سلسلة تراث الآل والأصحاب (3)
القرآن الكريم
فِي حَيَاةِ الآلِ وَالأصْحَاب
عَمْرو
الشَّرْقَاوِي
مراجعة مركز البحوث والدراسات بالمبرة
عنوان الكتاب: القرآن الكريم في حياة الآل والأصحاب.
اسم المؤلف: عمرو الشرقاوي.
نوع المطبوع: كتاب — الطبعة: الأولى — عدد الصفحات: 121
السلسلة: تراث الآل والأصحاب (3)
الناشر: مبرة الآل والأصحاب
ص. ب. 12421 الشامية — الرمز البريدي 71655 — ت: 2560203
ردمك: 978 99966 64 37 3 ISBN
حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1439 ه 2017م
هاتف: 22560203 22552340 فاكس: 22560346
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
E mail: almabarrh@gmail. com
www. almabarrah. net
فهرس
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| مقدمة مبرة الآل والأصحاب | 7 |
|---|---|
| مقدمة |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المؤلف | 11 |
| الفصل الأول: مفهوم الآل والأصحاب وفضائلهم في القرآن والسنة | 17 |
| المبحث الأول: التعريف بالآل وفضائلهم في القرآن والسنة | 20 |
| المبحث الثاني: التعريف بالصحب وفضائلهم في القرآن والسنة | 31 |
| الفصل الثاني: دور الصحابة في جمع القرآن العظيم | 43 |
| القرآن في العهد النبوي | 43 |
| القرآن في عهد الصحابة | 45 |
| الفصل الثالث: اهتمام الصحابة والآل بتفسير القرآن | 53 |
| المبحث الأول: اهتمامهم بعلم التفسير | 53 |
| المبحث الثاني: مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة | 63 |
| الفصل الرابع: اهتمام الصحابة والآل بحفظ القرآن، وإقرائه | 81 |
| المبحث الأول: اهتمام الصحابة بحفظ القرآن | 81 |
| المبحث الثاني: اهتمام الصحابة بإقراء القرآن الكريم | 84 |
| الفصل الخامس: تعظيم الآل والأصحاب للقرآن | 91 |
| أولاً: ثناؤهم على القرآن وحث الناس على الإقبال عليه، والتحذير من |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| هجره | 93 |
| ثانيًا: تكريمهم لأهل القرآن، ومعرفة قدرهم | 97 |
| ثالثًا: حسن تلاوتهم واستماعهم للقرآن | 99 |
| رابعًا: عملهم بالقرآن | 103 |
| الفصل السادس: القرآن والصلاة في حياة الآل والأصحاب | 109 |
| مراجع البحث | 115 |
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة مبرة الآل والأصحاب
الحمد لله رب العالمين وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيٍّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فهذا القرآن الكريم كلام ربِّنا العظيم، ما تبلغ القلوب أن تنقاد لهديه؟، وما يسع الألباب أن تحيط بعلمه؟ وما عساها الأقلام أن تكتب في فضله؟، فهو الكتاب الذي قال فيه أعداؤه لمّا سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ لقوله الذي يقول حلاوةً، وإن عليه لطَلاوةً، وإنه لمُثْمِرٌ أعلاه، مُغْدِق أَسْفَله، وإنه ليَعْلُو وما يُعْلَى، وإنه ليحطم ما تحته»(1) وما أَبْلغَ ما ورَدَ في وَصْفِه في بعض الأحاديث: «كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبرُ ما بعدكم، وحُكْم ما بينكم، وهو الفَصْل ليس بالهَزْل، من تركه من جبَّارٍ قصَمه الله، ومن ابتغى الهُدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذِّكْر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزَيِغُ به الأهواء، ولا تَلْتَبِسُ به الألسنة، ولا يشبَع منه العلماء، ولا
يَخْلَقُ على كَثْرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا١ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ﴾ [الجن: 2] مَنْ قال به صَدَقَ، ومن عَمِلَ به أُجِر، ومَنْ حكَمَ به عَدَلَ، ومن دعَا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم»(2)
أما صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهم الذين شهدوا التنزيل، وعاينوا وقائع الوحي، نزَل عليهم يعلمهم ويجيبهم ويربّيهم، ففقهوه ووعوه، وعظموه وقدّموه، فكان نبراس حياتهم، وأسوة معاشهم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «أولئك أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا أفضلَ هذه الأمة: أبرَّها قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، اختارهم الله لصحبة نبيِّه، ولإقامة دِينه، فاعرِفوا لهم فضلَهم، واتبعُوهم على أثرهم، وتمسَّكوا بما استَطَعْتُم من أخلاقِهم وسيَرِهم، فإنهم كانوا على الهُدَى المستقيم»(3) .
وهؤلاء أهل بيته الطيبون الطاهرون، معدِن الرسالة وبيت النبوة، فيهم العلماء والعُبَّاد والمجاهدون، وطبقتهم الأولى من الصحابة، ففيهم علي بن أبي طالب ابن عم النبي وصهره وخليفته الراشد، وفيهم فاطمة البضعة النبوية والجهة المصطفوية، وفيهم الحسن والحسين ريحانتا النبي صلى الله عليه وسلم وسيدا شبابِ أهل الجنة، وفيهم العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم صِنو أبيه، وابن عباس ترجمان القرآن وحبر الأمة، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، رضي الله عنهم أجمعين، ثم مَنْ تلاهم من أئمة العلم والهدى
والورع في الطبقات اللاحقة من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، رحمهم الله أجمعين. قد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بهم خيرًا، فكان توقير أهل العلم لهم، والاعتناء بعلمهم وهَدْيهم؛ مما توافرت شواهده.
والكتاب الذي بين أيدينا يجمع هذه الباقةَ العطرةَ من الصحابة وأهل البيت، ويرصُد بعضَ جوانبِ علاقتِهم بالقرآن، وكيف تعاملوا مع القرآن، وكيف أثّر القرآن في حياتهم؛ فأنتج هذه القدواتِ الصالحةَ التي تعتبر النموذج المثالي لتطبيق مبادئ الإسلام وتفعيلها في الحياة. ورغم أن محورية القرآن في حياة الآل والأصحاب تبدو مسلّمة بدهية؛ إلا أننا في أمس الحاجة لتلمّس بعض جوانب ذلك التأثير، بما يعود علينا بفائدة التأسّي والاعتبار.
ويسرنا في هذا المقام تقديم جزيل شكرنا وعظيم امتناننا إلى جمعية الشيخ عبد الله النوري الخيرية على تبني رعاية إصدار هذا الكتاب ضمن مجموعة من أربعة كتب هي هذا الكتاب والكتب الثلاثة التالية:
* آداب التربية في تراث الآل والأصحاب
* إدارة الوقت في تراث الآل والأصحاب
* آداب التعامل مع المرأة في تراث الآل والأصحاب
وينطلق هذا الدعم وهذه المساهمة من الشعور الجماعي المشترك بالواجب
تجاه تراث الآل والأصحاب، الذين نتعبد الله بحبهم، وتقديم تراثهم الزاخر إلى العالم أجمع في خير الأمثلة والأسوات الحسنة من خريجي المدرسة النبوية المباركة.
مبرة الآل والأصحاب
مقدمة المؤلف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على أشرف المرسلين، وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن علم القرآن العظيم: هو أرفع العلوم قدرًا، وأجلها خطرًا، وأعظمها أجرًا، وأشرفها ذكرًا(4) ، وإن أحق ما صرفت إلى علمه العناية، وبلغت في معرفته الغاية، ما كان لله في العلم به رضا، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى، وإن أجمع ذلك لباغيه، كتاب الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مرية فيه، الفائز بجزيل الذخر وسنى الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد(5) .
وإن أول من أدرك أهمية القرآن في حياة المؤمن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم أهل الكتاب حقًا، كانت به كفايتهم، إن الله عز وجل اختار لكتابه أمةً وعته، وأحبته وصدقته، فنزل القرآن إلى جذور قلوبها، ففتحت قلوبها للقرآن واطمأنت لموعظة الرحمن، حتى إذا تغلغلت تلك الآيات في الجنان، قادت أهلها إلى المحبة والرضوان.
آل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذين اصطفاهم الله واجتباهم لرؤية منازل القرآن وحوادثه ومعاركه، فكان القرآن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم والكل يراه، والكل يعلمه ويشاهده، فحققوا القرآن بالعمل، وما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وكل واحدٍ منهم قرآنٌ يمشي على وجه الأرض، فكانت هذه الأمة مع كتاب الله، التي سهرت ليلها وأظمأت نهارها، رهبان الليل وفرسان النهار، بقال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا أحب الله العبد رزقه أن يسير على نهجهم، فما مات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وخلفوا أشباههم من التابعين، ومن الأئمة المهديين المحبين لكلام رب العالمين، توفي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وآله بعد أن تحكم القرآن في قلوبهم، وترجم في قوالبهم، فغرسوا هذا القرآن في أتباعهم، والسائرين على نهجهم بإحسان.
غرس الصحابة والآل رضوان الله عليهم كلام الله في قلوب التابعين، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، حتى أحبت القلوب القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله تبارك وتعالى جمع للصحابة في القرآن خصلتين، قل أن تجتمع لإنسان في الدنيا: خصلة العلم بالقرآن، والعمل به وتطبيقه أمام العيان.
كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وآله مع القرآن بقلوبهم، سهروا معه، فكان الواحد منهم تبكيه الآية، وتفرحه الآية، يعيش الوعد والوعيد والشوق والتهديد، فكانوا مع القرآن على الحقيقة، عاشوا مع هذا القرآن، إذا
تليت عليهم آيات الجنان طارت قلوبهم شوقًا إلى الروح والريحان، إذا تلا الواحد منهم آيات الجنان كأنه يقطف من ثمارها، ويتكئ على أرائكها، وينظر إلى أشجارها وثمارها وأنهارها، فما أعظمها من أمة، وإذا تلا الواحد منهم الآية التي فيها ذكر النيران، وغضب الواحد الديان، صعق كأن زفير النيران بين أذنيه.
أمة أحبت كتاب الله صدق المحبة، فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهم به، ويعظهم به، علموا أنه القول الفصل، وأنه الجد لا الهزل الذي يحتاج لمن يحمل همومه وغمومه، ويبادله مشاعره وأشجانه وأحزانه، فإذا أردت أن تنظر إلى جيل القرآن في أبهى صوره، وأجمل حُلله، فانظر إلى تلك الأمة المصطفاة، واقرأ عن سيرة أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم وآله.
إذا قرأت في سيرتهم لا تدري أتعجب من علمهم بالقرآن! ومعرفتهم لكلام الرحمن!
إذا قرأت سيرتهم لا تدري أتعجب من عملهم بكلام الله، أم بمعرفتهم بأحكام الله وشرائع الله، أم بوقوفهم عند حدود الله وزواجر الله، تعطرك السيرة، وتنفحك السريرة، فتجد الصدق الذي لا كذب فيه، والحب الذي لا شائبة فيه.
ولذا جاء هذا البحث ليبين شيئًا من ارتباط الأصحاب والآل بالقرآن، تحققًا بأخلاقه، ودخولًا في ابتلاءاته، تحت عنوان: « القرآن في حياة الآل والأصحاب » .
وسيأتي هذا البحث بحول الله في مقدمة، يتلوها الفصل الأول: مفهوم الآل والأصحاب وفضائلهم في القرآن والسنة، وفيه بحث مختصرٌ جدًا عن تعريف الآل والأصحاب، وعن جملة يسيرة من فضائلهم المبثوثة في القرآن والسنة.
وفي الفصل الثاني: دور الصحابة والآل في جمع القرآن العظيم، نعرف بالدور الكبير للصحابة والآل في جمع القرآن الكريم، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر، وعثمان رضي الله عنهما.
أما الفصل الثالث: اهتمام الصحابة والآل بتفسير القرآن، فقد بحثتُ فيه اهتمام الصحابة والآل بتفسير القرآن، مع ذكر مختصر لتاريخ التفسير في عهد الصحابة، يتضح به منهجهم، وطريقتهم، وجهدهم في هذا الباب العظيم المتعلق بكتاب الله.
وفي الفصل الرابع: اهتمام الصحابة والآل بحفظ القرآن، وإقرائه، ذكرت نماذج من حفظ الآل والأصحاب للقرآن، وتصديهم لإقرائه.
وجاء الفصل الخامس: تعظيم الآل والأصحاب للقرآن، وفيه ذكر لأحوالهم مع كتاب الله تعالى، وتعظيمه، ومحبتهم له، وثنائهم عليه.
وختم البحث بالفصل السادس: القرآن والصلاة في حياة الآل والأصحاب، وفيه حديث عن اهتمام الصحابة بتلاوة الكتاب في الصلاة، وعن شيء من هديهم في ذلك.
ومن نافلة القول أن أنبه على انتقائية هذا البحث، فلم يكن المقصود منه الاستقصاء في جمع المادة المتعلقة بموضوع البحث، وفي الحقيقة؛ فإن هذه المادة حري أن تجمع وأن تبحث في بحوث مفردة، وقد حصل بعض ذلك بحمد الله تعالى.
كما أنبه على أني لم أدخل في هذا البحث كلام أهل العلم حول القرآن، بل محضته لكلام الثلة المباركة من الآل والصحب = إلا ما دعت الضرورة إليه، وفي كلامهم نور وغنية عن غيره إن شاء الله تعالى .
ونسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأن يهدينا سواء السبيل.
