مكتبة المبرّةالباحث الذكي
أولئك مبرؤونالقراءة المتصلة
صفحة 11
حجم النص28
صفحة مطبوعة 1 · ورقة PDF 1رابط الصفحة المنفردة

أولئك مبرّؤون

بحث تأصيلي في نقض الشبهات المثارة حول بعض الصحابة

الجزء الأول

بقلم

سائد صبحي قطوم

الباحث في مركز البحوث والدراسات بالمبرة

صفحة مطبوعة 2 · ورقة PDF 2رابط الصفحة المنفردة

1-الخلفاء الراشدون 2- الصحابة والتابعون 3- المهاجرون والأنصار

العنوان: ب – السلسلة

رقم الإيداع: 120/2008

ردمك: 0-0- 674- 99906- 978

حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب

إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة

الطبعة الأولى

1430هـ / 2009م

هاتف: 22560203 – 22552340 فاكس: 22560346

ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت

E-mail: almabarrh@gmail.com

www.almabarrah.net

فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الفهرسالصفحة
مقدمة الكتاب11
سمرة بن جندب رضي الله عنه19
ترجمة الصحابي الجليل سمرة بن جندب رضي الله عنه21
مدخل27
صفحة مطبوعة 3 · ورقة PDF 3رابط الصفحة المنفردة

فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر

239 قطوم، سائد صبحي

أولئك مبرّؤون: بحث تأصيلي في نقض الشبهات المثارة حول بعض الصحابة /

سائد صبحي قطوم. ط1 – الكويت: مبرة الآل والأصحاب، 2008

264ص؛ 24 سم.- (قضايا التوعية الإسلامية؛ 7)

ردمك: 0-0- 674- 99906- 978

صفحة 4 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 5 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 6 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 7 · ورقة PDF 7رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
المبحث الأول: شبهات أخلاقية28
أ- شبهات متعلقة بتعامل سمرة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم28
القول بأن سمرة يعارض النبي صلى الله عليه وآله وسلم28
ب- شبهات متعلقة بتعامله مع الناس30
القول بأن: سمرة قتل عدداً كبيراً من الناس30
ج- شبهات متعلقة بتعامل سمرة مع نفسه41
الشبهة الأولى: القول بأن: سمرة تكلم بكلام عظيم41
الشبهة الثانية: القول بأن: سمرة باع الخمر42
المبحث الثاني: شبهات متفرقة43
الشبهة الأولى: القول بأن: أبا حنيفة لا يعتد برأي وفقه سمرة44
الشبهة الثانية: القول بأن: سمرة من أهل النار47
وختاماً52
النعمان بن بشير رضي الله عنهما53
ترجمة الصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنهما55
الشبهات المثارة حول الصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنهما60
مدخل60
الشبهة الأولى: القول بأن: النعمان يثير الفتنة ضد علي رضي الله عنهما61
الشبهة
صفحة مطبوعة 8 · ورقة PDF 8رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الثانية: القول بأن: النعمان يبغض علياً رضي الله عنهما66
الشبهة الثالثة: القول بأن: النعمان ينفذ سياسات الظلم الموكلة إليه70
الشبهة الرابعة: القول بأن: النعمان بن بشير خالف قومه الأنصار وانضم إلى معاوية وترك علياً رضي الله عنهم78
الشبهة الخامسة: إغارة النعمان بن بشير على عين التمر وفيها مسلحة لعلي بن أبي طالب83
الشبهة السادسة: القول بأن: النعمان متلون الولاء86
الشبهة السابعة: القول بأن: النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمَّى النعمان غادراً89
وختاماً91
خالد بن الوليد سيف الله المسلول رضي الله عنه93
القول السديد في ترجمة خالد بن الوليد رضي الله عنه95
الشبهات المثارة حول الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه112
الشبهة الأولى: القول في: قصته مع بني جذيمة112
الشبهة الثانية: القول في: قصة خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة وقتله والزواج من امرأته133
المبحث الأول: حكم منع الزكاة135
المبحث الثاني: موقف مالك بن نويرة من دفع الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم138
فوائد140
المبحث الثالث: أسباب امتناع مالك بن نويرة من دفع الزكاة143
المبحث الرابع: حال مالك بن نويرة وهل ارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لم يرتد؟!147
المبحث الخامس: لماذا قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة؟ والروايات في ذلك152
صفحة مطبوعة 9 · ورقة PDF 9رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
المبحث السادس: موقف خالد من زوجة مالك بن نويرة172
المبحث السابع: حكم ما فعله خالد من القتل والزواج176
الشبهة الثالثة: القول بأن: خالد بن الوليد كان يبغض علياً رضي الله عنه185
فوائد193
الشبهة الرابعة: القول بأن: خالداً قتل سعد بن عبادة رضي الله عنهما201
الشبهة الخامسة: القول في: البغض والعداء المتبادل بين عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما214
الشبهة السادسة: خالد بن الوليد والخمر228
الشبهة السابعة: تسمية خالد بن الوليد بسيف الله المسلول235
الخاتمة248
المراجع249
صفحة 10 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 11 · ورقة PDF 11رابط الصفحة المنفردة

مقدمة الكتاب

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾(1) .

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾(2) .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾(3) .

أما بعد:-

فلقد امتن الله تعالى على عباده فبعث إليهم رسوله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأمرهم بطاعته والاقتداء بسيرته وسنته، وحذرهم من مغبة مخالفة أمره وارتكاب نهيه، فكانت هذه البعثة المباركة من أعظم النعم على المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾(4) .

فهنيئاً لمن وفقه الله تعالى لأن يكون عبداً لرب البريات، وجندياً تحت لواء سيد الكائنات محمد عليه صلوات ربي وسلامه ما بقيت الأرض والسموات.

ومما زادني شرفاً وتيهاًوكدت بأخمصي أطؤ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً
صفحة مطبوعة 12 · ورقة PDF 12رابط الصفحة المنفردة

ولا تكتمل هذه النعمة، ولا يتم هذا الفضل إلا بأن تكون أيها الموحد متبعاً في منهجك وعقيدتك، وسلوكك وأخلاقك، وسائر أعمالك لسيرة السلف الصالحين، والأئمة المهتدين، وعلى رأسهم صحابة النبي الكريم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

فهم الذين زكاهم الله تعالى في كتابه المبين، وأثنى عليهم ورضي عنهم، ووعدهم الحسنى، فهل يمكن أن يصلهم مكروه بعد أن رضي عنهم الملك الجليل، أو يلحقهم عيب بعد أن جملهم بثنائه الجميل، أو يصل إليهم سوء بعد أن وعدهم الحسنى، وجعلهم في رضوانه في المحل الأسنى؟!

حاشا وكلا..

أما يكفي رضاه عنهم أن يكون لهم من السوء حصناً، ومن المخاوف أمناً؟

بلى والله، إن فيه أعظم كفاية وأقوى وقاية.

قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(5) .

وقال أيضاً: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾(6) .

فهم نوع فريد من الرجال، لم تعرف البشرية لهم نظيراً في تاريخها الطويل الممتد عبر الزمن، لقد حاز أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم قصب السبق في كل شيء، فهم قمة في التقوى والورع، وآية في التجرد والإخلاص، ومشعل في العلم والعمل، ونبراس في الدعوة والبلاغ.

صفحة مطبوعة 13 · ورقة PDF 13رابط الصفحة المنفردة

قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: «وكان التلقي بلا واسطة - أي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم- حظ أصحابه، الذين حازوا قصبات السباق، واستولوا على الأمد فلا طمع لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق، ولكن المبرز من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم، والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال، فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها، وأي خطة رشد لم يستولوا عليها؟!

تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذباً صافياً زلالاً، وأيدوا قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالاً، فتحوا القلوب بعدلهم بالقرآن والإيمان، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان»(7) .

نعم هؤلاء هم صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذين هان عليهم في سبيل هذا الدين ومتابعة رسولهم الأمين الأموال والأبناء، والأرواح والدماء، غادروا الأوطان وهي عزيزة عليهم راضين مختارين، مخلفين وراءهم كل شيء، إلى أراض لا عهد لهم بها، وأمم لا نسب ولا ألفة بينهم وبينها، حتى أعز الله دينه، ونصر جنده، وأعلى كلمته.

أبعد كل هذا الكلام - وما أقله في حقهم -، وبعد كل تلك السجايا والأوصاف والخصال، وبعد كل تلك التضحيات والبذل والعطاء، يُهَوَّن أمرهم، ويُطْعَن في جنابهم، ويوصموا بأقبح الصفات، وأشنع الخلال؟!

والله إن هذا لهو أعظم الظلم، وأشد الإثم والجرم.

أليس في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»(8) رادع وحاجز لمن تجرأ على مقام هؤلاء

صفحة مطبوعة 14 · ورقة PDF 14رابط الصفحة المنفردة

السادة؟ بلى والله.

ولذا فقد كان - ولا يزال - من أعظم القربات عند سلفنا الصالح الذب عن أعراض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والدفاع عنهم، فإنه «من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة»(9) .

وهذا الذب عن هؤلاء الأماجد ليس لأنهم بحاجة لأن ندافع عنهم ونظهر براءتهم، كلا؛ فهم والله المبرؤون الأطهار في الدنيا والآخرة.

وأَنَّى لأمثالي أن يتكلم عن هؤلاء الأعلام الشم، والجبال الرواسي، والسادة الكبار.

نعم هذه هي الحقيقة التي لا بد من الجهر بها، إلا أن كلامنا في الدفاع عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو لحق أنفسنا، لعلنا نزيح عن ظهورنا طرفاً من ثقل الذنب الذي نشعر به، ونسقط عن كواهلنا وعواتقنا شيئاً من فداحة الإثم الذي سيلاحقنا، إن صمتنا أمام تلك الهجمة الشرسة على حراس الدين، وحملة الرسالة إلى العالمين.

أخي القاريء الكريم: اعلم أن الولوج في هذا الباب خطره عظيم، والزلل فيه جسيم، إلا أن السير على نهج الأولين، والارتواء من معين فهمهم الصافي، فيه الوقاية والحصانة بإذن الله تعالى.

فيا طالب الحق، ويا ناشد الحقيقة، ليكن من قول الإمام الذهبي رحمه الله شعاراً لك في تعاملك ونظرتك لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى ولو خالفتني فيما سطرته في هذا الكتاب.

فقد قال رحمه الله: «فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع بينهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة»(10) .

وهذا كتاب أسميته «أولئك مبرؤون» ، وهو بحث تأصيلي في نقض الشبهات التي أثيرت حول بعض الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، لا أدعي فيه الكمال، ولا الاتيان على التمام،وإنما هو جهد المقل، حاولت قدر استطاعتي جمع الشبهات المثارة إجمالاً والرد عليها تفصيلاً.

صفحة مطبوعة 15 · ورقة PDF 15رابط الصفحة المنفردة

وقد سلكت في بحثي المنهج التالي:

1- ذكر ترجمة مختصرة للصحابي الجليل مدار البحث، موثقة من المصادر المعتمدة.

2- ذكر الشبهات وتوثيقها والرد عليه.

3- نقض هذه الشبهات من خلال المنهج التالي:

أ- النظر في سند الروايات، وتحقيق القول فيها صحة وضعفاً إن أمكن ذلك، مع توثيق ذلك بكلام أئمة هذا الشأن.

ب- النظر في متن الرواية، ومحاولة نقضها تاريخياً.

ج - المقارنة بين بعض الروايات، وإظهار التناقض بينها مما يؤدي إلى إسقاطها.

4- ذكر خاتمة لكل مبحث من مباحث هذا الكتاب.

هذا، وقد اشتمل الكتاب على ثلاث شخصيات من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، دارت حولهم شبهات كثيرة، وطعون عديدة، وهم:

1-سمرة بن جندب رضي الله عنه.

2-النعمان بن بشير رضي الله عنهما.

3-خالد بن الوليد رضي الله عنه.

أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يثقل بهذا العمل موازيني، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يحقق فِيَّ حديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم السابق «من رد عن عرض أخيه....»، وأن يحشرني في زمرة الحبيب وتحت لوائه، ومع الصحب الأبرار والآل الأطهار، إنه عزيز غفار.

على الرسول وآله وصحابهمني السلام بكل حب مسعدِ
هم صفوة الأقوام فاعرف قدرهموعلى هداهم يا موفق فاهتدِ
واحفظ وصية أحمد في صحبهواقطع لأجلهم لسان المفسدِ
عرضي لعرضهمو الفداءُ وإنهمأزكى وأطهر من غمام أبردِ
فالله زكاهم وشرف قدرهموأحلهم بالدين أعلى مقعدِ
شهدوا نزول الوحي بل كانوا لهنعم الحماة من البغيض الملحدِ
صفحة مطبوعة 16 · ورقة PDF 16رابط الصفحة المنفردة
بذلوا النفوس وأرخصوا أموالهمفي نصرة الإسلام دون تردد
لغبار أقدام الصحابة في الردىأغلى وأعلى من جبين الأبعد
هم كالعيون ومسها إتلافهاإياك أن تدمي العيون بمرود
من غيرهم شهد المشاهد كلهابل من يشابههم بحسن تعبد
كل الصحابة عادلون وليس فيأعراضهم ثلب لكل معربد
أنسيت قد رضي الإله عليهمفي توبة وعلى الشهادة فاشهد
حب الصحابة واجب في دينناهم خير قرن في الزمان الأحمد
ونكف عن أخطائهم ونعدهاأجراً لمجتهد أتى في المسند
ونصونهم بكرامة ونحوطهمبثنائنا في كل جمع أحشد
قد جاء في نص الحديث مصححاًالله في صحبي وصية أحمد
فبحبهم حب الرسول محققفاحذر تنقصهم وعنه فأبعد
ثم الدعاء لهم وبث علومهموسلوك منهجهم برغم الحسد
يا لائمي في حب صحب محمدتبت يداك وخبت يوم الموعد
فالله يجمعنا بهم في جنةفي مقعد عند المليك مخلد
صلى الإله على الرسول وآلهوصحابه ولكل عبد مهتدي(11) ( 11 )

ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لمبرة الآل والأصحاب التي احتضنتني وغيري من الأخوة الأفاضل، وقدمت لنا كل ما نحتاجه من وسائل البحث التي تعين على نشر تراث الآل والأصحاب، وتبرز العلاقة الحميمة التي كانت تجمعهم.

كما أتقدم بالشكر العميم والثناء الجميل إلى شيخي المبجل أبي عمر «محمد سالم الخضر» على توجيهاته القيمة، ونصائحه الغالية، أسأل الله جل ذكره أن يجعله من المحمودين في الدنيا والآخرة،وأن ينزله الجنان الخضر، إنه خير مسؤول.

كما أتقدم بشكري وتقديري إلى الأخ الحبيب، والصديق الأريب «علي التميمي»، على جهوده المخلصة، ولفتاته البديعة، أسأل الله تعالى أن يجعله علياً في الدنيا والآخرة، وأن

صفحة مطبوعة 17 · ورقة PDF 17رابط الصفحة المنفردة

يتمم عليه النعم، ويبعد عنه الفواجع والنقم.

والشكر موصول أيضاً لكل من ساهم في إخراج هذا الكتاب، قراءة وتدقيقاً وطباعة ونشراً، فالله وحده يجزيهم من فضله.

اللهم ما كان من حق فمنك وحدك لا شريك لك، وما كان غير ذلك فمن نفسي وهواها والشيطان، وأستغفر الله تعالى من كل ذلك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

كتبه الفقير إلى عفو ربه

أبو معاذ

سائد صبحي قطوم

صفحة 18 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 19 · ورقة PDF 19رابط الصفحة المنفردة

سمرة بن جندب رضي الله عنه

ما يذب الله به عن الإسلام أعظم

صفحة 20 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 21 · ورقة PDF 21رابط الصفحة المنفردة

ترجمة الصحابي الجليل سمرة بن جندب رضي الله عنه

الحديث عن صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم له مذاقه الخاص، فبذكرهم تطيب المجالس، وبالحديث عنهم يسعد القلب، وتأنس النفس، وينجلي الهم، ويزول الغم، ويسلو الحزين، ويطرب المشتاق، ويحن المحب.

فهم الأسوة والقدوة.

وهم القادة والسادة.

وهم العلماء والفقهاء.

وهم الأتقياء والأنقياء.

وهم الأئمة وأعلام الأمة.

وهم......... وهم......... وهم........

ويكفيهم شرفاً وفخراً وعزاً وجاهاً ورفعة. رؤيتهم وجه الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، والتشرف بمناطقته، والجلوس بين يديه، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن هؤلاء الأشراف، الذين تزدان بذكرهم النواحي والأطراف........

صحابينا الجليل رضي الله عنه.

فهو البطل المقدام، والأسد الهمام.

وهو المحب للجهاد منذ نعومة أظفاره.

وهو الحافظ الراوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وهو الأمير الفحل، والسيد مهاب الجناب.

وهو عدو المبتدعة، وعلى رأسهم شرهم وأضلهم الخوارج الحرورية.

وهو الرفيق الشفوق بأمة الإسلام.

وهو السد المنيع، والحصن الحصين في وجه أهل الأهواء.

إنه أبو سعيد سمرة بن جندب رضي الله عنه.

صفحة مطبوعة 22 · ورقة PDF 22رابط الصفحة المنفردة

اسمه

هو سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بن مرة بن حزن بن عمرو بن جابر بن ذي الرياستين الفزاري، حليف الأنصار.

كنيته

قيل: أبو عبد الرحمن(12) ، وقيل: أبو سعيد(13) ، وقيل: أبو سليمان(14) ، وقيل: أبو عبد الله وأبو محمد.

نشأته

لقد نشأ صحابينا الجليل في ديار الأنصار، وكلنا يعرف من هم الأنصار، وما هي مكانتهم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولذا لا غرابة أن يتطبع الناشئ فيهم بأخلاقهم الطيبة، وسجاياهم الكريمة، وخصالهم الرفيعة.

روى ابن عبد البر بسنده: أنّ أم سمرة بن جندب مات عنها زوجها، وترك ابنه سمرة، وكانت امرأة جميلة، فقدمت المدينة فخطبت، فجعلت تقول: إنها لا تتزوج إلا برجل يكفل لها نفقة ابنها سمرة حتى يبلغ، فتزوجها رجل من الأنصار على ذلك، فكانت معه في الأنصار(15) .

لقد أراد الله تعالى بسمرة وأمه كل الخير حيث جعلها تقدم المدينة، وتتزوج من الأنصار ويعيش ابنها وينشأ تحت أكنافهم، فأكرم وأنعم بهذا الاختيار من أم سمرة رضي الله عنهما.

سمرة يعشق الجهاد منذ الصغر

هل يمكن أن يقوم دين بدون جهاد؟ أو أن ينصر حق بدون قتال؟

إنّ التدافع بين الحق والباطل من سنن الله الكونية، وإنّ الحق يحتاج إلى قوة تدفع عنه وتنصره وتؤيده، ومن هنا فقد كان الجهاد ذروة سنام الإسلام، ومصدر عز المسلمين،

صفحة مطبوعة 23 · ورقة PDF 23رابط الصفحة المنفردة

ولأجل ذلك فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يربي الصحابة صغاراً وكباراً على حب الجهاد والاستعداد له، فنشؤوا على ذلك رضي الله عنهم.

كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستعرض غلمان الأنصار في كل عام، فمر به غلام فأجازه في البعث - أي الخروج للجهاد -، وعرض عليه سمرة من بعده فرده، فقال سمرة: يا رسول الله، لقد أجزت غلاماً ورددتني، ولو صارعته لصرعته. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فصارِعه، فصارعته فصرعته، فأجازني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في البعث(16) ، قيل: أجازه يوم أحد، وقد غزا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير غزوة(17) .

فانظر إلى تعلق قلب سمرة بالجهاد منذ الصغر، كيف لا يكون كذلك، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو المربي والموجه لهم، والذي كان يحث الصحابة الكرام على تربية أبنائهم على ذلك؛ لينشأ جيل يقود العالم، وينشر خير الإسلام للناس كافة، ويؤثر في الآخرين ولا يتأثر بهم.

ثم قارن هذا الحال بحالنا اليوم، وعلى أي شيء يتربى جيل هذا العصر، فإنك ولا شك ستعلم سبب هزيمتنا وضعفنا أمام العدو.

سمرة الحافظ المتقن

لقد أكرم الله تعالى سمرة بحافظة عجيبة، وذكاء نادر، فاستغل سمرة هذا الذكاء وتلك الحافظة خير استغلال، حيث سخرها في حفظ أحاديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فكان من الصحابة الذين رووا كثيراً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

قال ابن عبد البر رحمه الله: (وكان سمرة من الحفاظ المكثرين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)(18) .

قال عبد الله بن بريدة عن سمرة بن جندب: (لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غلاماً، فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسنُّ مني، وقد صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة وسطها)(19) .

وقال الحسن البصري: تذاكر سمرة بن جندب وعمران

صفحة مطبوعة 24 · ورقة PDF 24رابط الصفحة المنفردة

بن حصين، فحدث سمرة بن جندب أنه حفظ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سكتتين، سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فحفظ ذلك سمرة، وأنكر عليه عمران بن حصين، فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب، فكان في كتابه إليهما أو في رده عليهما: أن سمرة قد حفظ(20)

نعم؛ إنه العلم الذي يورث الأدب مع الآخرين، ومعرفة أقدارهم وفضلهم، وعدم التقدم بين أيديهم إجلالاً لأعمارهم، واعترافاً بسابقتهم.

صفاته وشدته على المبتدعة

لقد كان لنشأة سمرة في مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتلقيه المباشر عن رسول الإسلام؛ والأخذ عنه والاقتداء به، الأثر البالغ في صقل شخصية سمرة، وبروز صفاته.

وقد كان من أعظم هذه الصفات ظهوراً حبه للسنة وأهلها، وبغضه للبدعة وأهلها؛ فكان رحيماً بالمسلمين، شديد الوطأة على المبتدعة والمجرمين والضالين، متمثلاً في ذلك بقوله تعالى: ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾، ولنسمع أقوال العلماء في ذلك:-

قال ابن عبد البر: (سكن البصرة، وكان زياد يستخلفه عليها ستة أشهر، وعلى الكوفة ستة أشهر، فلما مات زياد استخلفه على البصرة(21) فأقره معاوية عليها عاماً أو نحوه ثم عزله، وكان شديداً على الحرورية، كان إذا أتي بواحد منهم إليه قتله ولم يُقِلْه، ويقول: شر قتلى تحت أديم السماء، يكفرون المسلمين ويسفكون الدماء، فالحرورية

صفحة مطبوعة 25 · ورقة PDF 25رابط الصفحة المنفردة

ومن قاربهم في مذهبهم، يطعنون عليه وينالون منه.

وكان ابن سيرين و الحسن وفضلاء أهل البصرة يثنون عليه، ويجيبون عنه.

وقال ابن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير)(22) .

وعنه قال: كان سمرة - ما علمت - عظيم الأمانة صدوق الحديث يحب الإسلام وأهله(23) .

وعن مطرف قال: قيل لعمران بن حصين - وفي رواية: قال رجل عند عمران بن حصين-: هلك سمرة؟ قال: ما يذب الله به عن الإسلام أعظم(24) . وفي رواية: كلا ما ذب به عن الإسلام أفضل(25) .

وفاته وسببها

كانت وفاته بالبصرة في خلافة معاوية، سنة ثمان وخمسين، سقط في قدر مملوءة ماءً حاراً كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز(26) شديد أصابه، فسقط في القدر الحارة فمات، فكان ذلك تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم له ولأبي هريرة ولثالث معهما «آخركم موتاً في النار»(27) .

وعن محمد بن سيرين قال: عليكم برسالة سمرة بن جندب إلى بنيه، فإنّ فيها علماً جمّاً، فقلنا: يا أبا بكر، أخبرنا عن سمرة وما كان من أمره وما قيل فيه؟ قال: إنّ سمرة كان أصابه كزاز شديد، وكان لا يكاد أن يدفأ، فأمر بقدر عظيمة فملئت ماءً وأوقد تحتها، واتخذ فوقها مجلساً، وكان يصل إليه بخارها فيدفئه، فبينا هو كذلك إذ خسف به، فيظن أن ذلك

صفحة مطبوعة 26 · ورقة PDF 26رابط الصفحة المنفردة

الذي قيل فيه(28)

وقيل مات في آخر خلافة معاوية سنة تسع وخمسين، أو أول سنة ستين بالكوفة وقيل بالبصرة. وقد روى له الجماعة(29) .

الشبهات المثارة حول الصحابي الجليل سمرة بن جندب رضي الله عنه

صفحة مطبوعة 27 · ورقة PDF 27رابط الصفحة المنفردة

مدخل

عند النظر والتدقيق في الشبهات المثارة حول الصحابي الجليل سمرة بن جندب رضي الله عنه نستطيع أن نجملها في مبحثين اثنين:

المبحث الأول: شبهات أخلاقية. وهذه تشمل:

أ - شبهات متعلقة بتعامله مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ب - شبهات متعلقة بتعامله مع الناس.

جـ - شبهات متعلقة بتعامله مع نفسه.

المبحث الثاني: شبهات متفرقة. وهي كالنتيجة والخاتمة للشبهات السابقة.

وقد حاولت قدر جهدي التوسع في الردود على هذه الشبهات ليعلم القارئ الكريم أنه ليس لها أساس من الصحة، ولا تمت إلى الحقيقة والواقع بأدنى صلة البتة.

والله الموفق والمعين والمسدد لهذا العمل وهو حسبي ونعم الوكيل.

فإلى هذه الشبهات...

المبحث الأول

شبهات أخلاقية

صفحة مطبوعة 28 · ورقة PDF 28رابط الصفحة المنفردة

أ- شبهات متعلقة بتعامل سمرة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وفيه شبهة واحدة هي:

القول بأن: سمرة يعارض النبيصلى الله عليه وآله وسلم

استدل الطاعنون بسمرة رضي الله عنه بما رواه أبو داود في سننه قال: ثنا سليمان بن داود العتكي، ثنا حماد، ثنا واصل مولى أبي عيينة، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي، يحدث عن سمرة بن جندب: أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار، قال: ومع الرجل أهله، قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله، فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك له، فطلب إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال: «فهبه له ولك كذا وكذا» أمراً رغبه فيه فأبى، فقال: «أنت مضار»، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأنصاري: «اذهب فاقلع نخله»(30) .

قال الشيخ الألباني رحمه الله في التعليق على هذا الحديث: «ضعيف».

والضعف في الحديث هو من جهة الانقطاع ما بين أبي جعفر الباقر رضي الله عنه، وسمرة بن جندب رضي الله عنه.

فقد ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة الباقر الخلاف في مولده، ثم رجح أنه ما بين 56هـ-60هـ.

فإذا علمنا أن سمرة مات ما بين سنة 58-60هـ - على الخلاف بين أهل العلم في تحديد سنة وفاته بالضبط - يتبين لنا أن أبا جعفر لا يمكن أن يكون روى الحديث مباشرة عن سمرة، لأنه على افتراض أن يكون أبو جعفر ولد سنة 56هـ، وسمرة مات سنة 60 هـ، فيكون عُمر الباقر عند وفاة سمرة 4 سنوات، فكيف يروي عنه؟

ولذلك قال الحافظ ابن حجر: (وقد قيل: إنّ رواية محمد «أي أبي جعفر

صفحة مطبوعة 29 · ورقة PDF 29رابط الصفحة المنفردة

الباقر» عن جميع من سُمِّي هنا من الصحابة، ما عدا ابن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب «مرسلة»)(31)

ونقل صاحب عون المعبود عن المنذري: في التعليق على حديث سمرة قوله: (في سماع الباقر من سمرة بن جندب نظر، فقد نقل من مولده ووفاة سمرة ما يتعذر معه سماعه منه. وقيل فيه ما يمكن السماع منه، والله أعلم)(32) .

هذا أولاً.

وأما ثانياً: فعلى فرض صحة الحديث فالمسألة مجرد خلاف فقهي، وكان سمرة يظن نفسه أن له الحق في الدخول إلى نخله متى شاء، ثم رفض بيع هذا النخل لأنه حقه، ولا يلزمه أحد ببيعه، هكذا كان يظن، إلى أن بين له النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا الأمر فيه إضرار بالأنصاري، ولا حق لك يا سمرة في ذلك.

هذا هو غاية الأمر في الحديث - إن صح - فلا يُحَمَّل الحديث أكثر من ذلك.

ثم قد يقال: إن سمرة ظن بأن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس أمراً جازماً، بل هو على سبيل الشفاعة، وهو لا يلزم بقبول هذه الشفاعة، كما ورد في حديث بريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شفع عندها في مراجعة زوجها مغيث فقالت بريرة: «يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع. فقالت: لا حاجة لي فيه»(33) .

والمتقرر عند أهل العلم أن شفاعة الحاكم إنما هي للرفق بالخصم حيث لاضرر ولا إلزام ولا لوم على من خالف ولا غضب ولو عظم قدر الشافع(34) ، وهذا ما كان يظنه سمرة رضي الله عنه، إلا أن يتوجه اللوم والعتب إذا كان هناك ضرر، ولذلك فإن سمرة رضي الله عنه لما علم أن فعله فيه مضرة للأنصاري، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الأنصاري بقلع النخلة، لم يعترض سمرة على حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل سكت وسلَّم، وهذا هو سبيل المؤمنين.

أما ما ذكره البعض من أن سمرة كان يتقصد الدخول فجأة على الأنصاري؛ لينظر إلى أهله فهذا من أعظم الكذب والإفك، وحاشاه رضي الله عنه من ذلك.

صفحة مطبوعة 30 · ورقة PDF 30رابط الصفحة المنفردة

ب- شبهات متعلقة بتعامله مع الناس. وفيها شبهة واحدة هي

القول بأن: سمرة قتل عدداً كبيراً من الناس

وهذه روايات تدل على ذلك:-

أ- روى الطبري في أحداث سنة50هـ، عن محمد بن سليم، قال:سألت أنس بن سيرين، هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتلهم سمرة بن جندب. استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف!! من الناس، فقال له زياد: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت - أو كما قال(35) .

ب - وعن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة، سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن!!(36) .

ج - وعن عوف قال: أقبل سمرة من المدينة، فلما كان عند دور بني أسد، خرج رجل من بعض أزقتهم، ففجأ أوائل الخيل، فحمل عليه رجل من القوم، فأوجره(37) الحربة.

قال: ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب، وهو متشحط في دمه، فقال: ما هذا؟ قيل: أصابته أوائل خيل الأمير. قال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا!!(38) .

د وفي الطبري أيضاً: قال مسلم العجلي: مررت بالمسجد، فجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله، ثم دخل فجعل يصلي في المسجد، فجاء رجل فضرب عنقه! فإذا رأسه في المسجد، وبدنه ناحية، فمر أبو بكرة فقال: يقول سبحانه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾(39) فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير، فمات شر ميتة» قال: وشهدته وأتي بناس كثير، وناس بين يديه، فيقول للرجل: ما دينك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأني بريء من الحرورية، فيقدم فيضرب عنقه حتى مر بضعة

صفحة مطبوعة 31 · ورقة PDF 31رابط الصفحة المنفردة

وعشرون(40)

هذه جملة من الروايات التي تنسب لسمرة بن جندب أنه كان والغاً في الدماء، شغوفاً بالقتل، لا يبالي من قتل صغيراً كان أم كبيراً، كما تزعم هذه الشبهة.

والجواب على هذه الشبهة من طريقين:-

1- جواب تفصيلي على كل رواية على حدة.

2- جواب إجمالي على الشبهة كاملة.

أما الجواب التفصيلي على كل رواية، فأقول:-

(أ) الرواية الأولى:

محمد بن سليم قال: سألت أنس بن سيرين: هل كان سمرة بن جندب قتل أحداً؟... الخ.

أقول:

1- هذه الرواية رواها الطبري في تاريخه قال: حدثني عمر، قال: حدثني إسحق بن إدريس، عن محمد بن سليم...

وهذا إسناد أقرب إلى الوضع إن لم يكن موضوعاً؛ لحال إسحق بن إدريس، والظاهر - والله أعلم- أنه الأسواري البصري أبو يعقوب، فقد روى عنه عمر بن شبه شيخ الطبري في هذا الإسناد.

قال الحافظ ابن حجر: تركه ابن المديني.

وقال أبو زرعة: واه.

وقال البخاري: تركه الناس.

وقال الدارقطني: منكر الحديث.

وقال ابن معين: كذاب يضع الحديث.

وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث.

وقال ابن حبان: كان يسرق الحديث.

وقال محمد بن المثنى: واهي الحديث.

وقال النسائي: بصري متروك.

صفحة مطبوعة 32 · ورقة PDF 32رابط الصفحة المنفردة

وقال ابن عدي: له أحاديث وهو إلى الضعف أقرب(41) .

وأما محمد بن سليم: الذي روى عنه إسحق بن إدريس، فلم أعرفه(42) .

2- على فرض صحة الرواية، فواضح أن سمرة رضي الله عنه كان متيقناً أنه لم يقتل أحداً بريئا،ً بل كل من قتله كان مستحقاً للقتل عنده فعلاً، كما سيأتي بيانه في الرد الإجمالي.

3- الذي يظهر لي - والله أعلم - أن الرقم المذكور في الرواية مبالغ فيه جداً.

(ب) الرواية الثانية:-

وعن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة.... الخ. فأقول:

1- هذه الرواية رواها الطبري في تاريخه قال: حدثني عمر، حدثني موسى بن إسماعيل، حدثنا نوح بن قيس، عن أشعث الحداني، عن أبي سوار العدوي به.

وعند النظر في إسناد هذه الرواية يتضح أن سندها جيد، أي بمعنى أنها مقبولة، وهذا يقال من باب الأمانة العلمية، فنحن - بحمد الله - وقَّافون عند الدليل، ولا نجعل الكذب مخرجاً لنا ومهرباً من الحقيقة. هذا أولاً.

2- طالما أن الرواية مقبولة من ناحية الصناعة الحديثية، فما هو الجواب على فعل سمرة إذن؟

أقول: الجواب ما سيأتي في الرد المجمل، بعد الانتهاء من الرد التفصيلي على كل رواية على حدة، وسيعرف القارئ الكريم أن هؤلاء الذين قتلهم سمرة، كانوا مستحقين للقتل عنده.

(ج) الرواية الثالثة:-

عن عوف قال: أقبل سمرة من المدينة... الخ. أقول:

صفحة مطبوعة 33 · ورقة PDF 33رابط الصفحة المنفردة

هذه الرواية رواها الطبري في تاريخه، قال: حدثني عمر، حدثني علي بن محمد، عن جعفر الصدفي، عن عوف...

والجواب:-

1- أن هذا السند ضعيف ولا يصح والعلة في ذلك:-

أ- الإرسال: فإن عوفاً المذكور في هذا السند هو عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وبالنظر في تاريخ مولده يتبين لنا أنه يستحيل أن يروي عن سمرة رضي الله عنه مباشرة، فقد قال ابن حبان في تاريخ ولادة عوف: وكان مولده سنة تسع وخمسين(43) ، فإذا علمنا - كما سبق - أن وفاة سمرة رضي الله عنه كانت ما بين سنة 58هـ - 60هـ على اختلاف أقوال العلماء في ذلك، تبين لنا أن عوفاً لا يمكن أن يروي عن سمرة إلا بواسطة، وهذه الواسطة ساقطة من السند، فالله أعلم بحال صاحبها، وعليه فإن هذه علة تقدح في ثبوت هذه الرواية.

ب- جعفر الصدفي الراوي عن عوف لم أعثر له على ترجمة.

ج- في سند الرواية: علي بن محمد وهو ابن عبد الله بن أبي سيف أبو الحسن المدائني الإخباري، صاحب التصانيف. أثنى عليه بعضهم كالذهبي حيث قال: الحافظ الصادق... وكان عجباً في معرفة السير والمغازي والأنساب وأيام العرب، مصدقاً فيما ينقله عالي الإسناد.

ونقل توثيقه عن ابن معين(44) .

وتكلم فيه بعضهم كابن عدي حيث قال: ليس بالقوي في الحديث(45) . وذكره ابن الجوزي في كتابه الضعفاء(46) .

ولذلك فقد ضعَّف هذه الرواية البرزنجي محقق كتاب صحيح وضعيف تاريخ الطبري(47) .

2- هل من العقل فضلاً عن الدين، أن يُطعن بصحابي ويثلب ويسقط عند الخاصة

صفحة مطبوعة 34 · ورقة PDF 34رابط الصفحة المنفردة

والعامة بمثل هذه الروايات وتلك الأسانيد؟!

إنّ المنهج القويم والرأي السديد في مثل هذه الأمور- الحديث عن الصحابة- أن تكون الروايات في أعلى درجات الصحة والقبول، فنحن لا نهدر ولا نسقط جملة من الآيات الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، المزكية لهذا الجيل على عمومه بمثل هذه الروايات والأسانيد!!

إنّ هذا ليس من العدالة في شيء.

ثم يقال: لو كان الأمر المذكور عن هذا الصحابي من المسائل البسيطة، التي قد تقع من أمثالهم ومن غيرهم، كقسوة في اللفظ أو حدة في الطبع أو غيره، لأمكن قبوله وتصور وقوعه، ولكن أن يكون هذا الأمر هو عبارة عن قتل أبرياء! وبطريقة بشعة وبدم بارد، وينسب ذلك إلى الصحابي بمثل هذه الأسانيد، فهذا من الإجحاف وعظيم الظلم، وإن دل على شيء، فإنما يدل على سوء نية وخبث طوية ممن رواه، أجارنا الله من ذلك.

(د) الرواية الرابعة:-

قال مسلم العجلي: مررت بالمسجد، فجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله، ثم دخل فجعل يصلي فجاء رجل فضرب عنقه... وفيه «قد أفلح من تزكى..» الخ.

