، ثم أمر لي بمثل ذلك.
ثم أتيت عائشة رضي الله عنها فاستقبلتني بمثل ما استقبلاني به، ثم أعطتني دون ما أعطياني(182) .
التعاون وتقسيم العمل وتكليف الغير ببعض المهام لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة من الوقت
ولما كان الوقت محدودا، وكانت الهمة العالية تقتضي القيام بأعمال كثيرة، ربما لا يتسع لها الوقت المتاح، استوجب ذلك أحيانا توزيع بعض الأعمال وتكليف الغير بيها، كنوع من تقسيم العمل الممكن؛ لاستدراك أكبر قدر من النفع، وتحصيل أكبر قدر من العمل، وقد عرف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته الأطهار ذلك أيضا، فكان عمر رضي الله عنه يتناوب مع
أحد الأنصار الذهاب عند رسول الله، كل واحد منهما يذهب يوما، ويخبر صاحبه بما كان من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، ويقوم صاحبه بصلاح شأن نفسه في ذلك، ثم يتبادلان الأدوار في اليوم التالي، فعن عبد الله بن عباس، عن عمر، قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فضرب بابي ضربا شديدا..(183)
وكان أبو هريرة — رضي الله عنه — يتناوب مع أهل بيته بين الصلاة والنوم، يقوم أحدهم، وينام البقية، ثم إذا انهى حظه من القيام، أيقظ من جاءت نوبته، ونام هو، فعن أبي عثمان النهدي، قال: كان أبو هريرة يقوم ثلث الليل، وامرأته ثلث الليل، وابنه ثلث الليل(184) .
وحتى في نساء آل البيت — عليهن السلام — عرف هذا التقسيم والتوزيع للأعمال؛ حتى في أمور البيت خدمته، فعن أبي البختري، قال: قال علي لأمه: اكفي فاطمة الخدمة خارجا، وتكفيك العمل في البيت، والعجن والخبز والطحن(185) .
وهكذا يمكن تقسيم العمل وتوزيع الأدوار، ليستطيع كل إنسان يحصل أكبر قدر من النفع بوقته المتاح له.
تحديد الأولويات وتقديم الأَوْلى فالأَوْلى
لا شك أن البدء بالأولى فالأولى من أولويات تخطيط الوقت — وهو مما يقال عنه أيضا فقه الأولويات، أو واجب الوقت، وذلك من دعائم إدارة الوقت والتخطيط الناجح له.
وقد أقر النبي — صلى الله عليه وسلم — بعض أصحابه على قوله أنه سيكتفي بالواجبات، إرشادا لكون الإنسان إن قام بما هو واجب عليه ولم يزد على ذلك، فإن ذلك يعد من علامات الفلاح والنجاح، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا، فلما ولى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا»(186) . وفي لفظ حديث طلحة بن عبيد الله أن النبي — صلى الله عليه وسلم — قال: «أفلح إن صدق»(187) .
ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن مسعود من نصيحة النبي — صلى الله عليه وسلم — له حين سأله عن أحب الأعمال إلى الله تعالى، قال: سألت النبي — صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين» قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني(188) . ففي ذلك إشارة لمراعاة الأولويات في ترتيب الأعمال، فإذا جاء وقت الصلاة مثلا قدمت الصلاة على غيرها.
وكان من فقه ابن عمر — رضي الله عنهما — أنه يقدم صلاة الليل على الدعاء والاستغفار في أول وقت قيامه، ويقدم الاستغفار على الصلاة في وقت السحر، إذ لكل وقت ما هو أولى به من العمل، قال نافع: كان ابن عمر رضي الله عنه، يحيي الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحرنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحرنا؟ فأقول: نعم، فيقعد فيستغفر، ويدعو حتى يصبح(189) .
وكانت النصيحة تأتي بإنفاق الوقت في الأولى من الأعمال والأكثر نفعا للفرد والمجتمع، فعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي
بن أبي طالب رضي الله عنهم قال: عالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد(190)
ومن فقه ابن عباس — رضي الله عنهما — في ذلك أيضا ما ذكره الأصبهاني، قال: قال ابن عباس — رضي الله عنهما : عليك بالفرائض، وما وظف الله عليك من حقه، فأده واستعن بالله على ذلك، فإنه لا يعلم من عبد صدق نيته وحرصا في حسن ثوابه إلا أخره الله عما يكره، وهو المليك يصنع ما يشاء(191) .
ومن ذلك أيضا ما ذكره الذهبي في السير عن إرسال أبي بكر جيش أسامة، وأنه بدأ بهذا الأمر في خلافته قبل غيره لأنه شيء أمر به رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قبل أن يموت، فبدأ به قبل غيره لأولويته على غيره، فكانت البداءة بالأولى والأهم من الأعمال من فقههم وديدنهم رضي الله عنهم أجمعين(192) .
المبحث الرابع اختيار الوقت المناسب للعمل مع مراعاة اختلاف الأحوال
من المسلمات أن أحوال الناس تختلف باختلافهم، فكان من حسن الفهم أن يختار كل منهم ما يناسبه، ويتناسب مع أحواله، يراعي هذا في سنته وهديه — صلى الله عليه وسلم ، لعلمه أن المسلمين يقتدون به، وأن أحوالهم تختلف باختلافهم.
فكان — صلى الله عليه وسلم — يوتر أحيانا أول الليل، وأحيانا في آخره، فعن عائشة، قالت: «من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهى وتره إلى السحر»(193) ، وهذا التنوع ييسر على المسلمين عبادتهم، فمن كان أنسب لحاله أن يوتر في أول الليل فقد وافق من سنته — صلى الله عليه وسلم ، ومن كان عنده العزم للوتر في آخره، فقد وافق من سنته — صلى الله عليه وسلم — أيضا.
وكان هذا التنوع واختلاف الأحوال موجود في الآل والأصحاب — رضي الله عنهم ، فكان أحوال بعضهم تختلف عن الآخر؛ فعلى سبيل المثال:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يرشد البعض بالحفاظ على قيام الليل، أو بأفضل
القيام قيام ثلث الليل، كما هو الحال مع أبي هريرة، وأبي الدرداء رضي الله عنهما أمرهما بالوتر قبل النوم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام»(194)
وعن أبي الدرداء، قال: أوصاني حبيبي — صلى الله عليه وسلم — بثلاث، لن أدعهن ما عشت: «بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر»(195) .
وكان الحال مختلفًا مع عبد الله بن عمرو — رضي الله عنهما — فنهاه عن ترك قيام الليل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل»(196) .
وأرشده — صلى الله عليه وسلم — لأفضل القيام، فعن عبد الله بن عمرو، قال: قال لي رسول الله — صلى الله عليه وسلم : «أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه»(197) .
ونحو هذا ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كل
واحد منهما: متى توتر؟، واختلف الجواب، فأقر كل واحد على فعله، فعن أبي قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: «متى توتر؟»، قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: «متى توتر؟»، قال: آخر الليل، فقال لأبي بكر: «أخذ هذا بالحزم»، وقال لعمر: «أخذ هذا بالقوة»(198)
وأحيانًا كان — صلى الله عليه وسلم — يأمر بعض الصحابة بالشيء، وينهى عنه غيره — رضوان الله عليهم أجمعين — مراعاةً للحال، فعن أبي ذر، أن رسول الله — صلى الله عليه وسلم ، قال: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم»(199) .
وعن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«يا عثمان إنه لعل الله يقمصك قميصا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم»(200)
المبحث الخامس تفريغ الوقت والجهد للأعمال العظام
إن التفرغ للأعمال العظيمة، التي تقع على عاتق المكلف بها وحده؛ يعد من أهم عناصر إدارة الوقت؛ إذ إنفاق الوقت فيما سواها يعد مضيعة لها، وإهدارا للوقت في المفضول عن الفاضل، وإن كان ما سواها عظيما أيضا، لكن من المتاح أن يقوم به سواه.
فكان أبو بكر رضي الله عنه يعمل في التجارة، ويسكن في أطراف المدينة، فلما ولي الخلافة حاول أن يجمع بينها وبين التجارة، لكنه لما وجد أن ذلك يؤثر على مصالح المسلمين ترك التجارة، وسكن المدينة، فقد روى ابن سعد عن غير واحد قال: بويع أبو بكر الصديق يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان منزله بالسنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير من بني الحارث بن الخزرج، وكان قد حجر عليه حجرة من شعر، فما زاد على ذلك حتى تحول إلى منزله بالمدينة فأقام هناك بالسنح بعدما بويع له ستة أشهر يغدو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب على فرس له، وعليه إزار ورداء
ممشق فيوافي المدينة فيصلي الصلوات بالناس، فإذا صلى العشاء رجع إلى أهله بالسنح، فكان إذا حضر صلى بالناس، وإذا لم يحضر صلى عمر بن الخطاب، وكان يقيم يوم الجمعة في صدر النهار بالسنح يصبغ رأسه ولحيته، ثم يروح لقدر الجمعة فيجمع بالناس، وكان رجلا تاجرا فكان يغدو كل يوم السوق فيبيع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه، وربما خرج هو نفسه فيها، وربما كفيها فرعيت له، وكان يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي: الآن لا تحلب لنا منائح دارنا، فسمعها أبو بكر فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه، فكان يحلب لهم، فربما قال للجارية من الحي: يا جارية، أتحبين أن أرغي(201) لك أو أصرح(202) فربما قالت: أرغ، وربما قالت: صرح، فأي ذلك قالت فعل، فمكث كذلك بالسنح ستة أشهر، ثم نزل إلى المدينة فأقام بها ونظر في أمره، فقال: لا والله ما يصلح أمر الناس التجارة، وما يصلح لهم إلا التفرغ
والنظر في شأنهم، وما بد لعيالي مما يصلحهم، فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوما بيوم، ويحج ويعتمر(203)
وحتى لو كان العمل يبدو يسيرا، لكنه سوف يؤثر على الالتزامات المباشرة، فإنهم كانوا يقومون بما التزموا به، ولا ينشغلون عنه ولو باليسير من العمل، حتى يعطى كل عمل حقه، فهذا عمر — رضي الله عنه — يقر أنه لو كان يستطيع مع الخلافة عملا لكان مؤذنا، مع أن الأذان قد يبدو للبعض أنه لا يكلف كبير جهد والوقت؛ فعن قيس بن أبي حازم قال: قال عمر بن الخطاب: لو كنت أطيق مع الخِلِّيفى(204) لأذنت(205) .
وقد روي أن أبا الدرداء كان تاجرا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد العبادة والتجارة، فلم يجتمعا له، ثم ترك التجارة وآثر العبادة، وقال: لا أقول إن الله لم يحل البيع، ولكن أحب أن أكون من الذين ﴿رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ [النور: 37](206) .
المبحث السادس اغتنام أوقات الشباب والمعافاة
لا يخفى قول النبي — صلى الله عليه وسلم : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)(207) ، فالصحة، والفراغ من الشواغل يعدان فرصة ذهبية يجب استغلالها، ربما كان وقت اجتماعهما لا يدوم طويلا، لذا وجب عدم التفريط فيهما، واستغلالها أحسن استغلال، وكان مغبونا من فرط فيهما، ولم يستفد منهما، لذا كان ابن عمر — رضي الله عنهما ، يقول: خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك(208)(209) )( .
قال ابن الجوزي: (اعلم أنه قد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا للعبادة لاشتغاله بأسباب المعاش، وقد يكون متفرغا من الأشغال ولا يكون صحيحا، فإذا اجتمعا للعبد ثم غلب عليه الكسل عن نيل الفضائل فذاك الغبن كيف والدنيا سوق الرباح، والعمر أقصر، والعوائق أكثر)(210) .
ولما كان للشباب ثورة وفورة يجب توجيهها في المسار الصحيح، والاستفادة منها، والتحذير شرها جاء التوجيه النبوي بذلك، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شبابا لا نجد شيئا، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»(211)
لذا استحق من يحسن في شبابه الجزاء العظيم، فعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله..) وذكر منهم: (وشاب نشأ في عبادة ربه)(212) .
وقد فطن الآل والأصحاب لذلك، وعملوا بسنة النبي — صلى الله عليه وسلم — فيه، ودعوا غيرهم له.