وكتبه
عمرو صبحي علي الشرقاوي
الفصل الأول: مفهوم الآل والأصحاب وفضائلهم في القرآن والسنة
لقد نوع القرآن المجيد في ذكر فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وآل بيته الكرام، وكيف لا يكون الأمر كذلك، وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم هم «الذين أمرَ بمحبتهم، واختصَّهم للمُباهلةِ بهم، وتلا آية التطهير بسببهم، وبشَّر مُحبِّيهم أن يكونوا معه، في درجته يومَ القيامة، وأنذز محاربيهم بالحرب، وبشَّر مسالميهم بالسَّلامة، وشرع الصلاةَ عليهم معه في كُلِّ صلاة، وقَرَنَهُمْ في حديث الثقلين بكتاب الله، ووصى فيهم، وأكَّدَ الوصاة، بقوله: «الله، الله». خرَّجه مسلم فيما رواه، وزاد الترمذي وسِواه: بشراه لذوي قُرباه، إنهما لن يفترقا حتى يلقياه.
ولمَّا أهَبَّ اللهُ سبحانَه لهم أرْوَاحَ الذِّكرِ المحمود في جميعِ الوجود، بذكرهم في الصلواتِ الإلهية، ومع الصلواتِ النبوية، فلازم ذكرهم الصلوات الخمس، والصلاة على خيرِ مَنْ طلعت عليه الشَّمس، كان ذلك إعلاناً ممن له الخلقُ والأمرُ، وإعلاماً مِمن لا يُقَدِّرُ لجلاله قَدْرٌ، أنَّهُ أراد أن يَهُبَّ ذكرُهم مَهَبِّ الجَنُوب والقَبُولِ، وأن لا يُنسى فيهم عظيمُ حق الرسول، لا سِيَّما وقد سبق في علمه سبحانه: أن الأشراف لا يزالون مُحَسَّدين، وأن الاختلاف والمعاداة فتنةُ هذه الأمة إلى يوم الدين.
وكذلك، فإنه لمَّا علم ما سيكون من استحلال حُرمَتِهِمُ العظيمة، وسفكِ دمائهم الكريمة، أذِنَ بأنَّه حرب لمن حاربهم، وسِلمٌ لمن سالمهم، وقَرنهم بالكتاب المجيد، ووصَّى فيهم من كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد»(6) .
أما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهم الذين «ذُكِروا في التَّوراة والإنجيل والقرآن، وَوُصفوا بالسَّبق والهجرة والنُّصْرَة والإيمان، أولئك أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذين صَدَعتْ مَمادحُ الوحي قرآناً وسُنَّةً، بأنَّهم خيرُ الناس وخيرُ القرون، وخيرُ أُمَّة. ولو لم يَرد من فضائلهم الشريفة، إلا حديثُ «ما بلغَ مُدِّ أحدهم ولا نصيفه»(7) ولَمَّا علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنْ سوف تُجهلُ حقوقهم، ويُستحلُّ عقوقُهم حذَّرَ من ذلك وأنذر، وبالغ صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك وأكثر. ولو لم يَرد في ذلك إلَّا قولهُ صلى الله عليه وآله وسلم: «الله، الله في أصحابي، لا تتَّخِذُوهُمْ غرَضَاً بَعْدي منْ أحبَّهم فَبِحُبي أحبَّهم، ومَنْ أبَغَضهم فَببُغضي أبغضهم، ومَنْ آذاهُم، فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى اللهَ، فَيُوشِكُ أن يأخذه»(8) وقولهُ صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا رأيْتُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ أصحابي، فَقُولُوا:
لعنةُ اللهِ على شَرِّكم»(9)
فيا لَه مِن قصاص ما أنصَفَهُ، وجزاءٍ ما أعدله، فخذها أيها السُّنّي ممن أُوتي الكلم الجوامع، والحجج القواطع.
فَرَضِيَ اللهُ عَن السابقين منهم واللَّاحقين، والمتبوعينَ منهم والتابعين، من أهلِ الحرمين، والهِجْرَتيْنِ، والمسجدَيْنِ، والقبلتين، والكِتابين، والبيعتين، والأربعةِ والعشرة، وأهلِ بدرٍ البررة، والذين تبوَّأوا الدار والإيمان، وأهلِ العشرين الغزوة والثمان وعن البعوثِ والجنودِ، وأهلِ حِجَّةِ الودَاع والوفود.
وعن الذين جاؤوا منْ بعدهم يقولون: ربَّنا اغْفِرْ لنا ولإخواننا الَّذينَ سبقونا بالإيمان ولا تَجْعَلْ في قلوبنا غِلّاً للذين آمنوا ربَّنا إنك رؤوف رحيم»(10) .
واعلم، « أنَّهُ لا يجتمع حُبُّ الأصحاب والآل، إلا في قلوب عقلاء الرجال(11) » .
المبحث الأول: التعريف بالآل وفضائلهم في القرآن والسنة
أولاً: التعريف بمصطلح الآل في اللغة والشرع :
لقد اختلف علماء اللغة في أصل كلمة آل:
1 فذكر بعضهم أنه مقلوب من الأهل(12) .
2 والراجح أن «آل» مشتقة من الأول، قال ابن فارس: «وآل يؤول، أي: رجع»(13) .
قال ابن تيمية: «لفظ «الآل» أصله أول، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فقيل: آل ومثله باب وناب. وفي الأفعال قال وعاد ونحو ذلك.
ومن قال أصله أهل فقلبت الهاء ألفا فقد غلط؛ فإنه قال ما لا دليل عليه وادعى القلب الشاذ بغير حجة مع مخالفته للأصل.
وأيضًا فإن لفظ الأهل يضيفونه إلى الجماد وإلى غير المعظم كما
يقولون: أهل البيت، وأهل المدينة، وأهل الفقير، وأهل المسكين، وأما الآل فإنما يضاف إلى معظم من شأنه أن يؤول غيره، أو يسوسه، فيكون مآله إليه.
ومنه الإيالة: وهي السياسة.
فآل الشخص هم من يؤوله ويؤول إليه ويرجع إليه ونفسه هي أول وأولى من يسوسه ويؤول إليه؛ فلهذا كان لفظ آل فلان متناولًا له، ولا يقال هو مختص به، بل يتناوله ويتناول من يؤوله»(14) .
هذا هو التعريف اللغوي للفظ «آل»، أما لفظ «أهل»، فذكر أهل اللغة أن: «أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه»(15) .
والصحيح أن الآل والأهل يطلقان على معان مشتركة ، ومن ذلك: أنهما يطلقان على الزوجة والعيال(16) ، فهما يطلقان على آل البيت، وأخص آل البيت نساء الرجل.
أما أهل البيت في لسان الشرع(17) فنحن إذا تأملنا قوله تعالى: ﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا﴾ [الأحزاب: 33]، وجدنا هذه الآية ظاهرة الدلالة على أن زوجاته صلى الله عليه وسلم
من أهل بيته(18) وروى الإمام مسلم في صحيحه(19) عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا خطيبًا، وذكر الحديث وفيه: «أذكركم الله في أهل بيتي» ثلاثًا فقال حصين بن سبرة: «ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟»، قال: «إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده»، قال: «ومن هم؟»، قال: «هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس»، قال: «أكل هؤلاء حرم الصدقة؟»، قال: «نعم».
وفي حديث كعب بن عجرة(20) قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: «يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟»، قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد».
وعن أبي حميد الساعدي(21) أنهم قالوا: «يا رسول الله! كيف
نصلي عليك؟»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا: «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته».
فهذا تفسير ذلك الحديث الذي قبله، ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته(22) .
وروى البخاري(23) بإسناده إلى أنس بن مالك في قصة زواجه عليه الصلاة والسلام بزينب بنت جحش، وفيه: أنه خرج فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله»، فقالت: «وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك بارك الله لك؟»، فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة.
وفي صحيح مسلم(24) أن عائشة رضي الله عنها قالت: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا﴾.
قال القرطبي: «فهذه دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم لهم بعد نزول الآية،
أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج»(25)
فعلى هذا تشمل الآية الزوجات وأصحاب الكساء «فمن جعل الآية خاصة بأحد الفريقين فقد أعمل بعض ما يجب إعماله، وأهمل ما لا يجوز إهماله»(26) .
فبتأمل هذه النصوص والجمع بين دلالاتها يتخرج أن مفهوم أهل البيت في لسان الشرع يصدق على ثلاث فئات:
الأولى: زوجاته رضوان الله عليهن .
الثانية: أقاربه ممن تحرم عليهم الصدقة(27) .
الثالثة: ذريته صلى الله عليه وسلم .
قال الحافظ ابن حجر: «فبذلك يجمع بين الأحاديث»(28) .
ثانيًا: فضائل آل البيت في القرآن والسنة(29) :
* أولًا: فضائلهم في القرآن:
إن كل الآيات في تزكية الصحابة على سبيل الإجمال يصلح أن نستشهد بها، إذ قرابة النبي صلى الله عليه وسلم في الطبقة الأولى صحبة وزيادة، ولكنا نذكر هنا بعض الآيات التي نزلت في تزكية القرابة خاصة على سبيل الإجمال، فمنها الآية الجامعة في فضل آل البيت وقد وردت في سياق واحد في سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا٢٨ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِيمٗا٢٩ يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا٣٠ ۞وَمَن يَقۡنُتۡ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا نُّؤۡتِهَآ أَجۡرَهَا مَرَّتَيۡنِ وَأَعۡتَدۡنَا لَهَا رِزۡقٗا كَرِيمٗا٣١ يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا٣٢ وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا٣٣ وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 28
34](30)
«وهذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدئت بإنما المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس الذي هو الإثم أو الشك فيما يجب الإيمان به عنه وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة»(31) .
والصحيح أن الخلاف الذي يحكى في المراد بهذه الآية ينبغي أن تحمل الآية معه على عمومها، وأن يكون المراد بأهل البيت في هذه الآية ما ذكره ابن عطية بقوله: «والذي يظهر إلي أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، فأهل البيت زوجاته وبنته وبنوها وزوجها، وهذه الآية تقضي أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن»(32) .
وقال ابن حجر الهيتمي: «والحاصل أن أهل بيت السكنى داخلون في الآية لأنهم المخاطبون بها، ولما كان أهل بيت النسب تخفى إرادتهم منها بين صلى الله عليه وسلم بما فعله مع من مر أن المراد من أهل البيت هنا ما يعم أهل بيت سكناه كأزواجه وأهل بيت نسبه وهم جميع بني هاشم والمطلب»(33) .
2
ومن الآيات الدالة على فضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ﴾ [الأحزاب: 6](34)
3 ومن الدلائل على فضل آل البيت الصلاة عليهم، قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: «فقولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»(35) .
* ثانيًا: فضائلهم في السنة:
1 روى مسلم في صحيحه؛ عن يزيد بن حيان، قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمر بن مسلم، إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: «لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا! رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا! حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، قال: «يا ابن أخي! والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت
أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا، فلا تكلفونيه»، ثم قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيبًا، بماء يدعى خمًّا بين مكة والمدينة؛ فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر»، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به»، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»، فقال له حصين: «ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟»، قال: «نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده»، قال: «ومن هم؟»، قال: «هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس»، قال: «كل هؤلاء حرم الصدقة؟»، قال: «نعم».. وفي لفظ: «فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟»، قال: «لا، وايم الله! إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده»(36)
2 وعن عكرمة قال: تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وهي جارية تلعب مع الجواري، فجاء إلى أصحابه فدعوا له بالبركة، فقال: «إني لم أتزوج من نشاط بي، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي
ونسبي»، فأحببت أن يكون بيني، وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم سبب ونسب(37)
قال عبد الرزاق(38) : «وأم كلثوم من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليها عمر، وأولد منها غلامًا، يقال له: زيد».
3 قال أبو بكر رضي الله عنه: «ارقبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته»(39) ، وقال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي»(40) ، وعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: «صلى أبو بكر رضي الله عنه العصر، ثم خرج يمشي، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه، وقال: «بأبي شبيه بالنبي لا شبيه بعلي»، وعلي يضحك»(41) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وكذلك آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم من الحقوق ما يجب رعايتها؛ فإن الله جعل لهم حقًّا في الخمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع
الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لنا: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»(42)
المبحث الثاني: التعريف بالصحب وفضائلهم في القرآن والسنة
* أولاً: التعريف بمصطلح الصحابة في اللغة والشرع
الصحابة كلمة تدل في الأصل على مقارنة الشيء ومقاربته(43) .
* أما الصحابة في الاصطلاح، فقد اختلف العلماء في حد الصحبة على أقوال، أشهرها(44) :
1 أنه: «من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا»، يقول السخاوي: «وممن نص على الاكتفاء بها أحمد; فإنه قال: (من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة، أو رآه فهو من أصحابه).
وكذا قال ابن المديني: (من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه ولو ساعة من نهار، فهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم )، وتبعهما تلميذهما البخاري»(45) .
2
وذهب بعض العلماء، ويعزى هذا القول لأهل الأصول، أنهم اشترطوا «طول الصحبة، وكثرة المجالسة والرؤية»، وبعضهم زاد اشتراط الرواية(46) وثم أقوال أخرى في تعريف الصحابي، تنظر في مظانها(47)
ويعرف الصحابي: «بالتواتر، وتارة بالاستفاضة القاصرة عن التواتر، وتارة بأن يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، وتارة بقوله وإخباره عن نفسه بعد ثبوت عدالته بأنه صحابي، والله أعلم»(48) ، وهم طبقات ومتفاوتون في الفضل(49) .
* ثانيًا: فضائلهم في القرآن الكريم
لقد أثنى الله على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، في غير آية، والثناء عليهم ينقسم إلى قسمين رئيسين:
* الأول: الثناء عليهم بالعموم، ومن الآيات الدالة على الثناء عليهم بالعموم، قوله تعالى:
«1 ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ٨ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ٩ وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 8 10].
2 ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].
3 ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 117].
4 ﴿لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي
قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا﴾ [الفتح: 18].