فأقول:

1- هذه الرواية ذكرها الطبري في تاريخه قال: حدثني عمر، حدثني موسى بن إسماعيل، حدثني سليمان بن مسلم العجلي، قال سمعت أبي يقول...

وعند النظر في سند هذه القصة نجد الآتي:-

أ- سليمان بن مسلم العجلي: هو أبو المعلى الخزاعي، قال العقيلي: بصري مجهول، عن سليمان التيمي عن نافع ولا يتابع على حديثه(48) .

وقال ابن عدي: وسليمان بن مسلم هذا قليل الحديث وهو العطار المجهول، ولم أر للمتقدمين فيه كلام إلا أني أحببت أن أذكره فأبين أن أحاديثه بمقدار ما يرويه لا يتابع

صفحة مطبوعة 35 · ورقة PDF 35رابط الصفحة المنفردة

عليه(49)

وقال ابن حبان: سليمان بن مسلم شيخ يروي عن سليمان التيمي ما ليس من حديثه، لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار للخواص(50) .

وذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً(51) .

ب- مسلم العجلي: ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً(52) .

فواضح من خلال هذه النقول أن سند الرواية لا يصح ولا يحتج به.

2- كيف يظن بسمرة رضي الله عنه، وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقتل مسلما،ً ليس هذا فقط بل الرجل قد أدى الزكاة، وقُتِل وهو يصلي!! ألهذه الدرجة بلغ الإجرام والشغف بالدماء عند سمرة؟! أم هو الحقد والضغينة لصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

أقول: والله لو نسب مثل هذا الأمر لمن عرف وشهر بقتله للناس، كالحجاج بن يوسف أو غيره، للزم التثبت من صحة هذه الرواية، فكيف وهذه الرواية تَنْسِب مثل هذه الجرائم والموبقات، إلى صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!

أسأل الله أن يحفظ علينا عقولنا!!

3- الأصل عندنا في الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، التقوى والورع ومعرفة حدود الله تعالى، فإن جاءت رواية عن أحدهم تخالف هذا الأصل، ينظر أولاً في سندها، فإنّ لم يصح فالحمد لله، وإن صح ظاهراً نظر إلى المتن، فإن كان يخالف ما علم من حال الصحابة من جهة التقوى والخوف من الله ومراقبته، فلابد أن يكون لهذه الرواية توجيه عند أهل العلم.

وعليه؛ فإنّ الناظر في متن هذه الرواية، يجزم جزماً قاطعاً ببطلانها وعدم صحتها، وذلك لأنها تذكر أنّ سمرة كان يقتل ويستبيح دماء من يشهد الشهادتين، ويتبرأ من

صفحة مطبوعة 36 · ورقة PDF 36رابط الصفحة المنفردة

دين الخوارج، وهذا أمر ننزه عنه آحاد المسلمين، فكيف بصحابي جليل صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهد معه وروى عنه أحاديث كثيرة؟!(53)

هذا لا يمكن أن يصدق أبداً. فالصحابة كلهم عدول، وهذا اعتقادنا فيهم.

ثم إنّ في الرواية ما يخالف المشهور والمعروف عن سمرة، والذي ذكره جُلُّ العلماء الذين ترجموا له؛ وهو أنه كان شديداً على الخوارج، وإذا أتي بواحد منهم قتله ولم يُقِلْهُ، وهذه الرواية تذكر أنه كان يقتل من يتبرأ من دين الخوارج ومذهبهم، وهذا من التناقض الواضح الذي يسقط هذه الرواية.

4- في الفترة التي كان فيها سمرة أميراً على البصرة عند ذهاب زياد بن أبيه إلى الكوفة، كانت النفوس مشحونة، وكانت فترة فتنة، فلا غرابة أن يقوم بعض الناس الذين يحملون بغضاً على غيرهم، ويذكروا عنهم روايات وقصصاً لتشويه صورتهم، والحط من قدرهم، فالواجب أن لا تقبل أي رواية في تلك الفترة، إلا بعد تمحيص وتدقيق شديدين، ولولا ذاك لقال من شاء ما شاء.

وأما الرد الإجمالي على هذه الشبهة بجميع الروايات المذكورة فيها، فهذا أوانه وهو كما يلي:-

أولاً:-

أنّ الذين قتلهم سمرة رضي الله عنه، كما ذكرت ذلك رواية أبي سوار العدوي المقبولة سنداً، أو غيرها من الروايات التي بينت حالها- مع تحفظي على الأرقام المذكورة فيها - هم - والله أعلم - من «الخوارج» والدليل على ذلك:-

أ- أنّ جميع الذين ذكروا ترجمة سمرة بن جندب، كابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر والذهبي وغيرهم، اتفقوا جميعاً على أنّ سمرة كان شديداً على الخوارج، وهذا نصهم في كتبهم: كان سمرة شديداً على الخوارج، وكان إذا أتي بواحد منهم قتله ولم يُقِلْهُ، وقال: شر قتلى تحت أديم السماء، يكفرون المسلمين ويسفكون الدماء. ثم يقولون في ترجمته تعليقاً على شدته على الخوارج: فالحرورية ومن قاربهم في مذهبهم، يطعنون

صفحة مطبوعة 37 · ورقة PDF 37رابط الصفحة المنفردة

عليه وينالون منه(54)

وقال الذهبي: كان- أي سمرة- شديداً على الخوارج، قتل منهم جماعة(55) .

فإذا علمت ذلك، تبين لك من هم الذين قتلهم سمرة رضي الله عنه، مع تحفظنا على عدد القتلى الوارد في الروايات السابقة.

ثم تبين لك أن مثل تلك الروايات التي ذُكرت عن سمرة، تصب في صالح الخوارج، لإظهارهم بصورة المظلومين، وأن سمرة قد قتل خلقاً كثيراً منهم بدون ذنب، مع إغفال تلك الروايات لصفة هؤلاء المقتولين قصداً فيما يظهر، والله أعلم.

ب- مما يدل على أن هؤلاء القتلى كانوا - والله أعلم - من الخوارج، هو ورود روايات في كتب التاريخ، توضح وتبين أنه في زمن سمرة وبالتحديد في أيام إمارته للبصرة كانت هناك حركات كثيرة للخوارج، وفي البصرة على الخصوص، مما جعل سمرة وزياد بن أبيه يشتدان على الخوارج نتيجة ذلك، ومن هذه الروايات:-

1- قال ابن الأثير في حوادث سنة «50هـ»، بعد أن ذكر خروج قريب الأزدي وزحاف الطائي بالبصرة، وما حصل منهما، قال: «واشتد زياد في أمر الخوارج فقتلهم، وأمر سمرة بذلك، فقتل منهم بشراً كثيراً»(56) .

2- ما نقله الطبري في تاريخه من كلام حول خروج قريب الأزدي وزحاف الطائي، ثم قال: حدثني عمر بن شبه، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا وهب، قال: حدثني أبي: أن زياداً اشتد في أمر الحرورية بعد قريب وزحاف فقتلهم، وأمر سمرة بذلك، وكان يستخلفه على البصرة، إذا خرج إلى الكوفة، فقتل سمرة منهم بشراً كثيراً(57) .

3- ما نقله اليعقوبي في تاريخه عن أفعال قريب وزحاف، حيث قال: وخرج

صفحة مطبوعة 38 · ورقة PDF 38رابط الصفحة المنفردة

قريب وزحاف «الخارجيان» بالبصرة في جماعة من الخوارج، فاستعرضا الشرط فقتلا منهم خلقاً عظيماً، وصارا إلى المسجد الجامع فقتلا خلقاً من الناس، ومالوا إلى القبائل ففعلوا مثل ذلك(58)

4- قال الحافظ ابن حجر في أثناء شرحه لأحاديث الخوارج، ومتى كانوا يظهرون ومتى كانوا يختفون، يقول رحمه الله «فكانوا - أي الخوارج - مختفين في خلافة علي، حتى كان منهم عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل علياً بعد أن دخل عليه في صلاة الصبح، ثم لما وقع الصلح بين الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة، فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له النجيلة، ثم كانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه عبيد الله على العراق طول مدة معاوية وولده يزيد، وظفر زياد وابنه منهم بجماعة، فأبادهم بين قتل وحبس طويل...»(59) .

فما رأيك أيها القارئ المنصف في مثل هذا الكلام؟

فإن قيل: وعلى فرض أنهم كانوا من الخوارج، فهل يجوز قتلهم؟ أليسوا مسلمين؟

فالجواب على ذلك:-

1- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل الخوارج، وبين أنه عليه الصلاة والسلام لو أدركهم لقتلهم بنفسه، فقد روى البخاري ومسلم من حديث علي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة»(60) .

والأحاديث في الأمر بقتالهم وماذا أعد الله تعالى من الأجر لمن قتلهم وغيرذلك كثيرة جداً(61) علماً بأنّ هؤلاء الذين أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتلهم، قد ذكر لهم من الصفات والمحاسن، ما تجعل المسلم يتوقف ويتخوف من الإقدام على سبهم فضلاً عن قتلهم، ومع ذلك يشدد النبي صلى الله عليه وآله وسلم

صفحة مطبوعة 39 · ورقة PDF 39رابط الصفحة المنفردة

في أمرهم لعظيم فتنتهم وشديد بدعتهم، فمن هذه الصفات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم للخوارج، قوله: «يخرج في هذه الأمة قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم»(62)

وغير ذلك من الصفات العظيمة، والاجتهاد في العبادات، ولكن مع سوء فهم وإدراك.

ولعلك أخي القارئ تلاحظ هذا التشابه بين الصفة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم للخوارج في هذا الحديث وهي أنهم يقرؤون القرآن، وبين الصفة التي ذكرها أبو سوار العدوري لمن قتلهم سمرة بأنهم «جمعوا القرآن»، مما يجعل القلب يطمئن إلى أن هؤلاء المقتولين كانوا من الخوارج، فاستحقوا القتل عند سمرة امتثالاً لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

2- أن أمير المؤمنين أبا الحسن والحسين علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين قد قاتل الخوارج، وقتل منهم خلقاً كثيراً، بل كان هو أحد رواة أحاديث قتلهم كما سبق معنا قبل قليل، وأن علياً رضي الله عنه صار يبحث في القتلى عن الرجل الذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر(63) ، فلما وجده سجد لله تعالى شكراً(64) ، إذ أنه علم أنه على الحق، وقد ورد أن عدد الخوارج الذين قتلهم علي رضي الله عنه كان ألفاً.

والسؤال: أحلال على علي رضي الله عنه، حرام على سمرة رضي الله عنه؟

وهل قتل الخوارج منقبة في حق علي رضي الله عنه، وهو لغيره كسمرة منقصة ومثلبة وطعن؟

فإن كان قتل الخوارج منقبة لعلي فهو منقبة لسمرة وغيره، وإن كان قتلهم مثلبة لسمرة، فهو مثلبة لعلي رضي الله عنهما، وحاشاهما من

صفحة مطبوعة 40 · ورقة PDF 40رابط الصفحة المنفردة

ذلك.

ثانياً:-

إن ثبت أو صح أن سمرة قتل البعض ممن لم يكن أهلاً للقتل، فجواب ذلك:-

أنه كان متأولاً في ذلك القتل، ويظن أنهم من الخوارج، وهذا يقال من باب إحسان الظن بالصحابة جميعاً، وهذا هو الأصل في كل مسلم أن يكون ممن امتلأت قلوبهم بحب الصحابة، وعرفوا لهم قدرهم، وحملوا ما ورد عن الصحابة من بعض الأفعال - إن صحت - على أحسن المحامل، لا كما يفعل من طفح قلبه من بغض تلك الثلة المباركة، وجرى بذلك لسانه، وسوَّد به القراطيس، لتكون شاهدة عليه يوم الدين، أنه ممن أبغض أحباب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعاداهم وتبرأ منهم، فالله حسيبه، وهو الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة، ومن كان خصماؤه هؤلاء الأتقياء الأنقياء فليبشر بإذن الله تعالى بشرّ مقيل وبئس مصير!!

فاللهم رحماك رحماك.

ج-

صفحة مطبوعة 41 · ورقة PDF 41رابط الصفحة المنفردة

شبهات متعلقة بتعامل سمرة مع نفسه.

ويشمل هذا القسم شبهتين اثنتين:-

الشبهة الأولى: القول بأن سمرة تكلم بكلام عظيم

نقل الطبري أن معاوية أقر سمرة بعد زياد على البصرة ستة أشهر، ثم عزله، فقال سمرة: «لعن الله معاوية، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبداً».

ومفاد الرواية أن سمرة قد جعل طاعة معاوية أعظم من طاعته لله تعالى، وهذا بحد ذاته كفر بالله العظيم، ومثل هذا الكلام لا يصدر إلا ممن خلا قلبه من الإيمان، وتعلق بمتاع الدنيا الزائل، وبهرجها الفاني.

والجواب على ذلك:-

1- هذه الرواية ذكرها الطبري في تاريخه، فقال: وقال عمر: وبلغني عن جعفر بن سليمان الضبعي قال: أقر معاوية سمرة... الخ(65) .

والملاحظ في سند هذه الرواية: الانقطاع ما بين عمر بن شبه وجعفر بن سليمان الضبعي، حيث إنها سيقت بلفظ البلاغ، فالله أعلم بحال الساقط من السند، ثم إن الراوي لهذا الخبر هو جعفر بن سليمان الضبعي وهو من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين(66) ، فأنىَّ له أن يروي ويحدث عن معاوية وسمرة رضي الله عنهما، ولذلك فالسند بهذه الطريقة ضعيف.

ولذلك قال الإمام ابن كثير رحمه الله بعد أن ذكر هذه الرواية عن سمرة قال: «وهذا لا يصح عنه»(67) .

2- لا يُظن بسمرة رضي الله عنه أن يصدر منه مثل هذا الكلام الفاحش، والذي قد يصل إلى درجة الكفر، عياذاً بالله تعالى، حيث جعل طاعته لمعاوية أكثر وأعظم من طاعته لله جل وعلا.

اللهم إنا نبريء أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مثل هذا الإجرام.

صفحة مطبوعة 42 · ورقة PDF 42رابط الصفحة المنفردة

الشبهة الثانية: القول بأن: سمرة باع الخمر!!

روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهماقال: بلغ عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنّ فلاناً باع خمراً، فقال: قاتل الله فلاناً، ألم يعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال:«قاتل الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها»(68) .

وقد جاء التصريح في رواية مسلم لهذا الحديث باسم البائع وهو سمرة رضي الله عنه(69) .

والجواب على ذلك:-

أن العلماء اختلفوا في كيفية بيع سمرة للخمر على أربعة أقوال، ذكرها الحافظ ابن حجر رحمه الله كما يلي:-

1- أنّ سمرة أخذ الخمر من أهل الكتاب، عن قيمة الجزية، فباعها منهم معتقداً جواز ذلك.

وهذا حكاه ابن الجوزي عن ابن ناصر ورجحه، وقال: كان ينبغي له أن يوليهم بيعها، فلا يدخل في محظور، وإن أخذ أثمانها منهم بعد ذلك؛ لأنه لم يتعاط محرماً.

2- قال الخطابي: يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمراً، والعصير يسمى خمراً كما قد يسمى العنب به لأنه يؤول إليه.

قال الخطابي: ولا يظن بسمرة أنه باع عين الخمر بعد أن شاع تحريمها، وإنما باع العصير.

3 - أن يكون خلل الخمر وباعها، وكان عمر يعتقد أن ذلك لا يحلها، كما هو قول أكثر العلماء، واعتقد سمرة الجواز.

4- ما ذكره الإسماعيلي في المدخل، أنّ سمرة علم تحريم الخمر، ولم يعلم تحريم بيعها، ولذلك اقتصر عمر على ذمه دون عقوبته.

قال الحافظ ابن حجر: وهذا هو الظن به(70) .

صفحة مطبوعة 43 · ورقة PDF 43رابط الصفحة المنفردة

المبحث الثاني: شبهات متفرقة

وهذا المبحث يشتمل على شبهتين وهما كالخاتمة والنتيجة الحتمية لتلك الشبهات السابقة، فنتيجة لما اتهم به الصحابي الجليل سمرة بن جندب رضي الله عنه من تهم باطلة، أدى ذلك إلى أن يُحكم عليه بأحكام جائرة ونهايات آثمة.

فقد حُكِم عليه بعدم الاعتداد برأيه والأخذ بفقهه كما ينسب ذلك للإمام أبي حنيفة رحمه الله.

وقد حُكِم عليه بالخلود في نار جهنم كنتيجة طبيعية لما قام به حال حياته - نعيذه بالله من ذلك -.

وللوقوف على حقيقة هذه الشبهات، ومدى مصداقيتها وثبوتها، أستعرض معك أخي القارئ ذلك، ثم الجواب عليها، ومن ثَمَّ أدع الحكم لك أيها المنصف الكريم.

صفحة مطبوعة 44 · ورقة PDF 44رابط الصفحة المنفردة

الشبهة الأولى: القول بأن: أبا حنيفة لا يعتدُّ برأي وفقه سمرة

ذكر الشعراني في ميزانه قال: «كان أبو مطيع البلخي يقول: قلت للإمام أبي حنيفة: أرأيتَ لو رأيتَ رأياً، ورأى أبو بكر رأياً، أكنتَ تدع رأيك لرأيه؟ قال: نعم. فقلت له: أرأيتَ لو رأيتَ رأياً، ورأى عمر رأياً، أكنت تدع رأيك لرأيه؟ قال: نعم. وكذلك كنت أدع رأيي لرأي عثمان وعلي وسائر الصحابة، ما عدا أبا هريرة وأنس بن مالك وسمرة بن جندب!!»(71) .

والجواب على ذلك:-

1- أن الشعراني نقل هذا الكلام عن الإمام أبي جعفر الشيزاماري فقال: وقد روى الإمام أبو جعفر الشيزاماري... بسنده المتصل إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه أنه كان يقول:...، ولم يبين لنا الشعراني من هم رجال السند لنقف على صحة الرواية من عدمها.

2- أن الشعراني ساق هذه الرواية تحت فصل بعنوان: بيان ضعف قول من نسب الإمام أبا حنيفة إلى أنه يقدم القياس على حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فقد أتى الشعراني بهذه الرواية للدفاع عن الإمام أبي حنيفة الذي يُتَّهم بأنه لا يعتد بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقدم عليه القياس، فأبطل ذلك بمجموعة من النقول ومن ضمنها هذا النص الذي يبين فيه الإمام أبو حنيفة أنه يترك رأيه لرأي كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.

3- أن الشعراني قد أتبع هذه الرواية بما يوضح السبب في عدم أخذ الإمام أبي حنيفة برأي أبي هريرة وسمرة وأنس رضي الله عنهم- هذا على فرض صحة الرواية عن الإمام أبي حنيفة - فقال: قال بعضهم: ولعل ذلك لنقص معرفتهم وعدم اطلاعهم على المدارك والاجتهاد، وذلك لا يقدح في عدالتهم(72) .

