هذا من جهة حكم ما فعله خالد اعتقاداً لما يراه من صواب.
أما إذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية أخرى وهي نظرة الصحابة والعلماء ومن بعدهم لهذا الفعل، فهذا شيء آخر.
فقد سبق معنا إنكار أبي قتادة الأنصاري وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما لهذا الفعل، وعدُّوه من الأخطاء من وجهة نظرهم، وذلك لأنهما كانا يريان مالكاً لم يخرج عن دائرة الإسلام. هذا كله على فرض صحة الروايات، وقد سبق بيان ما فيها.
وقد رجح بعض العلماء هذا المذهب فمثلاً:-
يقول الحافظ ابن كثير: «وإن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة، وأخطأ في قتله»(404) .
وقال ابن عبد البر: «فقتل خالد بن الوليد مالكاً يظن أنه ارتد حين وجهه أبو بكر لقتال أهل الردة، واختلف فيه هل قتله مسلماً أو مرتداً؟ وأراه والله أعلم قتله خطأ»(405) .
وقد مال ابن الأثير إلى أن مالكاً لم يرتد بل هو مسلم موحد صحابي وترضى عنه(406) .
إلى غير ذلك من النقول التي تؤيد خطأ خالد في قتله لمالك بن نويرة.
قال الدكتور إبراهيم الرحيلي: «وعلى كل حال فقتل خالد لمالك بن نويرة إما أن يكون لواحد من هذه الأسباب المذكورة– منعه للزكاة أو متابعته لسجاح أو قوله صاحبكم– وإما أن يكون لسبب آخر لم نعلمه، وإما أن خالداً لم يرد قتله أصلاً، وإنما قتل خطأ، فإن كل ذلك محتمل، وحينئذ فخالد معذور على كل حال، سواء أكان قتله بحق لسبب يوجب قتله، أو بخطأ ناشيء عن تأويل يعذر به، أو بغير قصد لا لوم عليه فيه».
ثم قال: «والمقصود أن كل واحد من الصحابة كان مجتهداً في إحقاق الحق، وأمرهم دائر بين الأجر والأجرين، فمجتهد مصيب له أجران، ومجتهد مخطيء له أجر واحد وخطؤه مغفور، ولا ينتقصهم في شيء من هذا إلا جاهل بأصول الشرع أو زائغ عن الحق»(407) .