5 ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطَۡٔهُۥ فََٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا﴾ [الفتح: 29].
6 ﴿ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ١٧٢ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ١٧٣ فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ﴾
[آل عمران: 172 174].
7 ﴿لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ [الحديد: 10].
8 ﴿وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ١٢١ إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [آل عمران: 121، 122].
9 ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].
10 ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ [البقرة: 143]».
يقول العلامة الشيخ عبدالرحمن المعلمي اليماني في نص جامع نفيس بعد إيراد عدة آيات في فضل الصحابة، وقد قدمناها جميعها بحمد الله: «ومن تدبَّر هذه الآيات وغيرها من القرآن وجدَ الثناء على المهاجرين عامًّا سالمًا من التخصيص، فإذا تتبَّع السنة أيضًا لم يجد ما ينافي ذلك، سوى فلتاتٍ ربما كانت تقع من بعضهم فلا تضرهم.
فمنها: ما جرى منهم يوم بدر، مِنْ ترجيح أخذ الفداء، فأقرّهم الله عز وجل عليه وأنزل: ﴿لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ٦٨ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾(50) [الأنفال: 68 69].
ومنها: تولي بعضهم يومَ أحد فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ﴾(51) [آل عمران: 155].
ومنها: قصة مِسْطَح بن أُثاثة لما خاض مع أهل الإفك فكان ما كان، وأقسم أبو بكر أن لا ينفق عليه، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾(52) [النور: 22].
ومنها: قصة حاطب بن أبي بلتعة(53) .
وأشدّ ما وقع من ذلك قصة عبد الله بن أبي سرح، مع أنه ليس من المهاجرين الأولين، وإنما كان ممن أسلم قبيل الفتح، ثم ارتد، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح بقتله فلم يقتل وأسلم(54) .
قال ابن عبد البر(55) : «فحسن إسلامه، فلم يظهر منه شيء ينكر عليه بعد ذلك، هو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش».
ثم ذكر ولايته مصر وفتحه أفريقية والنوبة، ثم قال: «ودعا ربه فقال: اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح، فتوضأ ثم صلى الصبح، فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلّم عن يمينه، وذهب يسلم عن يساره، فقبض الله روحه. ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره».
ومع ذلك فلم يُرْوَ عنه من الحديث شيء إلا حديث واحد قد رواه غيره من الصحابة، ومع ذلك لم يصح السند إليه.
وأمّا الأنصار فحالهم قريب من حال المهاجرين، إلا أنه لم يعم
الإيمان جميع الأوس والخزرج بل كان منهم أفراد منافقون.
وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه، لكن أولئك الأفراد كانوا قليلًا، كما يظهر من الآيات والأحاديث، وكما يُعْلَم ذلك بدلالة المعقول؛ فإنهم لو كانوا هم الأكثر أو كثيرًا، لكانوا أظهروا كُفْرَهم، ولم يحتاجوا إلى النفاق، ومع ذلك فقد كانوا معروفين عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، إن لم يكن عِلْمَ اليقين فالظن، قال الله عز وجل: ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ٢٩ وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ﴾ [القتال: 29 30].
وكانوا مع ذلك خائفين كما قال الله عز وجل فيهم: ﴿يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡ﴾ [المنافقون: 4].
وكانوا مع ذلك إلى نقص بالهلاك أو التوبة والإخلاص، والغالب على الظن أنّ من بقي منهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتعرَّض أحدٌ منهم لأن يذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئًا لخوفهم من المؤمنين، وعلمهم أنَّ أحدَهم لو أخبر بشيء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكَذَب فيه لأنكره عليه المؤمنون وفضحوه بما كانوا يظنونه من نفاقه، أو لأعْلَمهم بنفاقه حذيفةُ أو غيرُه ممن كان قد أسرَّ إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسماء المنافقين.
وأمّا الأعراب فقد قال الله عز وجل: ﴿۞قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيًۡٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 14].
والظاهر أنَّ أهلَ هذه الآية آمنوا بعد ذلك أو غالبهم، كما تقتضيه كلمة «لمّا».
وقد ذكر الله عز وجل فِرقَهَم في سورة التوبة [95 105] فذكر أنّ منهم منافقين، ومنهم مؤمنون مخلصون، ومنهم مخلّطون يرجى لهم الخير، وقال في آخر ذلك: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ﴾ [التوبة: 105].
ثم ابتلاهم الله عز وجل بعد غزوة العُسْرة بوفاة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فارتدَّ أقوامٌ من الأعراب، فعرفهم المؤمنون حقّ المعرفة.
وأمّا الطُّلقاء من أهل مكة فلم يرتدّ منهم أحد بعده صلى الله عليه وآله وسلم، وقد شملتهم بعضُ الآيات المتقدّمة كما يعلم بمراجعتها، وكذلك تشملهم بعض الأحاديث، كالحديث المشهور: «خير الناس قرني...»(56) .
وبالجملة فتعديل الله عز وجل ورسوله ثابت للمهاجرين عامة، ولم يجئ ما يخصِّصه.
وأمّا الأنصار؛ فالثناء عليهم عام، ولكن قد كان من الأوس والخزرج منافقون لكنهم قليل، ولم يحضر من المنافقين أحدٌ بيعةَ العقبة، ولا شهد بدرًا ولا أحدًا، فإنَّ كبيرهم اعتزل بهم، والظاهر أنه لم يبايع تحت الشجرة أحدٌ منهم، وقد قيل: إنه كان هناك واحد منهم
فلم يبايع وقد سُمّي(57)
وقول الله عز وجل في ذكر تخلُّفهم عن غزوة تبوك: ﴿وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ٤٦ لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا﴾ الآية [التوبة: 46، 47] يقتضي أنه لم يشهد تبوك أحدٌ منهم.
ولكن رُوي أن اثني عشر منهم اعترضوا النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم مَرْجِعَه من تبوك، وأرادوا تَرْديته من العقبة(58) .
وقد يقال إن صح الخبر : لعلّ هؤلاء لم يشهدوا تبوك، وإنّما ترصَّدوا قدومَه صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك، فالتقوه ببعض الطريق لمَّا هموا به. ومع ذلك ففي الخبر أن حذيفة عرف هؤلاء.
هذا، وقد سبق أن الظاهر أنّ من بقي من المنافقين لم يُرْوَ عن أحدٍ منهم شيء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأمّا الأعراب فقد تمّ امتحانهم بوفاته صلى الله عليه وآله وسلم، فَمَن ثبت منهم على الإِسلام فقد ثبتت عدالته، ومن ارتدّ فقد زالت، فمن عاد بعد ذلك إلى الإِسلام فيحتاج إلى عدالة جديدة.
وأمّا الطُّلقاء فقد شملتهم بعض الآيات كما عرفتَ، ولم تقع منهم ردّة.
ولو اقتصر المخالف في المسألة على القول بأن مَنْ تأخَّر إسلامُه وقلَّت صحبتُه يحتاج إلى البحث عنهم لكان لقوله وجهٌ في الجملة. وأوجه من ذلك مَنْ كان من الأعراب، ويحتمل أنّه ممن ارتدّ عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأما من عُلِم أنه ممن ارتدّ فالأمر فيه أظهر.
هذا، وقد كان العرب يتحاشَون من الكذب، وتأكَّد ذلك فيمن أسلم، وكان أحدهم وإن رقَّ دينُه لا يبلغُ به أن يجترئ على الكذب على الله ورسوله، وكانوا يرون أنّ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوافرون، وأنه إن تجرَّأ أحدٌ على الكذب افْتُضِح.
ولو قال قائل: إنّ الله تبارك وتعالى منعَ القومَ مِن تعمُّدِ الكذب على نبيه عليه الصلاة والسلام بمقتضى ضمانه بحفظ دينه، ولا سيّما مع إخباره بعدالتهم لَمَا أبْعَد.
ومَنْ تدبّر الأحاديث المروية عمن يمكن أن يُتكلَّم فيه من الطلقاء ونحوهم = ظهر له صِدْق القوم؛ فإنَّ المرويّ عن هؤلاء قليل، ولا تكاد تجد حديثًا يصحّ عن أحدٍ منهم إلا وقد صحَّ بلفظه أو معناه عن غيره من المهاجرين أو الأنصار. وقد كانت بين القوم إحَنٌ(59) بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلو استساغ أحدٌ منهم الكذب لاختلق أحاديث تقتضي ذمَّ خصمه، ولم نجد من هذا شيئًا صحيحًا صريحًا.
وفوق هذا كله فأهل السنة لم يدَّعوا عصمةَ القوم، بل غاية ما ادَّعوه
أنه ثبت لهم أصل العدالة، ثم لم يثبت ما يزيلها. والمخالف يزعم أنه قد ثبت عنده في حقِّ بعضهم ما يزيل العدالة، فانحصر الخلاف في تلك الأمور التي زعمها، فإذا أثبت أهل السنة أنها لم تصح، وأن ما صحَّ منها لا يقتضي زوال العدالة استتبَّ الأمر. فأمّا من ثبتَ شهادةُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له بالمغفرة والجنة فقد تضمن ذلك تعديلهم أوّلًا وآخرًا. والله الموفق»(60)
* القسم الثاني : الثناء على أقوام منهم بالخصوص، ومن هذا:
1 الثناء على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
2 ثناء الله سبحانه على أهل بدر.
3 ثناء الله سبحانه على أهل أحد.
4 وأثنى الله على المبايعين تحت الشجرة.
وتدرك في مظانها.
* ثالثًا: فضائلهم في السنة
1 حديث عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، قال عمران: «فلا أدري! أذكر بعد
قرنه قرنين أو ثلاثًا»(61)
2 قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»(62) .
3 وعنه رضي الله عنه أيضًا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقولون: «هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»، فيقولون: «نعم»؛ فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: «هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»، فيقولون: «نعم»؛ فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: «هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»، فيقولون: «نعم»؛ فيفتح لهم»(63) .
الفصل الثاني: دور الصحابة والآل في جمع القرآن العظيم
وفيه تعريف بالدور الكبير للصحابة والآل في جمع القرآن الكريم، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر، وعثمان رضي الله عنهما.
القرآن في العهد النبوي
لقد بدأ نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وامتد نزوله إلى أن توفي عليه الصلاة والسلام بالمدينة، فثبت في القرآن نفسه أن نزوله كان مفرقًا، كما قال تعالى: ﴿وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا﴾ [الإسراء: 106]، وقال: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا﴾ [الفرقان: 32].
فالقرآن إنما أنزل منجمًا في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث، وما يحتاج إليه من الأحكام لتثبيت قلوب المؤمنين به.
وقد كان القرآن يكتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان للوحي كتابه، ومنهم: زيد بن ثابت، وهو أشهر كتاب الوحي، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وابن أبي سرح، وغيرهم.
لكن مضى العهد النبوي، ولم يجمع القرآن بين دفتين فيما وصلنا وفي حديث زيد بن ثابت ما يدل على ذلك حيث قال له الصديق: «فتتبع القرآن فاجمعه»، وقال هو: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف، وصدور الرجال»(64) .
وينبغي أن يعلم أن الاهتمام بحفظ القرآن وإقرائه كان سمة من سمات العهد النبوي، وكان للقرآن حفظته، وقد قتل في واقعة بئر معونة سبعون من القراء، مما يدل على مدى اتساع قاعدة حملة القرآن وجامعيه في صدورهم.
بل كان وقوع القتل المستحر في حملة القرآن وجامعيه في الصدور هو الدافع الرئيس لبدء عملية الجمع الأول، مما يدل على أن الجمع في الصدور كان أوسع نطاقًا بين الصحابة من الجمع في الصحف.
ولم يكن القرآن مجموعًا بين دفتين في العهد النبوي لأمور، منها:
1 لأن النسخ كان يرد على بعضه، ويرفع الشيء بعد الشيء من تلاوته، كما ينسخ بعض أحكامه، فلو جمعه، ثم رفعت تلاوة بعضه أدى ذلك إلى الاختلاف، واختلاط أمر الدين، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ، ثم وفق لجمعه الخلفاء الراشدين.
2 أن الحاجة لم تدع إلى ذلك، ولم يقع ما يوجب العمل بهذا
الضبط الكتابي المجموع للقرآن الكريم، بدلالة أنه لو كان مما تحتاج إليه الأمة آنذاك؛ لوجب العمل فيه؛ إذ لا يجوز ترك ما الأمة بحاجة إليه.
القرآن في عهد الصحابة
* أولًا: عهد أبي بكر رضي الله عنه :
كان الخوف من ذهاب القراء، وكثرة موتهم = هو السبب الرئيس الذي من أجله تحركت همم الصحابة لجمع القرآن بين دفتين، فتولى هذه المهمة زيد بن ثابت رضي الله عنه في السنة الثانية عشرة من الهجرة بعد وقعة اليمامة، وكانت له مؤهلات تؤهله للقيام بهذه المهمة، وهي:
1 أنه رجل شاب عاقل.
2 لم يكن متهمًا عند الصحابة بما يشينه.
3 أنه كان من كتبة الوحي، بل من أشهرهم.
إذًا فقد قدم زيد على غيره، «لأنه كان أجود خطًّا، وأعرفهم بالناسخ والمنسوخ؛ وأعلمهم بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولأنه كان آخر من كتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وشهد العرضتين الأخيرتين من القرآن، وكتبهما... فلم يكن المراعى في الجمع السن والسابقة فيقدم غيره، بل الشباب أنهض بمثل ذلك من الشيوخ»(65) .
وكانت مقاصد هذا الجمع، تتلخص في الآتي: مجرد جمع نسخة كاملة مكتوبة بين دفتين.
وقد اتكأ زيد على الأساسين اللذين كانا قد جمع بهما القرآن زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهما:
1 صدور الرجال.