وإن كنا لا نسلِّم بمثل هذا الكلام وهو أن أبا هريرة وسمرة وأنس رضي الله عنهم كانوا ناقصي المعرفة والاطلاع، إلا أنه محاولة لفهم هذه الرواية، فمع عدم أخذ الإمام أبي حنيفة برأي هؤلاء الصحابة إلا أنه لا يقدح في عدالتهم.

4- هذه المسألة ليست جديدة في مذهب الأحناف فقد قسموا الصحابة

صفحة مطبوعة 45 · ورقة PDF 45رابط الصفحة المنفردة

إلى نوعين: من كان معروفاً بالفقه والرأي في الاجتهاد، ومن كان معروفاً بالعدالة وحسن الضبط والحفظ ولكنه قليل الفقه، فالنوع الأول كالخلفاء الراشدين والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وعائشة وغيرهم من المشهورين بالفقه من الصحابة رضي الله عنهم، وخبرهم حجة موجبة للعلم الذي هو غالب الرأي، ويبتني عليه وجوب العمل، سواء كان الخبر موافقاً للقياس أو مخالفاً له، فإن كان مخالفاً للقياس يترك القياس ويعمل بالخبر...

فأما المعروف بالعدالة والضبط والحفظ كأبي هريرة وأنس بن مالك صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهما ممن اشتهروا بالصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فإن أبا هريرة ممن لا يشك أحد في عدالته وطول صحبته مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وكذلك في حسن حفظه وضبطه...، ولكن مع هذا قد اشتهر من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم معارضة بعض رواياته بالقياس...، فلمكان ما اشتهر من السلف في هذا الباب قلنا ما وافق القياس من روايته فهو معمول به، وما خالف القياس فإن تلقته الأمة بالقبول فهو معمول به، وإلا فالقياس الصحيح شرعاً مقدم على روايته فيما ينسد باب الرأي فيه.. ولعل ظاناً يظن أن في مقالتنا ازدراء به ومعاذ الله من ذلك، فهو مقدم في العدالة والحفظ والضبط كما قررنا.

ومع هذا كله، فالكبار من أصحابنا يعظمون رواية هذا النوع، ويعتمدون قولهم، فإن محمداً رحمه الله ذكر عن أبي حنيفة رحمه الله أنه أخذ بقول أنس بن مالك رضي الله عنه في مقدار الحيض وغيره، وكانت درجة أبي هريرة فوق درجته، فعرفنا بهذا أنهم ما تركوا العمل بروايتهم إلا عند الضرورة، لانسداد باب الرأي من الوجه الذي قررنا(73) .

فعُلِم من هذا الكلام أن عدم الأخذ برواية بعض الصحابة ليس من باب الطعن في عدالتهم وحفظهم ودينهم

صفحة مطبوعة 46 · ورقة PDF 46رابط الصفحة المنفردة

معاذ الله، بل لما قرره علماء الحنفية من أن الأمر راجع إلى قوة الفقه والقدرة على الاجتهاد، ففرق بين المسألتين، فهؤلاء الصحابة عدول ثقات أكابر لا يطعن فيهم إلا من في قلبه مرض، وهذا الكلام كله ينسحب على صحابينا سمرة بن جندب رضي الله عنه.

5- الأصل أن لا يحتج المعترض بهذه الرواية؛ لأنه كما هو واضح فيها، توافق اعتقاد عامة المسلمين، في تقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عن الجميع، وكأن هذا الأمر كان مستقراً في الأذهان عند هؤلاء الأئمة، ولا مجال للنقاش فيه، ومما يدل على ذلك؛ أن أبا مطيع البلخي لما سأل أبا حنيفة، قدم له في السؤال أبا بكر ثم عمر، وذلك لعلمه ومعرفته بأن هذا هو ترتيب الخلفاء الراشدين عند أبي حنيفة رحمه الله، في الفضل والعلم بل وحتى في الخلافة.

صفحة مطبوعة 47 · ورقة PDF 47رابط الصفحة المنفردة

الشبهة الثانية: القول بأن: سمرة من أهل النار

في أنساب البلاذري: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «آخر أصحابي موتاً في النار»، فبقي سمرة بن جندب الفزاري حليف الأنصار بالبصرة، وأبو محذورة بمكة، وكان سمرة يسأل من يقدم من الحجاز عن أبي محذورة، وكان أبو محذورة يسأل من يقدم من البصرة عن سمرة، حتى مات أبو محذورة قبله(74) .

وقد فهم البعض من هذا الكلام أن سمرة رضي الله عنه من أهل النار، فطار بهذا الحديث فرحاً.

والجواب على ذلك:

أولاً: الكلام عليه من جهة السند:-

ذكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء(75) هذا الحديث من عدة طرق أسردها ليتضح الأمر:-

أ- معاذ بن معاذ، ثنا شعبة، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعشرة في بيت من أصحابه: «آخركم موتاً في النار»، فيهم سمرة بن جندب، قال أبو نضرة: فكان سمرة آخرهم موتاً(76) .

قال الذهبي: «هذا حديث غريب جداً، ولم يصح لأبي نضرة سماع من أبي هريرة. وله شويهد».

إذن الرواية الأولى لا تصح، وإن كان الإمام الذهبي قد ذكر الشويهد وهو:-

ب- قال: روى إسماعيل بن حكيم، عن يونس، عن الحسن، عن أنس بن حكيم قال: كنت أمرُّ بالمدينة فألقى أبا هريرة، فلا يبدأ بشيء حتى يسألني عن سمرة، فإذا أخبرته بحياته فرح، فقال: إنا كنا عشرة في بيت، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في

صفحة مطبوعة 48 · ورقة PDF 48رابط الصفحة المنفردة

وجوهنا، ثم قال: «آخركم موتاً في النار» فقد مات منا ثمانية، فليس شيء أحب إلي من الموت(77)

قال الشيخ شعيب: «لا يصح. إسماعيل بن حكيم هو الخزاعي صاحب الزيادي، ترجمه ابن أبي حاتم «2/165» ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وأنس بن حكيم مجهول».

قلت: أنس بن حكيم هذا ذكره ابن المديني في المجهولين من مشائخ الحسن، وقال ابن القطان مجهول(78) . وقال الحافظ ابن حجر: مستور(79) .

إذن هذه الرواية أيضاً لا تصح.

ثم قال الذهبي:-

ج- حماد بن سلمة، عن علي بن جدعان، عن أوس بن خالد، قال: كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة، فقلت لأبي محذورة في ذلك، فقال: إني كنت أنا وهو وأبو هريرة في بيت، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «آخركم موتاً في النار»، فمات أبو هريرة، ثم مات أبو محذورة(80) .

قال الشيخ شعيب: «لا يصح. علي بن جدعان هو: ابن زيد بن جدعان، ضعيف، وأوس ابن خالد هو بن أبي أويس، مجهول».

وقال البخاري عن أوس بن خالد: عامة ما يرويه عن سمرة مرسل في إسناده كلام، لأن أوساً لا يروي عنه إلا علي بن زيد، وعلي فيه بعض النظر. وقال الأزدي: منكر الحديث، وقال ابن القطان: أوس مجهول الحال، له ثلاثة أحاديث عن أبي هريرة منكرة(81) . وقال الحافظ ابن حجر: مجهول(82) .

صفحة مطبوعة 49 · ورقة PDF 49رابط الصفحة المنفردة

ثم قال الذهبي:

د - معمر، عن ابن طاووس، وغيره، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي هريرة وسمرة ابن جندب وآخر: «آخركم موتاً في النار»، فمات الرجل قبلهما، فكان إذا أراد الرجل أن يغيظ أبا هريرة، يقول: مات سمرة، فيغشى عليه ويصعق، فمات قبل سمرة(83) .

والحديث واضح أنه لا يصح للانقطاع بين ابن طاووس، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

* قلت: وقد روى الحديث من طريق أبي أمين عن أبي هريرة كلٌّ من: الطحاوي في مشكل الآثار «14/214» والدولابي في الكنى والأسماء «3/26»، والحارث بن أبي أسامة في مسنده «2/880».

وأبو أمين هذا ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً(84) .

وقال ابن معين: لم أسمع بأبي أمين إلا في هذا الحديث(85) .

ورُوي الحديث أيضاً من طريق شريك عن عبيد الله بن سعيد عن حجر عن أبي محذورة كما عند: الطحاوي في مشكل الآثار «14/215»، أو عن أبي هريرة كما عند الدولابي في الكنى والأسماء «4/365».

قلت: لم أجد لحجر هذا ترجمة في كتب الرجال.

إذن: يتضح مما سبق أن جميع روايات هذا الحديث معلولة ولا تصح.

ثانياً: الكلام عليه من جهة المتن:-

«أما المتن فمنكر، لأمرين:-

1- اضطرابه: فمرة جاء فيه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قالها لعشرة من أصحابه، ومرة لسبعة، ومرة لثلاثة، ومرة ذكر عبد الله بن عمرو بن العاص ثالث الثلاثة، ومرة ذكر أبا محذورة، والاضطراب مانع من تقوية الطرق خصوصاً إذا كانت الآفة من

صفحة مطبوعة 50 · ورقة PDF 50رابط الصفحة المنفردة

المجاهيل ومن لا يعرف، أو من عرف بالقلب والخلط، والدلائل على هذا شاهدة ومعروفة في كتب التخريج.

2- فطر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الرحمة وسماه ربه عز وجل في محكم كتابه رؤوفاً رحيماً، فكيف يُفْزِع ثلاثة من أصحابه طول حياتهم بهذا الحديث، في حين أن المنافقين أعداء الإسلام لم يعلن أسماءهم، بل كتمها وأسرها لكاتم سره: حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وأما إذا أراد التصريح بعيب شخص ما فلا يواجهه به، وإنما يفصح عن ذلك على سبيل العموم كقوله «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا...»(86) .

ولكن على فرض تحسين البعض للحديث بمجموع طرقه، فالجواب:

أن مقصود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «آخركم موتاً في النار»، ليس دخولاً لنار جهنم والعياذ بالله، وإنما المقصود أنه يموت بالنار، يعني نار الدنيا.

قال البخاري بعد أن ذكر حديث أبي نضرة عن أبي هريرة، وأن سمرة كان آخرهم موتاً، قال: «وقع في النار فمات»(87) .

وقال الطحاوي بعد أن ذكر حديث «آخركم موتاً في النار» برواياته: فعقلنا بذلك أنّ النار التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عناها في الآثار المروية عنه فيها كانت من نيران الدنيا لا من نيران الآخرة، فعاد ما في هذه الآثار مما عاد إلى سمرة فضيلة يستحقها في الآخرة، وكان هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى سمرة مثل الذي كان منه في أزواجه من قوله: «أسرعكن بي لحاقاً أطولكن يداً»، قال: فكنا -تعني أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم- نتطاول بأيدينا على الجدار، فلما توفيت زينب بنت جحش وكانت امرأة قصيرة، وكانت صناعاً تضع ما تخرجه في سبيل الله، فعلمنا بذلك أنها كانت أطولنا يداً بالخير، وكان ذلك إنما بان لهن بعد موتها، فمثل ذلك ما كان من أمر سمرة إنما بان للناس بعد موته(88) .

3- مما يؤكد هذا الفهم، ما ورد في سبب وفاة سمرة رضي الله عنه:-

أ ذكر ابن عبد البر أنه سقط في قدر مملوءة ماءً حاراً، كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد أصابه، فسقط في القدر

صفحة مطبوعة 51 · ورقة PDF 51رابط الصفحة المنفردة

الحارة فمات.

قال ابن عبد البر: فكان ذلك تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، له ولأبي هريرة ولثالث معهما «آخركم موتاً في النار»(89) .

ب- وقد ذكر الذهبي سبباً آخر في وفاته، حيث قال: عن رجل أن سمرة استجمر فغفل عن نفسه حتى احترق(90) .

قال الذهبي تعليقاً: فهذا إن صح، فهو مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعني نار الدنيا(91) .

وقال أيضاً في تاريخ الإسلام: إن صح هذا فيكون إن شاء الله قوله؛: «آخركم موتاً في النار» متعلقاً بموته في النار لا بذاته»(92) .

ج- روى البغوي في معجم الصحابة قال: ثنا شيبان، ثنا جرير بن حازم، قال: سمعت أبا يزيد، قال: لما مرض سمرة بن جندب مرضته التي مات فيها وأخذه القر، فأوقد له كانون من بين يديه ومن خلفه، وكانون عن يمينه وكانون عن شماله، فجعل لا ينفعه، وجعل يقول: كيف أصنع بما في جوفي؟ حتى مات(93) .

ورواه ابن سعد في الطبقات عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن أبي يزيد المدني به(94) .

إذن: خلاصة الأمر:-

1- أن الحديث لا يصح في ذلك كما سبق بيانه.

2- على فرض صحته، فالمقصود بموته في النار أي بسبب النار، وليس دخولاً لنار الآخرة.

صفحة مطبوعة 52 · ورقة PDF 52رابط الصفحة المنفردة

وختاماً

فها نحن نحط رحالنا في نهاية هذا المطاف، مع طائفة الشبهات المثارة حول الصحابي الجليل سمرة بن جندب رضي الله عنه، والتي لم آت على جميعها، ليعلم القاريء الكريم أن غيرها من الشبهات، مثل الذي أتينا عليه لا يختلف عنها أبداً، وأن هذه الشبهات -سواء ما ذكر منها، وما لم يذكر - جميعها لا تصمد أمام البحث العلمي النزيه، والبعيد عن الغلو والهوى والتعصب والشطط.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على براءة هؤلاء الأطهار مما يثار حولهم من أكاذيب وأباطيل، الهدف منها إسقاطهم والطعن فيهم بما يثلب دينهم.

هذا من جانب؛ ومن جانب آخر فإنه يدل على سوء قصد من ذكر هذه الشبهات، وخبث طويته، وبعده عن أبسط قواعد النقد للروايات، وغربته عن منهج البحث العلمي القائم على العدل والإنصاف، حتى مع من تخالفهم في أصل الدين، فضلاً عن غيرهم من أهل الإسلام.

ولكن سنة الله تعالى في التدافع بين الحق والباطل لا بد أن تبقى، والعداء لأهل الإسلام لا بد أن يستمر، والله يقدر ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

صفحة مطبوعة 53 · ورقة PDF 53رابط الصفحة المنفردة

النعمان بن بشير رضي الله عنهما

أول مولود في الإسلام للأنصار

بعد الهجرة

صفحة 54 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 55 · ورقة PDF 55رابط الصفحة المنفردة

ترجمة النعمان بن بشير رضي الله عنهما

يقول الله تعالى في محكم التنزيل - وهو أصدق القائلين - في شأن الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(95) .

ويقول سيد البشر أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»(96) .

نعم... كيف لا يكون لهم ذلك الشرف، وتلك المنزلة السامية، وهم أهل النصرة والإيثار، والتضحية بالغالي والنفيس للإسلام ورسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم.

ولذلك «يروى عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما- واللفظ لعلي- أنه قال حين ذكر فضل الأنصار، فقال: أحلف بالله لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه على العرب، فكلهم يرده بالإباية عن قبوله، ولا يجد عندهم إجابة إلى قوله، فاستجابوا لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ونصروا الدين وآووا الرسول، ولقد كانوا يتشاحون فينا، ويقترعون علينا، وفدوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنفسهم وأموالهم»(97) .

فهؤلاء هم أنصار الله ورسوله، فكيف لا يكون المحب لهم مؤمناً، والمبغض لهم منافقاً؟!

ولذا فالحديث عن الأنصار له مذاق خاص، فهو الترياق والشهد والعسل المصفى.

ومعنا في هذا المقام أحد هؤلاء السادة، الذين نتقرب إلى الله تعالى بحبهم، والذب عنهم، ونشر محاسنهم وفضائلهم ومآثرهم التي لا تحصى.

إنه....

أول مولود في الإسلام للأنصار بعد هجرة الحبيب صلى الله عليه

صفحة مطبوعة 56 · ورقة PDF 56رابط الصفحة المنفردة

وآله وسلم إلى طيبة الطيبة.

- أبوه صحابي وأمه صحابية وخاله صحابي، فأكرم بهذا النسب.

- نال شرف تحنيك النبي صلى الله عليه وآله وسلم له وهو صغير، فيا سعده.

- أعطاه الله تعالى ملكة الحفظ والفطنة، فكان سريع البديهة كثير الحفظ واسع الإدراك.

- روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جملة كبيرة من الأحاديث، معظمها من أحاديث الأحكام.

- كان كريماً جواداً كثير العطاء.

- تقلد أعلى المناصب وأرفعها، فكان أميراً على الكوفة وحمص.

إنه النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله عنه.

اسمه ونسبه

فهو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري، من بني كعب بن الحارث بن الخزرج.

وأمه: عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة.

وُلد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بثمان سنين، وقيل بست سنين، والأول أصح، لأن الأكثر يقولون إنه ولد هو وعبد الله بن الزبير عام اثنتين من الهجرة في ربيع الآخر، على رأس أربعة عشر شهراً من مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة(98) .

وهو أول مولود للأنصار بعد الهجرة، يكنى أبا عبد الله(99) .

أتت به أمه تحمله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فحنكه وبشرها بأنه يعيش حميداً، ويقتل شهيداً، ويدخل الجنة.

شهد أبوه بشير بن سعد رضي الله عنهبدراً مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم،

صفحة مطبوعة 57 · ورقة PDF 57رابط الصفحة المنفردة

وكان أول من بايع أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الخلافة، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

من خلال ما ذكر يتبين لنا أن النشأة الطيبة للنعمان كان لها تأثيرها الكبير في حياته، فماذا تتوقع أيها القارئ من رجل ولد في بيت مؤمن موحد، الأب فيه والأم صحابة أجلاء؟!.

مكانته

أدرك النعمان رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان صغيراً، لكنه كان يدرك ما يقوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويفهمه، فقد أوتي رضي الله عنه ذكاءً وفهماً وفطنة، كما كان سريع البديهة، كثير الحفظ، واسع الإدراك، فلقد سمع الكثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحدث بها، ونقلها إلينا الثقات العدول، وكان معظم ما روي عنه من أحاديث الأحكام، ومن هذه الأحاديث على سبيل المثال لا الحصر:

- حديث الأمر بالعدل بين الأولاد في العطية(100) .

- حديث الحلال بيِّن والحرام بيِّن(101) ، وهو من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام كما يقول ذلك علماء الإسلام.

ولمكانة النعمان رضي الله عنه فقد وثق الخلفاء فيه، فقلدوه أعلى المراتب وأرفعها، فقد كلفه معاوية رضي الله عنه ولاية الكوفة، ثم كلفه يزيد بن معاوية ولاية حمص.

وبعد موت يزيد دعا النعمان إلى مبايعة عبدالله بن الزبير بالشام، فتمرد عليه أهل حمص، فخرج هارباً.

وهو الذي رد آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، وهو الذي أشار على يزيد بن معاوية بالإحسان إليهم، فَرَقَّ لهم يزيد وأحسن إليهم وأكرمهم(102) .