فعن تميم الداري رضي الله عنه يعمل بما تعلمه من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ويأمر به غيره، فعن أبي تميمة الهجيمي: أن رجلا قال لتميم الداري: كيف تقرأ القرآن؟ فغضب وانتهره، فقال الرجل: إنكم والله معاشر أصحاب محمد لجديرون أن تسألوا فلا تحدثون، وأن تعنفوا من سألكم. قال تميم الداري للرجل: لعلك من الذين يقرءون القرآن في ليلة، ثم يصيحون فيحدثون الناس أنهم قد قرءوا القرآن في ليلة، وإن أقرأ ثلاثين آية في ليلة أحب إلي من أن أقرأ القرآن أجمع في ليلة. ثم قال: أفرأيت إن كنت أنا مؤمن قوي، وأنت مؤمن ضعيف أفتأخذ قوتي بضعفك فتنبت؟ أرأيت لو كنت مؤمنا قويا، وأنا مؤمن ضعيف، أتأخذ قوتك بضعفي فأنبت؟ فخذ من قوتك لضعفك، ومن ضعفك لقوتك،
ومن فراغك لشغلك، ومن شغلك لفراغك، ومن صحتك لسقمك، ومن سقمك لصحتك، حتى يستقيم لك الأمر على عبادة تطيقها(213)
وعن غنيم بن قيس(214) قال: كنا نتواعظ في أول الإسلام بأربع، كنا نقول: اعمل في شبابك لكبرك، واعمل في فراغك لشغلك، واعمل في صحتك لسقمك، واعمل في حياتك لموتك(215) .
وعن عمرو بن ميمون، قال: كان يقال: بادروا بالعمل أربعا: بالحياة قبل الممات، وبالصحة قبل السقم، وبالفراغ قبل الشغل، ولم أحفظ الرابعة(216) .
وكان ابن عباس — فيما روي عنه — يأمر أصحابه بالتعلم، واستغلال فترة الشباب، ولا يلتفتوا لصغر السن، وأنه لا يُحتاج إليهم في ذلك الوقت، ويشير إلى أنه لا يدري الإنسان متى يحتاج الناس إليه، فعن ابن عباس — رضي الله عنهما ، قال: «تعلموا، فإن أحدكم لا يدري متى يحيل إليه»(217) .
وكان عبد الله بن عمرو — رضي الله عنهما — يعد اجتهاده في العبادة استمتاع بالقوة والشباب، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: جمعت القرآن وقرأته في ليلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أخشى أن يطول عليك الزمان وتمل قراءته»، ثم قال: «اقرأه في شهر»، قلت: يا رسول الله، دعني استمتع من قوتي وشبابي، قال: «اقرأه في عشرين»، قلت: يا رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: «اقرأه في سبع»، قلت: يا رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي فأبى(218) .
وكان ابن عمر — رضي الله عنهما — من شدة اجتهاده في حال شبابه وقوته، ما استطاع الناس أن يقتدوا به، وإنما لما كبر سنه وضعفت قوته استطاعوا وقتها أن يقتدوا بعمله في حال كبره، عن مجاهد قال: ترك الناس أن يقتدوا بابن عمر وهو شاب، فلما كبر اقتدوا به(219) .
وعن عمر — رضي الله عنه — قال: قد يكون في الرجل عشرة أخلاق، تسعة صالحة، وواحدة سيئة فيفسد التسعة الصالحة الخلق السيئ، اتقِ عثرات الشباب. أو قال: غرات الشباب(220) .
وكان ابن عباس ر ضي الله عنهما ندم فَوْت عمل كان الأنسب له وقت الشباب، وأثنى على الحسن رضي الله عنه بما قام به من ذلك، فعن ابن
عباس قال: ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلا أني لم أحج ماشيا، ولقد حج الحسن بن علي رضي الله عنهما خمسة وعشرين حجة ماشيا، وإن النجائب لتقاد معه، لقد قاسم الله ماله ثلاث مرات حتى أنه يعطي الخف ويمسك النعل(221)
الفصل الثالث فقه الآل والأصحاب في إدارة الوقت
الفصل الثالث
فقه الآل والأصحاب في إدارة الوقت
نذكر في هذا الفصل — إن شاء الله — شيئا من فقه الآل والأصحاب في إدارة الوقت، وأبرز سماتهم في ذلك، والأسس المعتبرة في تعاملهم مع الوقت، وذلك من خلال جملة من المباحث التي تبين تلك الطريقة.
ولا شك أن فقه الآل والأصحاب في إدارة الوقت — وغيرها — لم يكن يخرج في كبير أو صغير عن الكتاب والسنة، ومما شاهدوه أو تعلموه من النبي — صلى الله عليه وسلم ؛ إذ هم خير من آمن وعمل بما في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه — صلى الله عليه وسلم ، ولما كان الاعتدال والتوازن من سمات هذا الدين الحنيف، كان كذلك فقههم في التعامل مع الوقت، ويتضح ذلك من خلال المباحث التالية، التي نتناول فيها فقههم وطريقتهم في إدارة الوقت.
المبحث الأول تكليف النفس بما تطيق
لا شك أن تكليف النفس ما تطيقه من الأعمال هو تشريع رباني حكيم، شرعه الله تعالى لعباده؛ كما في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، وقوله سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ﴾ [الطلاق: 7]، وجاءت السنة النبوية بذلك أيضا، قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم : «مه عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإن الله لا يمل حتى تملوا»(222) .
فلما كان تكليف النفس ما تطيق تشريعا ربانيا، وسنة نبوية، ومبدأ من مبادئ هذا الدين الحنيف، فلم يكن بعيدا أن يكون أمرا متبعا معمولا به عند الآل والأصحاب، مع ما عرف عنهم من الاجتهاد والهمة العالية.
وكما يحسن بالإنسان أن يحدد لنفسه الأهداف، ويضع لها الخطط، وينظم وقته بناء على ذلك، فإنه أيضا لابد أن يكلف نفسه من ذلك ما يطيق من ذلك، حتى يستطيع إنجاز ما وضعه لنفسه من أهداف وطريقة عمل.
وعن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا»(223) .
وكان آل بيت النبي — صلى الله عليه وسلم — من أول الناس عملا بسنته — صلى الله عليه وسلم ، فعن عائشة، أنها قالت: كان لرسول الله — صلى الله عليه وسلم — حصير، وكان يحجره من الليل فيصلي فيه، فجعل الناس يصلون بصلاته، ويبسطه بالنهار، فثابوا ذات ليلة(224) ، فقال: «يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه، وإن قل». وكان آل محمد صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملا أثبتوه(225)(226) )( .
وكانت الحولاء بنت تويت رضي الله عنها تكلف نفسها فوق ما تطيق من العبادة،
فجاء التوجيه من النبي صلى الله عليه وسلم بالتكليف بما نطيق من الأعمال، فعن عروة بن الزبير، أن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرته أن الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: هذه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها لا تنام الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنام الليل؟! خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا»(227)
وقد أوصى بذلك النبي — صلى الله عليه وسلم — عبد الله بن عمرو — رضي الله عنهما ، إلا أن ابن عمرو — رضي الله عنهما — آثر أن يبذل أكثر من ذلك، ثم تمنى أو لو كان عمل بوصية النبي — صلى الله عليه وسلم — له؛ فعن عبد الله بن عمرو، قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته، فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «القني به»، فلقيته بعد، فقال: «كيف تصوم؟» قال: كل يوم، قال: «وكيف تختم؟»، قال: كل ليلة، قال: «صم في كل شهر ثلاثة، واقرأِ القرآن في كل شهر»، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: «صم ثلاثة أيام في الجمعة»، قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: «أفطر يومين وصم يوما» قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: «صم أفضل الصوم صوم داود صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة».
فليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذاك أني كبرت وضعفت)(228) .
وكان النبي — صلى الله عليه وسلم — ينهاهم عن الأمر الذي لا يطيقونه، ولا تتحمله أحوالهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إياكم والوصال» مرتين قيل: إنك تواصل، قال: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقين، فاكلفوا من العمل ما تطيقون»(229) .
كان تكليف النفس بما تطيق منهجا متعبا عندهم حتى فيما يبدو يسيرا في أعين الناس، فعن عمر — رضي الله عنه — قال : «لو كنت أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت»(230) .
وكان من فقههم أيضا أنهم إذا كلفوا غيرهم بعمل كلفوهم بما يطيقون، فعن مجاهد، أن أبا ذر، كان يصلي وعليه برد قطن، وشملة، وله غنيمة، وعلى غلامه برد قطن، وشملة، فقيل له: فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن فعلتم فأعينوهم، وإن كرهتموهم فبيعوه، واستبدلوهم، ولا تعذبوا خلقا أمثالكم»(231) .
وعن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق(232)(233) » .
وكذلك الحال
يكون في من كلف بعمل، ثم لم يجد له به طاقة، فله أن يعتذر عنه، فعن عن أبي نضرة، أن عمر، رضي الله عنه عنه بعث هرم بن حيان على الخيل فغضب على رجل فأمر به فوجئت عنقه ثم أقبل على أصحابه فقال: لا جزاكم الله خيرا، «ما نصحتموني حين قلت ولا كففتموني عن غضبي والله لا ألي لكم عملا» ثم كتب إلى عمر: «يا أمير المؤمنين لا طاقة لي بالرعية فابعث إلى عملك»(234)
المبحث الثاني مراعاة كافة جوانب الحياة
لما كان ديننا الحنيف يراعي الجوانب المختلفة لحياة الإنسان، ويحقق له التوازن كان لزاما أن تراعى هذه الجوانب، وهذا ما كان عليه الآل والأصحاب — رضي الله عنهم — في تعاملهم مع الوقت، عملا بكتاب الله تعالى، وسنة النبي — صلى الله عليه وسلم — اللذان يحثان على ذلك.
فعن حنظلة، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوعظنا، فذكر النار، قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، قال: فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له، فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله نافق حنظلة فقال: «مه» فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: «يا حنظلة ساعة وساعة، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر، لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق»(235) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟» قلت: بلى يا رسول الله،
قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا»(236)
وكانوا يتواصون بوصية النبي — صلى الله عليه وسلم — تلك، فعن شهر بن حوشب قال: جاء سلمان إلى أبي الدرداء فلم يجده، فسلم على أم الدرداء وقال: أين أخي؟ قالت: في المسجد، وعليه عباءة له قطوانية، فألقت إليه خلق وسادة، فأبى أن يجلس عليها ولوى عمامته فطرحها فجلس عليها، قال: فجاء أبو الدرداء معلقا لحما بدرهمين، فقامت أم الدرداء فطبخته وخبزت، ثم جاءت بالطعام وأبو الدرداء صائم، فقال سلمان: «من يأكل معي؟»، فقال: تأكل معك أم الدرداء، فلم يدعه حتى أفطر، فقال سلمان لأم الدرداء ورآها سيئة الهيئة: «ما لك؟»، قالت: إن أخاك لا يريد النساء، يصوم النهار ويقوم الليل، فبات عنده، فجعل أبو الدرداء يريد أن يقوم فيحبسه حتى كان قبل الفجر فقام فتوضأ وصلى ركعات، فقال له أبو الدرداء: حبستني عن صلاتي، فقال له سلمان: «صل ونم، وصم وأفطر، فإن لأهلك عليك حقا، ولعينيك عليك حقا»(237) .
وقالت أم غزوان للربيع بن خثيم: أما لفراشك عليك حق أما لنفسك عليك حق؟ قال: يا أماه إنما أطلب راحتها أبادر طي صحيفتي. وقال: لله علي أن لا يراني ضاحكا حتى أعلم أي الدارين داري. قال الحسن رحمه الله: عزم ففعل فوالله ما رئي ضاحكا حتى لحق بالله وكان همام رحمه الله لا
ينام على فراشه يصلي حتى ينعس في مسجده، ثم يقوم فيصلي ليله كله(238)
وكذلك الأمر في إيفاء الحقوق للأطراف المختلفة، فعن محارب بن دثار عن ابن عمر — رضي الله عنهما — قال: سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقا كذلك لولدك عليك حق(239) .
وعن أرطاة بن المنذر، قال: لقي علي بن أبي طالب، ابنه الحسن وهو خارج من عند عثمان بن عفان رضي الله عنهم، فقال: يا بني أما لي عليك حق الوالد؟ فقال الحسن رضي الله عنه: حق الوالد ثم قال الحسن: حق الخليفة أعظم من حق الوالد(240) .