2 الصحف المفرقة وما يشبهها من أدوات الكتابة.
وتم الجمع وتوثيق المجموع، وبقي عند أبي بكر فعمر فحفصة بنت عمر بن الخطاب، إلى أن ماتت رضي الله عنها، فأخذها مروان بن الحكم فشققها وأحرقها(66) .
وفي نهاية هذا المبحث نسوق الكلام على لسان الجامع، وهو زيد بن ثابت رضي الله عنه، فإنه قال: ««أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده»، قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: «كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» قال عمر: هذا والله خير، «فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر»، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه، «فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن»، قلت: «كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»، قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه
من العسب واللخاف، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره، ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ﴾ [التوبة: 128] حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه»(67)
* ثانيًا: عهد عثمان رضي الله عنه :
في هذا العهد حصل اختلاف في القرآن، فقد بات الناس ينطلقون من المرسوم في قراءة المصحف بعد أن كان الانطلاق من المتلقى، فقام عثمان بعملية الجمع، في أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين(68) ، وقامت على عدة مقاصد، وهي:
1 أن تنسخ الصحف الأولى التي جمعها زيد بن ثابت في عهد أبي بكر الصديق في مصاحف متعددة.
2 أن ترسل نسخة إلى معظم الأمصار؛ فتكون مرجعًا للناس منه يقرؤون ويقرئون، وإليه يحتكمون عند الاختلاف.
3 أن يحرق ماعدا هذه النسخ.
وكونت لجنة خاصة لهذا الجمع من عدة أشخاص:
1 زيد بن ثابت الأنصاري، وهو القائم بعملية الجمع في عهد أبي بكر.
2 عبدالله بن الزبير.
3 سعيد بن العاص.
4 عبدالرحمن بن الحارث بن هشام.
5
أبي بن كعب، وغيرهم.
ووضع لهم منهج خاص في الرسم، وهو: أن يرسم القرآن على لسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم(69) ، وكان القصد من هذا العمل نسخ مصاحف من مصحف أبي بكر، الذي هو أصل العمل(70) .
بعد أن تم نسخ المصاحف العثمانية بالكيفية التي أوضحناها سابقًا، أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه بإرسالها إلى الأقطار الإسلامية الشهيرة، وأرسل مع كل مصحف مقرئًا من الذين توافق قراءته في أغلبه قراءة أهل ذلك القطر، وذلك لأن التلقي أساس في قراءة القرآن(71) .
وأمر أن يحرق كل ما عداها من الصحف أو المصاحف الشخصية الموجودة لدى الصحابة مما تخالفها؛ ليستأصل بذلك سبب الخلاف والنزاع بين المسلمين في قراءة كتاب الله، فاستجاب لذلك الصحابة رضي الله عنهم ، فجمعت المصاحف والصحف وحرقت أو غسلت بالماء.
ونحن نسوق حديث الباب الذي رواه البخاري عن ابن شهاب، أن أنس بن مالك، حدثه: أن حذيفة بن اليمان، قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشأم في فتح أرمينية، وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: «أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك»، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم»، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو
مصحف، أن يحرق.
قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، سمع زيد بن ثابت قال: «فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِ﴾ [الأحزاب: 23] فألحقناها في سورتها في المصحف»(72) .
الفصل الثالث: اهتمام الصحابة والآل بتفسير القرآن
المبحث الأول: اهتمامهم بعلم التفسير
لم يكن اهتمام الصحابة رضي الله عنهم منصبًا على حفظ القرآن دون فهمه، فعن أبي الزاهرية، أن رجلاً أتى أبا الدرداء بابنه، فقال: يا أبا الدرداء إن ابني هذا قد جمع القرآن(73) ، فقال: «اللهم غفرا، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع»(74) .
وعن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: «لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول»، وفي رواية: «أحب إلي من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمة»، وفي رواية، عن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني لأقرأ القرآن في ليلة مرة، أو مرتين، قال: فأكثر ظني أنه قال: مرتين، فقال ابن عباس: «لأن لا أقرأ إلا سورة واحدة، أحب إلي
من أن أصنع ذلك، فإن كنت لابد فاعلاً، فاقرأ قراءة تسمع أذنيك، وتوعيه قلبك»(75) فالأهم أن يقرأ المرء الكتاب قراءة تعيها أذن واعية، وأن يفهم مراد الله تعالى، والغاية من كلامه.
وقد قال ابن عباس، في قوله: ﴿وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ﴾ [البقرة: 269] «يعني المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله»(76) .
وكان للصحابة اهتمام بعلم التفسير، وكانوا يعقدون المجالس الخاصة لتدارس القرآن، فعن إبراهيم التيمي، قال: خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس فقال: «كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؛ وقبلتها واحدة؟» فقال ابن عباس: «يا أمير المؤمنين، إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا». قال: فزبره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس. ونظر عمر فيما قال، فعرفه، فأرسل إليه، فقال: «أعد علي ما قلت». فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه(77) .
وقصة إدخال عمر لابن عباس في أشياخ بدر، وسؤالهم عن نزول سورة النصر شهيرة، ومن هذا أيضًا، ما قاله ابن زيد في قوله تعالى: «﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ﴾ [البقرة: 206] إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى السبحة وفرغ دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيان قد قرءوا القرآن، منهم ابن عباس، وابن أخي عيينة، قال: فيأتون فيقرءون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال فمروا بهذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِ﴾ [البقرة: 206]، ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله. فقال ابن عباس، لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر ما قال، فقال: وأي شيء قلت؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان؟ قال: فلما رأى ذلك ابن عباس، قال: أرى هاهنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله؛ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي فقاتله، فاقتتل الرجلان. فقال عمر: لله بلادك يا ابن عباس»(78) .
ومن شأنهم سؤال العلماء بالكتاب أهل الرسوخ عنه، ورد كلام بعضهم لبعض للوصول للمراد بالآية الكريمة، ومنه: عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، حدثه قال: «بينما أنا في الحجر جالس، أتاني رجل يسأل عن ﴿وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحٗا﴾ [العاديات: 1] فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن ﴿وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحٗا﴾ فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابن عباس، فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله، قال: اذهب فادعه لي؛ فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد فكيف تكون العاديات ضبحًا؟ إنما العاديات ضبحًا من عرفة إلى مزدلفة إلى منى؛ قال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال علي رضي الله عنه»(79)
وكذلك قال قتادة: «ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا»(80) ، أي: عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان الصحابة يحثون على تعلم التفسير، فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لقد عشنا دهرًا طويلًا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن
قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه ينثره نثر الدقل»(81)
وكان ابن عمر يقول: «كان الفضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرءون القرآن منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به»(82) .
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: «كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها»(83) .
وكان لهم اهتمام بمن ينبغ في علم التفسير منهم، وثناء عليه، وأشهر مفسري الصحابة هو ابن عباس رضي الله عنهما، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبه، يقول طلحة بن عبيد الله: «لقد أعطي ابن عباس فهمًا ولقنًا وعلمًا، ما كنت أرى عمر بن الخطاب يقدم عليه أحدًا»(84) وقال عبد الله بن مسعود: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس»(85) وعن مجاهد، قال: «كان ابن عباس رضي الله تعالى عنه يسمى البحر من كثرة علمه»(86) وعن طاووس، قال:
«ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس»(87) وعنه أيضًا، قال: «أدركت نحوًا من خمس مائة من الصحابة، إذا ذاكروا ابن عباس، فخالفوه، فلم يزل يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله»(88)
وقال عطاء بن أبي رباح: «ما رأيت مجلسًا أكرم من مجلس ابن عباس، أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشّعر عنده يصدرهم كلهم من واد واسع»(89) .
وعن أبي صالح باذام مولى أم هانئ، قال: «لقد رأيت من ابن عباس مجلسًا لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها فخرًا، لقد رأيت الناس اجتمعوا حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر على أن يجيء ولا أن يذهب، قال: فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال: لي: ضع لي وضوءًا، قال: فتوضأ وجلس وقال: اخرج وقل لهم: «من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أراد منه فليدخل» قال: فخرجت فآذنتهم، فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر، ثم قال: «إخوانكم» فخرجوا، ثم قال: «اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن وتأويله فليدخل» قال: فخرجت فآذنتهم، فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثل ما
سألوه عنه أو أكثر، ثم قال: «إخوانكم» فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل، فخرجت فقلت لهم، قال: فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله، ثم قال: إخوانكم «فخرجوا...»(90) الخ.
عبد الله بن عباس، هذا العالم بالقرآن، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، والذي دعا له قائلًا: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»(91) ، كان عمر يدخله مع أشياخ بدر، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: «إنه ممن قد علمتم» قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم قال: وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ١ وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا﴾ حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئًا، فقال لي: يا ابن عباس، أكذاك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجَل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له: إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة، فذاك علامة أجلك: فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا. قال عمر: «ما أعلم منها إلا ما تعلم»(92) .
وفي السنة التي حُوصِر فيها عثمان، وقُتِل، أرسل ابنَ عباس أميرًا على
الحج، وفيها قال أبو وائل: «خطب ابن عباس وهو على الموسم فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: لو سمعته فارس والروم لأسلمت»، وفي رواية أن السورة التي قرأها سورة النور، قال أبو وائل: «قرأ ابن عباس سورة النور، فجعل يفسرها، فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت»(93)
كان القرآن بين عيني ابن عباس يتلمس كل شيء لفهمه، والعمل به.
قال ابن عباس: «كنت ما أدري ما فاطر السموات حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر، قال أحدهما: أنا فطرتها، وأنا ابتدأت حفرها»(94) .
وروي من غير وجه عن ابن عباس رضي الله عنهما: «بينما ابن عباس في المسجد الحرام وعنده ابن الأزرق وناس من الخوارج يسألونه إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين موردين أو ممصرين(95) ، يسير حتى سلم وجلس.
فأقبل عليه ابن عباس فقال أنشدنا، فأنشده:
| أمن آل نعم أنت غاد فمبكر | غداة غد أو رائح فمهجر(96) ( 96 ) |
|---|
حتى أتى على آخرها(97) .
فأقبل عليه ابن الأزرق فقال: الله يا ابن عباس، إنا لنضرب إليك أكباد المطي من أقاصي الأرض لنسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا، ويأتيك مترف من مترفي قريش فينشدك:
| رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت | فيخزى وأما بالعشي فيخسر |
|---|
فقال ابن عباس: ليس هكذا قال، قال:
| رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت | فيضحى وأما بالعشي فيخصر |
|---|
قال: ما أراك إلا وقد حفظت البيت، قال: نعم، وإن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتكها، قال: فإني أشاء، قال: فأنشده القصيدة حتى جاء على آخرها، ثم أقبل على ابن ربيعة فقال: أنشد، فقال:
تشط غدًا دار جيراننا
فقال ابن عباس: وللدار بعد غد أبعد.
فقال: كذاك قلت أصلحك الله، أسمعته؟ قال: لا ولكن كذلك ينبغي»(98) .
وممن ذكر له اهتمام بالتفسير من آل البيت(99) :
1 محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني أبو جعفر الباقر(100) .
2 جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسن السبط، الهاشمي القرشي، أبو عبد الله، الملقب بالصادق(101) .
3 نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، من ربات العبادة والصلاح والزهد والورع، عالمة بالتفسير والحديث.
وانتقلت إلى القاهرة مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق، وقيل: مع أبيها الحسن الذي عين واليًا على مصر من قبل أبي جعفر المنصور. وحجت ثلاثين حجة، وكانت تحفظ القرآن الكريم وتفسيره(102) .
المبحث الثاني: مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة رضي الله عنهم(103)
* أولاً: علم التفسير في عهد أبي بكر رضي الله عنه (ت 13 ه)
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، تولى الخلافة الصديق أبو بكر رضي الله عنه، وكانت مدة خلافته سنتين ونصفًا.
ومن أهم أعماله، فيما يتعلق بالقرآن: جمع القرآن، وقد كلف عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت بتلك المهمة.
وتم جمع القرآن (الجمع الأول) في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وفي هذا العهد لا نكاد نجد إلا تفسيرات قليلة يمكن إعادتها إليه؛ لأنها عن أبي بكر الصديق.
وقد نقل عن أبي بكر بعض التفسيرات، ومن أمثلة ذلك:
1 عن الشّعبيّ أنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه قال في الكلالة: «أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله: هو ما دون الولد والوالد» قال: فلمّا كان عمر رضي الله عنه،
قال: «إنّي لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكرٍ»(104) ونلحظ هنا المعنى اللغوي، والتكييف الفقهي، كما نلحظ قدر علم الصديق رضي الله عنه، ومدى تقدير الصحابة لهذا العلم.
2 وعن أبي معمرٍ، قال: قال أبو بكرٍ الصّدّيق رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا﴾ [عبس: 31]: «أيّ أرضٍ تقلّني، وأيّ سماءٍ تظلّني، إذا قلت في القرآن ما لا أعلم»(105) .
والظاهر أن مراد أبي بكر رضي الله عنه ما وراء المعنى، ولذلك توقف فيه.
ومن ألوان التفسير التي ظهرت في عهد أبي بكر رضي الله عنه، الاستدراك على بعض الخطأ في تفسير كلام الله سبحانه وتعالى.
ومنه: استدراكه رضي الله عنه على من فهم من قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: 105]، غير المعنى المراد من الآية، فعن قيس بن أبي حازمٍ، عن أبي بكرٍ الصّدّيق، أنّه قال: يا أيّها النّاس إنّكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡ﴾،
وإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ النّاس إذا رأوا ظالمًا، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقابٍ منه»(106)
فلما ظهر هذا الفهم الخاطئ للآية تصدى له الصديق رضي الله عنه، وبين لهم وجه الصواب في الآية، والفهم الصحيح لها.