صفحة مطبوعة 58 · ورقة PDF 58رابط الصفحة المنفردة

صفاته

لقد حبى المولى جل وعلا النعمان بن بشير بالعديد من السجايا الطيبة والخلال الكريمة، والتي إن دلت فإنما تدل على صفاء فطرته ونقاء سريرته.

فكان رضي الله عنه كريماً معطاءً جواداً، رقيق القلب أبي النفس، خطيباً مفوهاً، ناصحاً مشفقاً، محباً للخير والسلامة والعافية، يكره الفتنة والفرقة والخوض فيها.

يروى أن أعشى همدان وفد على النعمان، فقال: ما أقدمك أبا المصبح؟ قال: جئت لتصلني وتحفظ قرابتي، وتقضي ديني،قال: فأطرق النعمان ثم رفع رأسه، ثم قال: والله ما شيء، ثم قال: هه، كأنه ذكر شيئاً، فقام فصعد المنبر، فقال: يا أهل حمص، وهم يومئذ في الديوان عشرون ألفاً، هذا ابن عم لكم من أهل القرآن والشرف، قدم عليكم يستردفكم، فما ترون فيه؟ قالوا: أصلح الله الأمير، احتكم له، فأبى عليهم، قالوا: فإنا قد حكمنا له على أنفسنا من كل رجل في العطاء بدينارين، فجعلها له من بيت المال، فعجل له أربعين ألف دينار، فقبضها ثم أنشأ يقول:

فلم أر للحاجات عند انكماشهاكنعمان أعني ذا الندا ابن بشير
إذا قال أوفى بالمقال ولم يكنكمدل إلى الأقوام حبل غرور
متى أكفر النعمان لاأك شاكراًوما خير من لا يقتدي بشكور(103) ( 103 )

وكان رضي الله عنه من أخطب الناس، عن سماك بن حرب أن معاوية استعمل النعمان ابن بشير على الكوفة، فكان والله من أخطب من سمعت من أهل الدنيا يتكلم(104) .

ومن كلماته في الوعظ والإرشاد قوله: إن الهلكة كل الهلكة أن يعمل بالسيئات في أزمان البلاء(105) .

وكان يقول: إن للشيطان مصالي وفخوخاً، وإن من مصالي الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله، والفخر بإعطاء الله، والكبر على عباد الله، واتباع الهوى في غير ذات الله(106) .

صفحة مطبوعة 59 · ورقة PDF 59رابط الصفحة المنفردة

وفاته

تقدم معنا أن النعمان بن بشير رضي الله عنه كان والياً لمعاوية على الكوفة، ثم ليزيد ابن معاوية على حمص، وبعد موت يزيد دعا النعمان إلى بيعة عبدالله بن الزبير، فلما انتهى أمر الخلافة إلى مروان بن الحكم خرج النعمان من حمص هارباً، فتبعه أنصار مروان فقتلوه.

وقيل: إن الذي قتله خالد بن خلي الكلاعي المازني، بقرية يقال لها بيرين، وقيل سلمية، وذلك سنة أربع وستين، وقيل: سنة خمس وستين للهجرة.

وقد رثته ابنته حميدة قائلة:

يا ليت مزنة وابنهاكانوا لقتلك وافية
وبني أمية كلهملم يبق منهم باقية
جاء البريد بقتلهبالكلاب العاوية
يستفتحون برأسهدارت عليهم نابية
فلأبكين مرةولأبكين علانية
ولأبكينك ما حييتمع السباع العاوية(107) ( 107 )

وقد روى عنه خلق كثير منهم حميد بن عبد الرحمن بن عوف وابنه محمد وغيرهم(108) .

الشبهات المثارة حوله رضي الله عنه

صفحة مطبوعة 60 · ورقة PDF 60رابط الصفحة المنفردة

مدخل

لعل الناظر في الشبهات المثارة حول الصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنه يجد أنها تدور كلها في فلك واحد هو فلك العداء لعلي بن أبي طالب، ومن بعده آل بيته، وما نتج عن هذا العداء من انضمام النعمان إلى حزب معاوية، وتقلده المناصب العليا له ولابنه يزيد، وقيامه بقتال أتباع علي بن أبي طالب والإغارة عليهم، وما سوى ذلك.

وهذه القضية أصبحت من المسلَّمات والحقائق التي لا تقبل النقاش والطرح عند البعض، وهو أن الصحابة رضوان الله عليهم بأجمعهم كانوا أعداءً لآل البيت يسعون في عنتهم ومشقتهم، ولا يألون جهداً في الإضرار بهم والنيل منهم.

وهذا والله من أعظم الكذب والافتراء على خير القرون وصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكل عاقل يدرك إدراكاً واضحاً لا شبهة فيه أن من أحب شخصاً محبة صادقة خالصة، فإنه يحب ما يحبه هذا الشخص ويتقرب إليه بذلك؛ لأن فيه رضاه وسعادته.

فكيف يستقيم عقلاً أن يكون أصحاب النبي صل الله عليه وسلم أعظم الناس حباً له، وتفانياً بين يديه، وفي المقابل أشد الناس عداءً لآله وأحبابه وذريته؟!!

هذا والله جمع بين النقيضين لا يقبل عقلاً ولا نقلاً.

لا أريد الإطالة في هذا الحديث حتى لا أخرج عن موضوعي الأساسي، وهو الشبهات المثارة حول النعمان بن بشير رضي الله عنهما.

وكلي أمل أن يمنحني القارئ الكريم قدراً يسيراً من صبره ووقته؛ لأكمل معه الرد على كل شبهة سيقت للطعن بهذا الصحابي العظيم، وليرى مدى التقول والتحريف والكذب والدس الذي ألصق بهذا الصحابي وبغيره من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فأقول مستعيناً بالذي لا يخذل من احتمى بحماه:-

صفحة مطبوعة 61 · ورقة PDF 61رابط الصفحة المنفردة

الشبهة الأولى: القول بأن: النعمان يثير الفتنة ضد علي رضي الله عنه

وذلك أن النعمان بن بشير رضي الله عنهماهو الذي حمل قميص عثمان رضي الله عنه من المدينة إلى الشام، فرفعه معاوية رضي الله عنه على منبرها يهيج به أهل الشام(109) .

فكتب التاريخ تذكر أن أم حبيبة رضي الله عنها بعثت بقميص عثمان مخضباً بدمائه إلى أخيها معاوية مع النعمان بن البشير(110) .

والمقصود من ذلك أن النعمان رضي الله عنه قد شارك في إثارة الفتنة ضد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

والجواب:

1- مما لا شك فيه أن الأمانة العلمية تقتضي عند الحديث في موضوع معين، ألا تأتي إلى نص منه وتقطعه عن السياق، وتخرجه بصورة مبتورة للقارئ؛ لأن ذلك يؤدي إلى قلب الموازين، وعدم الدقة في الحكم على الواقعة.

ومن هذا القبيل النص الذي بين أيدينا، فإن القارئ له بمعزل عن الأحداث التي جرت أيام مقتل عثمان رضي الله عنه، لا شك أنه سيخرج بنتيجة يتفق عليها جميع العقلاء، وهي أن النعمان رضي الله عنه كان ممن شارك في إثارة الفتنة ضد علي رضي الله عنه.

ولكن عندما تقرأ الأحداث كاملة- وبتجرد وإنصاف ودون تعصب-، تجد أن الأمر يختلف تماماً عما سبق.

فإن القارئ لأحداث مقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه في كافة المراجع، يجد شيئاً تقشعر منه الجلود، وتدمع لأجله العيون، وتذهل له العقول، فالمسألة ليست بسيطة وسهلة وهي كون أمير المؤمنين قُتِل وانتهى الأمر، بل إن القضية قضية أهواء ومصالح، واستبداد بالرأي من قبل القتلة

صفحة مطبوعة 62 · ورقة PDF 62رابط الصفحة المنفردة

وإثارة فتنة وغير ذلك.

فالذي حدث لعثمان رضي الله عنه شيء عظيم جداً، شق على الصحابة جميعاً صغيراً وكبيرا،ً وتألموا له كثيراً خاصة أنه وقع من أوباش الناس وأراذلهم، والذين لم يعرف عنهم التقوى والورع، ومع ذلك يقدمون بكل جرأة وإجرام ووقاحة على ذلك الفعل الشنيع، من قتلهم لأحد المبشرين بالجنة، وصهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ابنتيه.

ثم إن الذي زاد الأمر شدة على الصحابة رضوان الله عليهم، هو نهي عثمان رضي الله عنه لهم عن الدفاع عنه، وعزمه عليهم عدم القتال دونه، كما جاء ذلك مصرحاً به في روايات كثيرة(111) .

بل كان النعمان رضي الله عنه أحد الذين جاءوا إلى عثمان يطلبون الإذن لهم والسماح في الدفاع عنه، لكنه رضي الله عنه كان يرفض ذلك(112) ، والسبب أنه كان لا يريد إراقة دم مسلم بسببه.

فأقول: إن من يقرأ الأحداث بهذه الطريقة، ثم يقرأ النص السابق، فإنه لا يستغرب ما قام به النعمان بن بشير رضي الله عنه؛ لأنه أحد الذين طالبوا بدم عثمان الشهيد، وأرادوا القصاص من قتلته، بل إن ذلك كان إجماع الصحابة، وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه(113) .

لكن الخلاف بين الصحابة كان في توقيت الأخذ بثأر عثمان رضي الله عنه، وأما مسألة القصاص من قتلته، فهذا أمر مفروغ منه لدى الصحابة جميعاً.

ولذا فقد تباينت وجهات نظر الصحابة تجاه هذا الموضوع الخطير، كما هو الحال في رأي طلحة والزبير، وأم المؤمنين عائشة ومعاوية، وغيرهم من الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم، مقابل رأي علي رضي الله عنه، فكانت لكلٍ منهم وجهة نظر في ذلك، والله يغفر للجميع.

فما كان من النعمان بن بشير رضي الله عنه، إلا أنه أراد أن يكون له سهم في الأخذ بهذا الثأر، فقام

صفحة مطبوعة 63 · ورقة PDF 63رابط الصفحة المنفردة

بما قام به.

2- هذا النص ذكره الطبري في تاريخه، فقال: فيما كتب إلي السري يذكر أن شعيباً حدثه عن سيف عن محمد وطلحة... به.

وإليك أخي القاريء نبذة عن رجال هذا السند:-

أ- شعيب: هو ابن إبراهيم الكوفي.

قال ابن حجر: راوية كتب سيف عنه، فيه جهالة(114) .

وقال ابن عدي: وشعيب بن إبراهيم هذا له أحاديث وأخبار، وهو ليس بذلك المعروف، ومقدار ما يرويه من الحديث والأخبار ليست بالكثيرة، وفيه بعض النكرة، لأن في أخباره وأحاديثه ما فيه تحامل على السلف(115) .

ب- سيف: هو ابن عمر الضبي.

قال عنه أبو حاتم: متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي(116) .

وقال ابن معين: ضعيف.

وقال ابن عدي: ولسيف بن عمر أحاديث غير ما ذكرت، وبعض أحاديثه مشهورة، وعامتها منكرة لم يتابع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق(117) .

وقال النسائي والدارقطني: ضعيف.

وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات.

وقال الدارقطني: متروك.

وقال الحاكم: اتهم بالزندقة(118) .

وقال الذهبي: كان إخبارياً عارفاً(119) .

ج- طلحة: هو ابن الأعلم الحنفي أبو هيثم، كوفي روى عن الشعبي.

قال أبو حاتم: شيخ(120) .

صفحة مطبوعة 64 · ورقة PDF 64رابط الصفحة المنفردة

وذكره البخاري في التاريخ الكبير ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً(121) .

د- محمد: هو ابن عبد الله بن سواد بن نويرة.

لم أجد له ترجمة.

فهذه حال رجال هذا السند، وواضح مما سلف أنه لا يعول على روايتهم.

فإن قيل: إن سيف بن عمر عمدة في التاريخ، كما قال الذهبي وابن حجر، لكنه متروك في الحديث.

فالجواب:-

أن سيفاً يروي عن المجاهيل، ويروي عنه المجاهيل أيضاً، وهذا مطعن واضح في رواياته، وإن كانت تاريخية.

ثم لابد من العلم أن تاريخ الصحابة وما وقع بينهم من فتنة، لا يمكن أخذه من مثل تلك الروايات بهذه الأسانيد الواهيات، بل لابد أن تكون الأسانيد غاية في الصحة. هذا أولاً.

وأما ثانياً: فإن من يذكر هذه الروايات، ليستدل بها على محبي الآل والأصحاب ويلزمهم بها، نجده في المقابل يتبرأ من روايات تاريخية أخرى، من طريق الرواة أنفسهم، إذا كانت هذه الروايات تخالف مذهبه وما يعتقده!!

فعلى سبيل المثال:

ذكر الأميني في كتابه (الغدير)، رواية امتناع عثمان رضي الله عنه، من قتل عبيد الله ابن عمر بن الخطاب لقتله الهرمزان، كما جاء ذلك في تاريخ الطبري(122) .

ثم علق الأميني فقال: وفي الإسناد شعيب بن إبراهيم الكوفي المجهول، قال ابن عدي: ليس بالمعروف، وقال الذهبي: راوية كتب سيف عنه، فيه جهالة.

وفيه سيف بن عمر التميمي، راوي الموضوعات المتروك الساقط... الخ(123) .

وانظرأيضاً إلى كلام الريشهري في موسوعة الإمام علي، عند حديثه عن شخصية عبد الله بن سبأ اليهودي(124) ، وأيضاً كلام جعفر السبحاني في كتابه «الأضواء»(125) .

صفحة مطبوعة 65 · ورقة PDF 65رابط الصفحة المنفردة

وبالنظر ستجد أخي القاريء أن الرواة المطعون فيهم، هم نفس الرواة الذين تحدثت عنهم قبل قليل في رواية النعمان بن بشير رضي الله عنه.

فالخلاصة: هل من المنطق العقلي والميزان العلمي، أن الرواية إن كانت موافقة لهوى البعض ومعتقده توضع في أعلى درجات الصحة والقبول، وإن كانت مخالفة للهوى والمعتقد ترد ويرمى بها عرض الحائط، مع أن كلا الروايتين من طريق واحد!!

ألا يعد هذا الأمر مجانبة لأَيْسَرِ قواعد العلم، ومن الكيل بمكيالين، ومن التحكم بدون دليل ولا شبهة دليل.

3- أن نور الدين التستري ذكر في كتابه إحقاق الحق(126) أن الذي حمل القميص وذهب به إلى معاوية في الشام هو مروان بن الحكم ونائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان رضي الله عنه، وهذا يناقض ما تقدم قبل قليل، فمن الذي نقل القميص تحديداً؟!

فهذا إن دل على شيء فإنه يدل على تناقض الرواية وعدم ثبوتها.

صفحة مطبوعة 66 · ورقة PDF 66رابط الصفحة المنفردة

الشبهة الثانية: القول بأن: النعمان يبغض علياً رضي الله عنهما

تقول الشبهة: إن النعمان بن بشير رضي الله عنه كان مبغضاً لعلي رضي الله عنه، منحرفاً عنه عدواً له.

قال المجلسي: «وكان النعمان بن بشير الأنصاري من المنحرفين عنه، وكان من أمراء يزيد»(127) .

وقال الأميني: «النعمان بن بشير الخارج على إمام زمانه، ومحاربه تحت راية الفئة الباغية»(128) .

وقال ابن أبي الحديد: «وكان النعمان بن بشير منحرفاً عنه- أي عن علي رضي الله عنه- وعدواً له، وخاض الدماء مع معاوية خوضاً، وكان من أمراء يزيد ابنه، حتى قتل وهو على حاله»(129) . وغير ذلك من النقول.

والجواب:-

1- لا شك أن ما وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من الفتنة والقتال شيء يؤسف له، ويود المرء أن لم يكن قد حدث شيء من ذلك، ولكن هذا قدر الله تعالى، ومع ذلك نقول: إن عقيدة المسلمين فيما وقع بين الصحابة من الفتنة، هو الكف عما شجر بينهم، مع اعتقاد فضلهم جميعاً، وسابقتهم وورعهم وتقواهم، وإن كان بعضهم أفضل من بعض، ثم تسليم أمرهم إلى الله تعالى، هذا أولاً.

2- أن وقوع القتال بين الصحابة لا يدل بحال من الأحوال على بغضهم لبعضهم البعض، ولا على عداوة وخبث طوية، يدل على ذلك:-

أ- ما رواه ابن أبي شيبة ومن طريقه البيهقي عن أبي البختري، قال: سئل علي عن أهل الجمل، قال: قيل أمشركون هم؟ قال: من الشرك فرُّوا. قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن

صفحة مطبوعة 67 · ورقة PDF 67رابط الصفحة المنفردة

المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا(130)

وهذا الأثر وإن كان في إسناده ضعف، إلا أن معناه كالمقطوع به؛ لما لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه من مواقف أخرى شبيهة بهذا الموقف، منها:-

- ما رواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة بسنده عن الباقر، قال: سمع علي يوم الجمل أو يوم صفين رجلاً يغلو في القول، فقال: لا تقولوا، إنما هم قوم زعموا أنا بغينا عليهم وزعمنا أنهم بغوا علينا فقاتلناهم.

فذكر لأبي جعفر أنه أخذ منهم السلاح، فقال: ما كان أغناه عن ذلك(131) .

- وبسنده عن مكحول: أن أصحاب علي رضي الله عنه سألوه عمن قتل من أصحاب معاوية رضي الله عنه ما هم؟ قال: هم المؤمنون(132) .وغير ذلك من الآثار.

- وقد كان منه رضي الله عنه مثل هذا الجواب في حق الخوارج أهل النهر(133) ، ولا شك أن أهل الجمل أفضل وأحب إلى علي رضي الله عنه من أهل النهر، فالشاهد من الأثر أن علياً رغم قتاله لأهل الجمل، إلا أنه كان يعتقد أنهم إخوانه، ومعلوم أن المحبة من لوازم الأخوة.

ب- لما انتهت معركة الجمل صار علي رضي الله عنه يمر بين القتلى، فوجد طلحة بن عبيد الله، فقال بعد أن أجلسه ومسح التراب عن وجهه: «عزيز علَّي أبا محمد بأن أراك مجندلاً في الأودية وتحت نجوم السماء» ثم قال: «إلى الله أشكو عجري وبجري»(134) . وترحم علي رضي الله عنه على طلحة وقال: «ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة»(135) .

وغير ذلك من النقول التي تدل على أنه مع وقوع القتال بين الصحابة، إلا أن الأخوة كانت قائمة بينهم، وكل منهم يعرف لأخيه حقه، فليس القتال

صفحة مطبوعة 68 · ورقة PDF 68رابط الصفحة المنفردة

دالاً على البغض والعداوة.

ويقال بالمثل في الطرف الآخر المقابل لعلي رضي الله عنه: ليس كل من قاتل علياً في حرب من الحروب، فهو مبغض له وعدو له، فهذا لا يشترط، فالذي وقع بين الصحابة فتنة، كان كل طرف فيها يظن أنه على الحق فيما يذهب إليه.