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يعبد ربه سبحانه وتعالى، ويرعى مصالح بيته، ويذهب لأهله، مراعيا كافة الحقوق الواجبة عليه في يومه، فعن ابن عمر، أنه كان يجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يرتفع الضحى ولا يصلي، ثم ينطلق إلى السوق فيقضي حوائجه، ثم يجيء إلى أهله فيبدأ بالمسجد
فيصلي ركعتين، ثم يدخل بيته(241)
وهذا أبو بكر — رضي الله عنه — يتجر لينفق على أهله مع قيامه بحقوق الرعية — أول خلافته ، فعن عطاء بن السائب قال: لما استخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقالا له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق، قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالا له: انطلق حتى نفرض لك شيئا، فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة، وماكسوه في الرأس والبطن..(242) .
وكانوا يجمعون أحيانا بين العبادة وعمل الدنيا ما أمكن ذلك، عن أبي ميمونة، أنه سأل ابن عمر، عن الرجل يحج ويحمل معه تجارة؟ فقال ابن عمر — رضي الله عنه : لا بأس به، وتلا هذه الآية: ﴿يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ﴾ [المائدة: 2](243) .
وروي نحو هذا المعنى أيضا عن ابن عباس وابن الزبير(244) — رضي الله عنهم .
وعن ابن عباس، رضي الله عنهما أن الناس كانوا في أول الحج يتبايعون
بمنى، وعرفة، وسوق ذي المجاز، ومواسم الحج فخافوا البيع وهم حرم، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ﴾ [البقرة: 198](245)
وعن عائشة، قالت: لما ولي أبو بكر قال: قد علم قومي أن حرفتي لم تكن لتعجز عن مؤونة أهلي، وقد شغلت بأمر المسلمين، وسأحترف للمسلمين في مالهم، وسيأكل آل أبي بكر من هذا المال(246) .
وعن مجاهد، قال: قال علي — رضي الله عنه : جعت مرة بالمدينة جوعا شديدا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرا، فظننتها تريد بله فأتيتها، فقاطعتها كل ذنوب على تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يداي، ثم أتيت الماء فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت: بكفي هكذا بين يديها — وبسط إسماعيل يديه وجمعهما ، فعدت لي ست عشرة تمرة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فأكل معي منها(247) .
وروي عن عمر — رضي الله عنه — أيضا أنه كان يتجر في خلافته ليقوم بحق أهله وحق الرعية، عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب كان يتجر وهو خليفة(248) .
وكان عمر رضي الله عنه مع قيامه بشؤن نفسه وأهله، وبالخلافة وما فيها، كان
أيضا عنده من العلم بشؤن البيت ما يعلمه لغيره، فعن حزام بن هشام، عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب عام الرمادة مر على امرأة وهي تعصد عصيدة لها فقال: ليس هكذا تعصدين، ثم أخذ المسوط فقال: هكذا، فأراها(249)
وعن هشام بن خالد قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: لا تذرن إحداكن الدقيق حتى يسخن الماء، ثم تذره قليلا قليلا وتسوطه بمسوطها، فإنه أريع له، وأحرى أن لا يتقرد(250) .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه كان نظيفا لطيفا له ضفيرتان يرسلهما من وراء أذنيه، كان يوقظ النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام، ويستره إذا اغتسل، ويرحل له إذا سافر، ويماشيه في الأرض الوحشاء، هو أحد النفر الذين دار عليهم علم القضاء والأحكام من الصحابة(251) .
وكان حتى للقاء الناس وإلقاء السلام عليهم وقته، فعن ابن عمر: إني لأخرج إلى السوق ما لي حاجة إلا أن أسلم ويسلم علي(252) .
ولخلو المرء بنفسه للتفكر والمحاسبة أيضا وقته، فعن ابن عمر — رضي الله عنهما — أيضا قال: خذوا بحظكم من العزلة(253) .
المبحث الثالث المسابقة والمنافسة في اغتنام الأوقات
تعد المسارعة والمنافسة في اغتنام الوقت، وعدم التراخي في القيام بأعمال الخير النافعة في الدين والدنيا مما تميز به ديننا الحنيف، وهي أيضا أهم الدعائم في استثمار الوقت وحسن إدارته، وقد أوصى الله تعالى بالمبادرة بالخيرات والمسابقة فيها، فقال تعالى: ﴿فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ﴾ [البقرة: 148]، وقال أيضا: ﴿فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا﴾ [المائدة: 48]، وقال سبحانه: ﴿۞وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ١٣٣﴾ الآية [آل عمران: 133]، وقال سبحانه بعد ذكره نعيم الجنة: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ٢٦﴾ [المطففين: 26]، كما ذكر صفة المسارعة في الخيرات في سياق المدح والثناء لمن اتصف بها، فقال: سبحانه: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ﴾ [الأنبياء: 90].
وجاءت السنة النبوية أيضا بالمبادرة والمسارعة بالخيرات قبل حصول الشواغل، فعن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم..»(254) وفي هذا المعنى عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «بادروا بالأعمال ستا:
طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم أو أمر العامة(255)(256)
لهذا كان الآل والأصحاب — رضي الله عنهم — يسارعون في الخيرات أيما مسارعة، ويتنافسون فيها، ويدعون غيرهم لذلك.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ، قَالَ: خَطَبَنَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: (أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة وتجمعوا الْإِلْحَافَ(257) بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وعلى أهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا
رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ٩٠﴾ [الأنبياء: 90])(258)
وكان علي — رضي الله عنه — يعلم من جاء بعده أن الخير ليس في كثرة المال والولد، وإنما يكمن في العمل الصالح، والمسارعة في الخيرات، قال علي — رضي الله عنه : (ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك، وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله، ولا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل أذنب ذنوبا، فهو يتدارك ذلك بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل في تقوى، وكيف يقل ما يتقبل؟)(259) .
وكان من فقه جعفر بن محمد(260) ، المسارعة بالمعروف، فعنه — رضي الله عنه — أنه قال: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: تعجيله، وتصغيره، وستره(261) .
وعن أبي الدرداء — رضي الله عنه — قال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يعظم حلمك ويكثر علمك، وأن تباري الناس في عبادة الله عز وجل، إن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله(262) .
وكانوا رضي الله عنهم يتسابقون في الخيرات، ويتنافسون فيها، ويثني بعضهم على بعض بالمسارعة إليها.
فعن أبي جعفر الباقر، قال: دخل علي على أبي بكر بعد ما سجي، فقال: ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إلي من هذا المسجى(263) .
وعن علي: ما خلّفت أحب إليّ أن ألقى اللهَ بمثل عمله منك، وَايْمُ اللهِ إن كنت لأظن أن يجعلك اللهُ مع صاحبك(264) .
وعن أسلم، قال: سمعت عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — يقول: أمرنا رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إِن سَبَقْتُه يوما، فجئت بنصف مال، فقال رسول الله — صلى الله عليه وسلم : «ما أبقيت لأهلك؟»، قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر — رضي الله عنه — بكل ما عنده، فقال له رسول الله — صلى الله عليه وسلم : «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا(265) .
وقال عمر رضي الله عنه
لا وَاللهِ مَا سَابَقْتُهُ يعني أبا بكر إلى خير قطّ إلا سبقني إليه(266)
وكانت المسابقة في خير، حتى البداءة بالسلام، فعن بشير بن يسار، قال: ما كان أحد يبدأ أو يبدر ابن عمر بالسلام(267) .
وعن عبد الله بن عطاء، أن ابن عمر، كان لا يمر على أحد إلا سلم عليه، فمر بزنجي، فسلم عليه، فلم يرد عليه، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن إنه زنجي طمطماني، قال: وما طمطماني؟ قالوا: أخرج من السفن الآن، قال: إني أخرج من بيتي، ما أخرج إلا لأسلم أو ليسلم علي(268) .
وكانوا يذكرون فضل الله عليهم، ومن ذلك الفضل سبقهم لغيرهم في الخيرات، فقد روي عن أبي سعد الأزدي، أنه: سمع عبد الله بن
مسعود، يقول: لقد تلقيت مِن في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت له ذؤابة يلعب مع الصبيان(269)
وعن زر بن حبيش، عن ابن مسعود — رضي الله عنه ، أنه قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر رضي الله عنه، وقد فرا من المشركين، فقالا: (يا غلام، هل عندك من لبن تسقينا؟)، قلت: إني مؤتمن، ولست ساقيكما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل؟) قلت: نعم، فأتيتهما بها، فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح الضرع، ودعا، فحفل الضرع، ثم أتاه أبو بكر رضي الله عنه بصخرة منقعرة، فاحتلب فيها، فشرب، وشرب أبو بكر، ثم شربت، ثم قال للضرع: (اقلص) فقلص، فأتيته بعد ذلك، فقلت: علمني من هذا القول؟ قال: (إنك غلام معلم)، قال: فأخذت من فيه سبعين سورة، لا ينازعني فيها أحد(270) .
عن قيس بن مروان، أنه أتى عمر، فقال: جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة، وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلبه، فغضب وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل، فقال: ومن هو ويحك؟ قال: عبد الله بن مسعود. فما زال يطفأ ويسرى عنه الغضب، حتى عاد إلى حاله التي كان عليها.
ثم قال: ويحك، والله ما أعلمه بقي من الناس أحد هو أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة كذاك في الأمر من أمر المسلمين، وإنه سمر عنده ذات ليلة، وأنا معه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع قراءته، فلما كدنا أن نعرفه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد). قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: (سل تعطه، سل تعطه)، قال عمر: قلت: والله لأغدون إليه فلأبشرنه، قال: فغدوت إليه لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه فبشره، ولا والله ما سابقته إلى خير قط إلا سبقني
إليه(271)
وهذا أبو عبيدة يلح على أبي بكر — رضي الله عنهما — أن لو ترك له عملا يرى فيه شرفا جما وقربة عظيمة، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان أبو بكر — رضي الله عنه — إذا ذكر يوم أحد بكى، ثم قال: ذاك كله يوم طلحة، ثم أنشأ يحدث، قال: كنت أول من فاء يوم أحد فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله — صلى الله عليه وسلم — دونه، وأراه قال: يحميه، قال: فقلت: كن طلحة، حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلا من قومي أحب إلي، وبيني وبين المشرق رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله — صلى الله عليه وسلم — منه، وهو يخطف المشي خطفا لا أخطفه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله — صلى الله عليه وسلم — وقد كسرت رباعيته، وشج في وجهه وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله — صلى الله عليه وسلم : «عليكما صاحبكما»، يريد طلحة، وقد نزف، فلم يلتفت إلى قوله، وذهبت لأنزع ذاك من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، فتركته فكره أن يتناولهما بيده، فيؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فأزم عليهما بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتما، فأصلحنا من شأن النبي — صلى الله عليه وسلم ، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر بين طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه(272) .
عن أبي سلمة، قال: قال عثمان حين ضرب الرجل يده: إنها لأول يد خطت المفصل(273) .
المبحث الرابع تحري الأوقات المخصوصة
إذا كان النشاط في العمل مطلوبا طوال الوقت، إلا أن هناك أوقاتا مخصوصا يضاعف فيها العمل، لخصوصية هذه الأوقات بمزيد من الفضل والبركة، سواء كان ذلك في أمر دين أو دنيا، فلما كان الأمر كله لله تعالى، واقتضت حكمته سبحانه أن يفضل بعض مخلوقاته على بعض، فكما فضل بعض الأماكن والبقاع على بعض، كما فضل المسجد الحرام على غيره من البقاع، وكما فضل سبحانه بعض الرسل على بعض، فقد فضل الله تعالى بعض الأوقات على بعض، وأخبرنا سبحانه بخصوصية بعض هذه الأوقات وبما تميزت به من الفضل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ٣﴾ [القدر: 3]، وقوله تعالى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا٧٨﴾ [الإسراء: 78].
وقد جاءت السنة أيضا بنحو هذا، ومن ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني، فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)(274) .
وعن أبي هريرة رضي
الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر»(275)
وعن أبي هريرة — رضي الله عنه — أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: «فيه ساعة، لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئا، إلا أعطاه إياه» وأشار بيده يقللها(276) .