* ثانيًا: عهد عمر رضي الله عنه (13 23 ه)
كان الأمر في أول عهده رضي الله عنه نفس ما كان عليه في عهد الصديق، ثم كانت بدايات التعليم المنظم، وظهر ذلك من خلال الآتي:
1 إرسال الصحابة إلى الأمصار:
بعث عمر رضي الله عنه بعض الصحابة إلى الأمصار، أمثال: معاذ، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، إلى الشام، وهنا أعرض شيئًا ممن كان له أثر في مجرى التاريخ التفسيري.
قال ابن سعد: «جمع القرآن في زمان النّبيّ صلى الله عليه وسلم خمسةٌ من الأنصار: معاذ بن جبلٍ وعبادة بن الصّامت وأبيّ بن كعبٍ وأبو أيّوب وأبو الدّرداء، فلمّا كان زمن عمر بن الخطّاب كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إنّ أهل الشّام قد كثروا وربلوا وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى
من يعلّمهم القرآن ويفقّههم، فأعنّي يا أمير المؤمنين برجالٍ يعلّمونهم، فدعا عمر أولئك الخمسة فقال لهم: إنّ إخوانكم من أهل الشّام قد استعانوني بمن يعلّمهم القرآن ويفقّههم في الدّين، فأعينوني رحمكم الله بثلاثةٍ منكم، إن أجبتم فاستهموا، وإن انتدب ثلاثةٌ منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنّا لنتساهم، هذا شيخٌ كبيرٌ لأبي أيّوب وأمّا هذا فسقيمٌ لأبيّ بن كعبٍ فخرج معاذٌ وعبادة وأبو الدّرداء، فقال عمر: ابدؤوا بحمص فإنّكم ستجدون النّاس على وجوهٍ مختلفةٍ، منهم من يلقّن فإذا رأيتم ذلك فوجّهوا إليه طائفةً من النّاس فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحدٌ وليخرج واحدٌ إلى دمشق والآخر إلى فلسطين. وقدموا حمص فكانوا بها حتّى إذا رضوا من النّاس أقام بها عبادة وخرج أبو الدّرداء إلى دمشق ومعاذٌ إلى فلسطين، وأمّا معاذ فمات عام طاعون عمواس، وأمّا عبادة فصار بعد إلى فلسطين فمات بها، وأمّا أبو الدّرداء فلم يزل بدمشق حتّى مات»(107)
وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات(108) عن عامرٍ أنّ مهاجر عبد الله بن مسعودٍ كان بحمص، فحدره عمر إلى الكوفة، وكتب إليهم: «إنّي والله الّذي لا إله إلّا هو آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه»(109) .
فظهر من ذلك بدايات التعليم المنظم للقرآن وعلومه بإرسال علماء من الصحابة إلى الأمصار المختلفة لتعليمهم وتفقيههم.
2 المجالس العلمية العمرية:
فقد كان عمر رضي الله عنه يعقد المجالس الخاصة بمدارسة القرآن الكريم، بل كان يهتم بأناس ممن علموا الكتاب وفقهه، وممن برزوا في هذا الجانب لتلك المجالس، ومن أمثلة ذلك ما روى الطبري بسنده، قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ﴾ [البقرة: 206] إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ قال: كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إذا صلّى السّبحة وفرغ دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيانٍ قد قرءوا القرآن، منهم ابن عبّاسٍ، وابن أخي عيينة، قال: فيأتون فيقرءون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال فمرّوا بهذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ﴾ [البقرة: 206]، ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾، قال ابن زيدٍ: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله. فقال ابن عبّاسٍ، لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرّجلان. فسمع عمر ما قال، فقال: وأيّ شيءٍ قلت؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرّجلان؟ قال: فلمّا رأى ذلك ابن عبّاسٍ، قال: أرى هاهنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزّة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله؛ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزّة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي فقاتله، فاقتتل الرّجلان. فقال عمر: للّه بلادك يا ابن عبّاسٍ»(110) .
ومن ذلك، مجلس عمر رضي الله عنه، مع أشياخ بدر، والاهتمام بابن عباس، وحضوره تلك المجالس فعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدرٍ، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناءٌ مثله؟ فقال: «إنّه ممّن قد علمتم» قال: فدعاهم ذات يومٍ ودعاني معهم قال: وما رئيته دعاني يومئذٍ إلّا ليريهم منّي، فقال: ما تقولون في ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ١ وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا﴾ [النصر: 1، 2] حتّى ختم السّورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئًا، فقال لي: يا ابن عبّاسٍ، أكذاك تقول؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له: إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكّة، فذاك علامة أجلك: فسبّح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان توّابًا. قال عمر: «ما أعلم منها إلّا ما تعلم»(111) .
هذه المجالس شكلت رافدًا مهمًا لتدارس القرآن الكريم، وتفسيره، والاستنباط منه، ويظهر لنا مدى حرص الفاروق رضي الله عنه على إبراز الطاقات التفسيرية لدى ابن عباس رضي الله عنهما.
3 السؤال عما أشكل:
كان السؤال عن المشكل واقعًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ظهر نوع جديد من البحث عن مشكلات القرآن، وهو التعنت في ذلك.
فأما النوع الأول، فمن أمثلته ما ورد عن سعيد بن المسيّب، أنّ عمر بن الخطّاب أتى على هذه الآية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ﴾ [الأنعام: 82] فأتى أبيّ بن كعبٍ فسأله: أيّنا لم يظلم؟ فقال له: «يا أمير المؤمنين، إنّما ذاك الشّرك، أما سمعت قول لقمان لابنه: ﴿يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13]»(112) .
فإذا كان السؤال عن المشكل قد فعله عمر، فهناك بحث عن مشكلات القرآن على جهة التعنت، وهو النوع الثاني وقصته مع صبيغ في ذلك مشهورة حيث كان يسأل عن متشابه القرآن تعنتًا، فأدبه عمر حتى رجع عن ذلك.
عن أبي عثمان، أنّ رجلًا كان من بني يربوعٍ، يقال له صبيغٌ، سأل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه عن الذّاريات والنّازعات والمرسلات أو عن إحداهنّ، فقال له عمر: «ضع عن رأسك» فوضع عن رأسه فإذا له وفيرةٌ، فقال: «لو وجدتك محلوقًا لضربت الّذي فيه عيناك» قال: ثمّ كتب إلى أهل البصرة «أن لا تجالسوه» أو قال: «كتب إلينا أن لا تجالسوه»، قال: «فلو جلس إلينا ونحن مائةٌ لتفرّقنا عنه»(113) .
* سؤال عمر عن ما أشكل عليه:
كما سبق أن السؤال عن المشكل قد وقع في عهد عمر رضي الله عنه، وكان
عمر يتصدى لحل هذه الإشكالات، بل وقع الإشكال عند عمر رضي الله عنه نفسه فقد قال سعيد بن المسيّب: بينما عمر بن الخطّاب رضي الله عنه على المنبر قال: «يا أيّها النّاس، ما تقولون في قول الله عز وجل: ﴿أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ﴾ [النحل: 47]؟» فسكت النّاس، فقال شيخٌ من بني هذيلٍ: هي لغتنا يا أمير المؤمنين، التّخوّف التّنقّص. فخرج رجلٌ، فقال: يا فلان، ما فعل دينك؟ قال: تخوّفته، أي تنقّصته، فرجع فأخبر عمر، فقال عمر: «أتعرف العرب ذلك في أشعارهم؟» قال: نعم. قال شاعرنا أبو كبيرٍ الهذليّ يصف ناقةً تنقّص السّير سنامها بعد تمكه واكتنازه:
| تخوّف الرّحل منها تامكًا قردًا | كما تخوّف عود النبعة السفن |
|---|
فقال عمر: «يا أيّها النّاس، عليكم بديوانكم شعر الجاهليّة فإنّ فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم»(114) .
وعن ابن شهابٍ أنّ أنس بن مالكٍ حدّثه أنّه سمع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَعِنَبٗا وَقَضۡبٗا٢٨ وَزَيۡتُونٗا وَنَخۡلٗا٢٩ وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا٣٠ وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا﴾ [عبس: 28 31] كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثمّ ضرب بيده، ثمّ قال: لعمرك إنّ هذا لهو التّكلّف، واتّبعوا ما يتبيّن لكم في هذا الكتاب. قال عمر: وما يتبيّن فعليكم به، وما لا فدعوه(115) .
4 تنزيل الآية على الواقع:
ظهر أيضًا في عهد عمر رضي الله عنه، نوع من تنزيل الآيات على أمور الواقع الموجود في هذا العهد، ومما يروى في ذلك أن عمر أبصر مع جابر بن عبد الله إنسانًا يحمل شيئًا، فقال: «ما هذا؟» فقال: لحمٌ اشتريته بدرهمٍ، فقال عمر: «ما يقرم أحدكم قرمةً إلّا أخرج درهمًا فاشترى به لحمًا، أما سمعتم الله يقول: ﴿أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا﴾ [الأحقاف: 20]»(116) .
* ثالثًا: عهد عثمان رضي الله عنه (23 35 ه)
بعد وفاة عمر رضي الله عنه، تولى الخلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكانت مدة خلافته (12) سنة، وسنقدم بأهم أعماله رضي الله عنه، لندخل إلى ملامح التفسير في عهده.
وقد ظهرت أعمال جليلة تتعلق بكتاب الله تعالى، ومنها:
1 نسخ المصاحف عام (25) ه.
2 الإقراء.
ولم يكن قد تصدى للتفسير، وأقواله في ذلك قليلة، وذلك لانشغاله
بالإقراء ثم بالخلافة.
ولكن ظهر في هذا العهد أئمة اشتهروا بالعلم، وبقي هنا أن نذكر بعض من اشتهر من الصحابة بالعلم في عهده وهم على سبيل المثال: ابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبي بن كعب.
ولعلنا نذكر شيئًا مما ورد عنهم في بعض الروايات التفسيرية.
* أبو الدرداء رضي الله عنه (ت 32 ه):
كان ممن تلا القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه متصديًا للإقراء، وقد ورد في ترجمته: «قيل: الّذين في حلقة إقراء أبي الدّرداء كانوا أزيد من ألف رجلٍ، ولكلّ عشرةٍ منهم ملقّنٌ، وكان أبو الدّرداء يطوف عليهم قائماً، فإذا أحكم الرّجل منهم، تحوّل إلى أبي الدّرداء يعني: يعرض عليه(117) » .
ولم يتصد للتفسير، ولذا كان الوارد عنه في التفسير قليلاً، ولا يعني ذلك أنه لا يعلم التفسير، ومن أشهر ما ورد عنه مما يتعلق بالتفسير ما رواه أبو قلابة عنه، قال: «إنّك لن تفقه كلّ الفقه حتّى ترى للقرآن وجوهًا»(118) ، ويعني بها الوجوه الصحيحة المحتملة للآية.
* أبي بن كعب رضي الله عنه (ت 32 ه):
اشتهر عنه قراءته بالمنسوخ، روى البخاري بسنده عن ابن عبّاسٍ، قال: قال عمر رضي الله عنه: «أقرؤنا أبيٌّ، وأقضانا عليٌّ، وإنّا لندع من قول أبيٍّ، وذاك أنّ أبيًّا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقد قال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا﴾ [البقرة: 106](119) .
وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القرآن على أبي، فعن أنس بن مالكٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبيّ بن كعبٍ: «إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [البينة: 1]» قال: وسمّاني؟ قال: «نعم» قال: فبكى(120) .
وحاله في القراءة أشهر من حاله في التفسير، وإن كانت غير مستفيضة كالقراءة، وعن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطّاب أتى على هذه الآية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ﴾ [الأنعام: 82] فأتى أبيّ بن كعبٍ فسأله: أيّنا لم يظلم؟ فقال له: «يا أمير المؤمنين، إنّما ذاك الشّرك، أما سمعت قول لقمان لابنه: ﴿يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13]»(121) .
* ابن مسعود رضي الله عنه (ت 32 ه):
ومن الجوانب المتعلقة بتاريخ التفسير من حياته:
عن مسروقٍ، قال: كان عبد الله «يقرأ علينا السّورة، ثمّ يحدّثنا فيها، ويفسّرها عامّة النّهار»(122) .
وعن مسروقٍ، عن عبد الله، قال: «والّذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورةٌ إلّا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آيةٍ إلّا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله منّي، تبلغه الإبل، لركبت إليه»(123) .
ولا شك في ذلك، فهو من أعلم الصحابة بكتاب الله تعالى، ولذلك لم يستشكل أحد مثل هذا الكلام كما وقع في بعض الروايات.
وكان حريصًا على إيصال معاني كلام الله، ويجتهد في تفسيره بطرائق عدة، ومنها ما رواه الطبري بسنده عن قتادة، قال: «ذكر لنا أنّ ابن مسعودٍ، أهديت إليه سقايةٌ من ذهبٍ وفضّةٍ، فأمر بأخدودٍ فخدّ في الأرض، ثمّ قذف فيه من جزل حطبٍ، ثمّ قذف فيه تلك السّقاية، حتّى إذا أزبدت وانماعت قال لغلامه: ادع من يحضرنا من أهل الكوفة، فدعا رهطًا، فلمّا دخلوا عليه قال: أترون هذا؟ قالوا: نعم، قال: ما رأينا في الدّنيا شبيهًا للمهل أدنى من هذا الذّهب والفضّة، حين أزبد وانماع»(124) .
ولو وازنا بين أبي وابن مسعود، لوجدنا أن الاثنين علمان في الإقراء، أما من جهة الروايات التفسيرية فالأغلب ابن مسعود.