ولذلك فوجود النعمان بن بشير رضي الله عنه في الصفوف المقابلة والمواجهة لعلي رضي الله عنه ومعسكره، لا يدل بحال من الأحوال على عداوته وبغضه له، بل لقد ورد عن النعمان ما يخالف ذلك:

حيث ورد أن النعمان بن بشير رضي الله عنه استرجع لما قُتل عمار بن ياسر، وقال: والله إنا كنا نعبد اللات والعزى، وعمار يعبد الله، ولقد عذبه المشركون بالرمضاء وغيرها من ألوان العذاب، فكان يوحد الله ويصبر على ذلك، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «صبراً آل ياسر موعدكم الجنة» وقال له: «إن عماراً يدعو الناس إلى الجنة، ويدعونه إلى النار»(136) .

فهذا النعمان الذي يقاتل جيش علي رضي الله عنهم، يعترف ويقر بالفضل لعمار بن ياسر، الذي يقاتل مع علي، فلم يكن القتال مانعاً للنعمان من القول بالحق، والاعتراف بالفضل لمن يقاتله، فهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على ما سبق وقلناه: إن القتال لا يعني العداوة والبغضاء، وإذا كان هذا الكلام من النعمان في حق عمار، فهو في حق علي من باب أولى.

3- روى النعمان بن بشير قال: «استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسمع صوت عائشة عالياً، وهي تقول: لقد علمتُ أن علياً أحب إليك من أبي ومني مرتين أو ثلاثاً-، قال: فاستأذن أبو بكر

صفحة مطبوعة 69 · ورقة PDF 69رابط الصفحة المنفردة

فأهوى إليها، فقال: يا بنت فلانة؛ لا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»(137)

الشاهد من الحديث: أن النعمان كان يروي أحاديث فضائل علي رضي الله عنه، ولو كان - كما يزعم البعض - مبغضاً له لأخفى هذه الأحاديث ولم يروها، فلما رواها وأذاعها دل ذلك على انتفاء البغض والعداوة، إذ لا يعقل أن المبغِض ينشر فضائل مبغضه، بل ينشر مساويه، كما قال القائل:

وعين الرضا عن كل عيب كليلةولكن عين السخط تبدي المساويا

قال الحافظ ابن حجر: وقد كان النعمان مع معاوية على علي، ولم يمنعه ذلك من التحديث بمنقبة علي(138) .

4- أنه وردت روايات كثيرة عن النعمان بن بشير رضي الله عنه تدل على أنه كان معظماً لآل البيت، محباً لهم يسعى في خدمتهم، ومن كانت هذه حاله فلا يمكن أن يكون مبغضاً لأعظم آل البيت في ذلك الوقت وعدواً له وهو أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، إذ لو كان كذلك لكان مبغضاً وعدواً لبنيه، لأنهم على نهج أبيهم، فلما كان النعمان محباً لآل علي معظماً لهم، دل ذلك على أنه لا يبغض والدهم.

وهذه الروايات سأسوق طرفاً منها في الشبهة الثالثة بإذن الله تعالى.

تتمة:-

يدخل في هذه الشبهة ما ذكره التستري في قاموسه، من شعر منسوب للنعمان يقول فيه:

لقد طلب الخلافة من بعيدوسارع في الضلال أبو تراب
معاوية الإمام وأنت منهاعلى وتح بمنقطع السراب((139) 139 )

والجواب:-

أن هذا من الشعر المكذوب على النعمان رضي الله عنه، فقد ذكره ابن أبي الحديد(140) والجاحظ(141) بدون سند ولا عزو، مما يدل على أنه من التلفيق والدس، لتشويه صورة الصحابة في نظرتهم لآل البيت، وبالتحديد لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.

صفحة مطبوعة 70 · ورقة PDF 70رابط الصفحة المنفردة

الشبهة الثالثة: القول بأن: النعمان ينفذ سياسات الظلم الموكلة إليه

كان النعمان بن بشير أحد أمراء يزيد ومن قبله معاوية، محارباً علي بن أبي طالب، فقد تولى إمارة الكوفة زمن معاوية إلى وفاته، وطرفاً من ولاية يزيد، ثم نقله إلى حمص، وتولى أيضاً قضاء دمشق.. إلى غير ذلك(142) .

وهذا يدل على أن النعمان بن بشير كان راضياً عن سياسة هؤلاء الأمراء مقراً لهم على أفعالهم.

والجواب على ذلك:-

أن يقال: إن كون النعمان بن بشير قد تقلد بعض المناصب لمعاوية رضي الله عنه ولابنه يزيد، فهذا لا يدل أبداً على أنه كان يوافق على كل شيء يصدر إليه، بل إنه كان يتعامل مع الأوامر التي تصدر إليه من منطلق ما يمليه عليه دينه وخوفه من الله تعالى؛ ولذلك نجد أنه قد نُسب إلى الضعف وسوء الرأي، وعزل عن بعض المناصب، كل ذلك لأنه كان يفعل ما يعتقده الحق وما يدين الله تعالى به.

ولعل من أعظم المواقف التي توضح هذا المنهج للنعمان بن بشير رضي الله عنه، موقفه من مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه، وموقفه من الحسين رضي الله عنه وأهله.

وسأعرض كل موقف على حدة مع التعليق عليه بما يناسبه:-

الموقف الأول:

صفحة مطبوعة 71 · ورقة PDF 71رابط الصفحة المنفردة

موقف النعمان بن بشير من مسلم بن عقيل رضي الله عنهما

جاء في كتب التاريخ أنه لما مات معاوية رضي الله عنه وخلفه ابنه يزيد، أراد يزيد أخذ البيعة من أربعة نفر هم: الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، فما كان من ابن الزبير والحسين إلا أن تركا المدينة وخرجا إلى مكة، وجلسا هناك ولم يبايعا يزيد، وخلال تلك الفترة بدأت رسل أهل الكوفة - وما أدراك ما أهل الكوفة؟! - وكتبهم تأتي إلى الحسين رضي الله عنه، أن اقدم علينا فقد بايعناك، حتى يقال إنه ورد عليه في يوم واحد ستمائة كتاب(143) ، فما كان من الحسين رضي الله عنه إلا أن وَجَّه ابن عمه وخاصته مسلم بن عقيل ليستطلع له الأخبار، فإن كان الأمر على ما ذكر في هذه الكتب قدم إليهم، فخرج مسلم بن عقيل ووصل إلى الكوفة، وبدأ أهلها يجتمعون إليه ويبايعونه، وكان النعمان بن بشير أميراً على الكوفة في ذلك الوقت من قبل معاوية فأقره يزيد، فما كان من النعمان رضي الله عنه- وهذا الشاهد من القصة- إلا أن غض الطرف عما يحدث مع علمه بذلك، ثم لما بدأت الأخبار تزداد قام النعمان ابن بشير خطيباً في أهل الكوفة موضحاً لهم خطر الفتنة، وما ينتج عنها من عواقب سيئة وما إلى ذلك، فكان مما قال رضي الله عنه: «أما بعد؛ فاتقوا الله عباد الله ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيها تهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الأموال، إني لا أقاتل من لا يقاتلني، ولا آتي على من لا يأتي علي، ولا أنبه نائمكم، ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف(144) ولا بالظنة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل»(145) .

فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي، فقال: إنه لا يُصلح ما ترى إلا الغشم، إن هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك

صفحة مطبوعة 72 · ورقة PDF 72رابط الصفحة المنفردة

رأي المستضعفين.

فقال النعمان رضي الله عنه: «أن أكون من المستضعفين في طاعة الله، أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله» ثم نزل.

فكتب عبد الله الحضرمي وعمر بن سعد بن أبي وقاص وعمارة بن عقبة إلى يزيد: أن مسلم بن عقيل قد قدم إلى الكوفة، فأخذ البيعة للحسين بن علي، فإن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً ينفذ أمرك(146) ، ويعمل مثل عملك في عدوك، فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف(147) .

فلما وصلت الكتب إلى يزيد استشار سرجون مولى معاوية، بأن حسيناً قد توجه نحو الكوفة، ومسلم بن عقيل في الكوفة يبايع له، وبلغني عن النعمان ضعف وقول سيء، فأشار عليه سرجون بخلع النعمان عن الكوفة، وتولية عبيد الله بن زياد عليها(148) .

ويستفاد من هذا السياق فوائد:-

1- أن النعمان بن بشير رضي الله عنه لم يكن جاهلاً بما يدور حوله، ولكنه غض الطرف في البداية عما يحدث؛ لأنه يخص ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ممن يحبه ويعظمه، ولعله يرجع عن ذلك، لعلمه بأهل الكوفة ومكرهم وتلون ولائهم.

2- حكمة النعمان بن بشير رضي الله عنه في التعامل مع الحدث، فقد ذكَّرهم ووعظهم أولاً، وبيَّن لهم أثر الفتنة وما يعقبها من مفاسد ثانياً، ثم هدد وتوعد من يريد المخالفة ويصر عليها أخيراً.

3- لو كان النعمان بن بشير رضي الله عنه ممن يطلب الملك ويحرص عليه ولو أضاع دينه لأجل ذلك، لكان أول المبادرين بالكتابة إلى يزيد في شأن مسلم بن عقيل، بل لكان له موقف آخر حيث السلطة بيده، ويستطيع أن يقضي على هذه المجموعة بكل

صفحة مطبوعة 73 · ورقة PDF 73رابط الصفحة المنفردة

بساطة، لكنه لم يفعل لأنه ممن تربى في مدرسة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتعلَّم أن لا يحرص على الدنيا مهما كانت، بل هان عليه منصبه على أن لا يصطدم بأهل البيت، وكل هذا بدافع المحبة والتعظيم لهم.

4- جواب النعمان رضي الله عنه لعبد الله الحضرمي يدل دلالة قاطعة على أن طاعة الله تعالى مقدمة عنده على كل شيء، حتى لو أدى ذلك به إلى أن يكون من المستضعفين الأذلين في نظر الآخرين.

5- لم يكن النعمان بن بشير رضي الله عنه ضعيفاً، ولكنه كان يؤثر السلامة وكان حليماً ناسكاً، يحب العافية ويكره الفرقة والفتن.

6- كان هذا الموقف الحازم من النعمان بن بشير سبباً في عزله عن الكوفة، وتولية عبيد الله بن زياد عليها بدلاً منه، فلو كان ممن يبيع دينه لأجل المناصب، لرضي وأطاع للأوامر التي تصدر إليه، ونفذها حفاظاً على ملكه ومنصبه، لكن ذلك لم يكن من خلقه وشيمه رضي الله عنه(149) .

الموقف الثاني

موقف النعمان بن بشير رضي الله عنه من الحسين بن علي وأهله رضي الله عنهم أجمعين:

كان للنعمان بن بشير رضي الله عنه مواقف مع أهل البيت تدل على حبه لهم، وتعظيمه ومعرفته لحقهم، مما لا يدع مجالاً للشك في بطلان القاعدة التي تقول بلسان الحال: «حُبُّك لمعاوية وآله بغض لآل البيت، وصلحك معه حرب عليهم». وهذا والله من عظيم الكذب على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

وسأقسم الحديث هنا إلى قسمين: قسم

صفحة مطبوعة 74 · ورقة PDF 74رابط الصفحة المنفردة

عن الحسين رضي الله عنه، وقسم عن أهله:-

1- موقف النعمان من الحسين بن علي رضي الله عنهما:

لقد أحب النعمان حسيناً شأنه في ذلك شأن كل المسلمين، وتمنى من قلبه لو يفديه بنفسه وولده وماله، إلا أن حب النعمان للحسين كان حباً من نوع خاص، حيث إنه أوقعه في صعوبات جمة، وجعله يكابد العناء والعنت، وفيما يلي عرض شذرات من دلائل هذا الحب:-

جاء في كتب التاريخ أن عبيد الله بن زياد لما قدم الكوفة لمحاسبة مسلم بن عقيل في أخذه البيعة للحسين رضي الله عنه، وسار حتى وافى القصر في الليل، ومعه جماعة قد التفوا به يظنون أنه الحسين بن علي- لأن عبيد الله كان متلثماً-، فدخل النعمان بن بشير داره وأغلق عليه وعلى خاصته، ولما وصل عبيد الله بن زياد وطرق عليه الباب، فاطلع إليه النعمان وهو يظنه الحسين - وهنا الشاهد- فقال النعمان: «أنشدك الله إلا تنحيت، والله ما أنا مسلم إليك أمانتي، ومالي في قتالك من أرب».. فما كان من عبيد الله إلا أن قال له: افتح لا فتحت فقد طال ليلك...، ففتح له...(150) .

ويستفاد من ذلك:-

1- أن النعمان كان يعلم بقدوم الحسين بن علي رضي الله عنهما، ولذلك دخل بيته وأغلق عليه وعلى خاصته بابه، لئلا يكون طرفاً في هذه الفتنة.

2- أن النعمان بن بشير رضي الله عنه كان شديد الحرص على عدم مواجهة الحسين ابن علي رضي الله عنه، وما قد ينجم عن ذلك، ولذلك، أفصح عما يعتقده بقوله لعبيدالله، ظناً منه أنه الحسين: «والله مالي في قتالك من أرب»، فلو كان حريصاً على المُلك والتزلف إلى الحكام والحظوة عندهم، لكان هو المباشر لذلك بنفسه!!

3- لولا تلك المحبة والمكانة العظيمة في قلب النعمان للحسين وآل البيت، لكان هو المتولي لقتاله بنفسه، دفاعاً عن ملكه أولاً، ووءداً للفتنة ثانياً، ولكن الله تعالى عصمه من هذا الإثم والمنكر العظيم.

ب- روى الطبراني بسنده عن محمد بن علي بن الحسين قال: خرج الحسين وهو يريد أرضه التي بظاهر الحرة ونحن نمشي، إذ أدركنا النعمان بن بشير على

صفحة مطبوعة 75 · ورقة PDF 75رابط الصفحة المنفردة

بغلة، فنزل فقربها إلى الحسين، فقال: اركب يا أبا عبد الله، فكره ذلك، فلم يزل ذلك من إقسام النعمان عليه، حتى أطاع له الحسين بالركوب، قال: «أما إذ أقسمت فقد كلفتني ما أكره، فاركب على صدر دابتك فسأردفك، فإني سمعت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرجل أحق بصدر دابته، وصدر فراشه والصلاة في منزله، إلا إماماً يجمع الناس عليه» فقال النعمان: صدقت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، سمعت أبي بشيراً يقول كما قالت فاطمة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «إلا من أذن»، فركب حسين على السرج وردفه الأنصاري(151)

فهل من هذا حاله مع آل البيت يصح أن يكون عدواً لهم، ويسعى للنيل منهم؟!

أظن الإجابة على هذا التساؤل وبخاصة بعد قراءة الرواية سالفة الذكر لن يحتاج إلى عناء فكر وجهد عقل، ومع ذلك سأترك للقارئ الكريم الإجابة على هذا السؤال.

2- موقف النعمان بن بشير من آل الحسين رضي الله عنهم أجمعين:-

لقد كانت مواقف النعمان مع آل الحسين لا تقل شأناً عن مواقفه مع الحسين نفسه حباً وتعظيماً، ومعرفة لقدرهم ورفعاً لمنزلتهم، وللتدليل على هذا الكلام، أسوق لك أخي القارئ بعض الأمثلة التي تثبت هذا الأمر:-

أ- جاء في المصادر التاريخية أن يزيد ندب النعمان بن بشير، وقال له: تجهز لتخرج بهؤلاء النسوة - أي أهل الحسين - إلى المدينة...، وأنفذ معهم في جملة من أنفذ النعمان ابن بشير رسولاً وتقدم إليه - أي تقدم يزيد للرسول- أن يسير في الليل ويكون أمامهم حيث لا يفوتون طرفة عين، فإذا نزلوا نحى عنهم، وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، ونزل معهم حيث إن أراد الإنسان من جماعتهم وضوءاً أو قضاء حاجة لم يحتشم، ولم يزل في الطريق كما وصاه يزيد، ويرفق بهم حتى دخلوا المدينة(152) .

صفحة مطبوعة 76 · ورقة PDF 76رابط الصفحة المنفردة

وجاء في بعض الروايات أن فاطمة بنت علي قالت لأختها زينب: قد وجب علينا حق لهذا؛ لحسن صحبته لنا، فهل لك أن نصله؟ فقالت: والله ما لنا ما نصله به، إلا أن نعطيه حُلِيّنا!! فأخذت سواري ودملجي(153) ، أو سوار أختي ودملجها، فبعثنا بها إليه واعتذرنا من قلتها، وقلنا: هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيانا.

فقال: لو كان الذي صنعته للدنيا، كان في دون هذا رضاي، ولكن والله ما فعلته إلا لله، وقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(154) .

فواضح من هذا النقل مدى تعظيم النعمان بن بشير رضي الله عنه لآل الحسين رضي الله عنهم، حيث ورد في بعض المصادر أن الرسول الذي اختاره لصحبتهم صفته أنه أمين صالح(155) ، فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى خوف النعمان عليهم وحبه العظيم لهم. فهل بعد ذلك يقال: إن النعمان كان ممن يبغض آل الحسين، ويسعى في أذيتهم ومشقتهم والإضرار بهم؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.

ب- موقف النعمان بن بشير من أهل الحرة:-

حيث كانت وقعة الحرة سنة ثلاث وستين للهجرة، وسببها أن أهل المدينة خلعوا بيعة يزيد بن معاوية، لما بلغهم ما يتعمده من الفساد، فأمَّر الأنصار عليهم عبد الله بن حنظلة - وهو أخو النعمان بن بشير لأمه -، وأمّر المهاجرون عليهم عبد الله بن مطيع العدوي، فأرسل إليهم يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش كثير، فهزمهم واستباحوا المدينة وقتلوا ابن حنظلة، وقتل من الأنصار شيء كثير(156) .

وقد كان للنعمان دور مهم في محاولة منع وقوع هذه المجزرة البشعة، لكنه لم يستطع، فقد روى ابن عساكر أن النعمان بن بشير قال ليزيد: يا أمير المؤمنين، وجهني أكفيك - أي إلى أهل المدينة -، فرفض يزيد لما يعلم من سهولة النعمان، وحرصه على عدم إراقة دماء المسلمين-، فقال النعمان: أنشدك الله يا أمير المؤمنين في عشيرتك، وأنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(157) .

وقد كان آل الحسين ممن

صفحة مطبوعة 77 · ورقة PDF 77رابط الصفحة المنفردة

يسكن المدينة المنورة، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.

فالشاهد من القصة؛ مدى حرص النعمان على عدم وقوع القتال، وعصمة الدماء ومناشدته الله ليزيد أن يتلطف بأهل المدينة، بمن فيهم آل البيت رضوان الله عليهم أجمعين.

وقد كان يحزن النعمان أن تراق قطرة من دمائهم، أو دماء الأصحاب بصفة عامة، وهذا ما دفعه لأن يتحدث مع يزيد ويطلب منه أن يبعثه إلى المدينة المنورة، ليعالج أمرها، وفي هذا خير دليل على المحبة المتبادلة بين الآل والأصحاب، وأنهم جميعاً تحت راية واحدة.