فكان تحري الأوقات المخصوصة بالفضل والبركة ومضاعفة الأجور طريقة متبعة لدى الآل والأصحاب طلبا للأجر المضاعف فيها، ولمزيد من البركة في العمل والرزق، فتحروها بمزيد من العمل، أو تخصيص بعض الأعمال بوقت بعينه لكونه أنسب له.
فعن علي بن أبي طالب — رضي الله عنه : إن هذه الفرص تمر مر السحاب فانتهزوها. وكان يقول — رضي الله عنه : قيمة كل إنسان علمه(277) .
وعن الحسن، أن رجلا سأل أبا ذر أي الليل أسمع؟
قال: جوف الليل الأوسط، قال: ومن يطيق ذلك؟ قال: من خاف أدلج(278)
عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: قلت: لأغلبن الليلة على المقام، فسبقت إليه، فبينا أنا قائم أصلي، إذ وضع رجل يده على ظهري، فنظرت، فإذا هو عثمان بن عفان رحمة الله عليه وهو خليفة، فتنحيت عنه، فقام، فما برح قائما حتى فرغ من القرآن في ركعة لم يزد عليها، فلما انصرف، قلت: يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة، قال: أجل هي وتري(279) .
وعن محمد بن سيرين أيضا: أن عثمان كان يحيي الليل فيختم القرآن في ركعة(280) . وعن سليمان بن يسار، أن عثمان بن عفان، قام بعد العشاء فقرأ القرآن كله في ركعة، لم يصل قبلها ولا بعدها(281) .
وكما كان تحريهم لتلك الأوقات في العبادات، كانوا يتحرونها أيضا في طلب الأرزاق، فعن صخر الغامدي — رضي الله عنه :.. أنه كان رجلا تاجرا، وكان يبعث تجارته من أول النهار، فأثرى وكثر ماله(282) .
المبحث الخامس المحاسبة والمراجعة للنفس
محاسبة النفس على ما عملت وقدمت من جهد أو تفريط، وعلى الأوقات التي مضت وكيف كانت، يعد منهجا شرعيا، وواجبا ملحا(283) لمن أراد الفوز والنجاة في الدارين، وهو سمة من سمات الصالحين والنجباء، فما بالك بالآل الأطهار، والأصحاب الأبرار رضي الله عنهم أجمعين
فقد كان ذلك ديدنهم وطريقتهم.
فعن عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فإنه أهون — أو قال: أيسر — لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر، ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ١٨﴾ [الحاقة: 18](284) .
وعن الحسن بن علي قال: ومن لم يتفقد النقصان عن نفسه فإنه في نقصان، ومن كان في نقصان فالموت خير له(285) .
وعن أبي الدرداء، قال: من يتفقد يفقد، ومن لا يعد الصبر لفواجع الأمور يعجز(286) .
وكان الباقر — رضي الله عنه — يوصي بأن يكون المرء وصي نفسه، فله في هذا الباب جملة نصائح، فعن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه محمد بن علي الباقر قال: جاءه رجل فقال: أوصني! قال: هيئ جهازك، وقدم زادك، وكن وصي نفسك(287) .
وعن أبي جعفر الباقر — رضي الله عنه — أيضا قال: كفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه(288) .
وعن الباقر أيضا قال: أشد الأعمال ثلاثة: ذكر الله على كل حال، وإنصافك من نفسك، ومواساة الأخ في المال(289) .
ومن محاسبة النفس لومها ومعاتبتها والندم على أعمال فات أوانها، وأخرى أن لو كانت عملتها، فهكذا فعل عمرو بن العاص رضي الله عنه حين شعر باقتراب وفاته؛ فحاسب نفسه، ونظر لأحواله في عمره، فعن ابن شماسة المهري، قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت، يبكي طويلا، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه، أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، إني قد كنت على أطباق ثلاث، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه، فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «ما لك يا عمرو؟» قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما
كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي(290)
المبحث السادس إعطاء النفس حظها من الراحة والترويح لاستعادة النشاط
يعد إعطاء النفس حظها من الراحة والمرح من أهم أسباب دفع الكسل والملل، وتجديد الطاقة، وهو أمر مهم لمواصلة الأعمال، وأدعى لإتمام الخطط، فمن حُسن تنظيم الوقت أن يُجعل فيه جزء للراحة والترويح، فإن النفس تسأم بطول الجِدِّ، والقلوب تَمَلُّ كما تملّ الأبدان، فلا بد من قَدْر من الترفيه المباح، قال النبي — صلى الله عليه وسلم : «لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة»(291) ، وفي الحديث أيضا: «إن لنفسك عليك حقا»(292) ، وذلك إعمال للتوازن الذي تراعيه الشريعة الغراء(293) .
ومن ذلك قول النبي — صلى الله عليه وسلم — لجابر — رضي الله عنه : «هلّا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك»(294) .
وعن عائشة: أن أبا بكر رضي الله عنه، دخل عليها، وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان، وتدففان، وتضربان، والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه، فقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد». وتلك الأيام أيام منى(295) .
وقالت عائشة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني، وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعهم، أمنا بني أرفدة يعني من الأمن»(296) .
وفي لفظ آخر عنها رضي الله عنها قالت: «كان الحبش يلعبون بحرابهم،
فسترني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنظر، فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف»، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، تسمع اللهو(297)
وعن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه كان فطيما، قال: فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه، قال: «أبا عمير ما فعل النغير»، قال: فكان يلعب به(298) .
ولما خاف حنظلة الأسدي — رضي الله عنه — النفاق على نفسه، وشكى ذلك للنبي — صلى الله عليه وسلم ، فذكر أنه لا يكون في بيته ومع عياله وفي عمله على نفس الحال التي يكون عليها مع النبي — صلى الله عليه وسلم ، فطمأنه النبي — صلى الله عليه وسلم — أن ذلك ليس بنفاق، وقال: «ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» ثلاث مرات(299) .
فهكذا؛ ساعة وساعة، وللنفس حق، واللعب واللهو المباح مطلب مشروع، يعيد للنفس نشاطها، وهكذا كان شأنهم رضوان الله عليهم أجمعين فعن أبي الدرداء كان يقول: إني أستجم ببعض الباطل(300)
ليكون أنشط لي في الحق(301)
فهذا اللهو المباح الذي يعيد للنفس نشاطها وقع الفينة بعد الفينة من الآل والأصحاب — رضي الله عنهم ، فعن ابن عباس قال: ربما قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعال أباقيك في الماء أينا أطول نفسا، ونحن محرمون(302) .
وقد عرفوا ترويح العقول أيضا — رضي الله عنهم — فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه — قال: إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان فالتمسوا لها من الحكمة طرفا(303) .
وعن عبد الله بن مسعود — رضي الله عنه : إن لهذه القلوب شهوة وإقبالا، وإن لها فترة وإدبارا، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها(304) .
عن عروة،
قال: كانت عائشة أروى الناس للشعر(305)
وعن عمرو بن العاص — رضي الله عنه — قال: لا بد إلى فراغ يؤول المرء إليه في توديع جسمه، والتدبير لشأنه، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها، فمن صار ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقل، ولا يضيع المرء في فراغه نصيب نفسه من العلم(306) .
فراحة الأبدان مطلب أيضا، لما في ذلك من تجديد النشاط، وحفظ للبدن، فكان الآل والأصحاب — رضي الله عنهم — يراعون ذلك أيضا، فعن شويس العدوي، قال: كنا نصلي مع عمر بن الخطاب الظهر، ثم نروح إلى رحالنا، فنقيل(307) .
وعن مجاهد، قال: بلغ عمر أن عاملا له لم يقل، فكتب إليه عمر: قِلْ، فإني حُدِّثت أن الشيطان لا يقيل، قال مجاهد: إن الشياطين لا يقيلون(308) .
وكتب سليمان إلى أبي الدرداء رضي الله عنهما: إني أنام، وأقوم،
وأحسب نومتي كما أحسب قومتي، وأحسب نومتي طاعة لله تعالى(309)
وعن أبي يزيد المديني، قال: غدا عمر على صهيب فوجده متصبحا، فقعد حتى استيقظ، فقال صهيب: أمير المؤمنين قاعد على مقعدته وصهيب نائم متصبح فقال له عمر: ما كنت أحب أن تدع نومة ترفق بك(310) .
وعن عائشة — رضي الله عنه — أنها كانت إذا طلعت الشمس نامت نومة الضحى(311) .
وعن عبد الله بن الشماس، قال: أتيت أم سلمة فوجدتها نائمة — يعني: بعد الصبح(312) .
وعن عبد الله بن مسعود — رضي الله عنه — قال: لا تغالبوا هذا الليل فإنكم لا تطيقونه، فإذا نعس أحدكم فلينصرف إلى فراشه فإنه أسلم له(313) .
المبحث السابع المداومة وعدم الانقطاع
المداومة وعدم الانقطاع من أهم أسباب النجاح في الدين والدنيا، لذا كان مبدأ إسلاميا، وسنة نبوية، كما ذكرت أم المؤمنين عائشة — رضي الله عنها — عن النبي — صلى الله عليه وسلم — حين سُئلت عن عمل النبي — صلى الله عليه وسلم ، قالت: كان عمله ديمة(314) .
وفي لفظ: أي العمل كان أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: الدائم، قلت: متى كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ(315) .
وعن عائشة — رضي الله عنها — أيضا، أنها قالت: «كان أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدوم عليه صاحبه»(316) .
وقد أَخذ عنه ذلك النهج آل البيت الأطهار رضي الله عنهم فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه، وإن قل». وكان آل محمد صلى الله عليه وسلم
إذا عملوا عملا أثبتوه(317) وكانت عائشة رضي الله عنها إذا عملت العمل لزمته(318)
وقد تلقى ذلك أيضا أصحاب النبي — صلى الله عليه وسلم ، ثم طبقوه تطبيقا عمليا منقطع النظير، فكان أحدهم إذا عمل عملا داوم عليه.
وكان النبي — صلى الله عليه وسلم — قد نهى عبد الله بن عمرو أن يكون مثل فلان، الذي كان يقوم الليل ثم ترك قيام الليل، فعنه — رضي الله عنه — قال: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله، لا تكن بمثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل»(319) .
وكان عبد الله بن عمرو يجتهد في العبادة زمن النبي — صلى الله عليه وسلم — ثم لما كبر كره أن يترك المداومة على عمل فارق النبي — صلى الله عليه وسلم — عليه، فعن عبد الله بن عمرو — رضي الله عنهما — أنه: (كان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من النهار، ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما وأحصى، وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئا، فارق النبي صلى الله عليه وسلم عليه)(320) .
فكان للآل والأصحاب رضي الله عنهم أجمعين في
المداومة على العمل، وعدم الانقطاع، وحث الغير على ذلك من الأمثلة الحية الشيء الكثير.
فالمداومة على العمل اليسير سببٌ في الأجر العظيم، والخير الوفير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «عند صلاة الفجر يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة» قال: ما عملت عملا أرجى عندي: أني لم أتطهر طهورا، في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي(321) .
وعن عبد الله بن مسعود قال: تعودوا الخير فإنما الخير في العادة(322) .
وعن ابن عمر — رضي الله عنهما — قال: قبض رسول الله — صلى الله عليه وسلم — واستخلف أبو بكر، فبعث أبو بكر عمر بن الخطاب يحج بالناس، ثم حج أبو بكر في العام المقبل، ثم استخلف عمر، فبعث عبد الرحمن بن عوف، ثم حج عمر إمارته كلها، ثم استخلف عثمان فبعث عبد الرحمن بن عوف، ثم حج عثمان إمارته كلها(323) .
وعن الحسن البصري قال: عمل عثمان اثنتي عشرة سنة، ما ينكرون من إمارته شيئا(324) .
عن صهيب قال: لم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا قط إلا كنت
حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزوة قط أول الزمان وآخره إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين العدو قط حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم(325)
وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: لقد حج الحسن بن علي رضي الله عنهما خمسة وعشرين حجة ماشيا، وإن النجائب خلفه(326) .
وكان الحسن بن علي رضي الله عنه يقرأ سورة الكهف في كل ليلة، وكانت مكتوبة في لوح يدار بذلك اللوح معه إذا دار على نسائه(327) .
وعن معاوية بن أبي مزرد قال: رأيت ابن عمر يغدو كل سبت ماشيا إلى قباء ونعليه في يديه، فيمر بعمرو بن ثابت العتواري — بطن من كنانة — فيقول: يا عمرو اغد بنا، فيغدوان جميعا يمشيان(328) .