* رابعًا: عهد علي بن أبي طالب (35 40 ه)
يعتبر علي بن أبي طالب من المقرئين المتصدين للإقراء؛ فأسانيد الكوفيين ترجع إليه، وأحد المتصدين لتفسير كلام الله سبحانه وتعالى، والسبب في ذلك أن الخلافة لم تشغله مبكرًا، وكان متفرغًا أكثر من غيره ممن سبقه من الخلفاء الكرام.
وسنذكر بعض الروايات التفسيرية المرتبطة بعلي رضي الله عنه، وقد كان رضي الله عنه عالمًا بالقرآن، وبالتفسير على وجه الخصوص .
عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ، قال: انتهى عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه إلى رجلٍ يقصّ فقال: «أعلمت النّاسخ من المنسوخ؟» قال: لا قال: «هلكت وأهلكت»(125) .
والناسخ عند علي رضي الله عنه يشتمل على تخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجمل، ورفع الحكم الشرعي... الخ.
وهذا تنبيه منه رضي الله عنه على أهمية هذه الأنواع في بيان القرآن وتفسيره؛ لأن عدم معرفتها يؤثر على فهم المعنى(126) .
وقد كان علي رضي الله عنه يجيب عمن يسأله في القرآن تعنتًا بخلاف ما كان عليه الأمر في عهد عمر رضي الله عنه والسبب في ذلك: اختلاف الأحوال والبيئة.
وكان مما ورد عنه من التفسير تنزيل بعض الآيات على المعاصرين له.
ومن ذلك ما كان يسأله عبد الله بن الكواء الخارجي، ومن أسئلته ما ذكره أبو الطفيل عامر بن واثلة قال: سمعت عليًّا رضي الله عنه قام فقال: «سلوني قبل أن تفقدوني ولن تسألوا بعدي مثلي» فقام ابن الكواء فقال: مَن ﴿ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ﴾ [إبراهيم: 28]؟ قال: «منافقو قريشٍ»، قال: فمن ﴿ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا﴾ [الكهف: 104]؟ قال: «منهم أهل حروراء»(127) .
وقد طبّق أسلوبًا من أساليب الترجيح، وأظهر المخالفة لابن عباس، ما يدل على احتمال تعدد دلالة النص القرآني، وكان في ذلك بدايات لضوابط الترجيح أو قواعده أو قرائنه، وذلك ما ورد عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، حدّثه قال: بينما أنا في الحجر جالسٌ، أتاني رجلٌ يسأل عن ﴿وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحٗا﴾ [العاديات: 1] فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثمّ تأوي إلى اللّيل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عنّي، فذهب إلى عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن ﴿وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحٗا﴾، فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابن عبّاسٍ، فقال: الخيل حين تغير في سبيل
الله. قال: اذهب فادعه لي؛ فلمّا وقفت على رأسه قال: تفتي النّاس بما لا علم لك به، والله لكانت أوّل غزوةٍ في الإسلام لبدرٌ، وما كان معنا إلّا فرسان: فرسٌ للزّبير، وفرسٌ للمقداد فكيف تكون العاديات ضبحًا؟! إنّما العاديات ضبحًا من عرفة إلى مزدلفة إلى منًى. قال ابن عبّاسٍ: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الّذي قال عليٌّ رضي الله عنه(128)
ومن أساليبه الدقيقة التي أثارها في تفسيره = التنبيه على ضابط قبول أخبار السابقين، وقد ورد ذلك في سؤاله لحبر يهودي، فعن سعيد بن المسيّب قال: قال عليٌّ رضي الله عنه لرجلٍ من اليهود: «أين جهنّم؟» فقال: البحر، فقال: «ما أراه إلّا صادقًا»، ثم تلا ﴿وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ﴾ [الطور: 6]، ﴿وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ سُجِّرَتۡ﴾ [التكوير: 6](129) .
وإنما قبل ما قاله اليهودي لما وجد له من شاهد من كتاب الله تعالى، وهذا الضابط في قبول هذه الأخبار مما وقع عليه الاتفاق.
ومما ورد عنه من سؤال من له علم بكتب السابقين، سؤاله لهلال الهجري عن «الأحقاب»، فعن سالم بن أبي الجعد، قال: قال عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه لهلالٍ الهجريّ: «ما تجدون الحقب في كتاب الله المنزّل؟» قال: نجده ثمانين سنةً كلّ سنةٍ اثنا عشر شهرًا، كلّ شهرٍ ثلاثون يومًا، كلّ يومٍ ألف سنةٍ(130) .
وبرز في وقته خطأ بعض المسلمين في فهم القرآن وتفسيره، وهم الخوارج، وقد أرسل لهم ابن عمه عبد الله بن العباس ليناظرهم، وقد بين لهم ابن عباس خطأهم في فهم القرآن(131) .
وكان مما وقع من التفسير في عصره أنه لما أرسل ابن عمه عبد الله بن العباس ليكون أميرًا على الناس في الحج= ففسّر للناس شيئًا من القرآن، فعن الأعمش، عن أبي وائلٍ شقيق بن سلمة، قال: قرأ ابن عبّاسٍ سورة البقرة، فجعل يفسّرها، فقال رجلٌ: لو سمعت هذا الدّيلم لأسلمت(132) .
وعنه، عن شقيقٍ، قال: استعمل عليٌّ ابن عبّاسٍ على الحجّ، قال: فخطب النّاس خطبةً، لو سمعها التّرك والرّوم لأسلموا، ثمّ قرأ عليهم سورة النّور، فجعل يفسّرها(133) .
وهذا يدل على حرص الصحابة على إيصال معاني القرآن للناس، وكان اجتماع الناس في هذا الموسم المبارك فرصة لبيان معاني القرآن كما هو ظاهر من هذه الرواية.
* خامسًا: عهد صغار الصحابة (41 68 ه)
لو تأملت هذا العهد فسيظهر لك أنه لا يوجد من تصدى في هذه الفترة للتفسير إلا ابن عباس فهو العلم البارز في التفسير.
ولا بأس أن نعرج على بعض الصحابة في هذه الفترة، ممن كانت لهم علاقة بالقرآن الكريم، فمنهم:
1 أبو موسى الأشعري (ت 44 ه):
وقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود، وعرف بالاشتغال بالإقراء.
2 زيد بن ثابت (ت 45 ه):
وهو من علماء الصحابة، فكان كاتب الوحي، وباشر كتابة المصحف في عهد أبي بكر وعثمان، وقراءة أهل المدينة هي قراءة زيد، وكان الصحابة يصححون على زيد المصاحف، واشتهر بالإقراء وعلم الفرائض، وهو أحد أئمة التفسير من الصحابة ولكن رواياته قليلة.
3 السيدة عائشة:
وكانت عالمة بالفتوى ولم تتصدَ للتفسير.
4 أبو هريرة:
واشتهر بالحديث.
أما الصحابي الذي اشتهر بالتفسير، وبرز فيه وتصدى له، بل وعرف به، فهو الإمام الحبر البحر عبدالله بن عباس رضي الله عنهما.
وقد نبغ ابن عباس رضي الله عنه، وظهر نبوغه في عهد الخلفاء الراشدين، ولا أدل على ذلك من إدخال عمر رضي الله عنه له مع أهل الشورى، وتبجيل عثمان له، واستعانة علي به رضي الله عنهم جميعًا، وقد سبق شيء من فضائله، وثناء الصحابة عليه في علم التفسير.
وقد تصدر لتعليم القرآن، ومن ذلك: عن عكرمة، قال: «كان ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما يضع في رجليّ الكبل، ويعلّمني القرآن والسّنن»(134) ، وعن ابن أبي مليكة، قال: «رأيت مجاهدًا يسأل ابن عبّاسٍ عن تفسير القرآن ومعه الواحد فيقول له ابن عبّاسٍ: اكتب، قال: حتّى سأله عن التّفسير كلّه»(135) ، وعن مجاهدٍ، قال: «عرضت المصحف على ابن عبّاسٍ ثلاث عرضاتٍ، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفته عند كلّ آيةٍ منه، وأسأله عنها»(136) .
فيظهر من هذه الآثار الاعتناء الخاص لابن عباس رضي الله عنهما بعلم التفسير، وتدريسه، حتى يسأله أحد طلابه عن كل آية احتاج إلى تفسيرها، وليس ذلك في مرة واحدة، بل في أكثر من مرة.
الفصل الرابع: اهتمام الصحابة والآل بحفظ القرآن، وإقرائه
المبحث الأول: اهتمام الصحابة بحفظ القرآن
تحمل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أمانة حفظ القرآن، فكان منهم فريق عظيم جدًا من حملة القرآن وحفاظه، فعن قتادة، عن أنس رضي الله عنه : «جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة، كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت»(137) .
وعن عبد الله بن عمرو أنه ذكر عبد الله بن مسعود؛ فقال: لا أزال أحبه؛ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله ابن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب»(138) .
وقد قتل في واقعة بئر معونة سبعون من القراء، مما يدل على مدى اتساع قاعدة حملة القرآن وجامعيه في صدورهم، فعن أنس رضي الله عنه قال: «جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: «أن ابعث معنا رجالاً يعلمونا
القرآن والسنة»؛ فبعث إليهم سبعي ن رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء، يقرؤون القرآن، ويتدارسون باللي ل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء، فيضع ونه في المسجد، ويحتطب ون فيبيعونه ويشترون به الط عام لأهل الصفة وللفقراء؛ فبعثه م النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم»(139)
وقد تعدى الاشتغال بحفظ القرآن حتى بلغ طبقات النساء:
فعن أم هشام بنت حارثة بن ا لنعمان قالت: «لقد كان تنورنا وتنور رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدًا سنت ين أو سنة وبعض س نة، وما أخذت ﴿قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ﴾ [ق: 1]، إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس»(140) .
وعن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري، وكانت قد جمعت القرآن وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن، وكانت تؤم أهل دارها(141) .
وقد ساهم في انتشار جمع القرآن بهذه الصورة ما ورد من الأدلة الدالة على فضل جمع القرآن وحفظه:
فعن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن، وهو يتعاهده،
وهو عليه شديد، فله أجران»(142) وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لله أهلين من الناس»، قالوا: «يا رسول الله من هم؟»، قال: «هم أهل القرآن، أهل الله وخاص ته»(143) وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟»، فإذا أشير إلى أحدهما؛ قدمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة»، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم»(144)
ومرحلة الجمع في الصدور هذه هي أحد العناصر التي أسست عليها مرحلة الجمع الأول كما يدل عليه قول زيد بن ثابت: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف، وصدور الرجال»(145) .
بل كان وقوع القتل المستحر في حملة القرآن وجامعيه في الصدور هو الدافع الرئيس لبدء عملية الجمع الأول، مما يدل على أن الجمع في الصدور كان أوسع نطاقًا بين الصحابة من الجمع في الصحف.
قال الحافظ ابن حجر: «وهذا يدل على أ ن كثيرًا ممن قتل في وقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن، لكن يمكن أن يكون المراد أن مجموعهم جمعه، لا أن كل فرد جمعه»(146) .
المبحث الثاني: اهتمام الصحابة بإقراء القرآن الكريم
إن الأساس لإقراء القرآن، هو قراءته على أهله أولًا، وقد أخذ الصحابة عن مبلغ القرآن مباشرة، فهم أقرب طبقات السند القرآني، فقد قرؤوه على الرسول، وقرأه الرسول على جبريل، وقرأه جبريل على رب العالمين.
وكان الصحابة يقرؤون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن شقيق بن سلمة، قال: خطبنا عبد الله بن مسعود فقال: «والله لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم»، قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادًّا يقول غير ذلك(147) .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع منهم القرآن، عن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي» قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري» قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۢ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا﴾ [النساء: 41]، قال لي: «كف
أو أمسك فرأيت عينيه تذرفان»(148)
وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود»(149) .
وكانت تلاوة القرآن، ومجالس السماع القرآني من هدي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان عمر رضي الله عنه إذا رأى أبا موسى قال: «ذكرنا ربنا يا أبا موسى» فيقرأ عنده(150) .
«وهذا كان سماع سلف الأمة، وأكابر مشايخها وأئمتها، كالصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشايخ: كإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي ويوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي وأمثال هؤلاء.
وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى الأشعري يا أبا موسى:
ذكرنا ربنا!
فيقرأ، وهم يسمعون ويبكون.
وكان أصحاب محمد إذا اجتمعوا، أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن، والباقي يستمعون.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ، فجعل يستمع لقراءته، وقال: لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود، وقال: مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك، فقال: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا، أي لحسنته لك تحسينًا....
وَلِهَذَا السماع من المواجيد الْعَظِيمَة، والأذواق الْكَرِيمَة، ومزيد المعارف وَالْأَحْوَال الجسيمة= مَالا يَسعهُ خطاب، وَلَا يحويه كتاب، كَمَا أَن فِي تدبر الْقُرْآن وتفهمه من مزِيد الْعلم وَالْإِيمَان مَالا يُحِيط بِهِ بَيَان»(151) .
ولم تكن قراءة أبي موسى إلا قراءة عالم لعلماء يتفهمون عن طريق هذا السماع كلام ربهم سبحانه، وينزلونه على أدوائهم فتحدث الأثر المطلوب.
لقد كان حث النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه على تعليم القرآن باعثًا لهم، وحاديًا لهممهم للسعي وراء تحقيق الخيرية التي وعد بها معلم القرآن، فعن أبي عبد الرحمن السلمي، عن
عثمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان، حتى كان الحجاج قال: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا(152)
وقد ذكر جماعة أن أبا عبدالرحمن «أخبرهم أنه قرأ على عثمان عامة القرآن، وكان يسأله عن القرآن، فيقول: إنك تشغلني عن أمر الناس، فعليك بزيد بن ثابت، فإنه يجلس للناس، ويتفرغ لهم، ولست أخالفه في شيء من القرآن»(153) .