فهل بعد ذلك يقال: إن النعمان ممن يبغض آل البيت ويعاديهم؟!!

نخلص من هذه النصوص جميعاً: إلى أن النعمان بن بشير رضي الله عنه كان حريصاً جداً على آل البيت، ولم يكن ينفذ سياسات الأمراء عليه إذا كانت تخالف ما يعتقده، ويدين الله تعالى به، وقد تعرض جراء ذلك للطعن به وتم عزله عن منصبه الدنيوي، لكنه لم يعبأ بذلك طالما أنه يقدم طاعة الله تعالى على طاعة المخلوق، فرضي الله عنه وأرضاه.

صفحة مطبوعة 78 · ورقة PDF 78رابط الصفحة المنفردة

الشبهة الرابعة: القول بأن: النعمان بن بشير خالف قومه الأنصار وانضم إلى معاوية وترك علياً رضي الله عنهم جميعاً

جاء في كتاب وقعة صفين: (ولم يكن مع معاوية من الأنصار غيرهما- النعمان ومسلمة ابن مخلد-، ثم إن معاوية سأل النعمان أن يخرج إلى قيس فيعاتبه ويسأله السلم، فخرج النعمان حتى وقف بين الصَفَّين، فقال: يا قيس- هو ابن سعد بن عبادة- أنا النعمان بن بشير. فقال قيس: هيه يا ابن بشير، فما حاجتك؟ فقال النعمان: يا قيس؛ إنه قد أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه، ألستم معشر الأنصار تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وأقحمتم خيولكم على أهل الشام بصفين، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم علياً لكانت واحدة بواحدة، ولكنكم خذلتم حقاً ونصرتم باطلاً، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس، حتى أعلمتم في الحرب ودعوتم إلى البراز، ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا هونتم عليه المصيبة ووعدتموه الظفر، فقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم فاتقوا الله في البقية.

فضحك قيس ثم قال: ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذه المقالة، إنه لا ينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش الضال المضل. أما ذكرك عثمان، فإن كانت الأخبار تكفيك فخذها مني واحدة، قَتَل عثمان من لستَ خيراً منه، وخذله من هو خير منك وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث، وأما معاوية فوالله لو اجتمعت عليه العرب قاطبة لقاتلته الأنصار، وأما قولك إنا لسنا كالناس، فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نتقي السيوف بوجوهنا، والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، ولكن انظر يا نعمان؛ هل ترى مع معاوية إلا طليقاً أو أعرابياً أو يمانياً مستدرجاً بغرور؟! انظر أين المهاجرون والأنصار، والتابعون بإحسان الذين رضي الله عنهم، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك، ولستما والله ببدريين ولا عقبيين ولا أحديين(158) ولا لكما سابقة في الإسلام، ولا آية في القرآن، ولعمري لئن شغبت

صفحة مطبوعة 79 · ورقة PDF 79رابط الصفحة المنفردة

علينا، لقد شغب علينا أبوك!!(159)

والجواب على ذلك:-

أولاً: سنداً:

1- أن نصر بن مزاحم روى هذه القصة بسنده، فقال: حدثنا عمر بن سعد قال:.. به(160) .

وكل من ذكر هذه القصة كالمجلسي والأميني وغيرهما فقد ذكروها نقلاً عن نصر.

وعند النظر في بعض روايات هذا الكتاب - وقعة صفين - من طريق عمر بن سعد نجد أن نصر بن مزاحم يصرح في بعض المواطن بشيوخ عمر بن سعد(161) ، وفي بعضها الآخر يقول: حدثنا عمر بن سعد عن رجاله(162) ، وفي بعض المواطن عن عمر بن سعد مباشرة، كما هو الحال في روايتنا هذه.

وعلى أي حال؛ لننظر ماذا يقول العلماء في هذا السند، ثم ليحكم القارئ بما شاء:-

أ - نصر بن مزاحم: صاحب الكتاب، هو الكوفي.

قال ابن حجر: تركوه.

وقال العقيلي: في حديثه اضطراب وخطأ كثير.

وقال أبو خيثمة: كان كذاباً.

وقال أبو حاتم: زائغ الحديث متروك.

وقال الدارقطني: ضعيف(163) .

ب - عمر بن سعد: هو ابن أبي الصيد الأسدي.

قال ابن حجر: روى عن الأعمش....، بغيض.

وقال أبو حاتم: متروك الحديث(164) .

فالذي يظهر من السند أنه أقرب إلى الوضع، لحال هذين الراويين.

صفحة مطبوعة 80 · ورقة PDF 80رابط الصفحة المنفردة

ثم إن عمر بن سعد إن كان روى ذلك من نفسه فالسند منقطع، وإن كان روى ذلك عن مشايخه، فإنه لم يعين عمن روى ذلك لنعرف حال هؤلاء الرواة.

وعلى كلٍ؛ فمثل هذا السند لا يحتج به، ولا يعتد به أبداً.

2- مما يدل على ضعف وبطلان هذه القصة، أن نصر بن مزاحم هو المنفرد بروايتها، وكل من ذكر القصة فقد رواها من طريقه، وقد عرفنا حال الرجل.

ثانياً: متناً:

1- وقع في متن الرواية عبارات تدل على بطلانها وأنها ملفقة، فمن ذلك:-

أ- قول قيس بن سعد: (قَتَل عثمان من لستَ خيراً منه، وخذله من هو خير منك).

والمعروف أن الذي قتل عثمان رضي الله عنه هم أوباش الناس وطغامهم وهمجهم ورعاعهم، فهل النعمان بن بشير ليس خيراً من هؤلاء؟!! وهو من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عنه الأحاديث وغير ذلك، فهل يقارن هذا الصحابي الجليل بهؤلاء الأغمار الأغرار الفجار؟ وهل يمكن أن يصل البغض بقيس بن سعد لأن يدعي أن النعمان وهؤلاء المجرمين سواء، بل إنهم خير منه؟!!

هذا ما ننزه عنه قيساً والنعمان كذلك. هذا أولاً.

وأما ثانياً:-

فمن الذي خذل عثمان رضي الله عنه، والذين هم خير من النعمان؟!

إن كل من يقرأ روايات قتل عثمان في المراجع المعتمدة يجد أن الصحابة كانوا يودون ويتمنون الدفاع عنه، لكنه رضي الله عنه كان يرفض ذلك، وهذا الأمر كان بدءاً من علي بن أبي طالب إلى ابنه الحسن إلى ابن الزبير والنعمان وأبي هريرة وغيرهم الكثير والكثير. فهل- والحال هذه - يصح أن يُطلَق أن عثمان قد خُذل؟!

لا والله إنه لم يخذل أبداً.

ثم إن أحد الذين يفهمون الكلام بمنظورهم الخاص علق على هذه القصة بقوله: «هكذا ترى كيف أجمع البدريون وأهل بيعة العقبة على قتل عثمان، ومحاربة معاوية وأفتوا

صفحة مطبوعة 81 · ورقة PDF 81رابط الصفحة المنفردة

بكفرهم!!»(165)

وفي موضع آخر يقول الكاتب نفسه: «وترى من مفهوم هذا، أن الذي قتل عثمان وأفتى بقتله، إنما مجموع الأمة وفي مقدمتهم خيار الصحابة من البدريين!!»(166) .

فهل يمكن أن يصدر من قيس بن سعد مثل هذا الكلام الذي يؤيد مقتل عثمان رضي الله عنه، ويثني فيه على القتلة، ويعتذر فيه عن الخاذلين له؟!

بل وأدهى من ذلك أن تكون هذه العبارة من الأدلة التي يستدل بها البعض لإثبات إجماع الصحابة على قتل عثمان!!

اللهم إنَّا نبريء قيساً والصحابة جميعاً من هذا الإفك والزور.

ب- قول قيس بن سعد: (وأما أهل الجمل فقاتلناهم على النكث).

والمعروف أن أهل الجمل لم ينكثوا بيعة علي رضي الله عنه، وإنما اختلفوا معه في كيفية المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه كما سبق بيانه، فكيف يقول قيس: إن القتال كان على النكث؟

فإن كان المقصود بالنكث شيئاً آخر، فنحن نطالب بتوضيحه وبيانه كي نفهم العبارة.

ج- قول قيس بن سعد: (ولعمري لئن شغبت علينا، لقد شغب علينا أبوك).

والمقصود بتشغيب والد النعمان - وهو بشير بن سعد - ما يروى - كذباً - يوم السقيفة من قيامه بمبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أول الأنصار ليفسد الأمر على سعد بن عبادة، حيث كان بشير بن سعد سيداً من سادات الأنصار، فلما رأى اجتماع الأنصار على سعد بن عبادة - والد قيس صاحب القصة- لتأميره حسده بشير، وسعى في إفساد الأمر عليه، وتكلم في ذلك، وبايع بشير أبا بكر ليس حباً في أبي بكر، وإنما ليحول بين سعد بن عبادة وبين الإمارة!! وتكالبت الأنصار على أبي بكر وبايعوه، وتركوا سعد بن عبادة(167) .

هذا ما يذكر في كتب لا عناية لها بالأسانيد، ومعنى ذلك أن قيساً لم ينس ما فعل أبو النعمان بن بشير بوالده يوم السقيفة، فأراد أن يثأر لذلك من النعمان!!

فهل يقول عاقل بذلك، وهو يعرف الصحابة ودينهم وتقواهم وورعهم؟

ثم إن ذلك يعني أن قيساً لا يؤمن بولاية علي رضي الله عنه، حيث يرى الخلافة حقاً

صفحة مطبوعة 82 · ورقة PDF 82رابط الصفحة المنفردة

لأبيه منذ البداية!! وأن غضبه كان من أجل ذلك، فما رأيكم بذلك يا من تنقلون هذه الأكاذيب عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؟

ثم إن ما ذكر في قصة السقيفة، من هذا العداء بين سعد بن عبادة وبشير بن سعد إنما هو محض الكذب والافتراء على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

2- كان الأولى بالمعترض ألا يذكر هذه القصة، لأن فيها ما يعارض عقيدته ومذهبه في الصحابة، فقيس هنا يثني على المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ويذكر أن الله رضي عنهم، وأنهم نصروا دين الله تعالى، وقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كل ذلك المدح كان من قيس في معركة صفين، أي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعشرات السنين، وهذا الأمر يخالف اعتقاد المعترض من أن الصحابة رضي الله عنهم ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا نفراً يسيراً منهم يعدون على الأصابع!!

فهل يقبل المعترض بهذا الثناء ويثبته ويحتج به، أم أنه سيبحث له عن تأويل باطني، كما بحث لغيره؟!

اللهم هُداك ورشدك.

صفحة مطبوعة 83 · ورقة PDF 83رابط الصفحة المنفردة

الشبهة الخامسة: إغارة النعمان بن بشير رضي الله عنه على عين التمر((168) ). وفيها مسلحة(169) لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه

وهي قصة ذكرها الطبري في تاريخه مختصرة(170) وساقها الثقفي في كتابه الغارات مطولة(171) ، وملخصها:-

أن معاوية رضي الله عنه بعث النعمان بن بشير وأبا هريرة رضي الله عنهما إلى علي رضي الله عنه، يسألانه دفع قتلة عثمان إليه لعل الحرب تطفأ ويصطلح الناس، وأراد معاوية من ذلك أن يرجع النعمان وأبو هريرة من عند علي، وهما لمعاوية عاذرين ولعلي لائمين؛ لأن معاوية يعلم أن علياً لن يدفع إليه القتلة. فأتياه فتكلم أبو هريرة ثم تكلم النعمان بدفع القتلة والصلح، فأجابهم علي بأن الأنصار جميعاً اتبعته إلا شذاذاً منهم ثلاثة أو أربعة، فهل تكون يا نعمان منهم؟ فاعتذر النعمان وبيّن له أنه يريد ملازمته والبقاء عنده، وما حمله على ذلك إلا الصلح بين الفريقين، فأما أبو هريرة فلحق بالشام وأخبر معاوية الخبر، وأما النعمان فأقام بعده أشهراً ثم خرج فاراً من علي، حتى إذا مرَّ بعين التمر أخذه مالك بن كعب الأرحبي عامل علي عليها، وأراد سجنه والكتابة بأمره إلى علي، فناشده ألا يفعل، ثم أطلقه مالك بشفاعة قرظة بن كعب الأنصاري، فخرج النعمان مسرعاً حتى انتهى إلى معاوية فأخبره بما كان وما لقي، ثم إن معاوية أراد أن يبعث كتيبة إلى شاطئ الفرات؛ ليرعب بهم أهل العراق، فرشح النعمان نفسه لهذه المهمة، فندب معه ألفي رجل، وأوصاه أن يتجنب المدن والجماعات، وألا يُغِير إلا على مسلحة، ويعجل بالرجوع، فأقبل

صفحة مطبوعة 84 · ورقة PDF 84رابط الصفحة المنفردة

النعمان حتى دنا من عين التمر، وكان مع مالك بن كعب الأرحبي قرابة المائة رجل، فكتب إلى علي يستغيثه، ثم استعان مالك بمخنف بن سليم عامل علي على صدقة أرض الفرات، فأغاثه بخمسين فارساً حتى انتهوا إلى عين التمر، وكان النعمان قاهراً لمالك وأصحابه، فلما رأى النعمان وجنده مخنف ومن معه ظنوا أن وراءهم جيشاً فانحازوا، ثم تقاتلوا وحجز الليل بينهم، يظنون أن لمالك مدداً فانصرفوا وانصرف النعمان، ولم يقتل من أصحاب مالك إلا عدد قليل(172)

والجواب على ذلك:-

1- أن سند القصة لا يثبت لأن في سند الطبري رجلاً مجهولاً حيث قال:... عن عمرو ابن حسان عن شيخ من بني فزارة قال: بعث معاوية...

وأما الثقفي في الغارات فقد قال: غارة النعمان بن بشير على عين التمر ومالك بن كعب الأرحبي، عن محمد بن يوسف بن ثابت أن النعمان بن بشير قدم...

ومحمد بن يوسف هذا ذكره الحافظ ابن حجر في التقريب في ترجمة يوسف بن محمد بن ثابت وقال عنه: مقبول(173) .

وقال محقق كتاب الغارات الحسيني: والظاهر أن الرواية مرسلة(174) .

2- أنه قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم أشد من ذلك كما هو الحال في وقعة الجمل ووقعة صفين، وقتل فيها العدد الكبير من المسلمين، وكان ذلك بسبب التأول في قضية قتل عثمان رضي الله عنه. وقد سبق بيان عقيدة المسلمين في مثل هذه الفتن.

3- يمكن تصنيف ما قام به النعمان بن بشير في دائرة الخطأ، ولكن ليس معنى ذلك إهدار هذا الصحابي من جميع الجهات، وتفسيقه أو تكفيره والطعن فيه وفي دينه، هذا مما لا يجوز أبداً، بل يقدر الخطأ بقدره ولا يتجاوز فيه، فالعدل يقتضي ذكر الحسنات مقابل السيئات، وأن الهفوة من أهل الدين والصلاح تطوى في بحور حسناتهم، وأولى الناس بمثل ذلك هم الصحابة رضي الله عنهم.

4- لم يذكر صاحب الغارات في قصته سبب رجوع النعمان من عند علي رضي

صفحة مطبوعة 85 · ورقة PDF 85رابط الصفحة المنفردة

الله عنه، ولعل هذا من الأمور التي لم يعرف سببها أحد غير النعمان، فلعل النعمان رأى من أهل العراق وغدرهم ما يستحقون عليه مثل ذلك.

5- هذه الرواية فيها مثلبة ظاهرة وواضحة لأهل الكوفة، وأتباع أمير المؤمنين ومناصريه ومحبيه أكثر من أنفسهم كما يزعمون!!

وذلك واضح من خلال استنفار علي رضي الله عنه لهم من أجل القيام بنصرة مالك ابن كعب الأرحبي الذي أغار عليه النعمان بن بشير، فما كان من أهل العراق محبي أمير المؤمنين إلا أن تخاذلوا وتثاقلوا عن ذلك، مما دفع علي رضي الله عنه أن يذمهم ويتذمر منهم ومن أفعالهم وعصيانهم له، وكان مما قال لهم كما ذكر ذلك الثقفي في الغارات بعد ما أورد غارة النعمان رضي الله عنه: «يا أهل الكوفة كلما سمعتم بمنسر(175) من مناسر أهل الشام إذا أظل عليكم، أغلقتم أبوابكم وانجحرتم في بيوتكم انجحار الضبة في جحرها، والضبع في وجارها(176) ، الذليل والله من نصرتموه، ومن رمى بكم رمى بأفوق ناصل(177) ، أفٍ لكم لقد لقيت منكم ترحاً(178) ، ويحكم! يوماً أناجيكم ويوماً أناديكم، فلا أجاب عند النداء، ولا إخوان صدق عند اللقاء، أنا والله مُنيت بكم، صم لا تسمعون، بكم لا تنطقون، عمي لا تبصرون، فالحمد لله رب العالمين»(179) .

فانظر أيها القارئ الحبيب إلى أهل الكوفة الذين زعموا حب الإمام ونصرته، كيف كانوا أول المتخاذلين عنه والمتثاقلين عن نصرته!!

صفحة مطبوعة 86 · ورقة PDF 86رابط الصفحة المنفردة

الشبهة السادسة: القول بأن: النعمان متلَوِّن الولاء

كان النعمان بن بشير أميراً على الكوفة لمعاوية سبعة أشهر، ثم على حمص ثم ليزيد، فلما مات يزيد صار النعمان زبيرياً، فخالفه أهل حمص فأخرجوه منها، واتبعوه وقتلوه، وذلك بعد وقعة مرج راهط(180) .

والمقصود من هذه الشبهة أن النعمان بن بشير رضي الله عنه، كان متلون الولاء، فولاؤه لصاحب القوة والشوكة، فمتى تغلب انحاز إليه النعمان!!