وعن هشام بن عروة، قال: أسلم الزبير وهو ابن ست عشرة سنة، ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل وهو
التعامل مع مضيعات الوقت ومعوقات إدارته
الفصل الرابع فقه الآل والأصحاب في التعامل مع مضيعات الوقت ومعوقات إدارته
لا شك أن هناك معوقات تعوق إدارة الوقت على الوجه المذكور آنفا، وأن تلك المعوقات هي في الأصل مضيعات للوقت يجب دفعها، والحذر منها، ومن أهم معوقات إدارة الوقت الكسل، والتسويف، وإنفاق الوقت في غير محله، وقد واجه الآل والأصحاب الكرام — رضوان الله عليهم أجمعين — تلك المعوقات بما ينبغي أن تواجه به، بالدفع والتحذير والتنفير منها، وفي المباحث التالية نذكر تلك المعوقات وتعامل الآل والأصحاب — رضي الله عنهم — معها.
المبحث الأول الكسل
الكسل هو الفتور(331) ، والتثاقل عن الشيء(332) ، ويعد الكسل من أهم المعوقات التي تعيق إدارة الوقت؛ إذ تتطلب إدارة الوقت نشاطا ومثابرة يدفعان للاستمرار عليها، حتى تؤتي ثمارها، والكسل على النقيض من ذلك، فهو خمول يتبعه حسرة وهم، قال ابن القيم: (ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس هما وغما وحزنا، ليس لهم فرح ولا سرور، بخلاف أرباب النشاط والجد في العمل — أي عمل كان ؛ فإن كان النشاط في عمل هم عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته كان التذاذهم بحبه ونشاطهم فيه أقوى)(333) .
ولما كانت النفس تميل للراحة والدعة، كان الكسل والفتور يزورانها من حين لآخر، فتحتاج النفس لما يدفع عنها هذا الكسل، ويدفعها للحفاظ على مسيرتها، ففي الحديث الشريف: «لكل عمل شرة،
ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي، فقد أفلح، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك»(334) والشرة النشاط، والفترة الفتور والكسل، فكان هذا من طبائع البشر، وكما يجب على العاقل استغلال النشاط، وجب عليه أيضا دفع الكسل، وعدم الانحراف عما ارتضاه لنفسه من الصواب حال الفتور.
ولما كان الكسل من أضر الأدواء على النفس، وأكثرها مهلكة للوقت والعمر، لذا تعوذ النبي — صلى الله عليه وسلم — بالله تعالى منه، فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الكسل..»(335) ، وعن أنس بن مالك — رضي الله عنه — أيضا نحوه، قال: كان رسول الله — صلى الله عليه وسلم يتعوذ ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من الكسل..»(336) .
وأرشدنا النبي — صلى الله عليه وسلم — كذلك لأن ندفع عن أنفسنا الكسل، فعَنْ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك الشيطان»(337) .
وفيما يلي نذكر شيئا من فقه الآل والأصحاب رضي الله عنهم في دفعهم
الكسل، وتحذيرهم منه.
فهذا ابن عباس — رضي الله عنهما — يحذر ابنه الفضل من الكسل، وينهاه عنه وقت النشاط، ويخبره أن ذلك هو عرف العرب وصنيعهم، فقد روى ابن الأعرابي وغيره عن ابن عباس — رضي الله عنهما — أنه: مر عبد الله بن العباس بالفضل ابنه وهو نائم نومة الضحى، فركله برجله وقال له: قم؛ إنك لنائم الساعة التي يقسم الله فيها الرزق لعباده، أما سمعت ما قالت العرب فيها؟ قال: وما قالت العرب فيها يا أبت؟ قال: زعمت أنها مكسلة مهرمة منسأة للحاجة، ثم قال: يا بني! نوم النهار على ثلاثة؛ نوم حمق؛ وهي نومة الضحى، ونومة الخلق؛ وهي التي روي: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل، ونومة الخرق؛ وهي نومة بعد العصر لا ينامها إلا سكران أو مجنون(338) .
وكما جاء التحذير من الكسل، جاء أيضا الأمر بالنشاط والسعي، والحث على عدم إهدار أوقات النشاط والبركة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر بالتبكير في أداء الأعمال، فاستجاب أصحابه — رضوان الله عليهم أجمعين — لذلك، وعملوا بنصيحته — صلى الله عليه وسلم ، فعن صخرٍ الغامديِّ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم بارك لأمتي في بُكُورها، وكان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم من أول النهار»، وكان صخرٌ رجلاً تاجراً، وكان يبعث تجارته من أوّل النهار، فأثرى وكَثُر مالُه(339) .
وبسند
ضعيف أيضا روي نحو هذا المعنى مرفوعا أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها «باكروا طلب الرزق والحوائج؛ فإن الغُدُوَّ بركة ونجاح»(340)
وروي بسند ضعيف
جدا أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابنته فاطمة رضي الله عنها أن تقوم من نومها وتشهد وقت البركة، فعن فاطمةَ رضي الله عنها وأرضاها قالت: مرّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجعة مُتصبِّحة فحرَّكني برجله، ثمّ قال: «يا بنية، قومي اشهدي رزقَ ربِّك ولا تكوني من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس»(341)
ومع ضعف هذه المرفوعات إلا أن الأمر بالنشاط ونبذ الكسل، واليقظة وقت الضحى والسعي على الرزق معروف معمول به، فعن جندب بن عبد الله البجلي، قال: استأذنت على حذيفة ثلاث مرات فلم يأذن
لي، فرجعت، فإذا رسوله قد لحقني فقال: «ما ردك؟»، قلت: ظننت أنك نائم، قال: «ما كنت لأنام حتى أنظر من أين تطلع الشمس»، قال: فحدثت به محمدا فقال: قد فعله غير واحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم(342)
وفي ذم الكسل أيضا، وتبغيض شأن الكسول للنفوس ما روي عن ابن مسعود أنه كان يجيء كل خميس فيقوم — قائما لا يجلس — فيقول:..، ولا يلهينكم الأمل، فإن كل ما هو آت قريب، ألا إن البعيد ما ليس آتيا، وإن من شرار الناس بطال النهار جيفة الليل(343) .
وعن أبي جعفر الباقر، أنه كان يوصي ولده جعفر بن محمد الصادق — رضي الله عنهما ، فقال وهو يوصيه: يا بني إياك والكسل والضجر، فإنهما مفتاح كل شر، إنك إن كسلت لم تؤد حقا، وإن ضجرت لم تصبر على حق(344) .
وجاءت النظرة الواقعية في ذم الكسل، والحث على العمل، وعدم الاكتفاء بالأقوال الجوفاء التي لا طائل منها، ما روي عن عمر — رضي الله عنه — أنه قال: (والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة، فلا ينظر رجل إلى القرابة ويعمل لما عند الله، فإن من قصر به عمله لا يسرع به نسبه)(345) .
وهذا أيضا الزبير رضي الله عنه يقلل من شأن من نام كسلا وقت السعي على الرزق، فعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير — رضي الله عنه — قال: «إني لأزهد في الرجل يتصبح»(346) .
وذكر الحسن عن عمر — رضي الله عنهما — أنه كان يأمر بالسعي، وعدم التواكل على الغير، قال الحسن: رأى عمر جارية تطيش هزالا، فقال: من هذه؟ فقال عبد الله: هذه إحدى بناتك قال: وأي بناتي هذه؟ قال: بنتي قال: ما بلغ بها ما أرى؟ قال: عملك! لا تنفق عليها قال: إني والله ما أعول ولدك، فاسع عُلهم أيها الرجل(347) .
ولما كان الكسل مما تميل إليه النفس فقد جاء الأمر بعدم اتباع النفس هواها، لما في ذلك من المضرة عليها، فعن أبي هريرة، قال: (كان عمر بن الخطاب إذا خطب الناس يقول في خطبته: أفلح منكم من حفظ من الهوى والطمع والغضب، ليس في ما دون الصدق من الحديث خير، من يكذب يفجر، ومن يفجر يهلك، إياكم والفجور، وما فجور عبد خلق من تراب، وإلى التراب يعود، وهو اليوم حي، وغدا ميت؟ اعملوا يوما بيوم، واجتنبوا دعوة المظلوم، وعدوا أنفسكم من الموتى)(348) .
وقال ابن الحنفية — أيضا : (شر عادات المرء اتباعه هواه)(349) .
عن محمد بن علي بن
عبد الله، أن العباس قال لعبد الله بن العباس: (يا بني إن الله قد بلغك شرف الدنيا، فاطلب شرف الآخرة، واملك هواك، واحرز لسانك، إلا مما لك)(350)
هذا، ولا يمكن حصر الآثار التي فيها تطبيقهم العملي لذلك، إذ كانت حياتهم كلها نشاطا، ودفعا للكسل.
المبحث الثاني التسويف
مرادنا بالتسويف هنا هو تأجيل العمل المطلوب في الوقت الحالي لوقت أبعد منه بغير عذر يدعو لذلك، ولا شك أن التسويف بهذا المعنى من أهم معوقات إدارة الوقت، إذ التسويف في حقيقته يتعارض مع إدارة الوقت من حيث المضمون، فضلا عن إهداره للوقت، وتضيعه له.
ويعد التسويف من الآفات الدالة على ضعف الإرادة، وبالتالي ضعف العمل والنتيجة، كما أنه مدعاة لتراكم الأعمال، وبالتالي ترك بعضها أو كلها؛ فيضيع من الواجبات ما يضيع، ومرجع ذلك إلى طول الأمل عند الإنسان، وأن ما لم يفعله اليوم يمني نفسه أنه بإمكانه أنه يفعله غدا، والنبي — صلى الله عليه وسلم — حذر من طول الأمل، فعن أبي هريرة — رضي الله عنه ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل)(351) .
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم آل بيته عن التسويف، وطول الأمل، وتأجيل العمل المتاح الآن لوقت بعده، تسويفا وطولا للأمل، فعن علي بن حسين،
أن حسين بن علي رضي الله عنهما أخبره أن علي بن أبي طالب، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: «ألا تصلون؟»، فقال علي: فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له ذلك، ولم يرجع إليه شيئا، ثم سمعه وهو مدبر، يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا٥٤﴾ [الكهف: 54](352)
وكان ابن عمر — رضي الله عنهما — يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء»(353) .
وجاء الأمر منه — صلى الله عليه وسلم — بالمبادرة بالأعمال قبل إتيان الشواغل أو الموانع، والتي ربما تأتي فجأة، لذا كان الأمر بالمبادرة بالأعمال وعدم التسويف والاغترار بالسلامة وطول الأمل، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم(354) » .
عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
قال: (بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم أو أمر العامة(355)
عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بادروا الصبح بالوتر(356) » .
فلا يمني أحد نفسه بالسلامة والمعافاة، فيسوف الأعمال المنوطة به، ركونا إلى ذلك، ثم ما يلبس أن يتفاجأ بالشواغل والموانع، كما يمني أحدهم نفسه بطول الليل وأنه سيدرك الوتر قبل الفجر، فيرقد على غير وتر، ثم يقوم وقد أذن الفجر، فجاء التوجيه النبوي بالمبادرة بالأعمال، وعدم التسويف.
وقد استجاب لذلك الآل والأصحاب — رضي الله عنهم ، وعملوا بسنته — صلى الله عليه وسلم ، ولم يركنوا لطول أمل، ولا اغتروا بالسلامة والمعافاة، فروي عن علي — رضي الله عنه — أيضا أنه قال: (إنما أخشى عليكم اثنين: طول الأمل، واتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسي الآخرة، وإن اتباع الهوى يصد عن الحق)(357) .
وقد جاء التحذير من آفة التسويف على لسان الآل والأصحاب — رضوان الله عليهم أجمعين ، ولعلمهم بخطورتها على الفرد والجماعة جاء التخويف منها، والأمر بتجنبها مكتوبا موصًى به، فعن عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — عنه أنه كتب إلى أبي موسى: «أما بعد، فإن القوة في العمل أن لا تؤخروا عمل اليوم لغد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركت عليكم الأعمال، فلم تدروا أيها تأخذون فأضعتم(358) .