وقد كان الصحابة يحرصون على تعليم القرآن للناس، عن أنس قال: «بعثني الأشعري إلى عمر، فقال لي: كيف تركت الأشعري؟ قلت: تركته يعلم الناس القرآن، فقال: أما إنه كيس! ولا تسمعها إياه»(154) .
وعن الأعمش، قال: مر أعرابي بعبد الله بن مسعود، وهو يقرئ قومًا القرآن، أو قال: وعنده قوم يتعلمون القرآن، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: «يقتسمون ميراث محمد صلى الله عليه وسلم»(155) .
وكانوا يوصون بتعليم الأبناء القرآن، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «عليكم بالقرآن فتعلموه، وعلموه أبناءكم، فإنكم عنه
تسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظًا لمن عقل»(156)
وكان تعليم القرآن مقدمًا على غيره للمهاجر، عن عبادة بن الصامت قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن، فدفع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً، فكان معي في البيت أعشيه عشاء أهل البيت، فكنت أقرئه القرآن»(157) ، وفي رواية عنه: «عن عبادة بن الصامت، قال: علمت ناسًا من أهل الصفة الكتابة والقرآن»(158) .
وكان الصحابة رضوان الله عليهم، يستخدمون عدة أساليب في رفع همم طلابهم، فقد كان ابن مسعود إذا أصبح خرج أتاه الناس إلى داره فيقول: «على مكانكم»، ثم يمر بالذين يقرئهم القرآن، فيقول: «يا فلان بأي سورة أنت؟» فيخبرونه، فيقول: «بأي آية فيفتح عليه الآية التي تليها، ثم يقول تعلمها فإنها خير لك مما بين السماء والأرض»، قال: فيظن الرجل أنها ليست في القرآن آية خير منها، ثم يمر بالآخر فيقول له مثل ذلك حتى يقول لذلك كلهم(159) .
ومن شواهد الإقراء أيضًا، ما ذكره محمد بن كعب القرظي، قال: «جمع القرآن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو الدرداء،
فلما كان زمن عمر بن الخطاب كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا وربلوا وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فدعا عمر أولئك الخمسة فقال لهم: إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين، فأعينوني رحمكم الله بثلاثة منكم، إن أجبتم فاستهموا، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم، هذا شيخ كبير لأبي أيوب، وأما هذا فسقيم لأبي بن كعب، فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر: ابدؤوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين. وقدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين، وأما معاذ فمات عام طاعون عمواس، وأما عبادة فصار بعد إلى فلسطين فمات بها، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات»(160)
وكانوا رحمهم الله يرشدون طلابهم إلى الطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم ومراجعته ومعاهدته، وهذا من نتائج تجاربهم وثمار تحصيلهم واجتهادهم: ومن ذلك قول أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي: «تعلموا
القرآن خمس آيات خمس آيات؛ فإنه أحفظ لكم»(161)
وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا»(162) .
وعن ابن مسعود، قال: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن»(163) .
فهذا هديهم رضوان الله عليهم في إقراء القرآن، وإرشادهم لطلابهم، وعملهم بهديه صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولذلك حازوا الخيرية التي وعدوا بها.
الفصل الخامس: تعظيم الآل والأصحاب للقرآن
لقد كان تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم للقرآن من الوضوح بمكان كبير، وآثارهم خير شاهد على ذلك، فالكتاب هو «كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه؛ لأنه معلوم من دين الأمة، وإذا كان كذلك؛ لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها، أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي؛ نظرًا وعملاً، لا اقتصارًا على أحدهما؛ فيوشك أن يفوز بالبغية، وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين في الرعيل الأول»(164) .
ويمكننا تقسيم الآثار الواردة في تعظيم القرآن عند الصحابة إلى عدة أنواع:
أولًا: ثناؤهم على القرآن، وحث الناس على الإقبال عليه، والتحذير
من هجره.
ثانيًا: تكريمهم لأهل القرآن، ومعرفة قدرهم.
ثالثًا : حسن استماعهم للقرآن.
رابعًا : عملهم بالقرآن.
أولاً: ثناؤهم على القرآن، وحث الناس على الإقبال عليه، والتحذير من هجره
لقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس حرصًا على القرآن، وأكثرهم حثًا لغيرهم على الإقبال عليه، والآثار عنهم في هذا الأمر كثيرة، ومنها ما ثبت عن عبد الله بن مسعود في الحث على الإقبال على القرآن، قال: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن»(165) وثبت عنه: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن استطاع أن يتعلم منه شيئًا فليفعل، فإن أصفر البيوت من الخير البيت الذي ليس فيه من كتاب الله تعالى شيء، وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء خرب كخراب البيت الذي لا عامر له، وإن الشيطان يخرج من البيت يسمع سورة البقرة تقرأ فيه»(166) وقال: «إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله الذي أمر به، وهو النور المبين والشفاء النافع، عصمة لمن اعتصم به، ونجاة لمن تمسك به، لا يعوج فيقوم، ولا يزوغ فيشعب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن رد، اتلوه فإن
الله يأجركم لكل حرف عشر حسنات»(167)
وقال عبد الله: «لا تهذوا القرآن، كهذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب»(168) ، وقال أيضًا: «إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره»(169) .
وقد كان الصحابة كثيرًا ما يوصون أتباعهم، وسائليهم بالقرآن، فعن عقيل بن مدرك، يرفعه إلى أبي سعيد الخدري أن رجلاً أتاه، وقال: أوصني يا أبا سعيد، فقال له أبو سعيد: سألت عما سألت عنه من قبلك، قال: «أوصيك بتقوى الله، فإنها رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله، وتلاوة القرآن، فإنه روحك في أهل السماء، وذكرك في أهل الأرض، وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك به تغلب الشيطان»(170) .
وقد طلب قوم من جندب بن عبدالله رضي الله عنه أن يوصيهم، فأوصاهم قائلًا: «أوصيكم بتقوى الله، وأوصيكم بالقرآن، نور الليل المظلم، وهدى النهار، فاعملوا به على ما كان فيه من جهد وفاقة، فإن عرض
بلاء فقدم مالك دون نفسك، فإن تجاوزهما البلاء فقدم نفسك ومالك دون دينك، واعلم أن المحروب من حرب دينه، وأن المسلوب من سلب دينه، وأنه لا فقر بعد الجنة، ولا غنى بعد النار، وأن النار لا يفك أسيرها، ولا يستغني فقيرها»(171)
ومن الآثار التي تجلب الاهتمام بالقرآن ما ثبت عن معاذ رضي الله عنه، أنه قال: «سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب، فيتهافت، يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصروا، قالوا: سنبلغ، وإن أساءوا، قالوا: سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئًا»(172) .
إن القرآن كان بمثابة القبس الذي نزل على قلوب تلك الثلة فأشعل نور الإيمان فيها، حتى إنهم بكوا حين انقطع الوحي، فعن أنس، قال: قال أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: «انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء. فجعلا يبكيان معها»(173) .
وكانوا يحذرون أهل القرآن من الانشغال عنه، فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح لكم الطريق فاستبقوا الخيرات لا تكونوا عيالاً على الناس»(174) .
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال: «يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالاً، لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا»(175) .
وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «لو أن حملة القرآن أخذوه وما ينبغي له لأحبهم الله، ولكن طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على الناس»(176) .
إن القرآن أعظم ما تقرب به العبد إلى الله تبارك وتعالى، عن فروة بن نوفل الأشجعي، قال: كان خباب بن الأرت لي جارًا، فقال لي يومًا: «يا هناه، تقرب إلى الله تعالى ما استطعت، واعلم أنك لست تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه»(177) .
ثانيًا: تكريمهم لأهل القرآن، ومعرفة قدرهم
من مظاهر تعظيم الصحابة والآل للقرآن، تعظيمهم لأهل القرآن، فعن عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث، لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟، فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين»(178) .
ومن تقديرهم لأهل القرآن، أن عمر رضي الله عنه كان يدخل ابن عباس مع أشياخ بدر لعلمه، فعن ابن عباس، قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه من قد علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ [النصر: 1]؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا،
فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: «هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له»، قال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ [النصر: 1] «وذلك علامة أجلك»، ﴿فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا﴾ [النصر: 3]، فقال عمر: «ما أعلم منها إلا ما تقول»(179)
ثالثًا: حسن تلاوتهم واستماعهم للقرآن
كان الصحابة والآل رضوان الله عليهم أحرص الناس على أورادهم القرآنية، فعن أبي بردة، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف، قال: واليمن مخلافان، ثم قال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا»، فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه كان قريبًا من صاحبه أحدث به عهدًا، فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، وإذا هو جالس، وقد اجتمع إليه الناس وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس أيم هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يقتل، قال: إنما جيء به لذلك فانزل، قال: ما أنزل حتى يقتل، فأمر به فقتل، ثم نزل فقال: يا عبد الله، كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقًا، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي(180) .
وعن عائشة، قالت: «إني لأقرأ حزبي، أو عامة حزبي وأنا مضطجعة على فراشي»(181) .
وكان لهم اهتمام عظيم بهذا الورد حال القراءة، ولا يقطعهم عنه غالبًا إلا ما كان في شأنه، عن نافع، قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما: «إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يومًا، فقرأ سورة البقرة، حتى انتهى إلى مكان، قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى(182) .
وكان إذا فاتهم الحزب قضوه: يقول عبد الرحمن بن عبد القاري: استأذنت على عمر بالهاجرة، فحبسني طويلًا، ثم أذن لي، وقال: «إني كنت في قضاء وردي»(183) ، وعن خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي، قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو يقرأ في المصحف، فقلت له، فقال: «هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة»(184) .
وكانوا يرشدون طلابهم لتعاهد القرآن، قال عبد الله: «تعاهدوا هذه المصاحف»، وربما قال: «القرآن فلهو أشد تفصيًا من قلوب الرجال من النعم من عقلها»(185) .
ومن حسن تلاوتهم، أنهم كانوا يزينون القرآن بأصواتهم، وممن اشتهر بذلك منهم، أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، قال سعيد بن عبد العزيز: حدثني أبو يوسف حاجب معاوية: أن أبا موسى الأشعري قدم على معاوية، فنزل في بعض الدور بدمشق، فخرج معاوية من الليل ليستمع قراءته(186) ؛ وقال أبو عثمان النهدي: «ما سمعت مزمارًا ولا طنبورًا ولا صنجًا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري؛ إن كان ليصلي بنا فنود أنه قرأ البقرة من حسن صوته»(187) . وفي رواية: «كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج قط، ولا صوت بربط قط، ولا شيئًا قط أحسن من صوته»(188) . وقال العجلي: «ولم يكن في الصحابة أحد أحسن صوتًا منه»(189) .
بل كان الصحابة يأمرون بتحسين أصواتهم بالقرآن، فقد قال عمر رضي الله عنه: «حسنوا أصواتكم بالقرآن»(190) .
ولقد وصفت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها حال هؤلاء الثلة عند سماعهم للقرآن، وصفًا موجزًا بليغًا، فعن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن جدته أسماء بنت أبي بكر قال: قلت لها: كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: «كانوا كما نعتهم الله، تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم»، قال: فإن ناسًا إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيًا عليه، قالت: «أعوذ بالله من الشيطان»(191)
رابعًا: عملهم بالقرآن
لقد كان القرآن المجيد حادي الصحابة والآل في العمل، ولم يكن أحدهم يقرأ القرآن لا يجاوز ترقوته، بل كان ينفذ إلى قلوبهم، فتنفعل جوارحهم للعمل.
لم يكن حظهم من القرآن مجرد القراءة فحسب، بل كانوا يحذرون من تلك الحال، قال حذيفة: «إن أقرأ الناس للقرآن منافق يقرؤه لا يترك منه واوًا ولا ألفًا يلفته بلسانه كما تلفت البقرة الخلاء بلسانها، لا يجاوز ترقوته»(192) .
وقال عبد الله: «لا تهذوا القرآن، كهذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب»(193) .
وعن ابن عمر، قال: «كنا صدر هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معه إلا السورة من القرآن أو شبه ذلك، وكان القرآن ثقيلاً عليهم ورزقوا العمل به، وإن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والأعجمي فلا يعملون به»(194) وقال
أيضًا: «لقد عشنا برهة من دهر وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ولا يدري ما آمره، ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينتثره نثر الدقل»(195)
وعن أبي موسى أنه قال: «إن هذا القرآن كائن لكم ذكرى، وكائن لكم أجرًا، أو كان عليكم وزرًا، فاتبعوا القرآن، ولا يتبعكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة، ومن يتبعه القرآن يزخ في قفاه فيقذفه في جهنم»(196) .
وكان ابن عباس يقول: «من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأن الله يقول: ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ﴾ [طه: 123]»(197) .
ومن الشواهد العملية، الناطقة، والشاهدة بجلاء على هذا العمل، والوقوف عند كتاب الله:
1 عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات
وأبو بكر بالسنح، يعني بالعالية فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، قال: بأبي أنت وأمي، طبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر.
فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡٔٗاۗ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]، قال: فنشج الناس يبكون»(198) .
2 عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ﴾ العشر الآيات كلها في براءتي، فقال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا، بعد الذي قال لعائشة. فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ الآية قال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي
كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها عنه أبدًا»(199)
3 عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شبانًا»، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: «فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر»، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين، «والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله»(200) .
4
عن أنس قال: «لما نزلت ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ﴾ [آل عمران: 92] و﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا﴾ [البقرة: 245].