وهذا ابن مسعود — رضي الله عنه — يشير إلى أن التسويف للشيطان فيه نصيب، فقد روى أبو داود في الزهد، عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله: الإثم حواز القلوب، فما كان من نظرة فللشيطان فيها مطمع، قال أبو داود: يعني بنظرة تأخير الشيء(359) .
وأبو بكر — رضي الله عنه — يذكر في خطبه بالتعجيل بالعمل، وعدم الركون لامتداد الأعمار وطول الأمل؛ إذ الموت يقطع كل ذلك، ويضرب المثال على كلامه — رضي الله عنه ، فعن يحيى بن أبي كثير، قال: كان أبو بكر الصديق لا يدع هذا الكلام أن يقوله كل جمعة في خطبته: (أين الوضآة الحسنة وجوههم، والمعجبون بشبابهم؟..، قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا كلا شيء، وأصبحوا قد فقدوا، وأصبحوا في ظلمات القبور، الوحا الوحا، ثم النجا النجا(360)(361) ) .
وعنه رضي الله عنه أيضا قال:
(اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم، قبل أن تنقضي آجالكم، فيردكم إلى أسوأ أعمالكم، فإن أقواما جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم، فالوحاء الوحاء، والنجاء النجاء، فإن وراءكم طالبا حثيثا مره سريع)(362)
المبحث الثالث بذل الوقت فيما لا نفع فيه أو فيما غيره خيرٌ منه
بذل الوقت فيما لا ينفع إضاعة له، وبذله في الذي غيره خير منه، استهلاك للعمر في غير كبير نفع، فإضاعة الوقت بلا فائدة ليس من معوقات إدارة الوقت فحسب، وإنما هو مهلكة للعمر، وكثيرا ما يحمل آثاما مضرة، لذا جاء التحذير والتنفير منه شديد اللهجة، قوي العبارة.
وعن ابن مسعود قال: إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة(363) .
وقد نهى النبي — صلى الله عليه وسلم — عن ذلك، فكان — صلى الله عليه وسلم — يكره لنا أن يمضي الوقت في أمور لا نفع فيها، وأخبرنا — صلى الله عليه وسلم — عن كراهية الله تعالى لأعمال تهلك الأوقات بلا فائدة، فضلا عن الإثم الذي تحمله، ونقل لنا سنته — صلى الله عليه وسلم — في ذلك من بعده أصحابه — رضي الله عنهم — وعملوا بها.
فعن الشعبي، قال: حدثني كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية
إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي بشيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال)(364)
وعن أبي برزة الأسلمي — رضي الله عنه — عن النبي — صلى الله عليه وسلم — أنه كان: لا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل، ولا يحب النوم قبلها، ولا الحديث بعدها(365) .
أما السمر إن كان فيما فيه نفع فقد جاء به الأثر عن النبي — صلى الله عليه وسلم ، فعن عمر قال: كان رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يَسْمُرُ مع أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين وأنا معهما(366) . ويؤيد هذا الفهم أيضا ما قاله مجاهد، فقد روي عنه أنه قال: لا بأس بالسمر بعد العشاء للفقه(367) .
وهذا عمر — رضي الله عنه — يطبق ما تلقاه عن النبي — صلى الله عليه وسلم — فعن خَرَشَةَ بن الْحُرّ قال: رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس على السمر بعدها(368) .
وفي لفظ آخر عن خَرَشَة رأى عمر بن الخطاب قوما سمروا بعد العشاء ففرق بينهم بالدرة، فقال: أَسَمَرًا من أوله، ونَوْمًا من آخره(369) .
وعن عروة قال: سمعتني عائشة وأنا أتكلم بعد العشاء الآخرة، فقالت: «يا عُرَيْ ألا تريح كاتبك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ينام قبلها ولا يتحدث بعدها(370) .
وفي رواية أخرى عن هشام بن عروة، قال: سمعت أبي يقول: انصرفت بعد العشاء الآخرة فسمعت كلامي عائشة رضي الله عنها خالتي، ونحن في حجرة، بيننا وبينها سقف فقالت: يا عروة أو يا عرية ما هذا السمر؟ إني ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما قبل هذه الصلاة ولا متحدثا بعدها، إما نائما فيسلم أو مصليا فيغنم(371) .
وكانت فاطمة بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم تحذر من السفه وعواقبه، وتمدح المروءة وأهلها، فعن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان القرشي الأموي قال جمعتنا أمنا فاطمة بنت الحسين بن علي فقالت: يا بني والله إنه ما نال أحد من أهل السفه بسفههم شيئا، ولا أدركوا ما أدركوه من لذاتهم، إلا وقد ناله أهل المروءات
بمروءاتهم، فاستتروا بجميل ستر الله عز وجل(372)
وعن ابن عباس: إياك والكلام فيما يعنيك إذا كان في غير موضعه، ولا تمار سفيها ولا حليما، فإن السفيه يؤذيك وإن الحليم يقليك(373) .
وفي رواية أخرى عن ابن عباس: دع الكلام فيما لا يعنيك فإنه فضل، ولا تتكلم فيما يعنيك إذا لم تصب موضعه فإنه جهل(374) .
وروي نحو هذا المعنى أيضا عن أبي هريرة، قال: لا خير في فضول الكلام(375) .
وعن حميد قال: أطلنا الحديث ذات ليلة ثم دخلنا على أنس بن مالك فقال: أطلتم الحديث البارحة، أما إن حديث أول الليل يضر بآخره(376) .
وعن ابن عمر — رضي الله عنهما : دع ما لست منه في شيء، ولا تنطق فيما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن ورقك(377) .
وقد كثر التحذير من إضاعة الوقت في الكلام غير النافع لأنه كثيرا
لا يخلو من الإثم، فعن حصين بن عقبة، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن من أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل(378)
وكانوا ينهون أيضا عن اللهو غير المباح المضيع للوقت المفسد لأمر الدين والدنيا، المضيع للوقت.
فعن ابن عمر أنه وجد مع بعض أهله الأربع عشرة، فضرب بها رأسه(379) .
وعن نافع قال: كان ابن عمر يكسر النرد والأربعة عشر(380) .
وعن، شقيق، قال: كتب عمر: إن الدنيا خضرة حلوة، فمن أخذها بحقها كان قمنا أن يبارك له فيها، ومن أخذها بغير ذلك كان كالآكل الذي لا يشبع. وفي ذلك الاكتفاء بالنفاع، وترك الزائد عن ذلك(381) .
وقد جعل سلمان رضي الله عنه الناس ثلاث منازل فيما عملوا في أوقاتهم؛ ففائز وخاسر ومن لم يفز ولم يخسر، فعن طارق بن شهاب، أنه بات عند سلمان ينظر اجتهاده قال: فقام فصلى من آخر الليل فكأنه لم ير الذي كان يظن فذكر ذلك له فقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس فإنهن
كفارات لهذه الجراحات ما لم تصب المقتلة، فإذا أمسى الناس كانوا على ثلاث منازل فمنهم من له ولا عليه، ومنهم من عليه ولا له، ومنهم لا له ولا عليه، فرجل اغتنم ظلمة الليل، وغفلة الناس، فقام يصلي حتى أصبح فذلك له ولا عليه، ورجل اغتنم غفلة الناس، وظلمة الليل، فركب رأسه في المعاصي فذلك عليه ولا له، ورجل صلى العشاء، ثم نام فذلك لا له ولا عليه، فإياك والحقحقة، وعليك بالقصد والدوام(382)
وترى نحو هذا المعنى في وكلام ابن مسعود — رضي الله عنه — أيضا، فعن سالم بن أبي الجعد، قال: قال عبد الله بن مسعود: لا ألفين أحدكم جيفة ليل قطرب نهار، قيل: وما قطرب نهار؟ قال: يقطع نهاره بالحديث(383) .
الخاتمة
لا شك أن الوقت أثمن ما يملكه الإنسان؛ فوقت الإنسان هو عمره الذي منحه الله تعالى له؛ فحفظ الوقت هو حفظ للعمر، وهو وعاء لكل عمل يعمله الإنسان، وقد جاء الكتاب والسنة المطهرة بما يبرز شرف الوقت، وعظم قيمته.
ولما كان الآل والأصحاب — رضوان الله عليهم أجمعين — خير من عمل بالكتاب والسنة، وما تضمنته الشريعة الغراء من حكم وأحكام، كان هديهم في تعاملهم مع الوقت، وإدارتهم له محل اهتمام كبير لمن أراد القدوة الحسنة في ذلك.
فكان ما أثر عنهم في إدارة الوقت خير تطبيق لما جاءت به الشريعة من رعاية كافة الجوانب الإنسانية، وإيفاء كافة الحقوق الشرعية والدنيوية، والتوازن بين الجوانب المادية والروحية، وإيفاء حقوق الله تعالى، والعباد، والنفس، وتوزيع الوقت بين ذلك كله، بلا إفراط ولا تفريط؛ فكانوا خير قرن مطهرين، رضي الله عنهم أجمعين.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا بهم مع نبينا — صلى الله عليه وسلم — في جنته، وأن يرزقنا حسن اتباعهم، والسير بسيرتهم؛ آمين، والحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
الآحاد والمثاني، أبو بكر بن أبي عاصم أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني (287ه)، تحقيق: د. باسم فيصل أحمد الجوابرة، الناشر: دار الراية، الرياض، الطبعة: الأولى، 1411ه 1991م. الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (643ه)، تحقيق: أد. عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، الناشر: دار خضر للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة: الثالثة، 1420ه 2000م. الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، الدارمي، البُستي (354ه)، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (739 ه)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الأولى، 1408ه 1988م. أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس المكي الفاكهي (272ه)، تحقيق: أد. عبد الملك عبد الله دهيش، الناشر: دار خضر بيروت، الطبعة: الثانية، 1414ه. الآداب الشرعية والمنح المرعية، أبو عبد الله محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، شمس
الدين المقدسي، الصالحي، الحنبلي (763ه)، الناشر: عالم الكتب. إدارة الوقت، د. إبراهيم الفقي، الناشر: إبداع للإعلام والنشر، مصر، 2009م. إدارة الوقت بين التراث والمعاصرة، د. محمد أمين شحارة، الناشر: دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى 1427ه. إدارة الوقت من المنظور الإسلامي والإداري، د خالد بن عبد الرحمن بن علي الجريسي. الأدب المفرد، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (256ه)، تحقيق: سمير بن أمين الزهيري، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، 1419 ه 1998 م. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني (1420ه)، إشراف: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة: الثانية 1405 ه 1985م. استجلاب ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول صلى الله عليه وسلم وذوي الشرف، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، تحقيق: خالد بن أحمد الصُّمَي بابطين، الناشر: دار البشائر الإسلامية. الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (852ه)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى
1415ه. أعمار الأعيان، ابن الجوزي (597ه)، مكتبة الخانجي، القاهرة، المحقق: د. محمود الطناحي، الطبعة الأولى 1414ه. إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (751ه)، حققه: محمد عزير شمس، خرج أحايثه: مصطفى بن سعيد إيتيم، الناشر: دار عالم الفوائد مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، 1432ه. آل البيت في المكتبة العربية، عبد العزيز الطباطبائي (1996م)، سلسلة آثار المحقق الطباطبائي، الناشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث. أمالي ابن بشران، أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشْران البغدادي (430ه)، ضبط نصه: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف العزازي، الناشر: دار الوطن، الرياض، الطبعة: الأولى، 1418ه 1997م. الأموال لابن زنجويه، أبو أحمد حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الخرساني، المعروف بابن زنجويه (251ه)، تحقيق: د. شاكر ذيب فياض، الناشر: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1406ه 1986م. أنيس السَّاري في تخريج وَتحقيق الأحاديث التي ذكرها الحَافظ ابن حَجر العسقلاني في فَتح البَاري، أبو حذيفة، نبيل بن منصور بن يعقوب بن سلطان البصارة الكويتي، تحقيق: نبيل بن مَنصور البصارة، الناشر: مؤسَّسَة السَّماحة، مؤسَّسَة الريَّان، بيروت، الطبعة: الأولى، 1426 ه 2005م. أهل البيت بين مدرستين، محمد سالم الخضر، الناشر: مبرة الآل والأصحاب،
2008م. الأوائل لابن أبي عاصم، أبو بكر بن أبي عاصم وهو أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني (287ه)، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، الناشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي الكويت. بحر الفوائد معاني الأخبار، أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (380ه)، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، أحمد فريد المزيدي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1420ه 1999م. بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي (1376ه)، تحقيق: عبد الكريم بن رسمي، دار النشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى 1422ه 2002م. التاريخ الأوسط، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (256ه)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، الناشر: دار الوعي، مكتبة دار التراث حلب، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1397ه 1977م. تاريخ دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، المعروف بابن عساكر (571ه)، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عام النشر: 1415 ه 1995م. تاريخ الرسل والملوك تاريخ الطبري، وصلة تاريخ الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (310ه)، الناشر: دار التراث بيروت، الطبعة: الثانية 1387 ه. تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك. تاريخ المدينة، عمر بن شبة النميري البصري، أبو زيد (262ه)، تحقيق:
فهيم محمد شلتوت، طبع على نفقة: السيد حبيب محمود أحمد جدة، عام النشر: 1399ه. تاريخ ابن معين، رواية الدوري، أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام، البغدادي (233ه)، تحقيق: د. أحمد محمد نور سيف، الناشر: مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، 1399ه 1979م. تاريخ ابن يونس المصري، عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي، أبو سعيد (347ه)، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1421ه. تأويل مختلف الحديث، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (276ه)، الناشر: المكتب الاسلامي مؤسسة الإشراق، الطبعة: الطبعة الثانية 1419ه 1999م. تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري، جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي (762ه)، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، الناشر: دار ابن خزيمة الرياض، الطبعة: الأولى، 1414ه. ترتيب الأمالي الخميسية للشجري، مؤلف الأمالي: يحيى بن الحسين بن إسماعيل بن زيد الحسني الشجري الجرجاني (المتوفى 499 ه)، ترتيب: القاضي محيي الدين محمد بن أحمد القرشي العبشمي (610ه)، تحقيق: محمد حسن محمد، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1422 ه
2001م. التفسير من سنن سعيد بن منصور، أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني (227ه)، دراسة وتحقيق: د سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، 1417ه 1997م. تقريب التهذيب، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (852ه)، تحقيق: محمد عوامة، الناشر: دار الرشيد سوريا، الطبعة: الأولى، 1406ه 1986م. تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (310ه)، تحقيق: محمود محمد شاكر، الناشر: مطبعة المدني القاهرة. تهذيب التهذيب، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (852ه)، الناشر: مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند، الطبعة: الطبعة الأولى، 1326ه. تهذيب الكمال في أسماء الرجال، يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي المزي (742ه)، تحقيق: د. بشار عواد معروف، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الأولى، 1400ه 1980م. تهذيب اللغة، محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (370ه)، تحقيق: محمد عوض مرعب، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، الطبعة: الأولى،
2001م. جامع البيان عن تأويل آي القرآن تفسير الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (310ه)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، 1422 ه 2001م. جامع التحصيل في أحكام المراسيل، صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي العلائي (761ه)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الناشر: عالم الكتب بيروت، الطبعة: الثانية، 1407ه 1986م. جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (795ه)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط إبراهيم باجس، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: السابعة، 1422ه 2001م. الجامع في الحديث، أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم المصري القرشي (197ه)، تحقيق: د مصطفى حسن حسين محمد أبو الخير، أستاذ الحديث وعلومه المساعد كلية أصول الدين القاهرة، الناشر: دار ابن الجوزي الرياض، الطبعة: الأولى 1416 ه 1995م. الجامع الكبير سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (279ه)، المحققون: أحمد محمد شاكر (ج 1، 2)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (ج 3)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (ج 4، 5)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، الطبعة: الثانية، 1395 ه 1975م.
الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي الطبعة: الأولى، 1422ه. جزء فيه مجلسان من أمالي أبي الحسين بن بشران، علي بن محمد بن عبد الله بن بشران الأموي أبو الحسين البغدادي المعدل (415ه)، تحقيق: أبي عبد الله حمزة الجزائري، الناشر: الدار الأثرية، ضمن مجموع كتاب سلوك طريق السلف وستة أجزاء أخرى، الطبعة: الأولى 2009م. الجزء المتمم لطبقات ابن سعد، الطبقة الخامسة في من قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهم أحداث الأسنان، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد (230ه)، تحقيق: محمد بن صامل السلمي، الناشر: مكتبة الصديق الطائف، الطبعة: الأولى، 1414 ه 1993م. جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (751ه)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: دار العروبة الكويت، الطبعة: الثانية، 1407ه 1987م. جمل من أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البَلَاذُري (279ه)، تحقيق: سهيل زكار ورياض الزركلي، الناشر: دار الفكر بيروت، الطبعة: الأولى، 1417 ه 1996م. جمهرة اللغة، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (321ه)، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، الناشر: دار العلم للملايين بيروت، الطبعة: الأولى،
1987م. الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي الداء والدواء، أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (751ه)، تحقيق: محمد أجمل الإصلاحي، خرج أحاديثه: زائد بن أحمد النشيري، الناشر: دار عالم الفوائد مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، 1429ه. حقوق آل البيت، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (728ه)، تحقيق: عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت لبنان. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (430ه)، الناشر: السعادة بجوار محافظة مصر، 1394ه 1974م. الحيوان، عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (255ه)، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الثانية، 1424ه. الخراج، المؤلف: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة الأنصاري (المتوفى: 182ه)، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، سعد حسن محمد، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث. الخطب والمواعظ لأبي عبيد، أبو عُبيد القاسم بن سلّام بن عبد الله الهروي البغدادي (224ه)، تحقيق: د. رمضان عبد التواب، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة: الأولى. ذيل طبقات الحنابلة، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن
الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (795ه)، تحقيق: د عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الناشر: مكتبة العبيكان الرياض، الطبعة: الأولى، 1425ه 2005م. رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري (324ه)، تحقيق: عبد الله شاكر الجنيدي، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة: 1413ه. روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (354ه)، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت. روضة المحبين ونزهة المشتاقين، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (751ه)، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة: 1403ه 1983م. الزهد، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الله (241ه)، وضع حواشيه: محمد عبد السلام شاهين، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1420 ه 1999م. الزهد، أبو بكر ابن أبي الدنيا، عبد الله بن محمد بن عبيد، البغدادي الأموي القرشي (281ه)، الناشر: دار ابن كثير، دمشق، الطبعة: الأولى، 1420 ه 1999م. الزهد، أبو داود السِّجِسْتاني، سليمان بن الأشعث بن إسحاق، الأزدي (275ه)، تحقيق: أبو تميم ياسر بن ابراهيم بن محمد، أبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم وقدم له وراجعه: فضيلة الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف، الناشر: دار المشكاة للنشر والتوزيع، حلوان، الطبعة: الأولى، 1414 ه
1993م. الزهد، هَنَّاد بن السَّرِي بن مصعب، أبو السَّرِي، التميمي الدارمي الكوفي (243ه)، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، الناشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي الكويت، الطبعة: الأولى، 1406ه. الزهد والرقائق، أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، التركي ثم المرْوزي (181ه)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن نوح بن نجاتي، الألباني (1420ه)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (1420ه)، دار النشر: دار المعارف، الرياض، الطبعة: الأولى، 1412ه 1992م. سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (275ه)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا بيروت. سنن سعيد بن منصور، أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني (227ه)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: الدار السلفية الهند، الطبعة: الأولى، 1403ه 1982م. السنن الصغير للبيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (458ه)، تحقيق: عبد المعطي
أمين قلعجي، دار النشر: جامعة الدراسات الإسلامية، كراتشي باكستان، الطبعة: الأولى، 1410ه 1989م. السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (458ه)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنات، الطبعة: الثالثة، 1424 ه 2003 م. السنن الكبرى، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (303ه)، حققه وخرج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، قدم له: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الأولى، 1421ه 2001م. سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، أبو عبد الله، ابن ماجة، (273ه)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية فيصل عيسى البابي الحلبي. السنة، أبو بكر بن أبي عاصم وهو أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني (287ه)، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة: الأولى، 1400ه. السير، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري (188ه)، تحقيق: فاروق حمادة، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الأولى، 1987م. سير أعلام النبلاء، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748ه)، المحقق: مجموعة
من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، 1405ه 1985م. سير السلف الصالحين لإسماعيل بن محمد الأصبهاني، إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي الطليحي التيمي الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بقوام السنة (535ه)، تحقيق: د. كرم بن حلمي بن فرحات بن أحمد، الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض. شرح السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (516ه)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي دمشق، بيروت، الطبعة: الثانية، 1403ه 1983م. شرح صحيح البخارى لابن بطال، ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (449ه)، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، دار النشر: مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة: الثانية، 1423ه 2003م. شرح الفصيح، ابن هشام اللخمي (المتوفى 577 ه)، تحقيق: د. مهدي عبيد جاسم، الطبعة: الأولى، 1409 ه 1988م. شرح مشكل الآثار، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (321ه)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى 1415 ه، 1494 م. شرح النووي على مسلم المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. الشريعة، أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ
البغدادي (360ه)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الناشر: دار الوطن، الرياض، الطبعة: الثانية، 1420 ه 1999م. شعب الإيمان، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (458ه)، تحقيق: د. عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي الهند، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة: الأولى، 1423ه 2003م. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (393ه)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين بيروت، الطبعة: الرابعة 1407 ه 1987م. صحيح الترغِيب والترهيب، محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: مكتَبة المَعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، 1421 ه 2000م. صحيح الجامع الصغير وزياداته، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (1420ه)، الناشر: المكتب الإسلامي. صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (354ه)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الثانية، 1414ه 1993م. صحيح ابن خزيمة، أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري (311ه)، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، الناشر: المكتب الإسلامي بيروت.
صحيح أبي داود، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (1420ه)، الناشر: مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت. صحيح السيرة النبوية، محمد ناصر الدين الألباني (1420ه)، الناشر: المكتبة الإسلامية عمان الأردن، الطبعة: الأولى. الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي (1422 ه)، الناشر: دار الآثار صنعاء، اليمن، الطبعة: الرابعة، 1428ه 2007م. صيد الخاطر، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (597ه)، اعتنى به: حسن المساحي سويدان، الناشر: دار القلم دمشق، الطبعة: الأولى، 1425ه 2004م. الطبقات الكبرى، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد (230ه)، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر بيروت، الطبعة: الأولى، 1968م. عصرنا والعيش في زمانه الصعب، عبد الكريم بكار، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 2000م. العقل وفضله، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (281ه)، الناشر: مكتبة القرآن
مصر. العلم، أبو خيثمة زهير بن حرب النسائي (234ه)، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة: الثانية، 1403ه 1983م. العمر والشيب، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (281ه)، تحقيق: د. نجم عبد الله خلف، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، الطبعة: الأولى، 1412ه. غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، المؤلف: شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (المتوفى: 1188ه)، الناشر: مؤسسة قرطبة مصر، الطبعة: الثانية، 1414 ه 1993م. غريب الحديث، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (276ه)، تحقيق: د. عبد الله الجبوري، الناشر: مطبعة العاني بغداد، الطبعة: الأولى، 1397ه. الفائق في غريب الحديث والأثر، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (538ه)، تحقيق: علي محمد البجاوي محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: دار المعرفة لبنان، الطبعة: الثانية. فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، الناشر: دار المعرفة بيروت، 1379، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب. فتح الباري شرح صحيح البخاري، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي
(795ه)، الحقوق: مكتب تحقيق دار الحرمين القاهرة، الطبعة: الأولى، 1417 ه 1996م. فتح المغيث بشرح الفية الحديث للعراقي، شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي (902ه)، تحقيق: علي حسين علي، الناشر: مكتبة السنة مصر، الطبعة: الأولى، 1424ه 2003م. فضائل الخلفاء الأربعة وغيرهم لأبي نعيم الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (430ه)، تحقيق: صالح بن محمد العقيل، الناشر: دار البخاري للنشر والتوزيع، المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1417ه 1997م. فضائل الصحابة، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (241ه)، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الأولى، 1403ه 1983م. الفوائد، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (751ه)، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الثانية، 1393 ه 1973م. فوائد ابن بشران عن شيوخه، الجزء الأول والثاني ضمن مجموع مطبوع باسم الفوائد لابن منده علي بن محمد بن عبد الله بن بشران الأموي أبو الحسين البغدادي المعدل (415ه)، تحقيق: خلاف محمود عبد السميع، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1423 ه
2002م. القاموس المحيط، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (817ه)، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة: الثامنة، 1426ه 2005م. قصر الأمل، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (281ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم بيروت، الطبعة: الثانية، 1417ه 1997م. قيمة الزمن عند العلماء، عبد الفتاح أبو غدة الحلبي الحنفي (1417ه)، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية حلب، الطبعة: العاشرة. كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (170ه)، تحقيق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، الناشر: دار ومكتبة الهلال. كشف المشكل من حديث الصحيحين، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (597ه)، تحقيق: علي حسين البواب، الناشر: دار الوطن الرياض. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل تفسير الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (538ه)، الناشر: دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة: الثالثة 1407ه. كلام الليالي والأيام، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (281ه)، تحقيق: محمد
خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم، بيروت، الطبعة: الأولى، 1418 ه 1997م. الكنى والأسماء، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (261ه)، تحقيق: عبد الرحيم محمد أحمد القشقري، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1404ه 1984م. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علاء الدين علي بن حسام الدين ابن قاضي خان القادري الشاذلي الهندي البرهانفوري ثم المدني فالمكي الشهير بالمتقي الهندي (975ه)، تحقيق: بكري حياني صفوة السقا، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الطبعة الخامسة، 1401ه 1981م. لسان العرب، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين بن منظور الأنصاري الإفريقي (711ه)، الناشر: دار صادر بيروت، الطبعة: الثالثة 1414ه. المجالسة وجواهر العلم، المؤلف: أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري المالكي (المتوفى: 333ه)، المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: جمعية التربية الإسلامية البحرين، دار ابن حزم، لبنان، تاريخ النشر: 1419ه. المجتبى من السنن السنن الصغرى للنسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (303ه)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية حلب، الطبعة: الثانية، 1406ه 1986م.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (807ه)، تحقيق: حسام الدين القدسي، الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة، عام النشر: 1414 ه، 1994 م. مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (728ه)، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، 1416ه 1995م. محاسبة النفس لابن أبي الدنيا، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (281ه)، تحقيق: المسعتصم بالله أبي هريرة مصطفى بن علي بن عوض، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1406 ه 1986م. المحكم والمحيط الأعظم، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي (458ه)، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 ه 2000م. مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر، أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي (294ه)، اختصرها: العلامة أحمد بن علي المقريزي (845ه)، الناشر: حديث أكادمي، فيصل اباد باكستان، الطبعة: الأولى، 1408 ه 1988م. مختصر منهاج القاصدين، نجم الدين، أبو العباس، أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي (689ه)، قدم له: الأستاذ محمد أحمد دهمان، الناشر: مكتبة دار البيان، دمشق، عام النشر: 1398 ه 1978م. المخصص، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي
(458ه)، تحقيق: خليل إبراهم جفال، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، الطبعة: الأولى، 1417ه 1996م. المخلصيات، وأجزاء أخرى لأبي طاهر المخلص، محمد بن عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن بن زكريا البغدادي المخَلِّص (393ه)، تحقيق: نبيل سعد الدين جرار، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لدولة قطر، الطبعة: الأولى، 1429 ه 2008م. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (751ه)، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، الناشر: دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة: الثالثة، 1416 ه 1996م. المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (405ه)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى، 1411 1990م. مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (241ه)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421ه 2001م. مسند الإمام الشافعي، الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (204ه)، رتبه على الأبواب الفقهية: محمد عابد السندي، عرف للكتاب وترجم للمؤلف: محمد زاهد بن الحسن الكوثري، تولى نشره
وتصحيحه ومراجعة أصوله: يوسف علي الزواوي الحسني، وعزت العطار الحسيني، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، عام النشر: 1370ه 1951م. مسند أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأقواله على أبواب العلم مسند الفاروق، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (774ه)، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار النشر: دار الوفاء، المنصورة، الطبعة: الأولى، 1411ه 1991م. مسند البزار البحر الزخار، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي المعروف بالبزار (292ه)، المحققون: محفوظ الرحمن زين الله، وعادل بن سعد، وصبري عبد الخالق الشافعي، الناشر: مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 2009م. مسند ابن الجعد، علي بن الجَعْد بن عبيد الجَوْهَري البغدادي (230ه)، تحقيق: عامر أحمد حيدر، الناشر: مؤسسة نادر بيروت، الطبعة: الأولى، 1410ه 1990م. مسند الدارمي سنن الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهرام بن عبد الصمد الدارمي، التميمي السمرقندي (255ه)، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، الناشر: دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1412 ه 2000 م. مسند أبي داود الطيالسي، أبو داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي البصرى (204ه)، تحقيق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر مصر، الطبعة: الأولى، 1419 ه 1999م. مسند الروياني، أبو بكر محمد بن هارون الرُّوياني (307ه)، تحقيق: أيمن علي أبو
يماني، الناشر: مؤسسة قرطبة القاهرة، الطبعة: الأولى، 1416ه. مسند ابن أبي شيبة، أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (235ه)، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي وأحمد بن فريد المزيدي، الناشر: دار الوطن الرياض، الطبعة: الأولى، 1997م. المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (261ه)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت. مسند عبد الله بن عمر، أبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي البغدادي ثم الطرسوسي (273ه)، تحقيق: أحمد راتب عرموش، الناشر: دار النفائس بيروت، الطبعة: الأولى، 1393ه. مسند أبي يعلى، أبو يعلى أحمد بن علي بن المثُنى بن يحيى بن عيسى بن هلال التميمي، الموصلي (307ه)، تحقيق: حسين سليم أسد، الناشر: دار المأمون للتراث دمشق، الطبعة: الأولى، 1404 ه 1984م. مشكاة المصابيح، محمد بن عبد الله الخطيب العمري، أبو عبد الله، ولي الدين، التبريزي (741ه)، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة: الثالثة، 1985م. مشيخة ابن البخاري، أحمد بن محمد بن عبد الله، أبو العباس، جمال الدين ابن الظاهري، الحنفي (696ه)، تحقيق: د. عوض عتقي سعد الحازمي، الناشر: دار عالم الفؤاد مكة، الطبعة: الأولى،
1419ه. المصنف، أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (211ه)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي الهند، يطلب من: المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة: الثانية، 1403ه. المصنف في الأحاديث والآثار، أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (235ه)، تحقيق: كمال يوسف الحوت، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، الطبعة: الأولى، 1409ه. المعجم، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان الأصبهاني الخازن، ابن المقرئ (381ه)، تحقيق: عادل بن سعد، الناشر: مكتبة الرشد، الرياض، شركة الرياض للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، 1419ه 1998م. معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (626ه)، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الأولى، 1414ه 1993م. المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (360ه)، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، الناشر: دار الحرمين القاهرة. معجم الصحابة، أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المَرْزُبان بن سابور بن شاهنشاه البغوي (317ه)، تحقيق: محمد الأمين بن محمد الجكني، الناشر: مكتبة دار البيان الكويت، الطبعة: الأولى، 1421 ه 2000 م. المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي
الشامي، أبو القاسم الطبراني (360ه)، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الناشر: مكتبة ابن تيمية القاهرة، الطبعة: الثانية. معرفة السنن والآثار، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (458ه)، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشرون: جامعة الدراسات الإسلامية (كراتشي باكستان)، دار الوفاء، المنصورة مصر، الطبعة: الأولى، 1412ه 1991م. المعرفة والتاريخ، يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي الفسوي، أبو يوسف (277ه)، تحقيق: أكرم ضياء العمري، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الثانية، 1401 ه 1981م. مفاتيح الغيب التفسير الكبير تفسير الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (606ه)، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة: الثالثة، 1420ه. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي (578 656 ه)، تحقيق: محيي الدين ديب ميستو أحمد محمد السيد يوسف علي بديوي محمود إبراهيم بزال، الناشر: (دار ابن كثير، دمشق بيروت)، (دار الكلم الطيب، دمشق بيروت)، الطبعة: الأولى، 1417 ه 1996 م. المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي (902ه)، تحقيق: محمد عثمان الخشت، الناشر: دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة: الأولى، 1405 ه 1985م. مكارم الأخلاق،
أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (281ه)، تحقيق: مجدي السيد إبراهيم، الناشر: مكتبة القرآن القاهرة. المنتخب من مسند عبد بن حميد، أبو محمد عبد الحميد بن حميد بن نصر الكَسّي ويقال له: الكَشّي بالفتح والإعجام (249ه)، تحقيق: الشيخ مصطفى العدوي، الناشر: دار بلنسية للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1423ه 2002م. منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (728ه)، تحقيق: محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة: الأولى، 1406ه 1986م. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (676ه)، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، الطبعة: الثانية، 1392ه. موارد الظمآن لدروس الزمان، خطب وحكم وأحكام وقواعد ومواعظ وآداب وأخلاق حسان، عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن السلمان (1422ه)، الطبعة: الثلاثون، 1424ه. المؤتَلِف والمختَلِف، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار البغدادي الدارقطني (385ه)، تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، الناشر: دار الغرب الإسلامي بيروت، الطبعة: الأولى، 1406ه
1986م. ميزان الاعتدال في نقد الرجال، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (748ه)، تحقيق: علي محمد البجاوي، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة: الأولى، 1382ه 1963م. نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (852ه)، تحقيق: عصام الصبابطي عماد السيد، الناشر: دار الحديث القاهرة، الطبعة: الخامسة، 1418ه 1997م. نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الحميد بن صالح آل أعوج، الناشر: دار ابن حزم، الطبعة الأولى 2006م. نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (852ه)، تحقيق: عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، الناشر: مطبعة سفير بالرياض، الطبعة: الأولى، 1422ه. نسخة أبي مسهر، أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى بن أبي ذرمة الغساني الدمشقي (218ه)، ونُسخ أخرى لغيره من أهل العلم، تحقيق: مجدي فتحي السيد، الناشر: دار الصحابة للتراث طنطا، الطبعة: الأولى، 1410ه. النهاية في غريب الحديث والأثر، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (606ه)، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى محمود محمد الطناحي، الناشر: المكتبة العلمية بيروت، 1399ه 1979م.
وصايا العلماء عند حضور الموت، أبو سليمان محمد بن عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن سليمان بن خالد بن عبد الرحمن بن زبر الربعي (379ه)، تحقيق: صلاح محمد الخيمي والشيخ عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة: الأولى، 1406ه 1986م. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (681ه)، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر بيروت.
قائمة بعناوين الأبحاث الجديدة لمشروع
(تراث الآل والأصحاب)
* القرآن في حياة الآل والأصحاب.
* أدب التربية في تراث الآل والأصحاب: نماذج من تعامل الآل والأصحاب مع صغارهم.
* السفر وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* التجارة والمكاسب في تراث الآل والأصحاب: آداب وقدوات ونماذج متنوعة.
* آداب معاملة الكبار والمرضى في تراث الآل والأصحاب.
* الإعاقة في تراث الآل والأصحاب: نماذج وآداب وعبر.
* آداب التعامل مع غير المسلمين في تراث الآل والأصحاب.
* العبادة والزهد في تراث الآل والأصحاب.
* الذكر والدعاء في تراث آل البيت.
* فضل العلم وآداب طلبه في تراث الآل والأصحاب.
* آداب التعامل مع المرأة في تراث الآل والأصحاب.
* آداب العشرة في تراث الآل والأصحاب: استلهام للقيم الزوجية الناجحة في سير سلفنا الصالح.
* آداب الحوار والاختلاف في تراث الآل والأصحاب: شواهد وآداب.
* قضايا نسائية: قراءات في تراث الآل والأصحاب.
* الأطفال في رحاب الآل والأصحاب: بحث في أسس المعالجة الفنية والأدبية لنشر تراث الآل والأصحاب للمراحل العمرية الصغيرة.
* الوقف في تراث الآل والأصحاب.
* الفَقْد في تراث الآل والأصحاب: دراسة في الجوانب الإيمانية والإنسانية.
* المهارات الإدارية في تراث الآل والأصحاب.
* إدارة الوقت في تراث الآل والأصحاب.
* الطعام وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* المزاح وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* آداب التعامل مع الحيوان في تراث الآل والأصحاب.