قال أبو طلحة: يا رسول الله حائطي الذي بمكان كذا وكذا، والله لو استطعت أن أسرها لم أعلنها فقال: اجعله في فقراء أهلك»(201) .
5 عن أنس بن مالك، أنه قال لما نزلت هذه الآية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، فقال: «يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟» قال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى، قال: فأتاه سعد، فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل هو من أهل الجنة»(202) .
6 «وقد جعلت جارية لعلي بن الحسين تسكب عليه الماء، فتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه، فرفع علي بن الحسين رأسه إليها، فقالت الجارية: إن الله عز وجل يقول: ﴿وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ﴾ [آل عمران: 134]، فقال لها: «قد كظمت غيظي»، قالت: ﴿وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ﴾ [آل عمران: 134]، فقال لها: «قد عفا الله عنك»، قالت: ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، قال: «اذهبي فأنت حرة»»(203) .
الفصل السادس: القرآن والصلاة في حياة الآل والأصحاب
وفيه حديث عن اهتمام الصحابة بتلاوة الكتاب في الصلاة، وعن شيء من هديهم في ذلك.
قد أشار الله سبحانه وتعالى إلى أفضل طرق المعاهدة، والتي ينبغي لحافظ القرآن الاعتناء بها، وهي قيام الليل بالمحفوظ من القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا﴾ [الإسراء: 79]، وإن الليل مظنة الحضور والفهم وصفاء النفس وتفريغ القلب من العلائق والشواغل.
والنبي صلى الله عليه وسلم هو المخاطب(204) بذلك، وبقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ١ قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا٢ نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا٣ أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا﴾ [المزمل: 1 4].
وكان صلى الله عليه وسلم
يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه(205) وكان يطيل القراءة في صلاته؛ كما جاء عن حذيفة، قال: «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعةٍ، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبح، وإذا مر بسؤالٍ سأل، وإذا مر بتعوذٍ تعوذ...»(206) وعن عوف بن مالكٍ الأشجعي، قال: «قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً، فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمةٍ إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذابٍ إلا وقف فتعوذ..»(207) ثم يوجه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وهو القدوة في ذلك، بأنه «إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل، والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه»(208) فتبين من هذا الحديث أن من يقوم بالقرآن يكون حاضر الذهن متذكرًا
لآياته، متعاهدًا له.
وإنما أفردت هذا الفصل بالذكر لأهميته، وأنه عمود الصلاح، والإصلاح، وهو ما ذكره الله في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170].
وليس أحد يأتي في المرتبة الأولى في الجمع بين القرآن والصلاة قبل هذه الثلة المباركة من الآل والصحب عليهم رضوان الله.
لقد قال علي رضي الله عنه: «لقد رأيت أثرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أرى أحدًا يشبههم، والله إن كانوا ليصبحون شعثًا غبرًا صفرًا، بين أعينهم مثل ركب المعزى، قد باتوا يتلون كتاب الله، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، إذا ذكر الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح، فانهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين»(209) .
وعن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن جدته أسماء بنت أبي بكر قال: قلت لها: كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: «كانوا كما نعتهم الله، تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم»، قال: فإن ناسًا إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيًا عليه، قالت: «أعوذ بالله من الشيطان»(210) .
وعن عائشة، قالت: «لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي قال: «مروا أبا
بكر فليصل بالناس» قالت: فقلت يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه»(211)
وعن عبيد بن عمير، قال: «صلى بنا عمر بن الخطاب كرم الله وجهه صلاة الفجر فافتتح سورة يوسف فقرأها حتى إذا بلغ ﴿وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ﴾ [يوسف: 84] بكى حتى انقطع فركع»، ويروى: «أنه لما انتهى إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [يوسف: 86] بكى حتى سمع نشيجه من وراء الصفوف»(212) .
وعن نافع، قال: «كان عبد الله بن عمر إذا قرأ هذه الآية ﴿أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ [الحديد: 16] بكى حتى يغلبه البكاء»(213) .
وقد «كان ابن عباس رضي الله عنه يقوم نصف الليل، فيقرأ القرآن حرفًا حرفًا، ثم حكى قراءته: ثم يبكي حتى تسمع له نشيجًا»(214) وعن ابن أبي مليكة قال: «صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة كان إذا نزل قام شطر الليل فسأله أيوب كيف كانت قراءته؟ قال: قرأ ﴿وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19]
فجعل يرتل، ويكثر في ذلكم النشيج»(215)
وقد نهج الصحابة رضي الله عنهم نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاهدة القرآن الكريم بتلاوة المحفوظ في صلاة الليل، كما ثبت «أن أبا موسى كان بين مكة والمدينة، فصلى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعةً أوتر بها، فقرأ فيها بمائة آيةٍ من النساء، ثم قال: ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم قدميه وأنا أقرأ بما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم»(216) . وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقرأ البقرة في ركعة وكان بطيء القراءة(217) .
مراجع البحث
الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لابن عبد البر، تحقيق: علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى (1412ه 1992 م)، دار الجيل، بيروت. إقراء القرآن الكريم.. منهجه وشروطه وأساليبه وآدابه، د. دخيل بن عبدالله الدخيل، من منشورات معهد الإمام الشاطبي، 1429ه 2008 م. أهل البيت بين مدرستين: محمد سالم الخضر، 1432ه= 2011م، مبرة الآل والأصحاب، الكويت. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: للذهبي، تحقيق: عمر عبدالسلام التدمري، الطبعة الثانية (1413 ه 1993 م)، دار الكتاب العربي، بيروت. تاريخ المدينة المنورة: لابن شبة، تحقيق: علي محمد دندل، وياسين سعد الدين بيان، عام النشر (1417ه 1996م) دار الكتب العلمية، بيروت. تاريخ بغداد تاريخ مدينة السلام: للخطيب البغدادي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، الطبعة الأولى (1422ه 2002م)، دار الغرب الإسلامي، بيروت. تاريخ بغداد تاريخ مدينة السلام: للخطيب البغدادي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، الطبعة الأولى (1422ه 2002م)، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
التحرير والتنوير من التفسير، تأليف: محمد الطاهر ابن عاشور، الناشر: الدار التونسية للنشر، الطبعة: 1984م. تحقيق منيف الرتبة، في شرف من ثبتت له الصحب، للعلائي، ت: القشقري، ط. دار العاصمة. التسهيل لعلوم التنزيل، لأبي القاسم، محمد بن جزي الكلبي الغرناطي (ت: 741)، تحقيق: الدكتور عبد الله الخالدي، ط. شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم بيروت 1416 ه. تفسير ابن عطية= المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: لابن عطية الأندلسي، تحقيق: عبدالسلام عبدالشافي محمد، الطبعة الأولى، 1422ه، دار الكتب العلمية، بيروت. تفسير ابن كثير= تفسير القرآن العظيم: لابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الطبعة الثانية (1420ه 1999م)، دار طيبة، الرياض. تفسير البيضاوي= أنوار التنزيل وأسرار التأويل: لناصر الدين البيضاوي، تحقيق: محمد عبدالرحمن المرعشلي، الطبعة الأولى، 1418 ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت. تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لمحمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي مع دار هجر، ط. هجر. تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي، تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، الطبعة الثانية (1384ه 1964م)، دار الكتب المصرية، القاهرة.
التفسير: من سنن سعيد بن منصور، دراسة وتحقيق: د. سعد بن عبدالله آل حميد، الطبعة الأولى، 1417ه= 1997م، دار الصميعي للنشر والتوزيع، السعودية. تهذيب اللغة، لمحمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور، المحقق: محمد عوض مرعب، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، الطبعة: الأولى، 2001م. جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم: لابن رجب الحنبلي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، إبراهيم باجس، الطبعة السابعة، 1422ه= 2001م، مؤسسة الرسالة، بيروت. جامع بيان العلم وفضله: لابن عبدالبر، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، الطبعة الأولى، 1414ه= 1994م، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية. جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام: لابن القيم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، عبدالقادر الأرناؤوط، الطبعة الثانية، 1407ه= 1987م، دار العروبة، الكويت. جهود الصحابة في جمع القرآن لأحمد سالم، ط. وزراة الأوقاف الكويتية. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم، عام النشر (1394ه 1974م)، دار السعادة، محافظة مصر. وتصوير: دار الكتاب العربي، ودار الفكر، ودار الكتب العلمية، بيروت. السنن الكبرى: للنسائي، تحقيق: حسن عبدالمنعم شلبي، الطبعة الأولى (1421ه 2001م)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
سنن: ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي. سنن: أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت. سنن: الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبدالباقي، وإبراهيم عطوة عوض، الطبعة الثانية (1395 ه 1975م)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر. سنن: سعيد بن منصور، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى (1403ه 1982م)، الدار السلفية، الهند. سير أعلام النبلاء: للذهبي، تحقيق: مجموعة من المحققين، بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثالثة (1405 ه 1985م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. صحيح ابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان: ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولي (1408ه 1988م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. صحيح البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه: للإمام البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الطبعة الأولى (1422ه)، دار طوق النجاة. صحيح مسلم المسند الصحيح المختصر، بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: للإمام مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
طرح التثريب في شرح التقريب، لأبي الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي، الناشر: الطبعة المصرية القديمة. فتح الباري شرح صحيح البخاري: لابن حجر، رقَّم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبدالباقي، وقام بإخراجه وصحَّحه: محب الدين الخطيب، عام النشر (1379ه)، دار المعرفة، بيروت. فتح الباري شرح صحيح البخاري: لابن حجر، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبدالباقي، وقام بإخراجه وصححه: محب الدين الخطيب، عام النشر (1379ه)، دار المعرفة، بيروت. فضائل الصحابة: لأحمد بن حنبل، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، الطبعة الأولى (1403ه 1983م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. فضائل القرآن للقاسم بن سلام، لأبي عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله الهروي البغدادي، تحقيق: مروان العطية، ومحسن خرابة، ووفاء تقي الدين، الناشر: دار ابن كثير (دمشق بيروت)، الطبعة: الأولى، 1415 ه 1995 م. فضائل القرآن، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، الناشر: مكتبة ابن تيمية، الطبعة: الطبعة الأولى 1416 ه. لسان العرب: لابن منظور، الطبعة الثالثة (1414 ه)، دار صادر، بيروت. مجموع الفتاوى: لابن تيمية، تحقيق: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، عام النشر (1416ه 1995م)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة.
المستدرك على الصحيحين: للحاكم، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، الطبعة الأولى (1411ه 1990م)، دار الكتب العلمية، بيروت. مُسنَد الدارمي سنن الدارمي، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، الطبعة الأولى (1412ه 2000م)، دار المغني للنشر والتوزيع، السعودية. المسند: للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: أحمد محمد شاكر، وحمزة أحمد الزين، الطبعة الأولى (1416 ه 1995 م)، دار الحديث، القاهرة. المسند: للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وعادل مرشد، وآخرون، تحت إشراف: د عبدالله بن عبدالمحسن التركي، الطبعة الأولى، (1421 ه 2001 م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. المصاحف: لابن أبي داود، تحقيق: محمد بن عبده، الطبعة الأولى (1423 ه 2002 م)، دار الفاروق الحديثة، القاهرة. المصنف في الأحاديث والآثار: لابن أبي شيبة، تحقيق: حمد بن عبدالله الجمعة، ومحمد بن إبراهيم اللحيدان، الطبعة الأولى (1425ه 2004م)، مكتبة الرشد، الرياض. المصنف: لعبدالرزاق الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية (1403ه)، المكتب الإسلامي، بيروت. المفردات في غريب القرآن: للراغب الأصفهانى، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، الطبعة الأولى، 1412 ه، دار القلم، الدار الشامية، دمشق، بيروت. مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين،
المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399ه 1979م. النهاية في غريب الحديث والأثر: لابن الأثير، تحقيق:
طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي، عام النشر (1399ه 1979م)، المكتبة العلمية، بيروت.
قائمة بعناوين الأبحاث الجديدة لمشروع
(تراث الآل والأصحاب)
* القرآن في حياة الآل والأصحاب.
* أدب التربية في تراث الآل والأصحاب: نماذج من تعامل الآل والأصحاب مع صغارهم.
* السفر وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* التجارة والمكاسب في تراث الآل والأصحاب: آداب وقدوات ونماذج متنوعة.
* آداب معاملة الكبار والمرضى في تراث الآل والأصحاب.
* الإعاقة في تراث الآل والأصحاب: نماذج وآداب وعبر.
* آداب التعامل مع غير المسلمين في تراث الآل والأصحاب.
* العبادة والزهد في تراث الآل والأصحاب.
* الذكر والدعاء في تراث آل البيت.
* فضل العلم وآداب طلبه في تراث الآل والأصحاب.
* آداب التعامل مع المرأة في تراث الآل والأصحاب.
* آداب العشرة في تراث الآل والأصحاب: استلهام للقيم الزوجية الناجحة في سير سلفنا الصالح.
* آداب الحوار والاختلاف في تراث الآل والأصحاب: شواهد وآداب.
* قضايا نسائية: قراءات في تراث الآل والأصحاب.
* الأطفال في رحاب الآل والأصحاب: بحث في أسس المعالجة الفنية والأدبية لنشر تراث الآل والأصحاب للمراحل العمرية الصغيرة.
* الوقف في تراث الآل والأصحاب.
* الفَقْد في تراث الآل والأصحاب: دراسة في الجوانب الإيمانية والإنسانية.
* المهارات الإدارية في تراث الآل والأصحاب.
* إدارة الوقت في تراث الآل والأصحاب.
* الطعام وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* المزاح وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* آداب التعامل مع الحيوان في تراث الآل والأصحاب.