والجواب على ذلك:

أن النعمان بن بشير رضي الله عنهما بعيد كل البعد عن النفاق، فليس هو ممن يبيع دينه بدنياه، وإنما تفصيل القول: أن يزيد بن معاوية لما مات وكان النعمان بن بشير أميراً على حمص من قبل يزيد، تولى زمام الأمر بعده ولده معاوية بن يزيد بن معاوية، فبايع له الناس؛ إلا ما كان من ابن الزبير وأهل مكة على عدم بيعتهم لأبيه من قبل فولي معاوية ثلاثة أشهر ويقال أربعين ليلة، ولم يزل في البيت لا يخرج إلى الناس لأنه كان مريضاً، فلما ثقل معاوية وشارف على الموت، قيل له: لو عهدت إلى رجل عهداً.. فرفض ذلك، ومات على هذا الأمر وليس للمسلمين إمام، ثم اختلف أهل الشام، فكان أول من خالف من أمراء الأجناد ودعا إلى ابن الزبير النعمان بن بشير بحمص، وزفر بن الحارث بقنسرين، ثم الضحاك بن قيس بدمشق، فكتب ابن الزبير إلى الضحاك بعهده على الشام، فكتب الضحاك إلى أمراء الأجناد ممن دعا إلى ابن الزبير فأتوه، فلما رأى مروان بن الحكم ذلك خرج يريد ابن الزبير بمكة ليبايع له، ويأخذ منه أماناً لبني أمية، وكان معه عمرو ابن سعيد بن العاص، فلما كانوا بأذرعات(181) لقيهم عبيد الله بن زياد مقبلاً من العراق، فأطمع مروان بالدعوة إلى نفسه لأنه سيد بني عبد مناف، فرجع مروان ودعا إلى نفسه، ومكر عبيد الله بن زياد بالضحاك بن قيس، وجعله يخرج إلى مرج راهط وقد جمع معه الأجناد لقتال مروان، وكان عبيد الله بن زياد قد بايع أهل

صفحة مطبوعة 87 · ورقة PDF 87رابط الصفحة المنفردة

دمشق لمروان، فسار مروان من الجابية(182) حتى نزل مرج راهط في ثلاثة عشر ألفاً، وتواجه مع الضحاك وجيشه واقتتلوا، حتى قُتِل الضحاك وانهزم جيشه، ثم رجع مروان إلى دمشق وبعث عماله على الأجناد، وبايع له أهل الشام جميعاً بما فيهم أهل حمص، الذين كان عليهم النعمان بن بشير، فلما علم النعمان بحال أهل حمص وأنهم تمرونوا(183) خرج بأهله هارباً، فاتبعه خالد بن خلي الكلاعي فقتله(184)

ويستفاد من هذا السياق:-

1- أن النعمان بن بشير لم ينكث بيعته لمعاوية ويزيد، لأنه كان يعتقد صحتها.

2- أنه لما توفي معاوية بن يزيد اختلف الناس بعده، وكان أولى الناس بهذا الأمر هو عبد الله بن الزبير، فما كان من أمراء الأجناد بالشام إلا أن بايعوه، حتى إن مروان بن الحكم كان قد خرج يريد بيعة ابن الزبير، لولا ما حدث من عبيد الله بن زياد.

3- أن مروان بن الحكم هو الذي خالف هذا الاتفاق، بمشورة عبيد الله بن زياد ودعا إلى نفسه، وقاتل الضحاك بن قيس وتغلب عليه، فما كان من الناس إلا أن بايعوا لمروان لتغلبه في الشام وقوته.

فإن قيل: فلماذا لم يبايع النعمان لمروان ويحسم الخلاف؟

فالجواب:

أ- أن مبايعة النعمان لابن الزبير كانت أسبق من تغلب مروان على الحكم ومبايعة الناس له، فكانت بيعة النعمان بيعة صحيحة، والذي خالف في ذلك هو مروان بن الحكم.

وقد نص كثير من أهل العلم على أن النعمان كان والياً لابن الزبير على حمص(185) .

ب- أن النعمان بن بشير كانت علاقته بمروان بن الحكم كما يبدو على غير ما يرام، وهذا قبل مسألة الإمارة، ودليل ذلك ما رواه ابن عساكر من أن مروان طلب خطبة ابنة

صفحة مطبوعة 88 · ورقة PDF 88رابط الصفحة المنفردة

النعمان «أم أبان» لابنه عبد الملك فرفض النعمان ذلك(186)

إذن الخلاصة من هذا الكلام بشكل عام: أن النعمان رضي الله عنه لم يكن كما يدعي المعترضون متلون الولاء، بل إنه أعطى بيعته لمن يظن أنه يستحق ذلك، وهذا لا إشكال فيه على الإنسان، خصوصاً أنه لم يكن هناك إمام للمسلمين بعد موت معاوية بن يزيد، فاجتهد النعمان في مبايعة ابن الزبير، لأنه رآه الأحق بذلك دون سواه.

صفحة مطبوعة 89 · ورقة PDF 89رابط الصفحة المنفردة

الشبهة السابعة: القول بأن: النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمَّى النعمان غادراً

«روي أنه أهدي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عنب من الطائف، فقال له-أي للنعمان- خذ هذا العنقود فأبلغه أمك، قال: فأكلته. فلما كان بعد ليال، قال: ما فعل العنقود هل بلغت؟ قلت: لا. فسماني غُدراً.

وفي خبر: فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأذني، فقال لي: يا غدر»(187) .

والمقصود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سماه غادراً منذ الصغر، لما يعلم ما سيؤول إليه حاله عند الكبر، من الغدر بأمير المؤمنين علي رضي الله عنه.

والجواب على ذلك:-

أولاً: تخريج الحديث، والحكم عليه:-

أن الرواية الأولى رواها ابن ماجه في سننه(188) ومن طريقه ابن عبد البر في الاستيعاب(189) وقال البوصيري في الزوائد:- إسناده صحيح رجاله ثقات.

قلت: ليس الأمر كما ذكر البوصيري رحمه الله في زوائده، بل في سند الحديث عبدالرحمن بن عرق. ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً(190) .

قال عنه الحافظ ابن حجر: مقبول(191) .

ومعنى ذلك: أنه ضعيف ما لم يتابع، كما نص ابن حجر على ذلك في مقدمة كتابه التقريب. ولذلك قال الشيخ الألباني في تعليقه على سنن ابن ماجه: ضعيف(192) .

وأما الرواية الثانية، فرواها الطبراني في مسند الشاميين(193) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية(194) عن بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن عطية بن قيس

صفحة مطبوعة 90 · ورقة PDF 90رابط الصفحة المنفردة

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث معه بقطفين واحد له والآخر لأمه عمرة، فلقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمرة، فقال: «أتاك النعمان بقطف من عنب» فقالت: لا. فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأذنه فقال: «يا غدر».

وفي سنده: أبو بكر بن أبي مريم.

قال الإمام أحمد: ضعيف. وقال: ليس بشيء، وضعفه ابن معين.

وقال أبو زرعة: ضعيف، منكر الحديث.

وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث.

وقال النسائي والدارقطني: ضعيف.

وقال ابن عدي: الغالب على حديثه الغرائب، وقلما يوافقه الثقات(195) .

فالحديث لا يصح لحال هذا الراوي.

ولذلك قال أبو نعيم بعد أن أورد جملة من أحاديث أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة ابن حبيب، قال: هذه الأحاديث غرائب من حديث ضمرة، تفرد بها أبو بكر بن أبي مريم عنه(196) .

ثانياً:-

على فرض صحة الحديث - لمن قال بتحسين الحديث بمجموع طريقيه - فليس فيه ما يدل على ما قيل، بل غاية ما فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم داعب النعمان بن بشير رضي الله عنه بذلك، كما دلت الرواية الثانية عند الطبراني أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بأذنه، وهذا مزاح منه عليه الصلاة والسلام.

ويؤيد ذلك أن النعمان كان في ذلك الوقت طفلاً صغيراً، حيث توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عمره ثماني سنوات كما جاء في ترجمته، ومعنى ذلك أن إرسال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقطف العنب معه كان قبل ذلك، فكان طفلاً، ولا غرابة في أن يفعل طفل مثل هذا الأمر، بحكم براءة الطفولة.

صفحة مطبوعة 91 · ورقة PDF 91رابط الصفحة المنفردة

أما أنه؛ سماه غادراً منذ طفولته؛ لعلمه بما سيكون عليه حاله في المستقبل، فهذا والله من التقول على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا علم ولا حجة.

وختاماً

فقد رأيت أخي القاريء الكريم بأم عينيك تهافت تلك الشبهات، التي تلصق زوراً وبهتاناً بصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن العجب لا يكاد ينقضي ممن يقرأ هذا الكلام، ثم يصر على طعنه بهؤلاء الأجلة، بل إنه يؤجر عقله ويلغيه عند الحديث عن مثل هذه المواضيع، وكأنه لا يريد معرفة الحق، والانتصار للصدق، وهذا والله من أعظم البلاء، وأشد ما يصاب به المسلم في دينه وعقيدته.

فالله الله أيها المسلم؛

لا تجعل دينك هدفاً لسهام الماكرين، وتربة خصبة لشبهات الكائدين، فوالله الذي لا إله غيره إنك لا تضر إلا نفسك، وأما هؤلاء الجبال فلا تهزهم الرياح، ولا تحركهم الأعاصير.

صفحة 92 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 93 · ورقة PDF 93رابط الصفحة المنفردة

خالد بن الوليد رضي الله عنه سيف الله المسلول

صفحة 94 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 95 · ورقة PDF 95رابط الصفحة المنفردة

القول السديد في ترجمة الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه

إن أمره لعجب....!!

إنه الفاتك بالمسلمين يوم أحد... وهو الفاتك بأعداء الإسلام بقية الأيام...(197) .

قال عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ما مثل خالد يجهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له، ولقدّمناه على غيره»(198) .

إنه سيف الله تعالى، وفارس الإسلام، وليث المشاهد، السيد الإمام، الأمير الكبير، قائد المجاهدين، أبو سليمان القرشي المخزومي المكي، وابن أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها(199) .

إنه خالد بن الوليد... نعم، إنه خالد...، ولكل واحد من اسمه نصيب.

إنه خالد ذكراً في قلوب أحبابه.

إنه خالد قدراً بين أقرانه وأترابه.

وهو بإذن الله تعالى خالد في الفردوس الأعلى مع رسل الله وأنبيائه.

ألا فلنأتِ على قصته من البداية... ولكن أي بداية...؟!

وهو نفسه لا يكاد يعرف لحياته بدءاً، إلا ذلك اليوم الذي صافح فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مبايعاً...

ولو استطاع لنحى عن عمره وحياته كل ما سبق ذلك اليوم من سنين وأيام.

فلنبدأ معه إذن من حيث يحب..، من تلك اللحظة الباهرة التي خشع فيها قلبه لله تعالى، وتلقت روحه فيها لمسة من يد الرحمن، فتفجرت شوقاً إلى دينه، وإلى رسوله، وإلى استشهاد عظيم في سبيل الحق، ينضو عن كاهله أوزار مناصرته الباطل في أيامه الخاليات(200) .

يقول رضي الله تعالى عنه: «والله لقد استقام المنسم وإن الرجل لنبي، أذهب والله

صفحة مطبوعة 96 · ورقة PDF 96رابط الصفحة المنفردة

أسلم فحتى متى؟!»(201)

ولندع الحديث لخالد رضي الله تعالى عنه، يحدثنا عن رحلته من الضلالة إلى النور.

يقول رضي الله تعالى عنه: «لما أراد الله بي ما أراد من الخير، قذف في قلبي الإسلام، وحضرني رشدي، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد، فليس موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمداً سيظهر، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية، خرجت في خيل المشركين، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه بعسفان، فأقمت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا، وكانت فيه خيرة، فاطلع على ما في أنفسنا من الهموم، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعاً، وقلت: الرجل ممنوع، فافترقنا، وعدل عن سنن خيلنا، وأخذت ذات اليمين.

فلما صالح قريشاً، قلت: أي شيء بقي؟ أين المذهب، إلى النجاشي؟ فقد اتبع محمداً، وأصحابه عنده آمنون.

فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى النصرانية واليهودية، فأقيم مع عجم تابعاً مع عنت ذلك؟! أو أقيم في داري فيمن بقي؟

فأنا على ذلك، إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عمرة القضية، فتغيبت.

وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عمرة القضية، فطلبني فلم يجدني، فكتب إلي كتاباً فإذا فيه: أما بعد؛ فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحد؟! قد سألني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به. فقال: ما مثله جهل الإسلام، ولو جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين كان خيراً له، ولقدمناه على غيره. فاستدرك يا أخي ما قد فاتك.

فلما جاءني كتابه، نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام، وأرى في النوم

صفحة مطبوعة 97 · ورقة PDF 97رابط الصفحة المنفردة

كأني في بلاد ضيقة جدبة، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة. قلت: إن هذه لرؤيا.

فلما قدمنا المدينة، قلت: لأذكرنها لأبي بكر، فذكرتها، فقال: هو مخرجك الذي هداك الله للإسلام، والضيق هو الشرك. قال: فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قلت: من أصاحب إلى محمد؟!

فلقيت صفوان بن أمية، فقلت: يا أبا وهب؛ أما ترى إلى ما نحن فيه، إنما كنا كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد فاتبعناه، فإن شرفه لنا شرف، فأبى أشد الإباء، وقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبداً. فافترقنا، وقلت: هذا رجل قُتل أخوه ببدر، فلقيت عكرمة بن أبي جهل، فقلت له مثل ما قلت لصفوان، فقال لي مثل ما قال صفوان. قلت: فاكتم ذكر ما قلت لك. وخرجت إلى منزلي، فأمرت راحلتي أن تخرج إلي،فخرجت بها إلى أن ألقى عثمان بن طلحة، فقلت: إن هذا لي صديق، فذكرت له، فقال: نعم، إني عمدت اليوم، وإني أريد أن أغدو، وهذه راحلتي بفخ(202) مناخة، قال: فاتعدت أنا وهو بيأجج(203) ، وأدلجنا سحراً، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة(204) . فنجد عمرو بن العاص بها، فقال: مرحباً بالقوم، فقلنا: وبك(205) .

قال: أين مسيركم؟ فأخبرناه، وأخبرنا أنه يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاصطحبنا جميعاً، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول يوم من صفر سنة ثمان، قال: فلما اطلعت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلمت عليه بالنبوة، فرد علي السلام بوجه طلق، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد كنت أرى لك عقلاً رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير. قال: وبايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقلت: استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صد عن سبيل الله. فقال: إن الإسلام يجب ما كان قبله. قلت: يا رسول الله،على ذلك. قال: اللهم

صفحة مطبوعة 98 · ورقة PDF 98رابط الصفحة المنفردة

اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك(206)

لقد أسلم فارس قريش، وصاحب أعنة الخيل فيها، وولى ظهره لآلهة آبائه وأجداده.

لقد صيرته مدرسة الإسلام الجندي الأكمل في تاريخ الحروب، لم يعرف التاريخ جندياً أخلص منه لعقيدته، ولا أقدم منه لغايته، ولا سيفاً أمضى من سيفه، الجندي الذي مشى في كل واد، وصعد كل جبل، خاض البحار، وعبر الأنهار، وجاب الأرض كلها، حتى نصب للإسلام على كل رابية راية، وأبقى للإسلام في كل أرض وطناً لا تقوى على استلابه من أهله(207) .

إنه الفارس الميمون النقيبة، أحد الشجعان، وأحد فرسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي غدا ذكره يرتبط بالفروسية والشجاعة والمروءة والإقدام، فأكرم بخالد، وأنعم بإخلاصه، وما أجمل أن نخوض معه بعض مشاهده، نمتع الأسماع برقائق سيرته اللطيفة، التي تشحذ الهمم، وتصقل النفوس، بل إن سيرته نزهة المجالس، وبهجة المنتديات، وأنس القلوب.

نقطف من سيرته زهراً وورداً من رياض مشاهده، وروض مناقبه، نزين بها مجالسنا، ونؤدب بها أنفسنا، لتكون في قلوبنا ونفوسنا مع أولئك الفرسان، الذين فتحوا الدنيا بكريم أخلاقهم، ولطيف مكارمهم، فدخلوا سويداء قلوب العباد، قبل أن يدخلوا الأمصار والبلاد.

إن الحياة مع هؤلاء الأفذاذ ذات طعم خاص، يدركه من عرف أقدارهم ومكانتهم في عالم الرجال، ودنيا الإقدام، فأكرم بهم من أبطال فوارس، وفرسان أبطال.

صفحة مطبوعة 99 · ورقة PDF 99رابط الصفحة المنفردة

- معالم وملامح من شخصيته الفذة:

لا بد لنا في معرض حديثنا عن فارس معلم مشهور من فرسان المدرسة المحمدية، إلا وأن نلقي الأضواء على شخصيته الفريدة، كيما تتضح صورته في الأذهان أكثر...

- فأبوه: الوليد بن المغيرة من سادات قريش وحكامها، كانت تدعوه قريش ريحانتها، وأحياناً عدلها، وفي الوليد نزل القرآن الكريم ينذره ويتوعده، قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾(208) .

- وأمه: لبابة الصغرى بنت الحارث الهلالية، وهي أخت أم الفضل بنت الحارث زوج العباس بن عبد المطلب، وعلى هذا يكون خالد بن الوليد ابن خالة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، وابن أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

إذن؛ فخالد بن الوليد من ذروة قريش في المجد والشرف، ناهيك بما أثر عن شجاعة بني مخزوم، وأنهم تولوا القبة والأعنة(209) ، وهذا ساعد خالد بن الوليد على أن يكون القائد في الحروب، في جميع معاركه في الجاهلية والإسلام(210) .

صفحة مطبوعة 100 · ورقة PDF 100رابط الصفحة المنفردة

«ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه»

لقد كان خالد بن الوليد الذي سارع إلى غزوة مؤتة جندياً عادياً، تحت قيادة القادة الثلاث الذين جعلهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الجيش: زيد وجعفر وابن رواحة رضي الله عنهم جميعاً، والذين استشهدوا بنفس الترتيب على أرض المعركة الضارية، وبعد سقوط آخر القادة شهيداً، سارع إلى اللواء ثابت بن أقرم، فحمله بيمينه ورفعه عالياً وسط الجيش المسلم حتى لا تبعثر الفوضى صفوفه، ولم يكد ثابت يحمل الراية حتى توجه بها مسرعاً إلى خالد بن الوليد قائلاً له: «خذ اللواء يا أبا سليمان»(211) .

ولم يجد خالد من حقه وهو حديث العهد بالإسلام أن يقود قوماً فيهم الأنصار والمهاجرون، الذين سبقوه بالإسلام.

إنه أدب وتواضع وعرفان ومزايا، هو لها أهل وبها جدير.

هنالك قال مجيباً ثابت بن أقرم: «لا، لا آخذ اللواء، أنت أحق به، لك سِنٌّ وقد شهدت بدراً».

وأجابه ثابت: «خذه، فأنت أدرى بالقتال مني، ووالله ما أخذته إلا لك»(212) .

ثم نادى في المسلمين: «أترضون إمرة خالد؟ قالوا: نعم».

واعتلى العبقري جواده، ودفع الراية بيمينه إلى الأمام كأنما يقرع بها أبواباً مغلقة، آن لها أن تفتح على طريق طويل لاحب، سيقطعه البطل وثباً وثباً، في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد مماته، حتى تبلغ المقادير بعبقريته الخارقة أمراً كان مقدوراً.

هنالك تقدم سيف الله يرمق أرض القتال الواسعة بعينين كعيني الصقر، ويدير الخطط في بديهته بسرعة الضوء، ويقسم جيشه - والقتال دائر - إلى مجموعات، ثم يكل لكل مجموعة بمهامها، وراح يستعمل فنه المعجز ودهاءه البليغ حتى فتح في صفوف جيش الروم ثغرة فسيحة واسعة، خرج منها جيش المسلمين كله سليماً معافى، بعد أن نجا بسبب من عبقرية بطل الإسلام من كارثة ماحقة ما كان لها من زوال.

صفحة مطبوعة 101 · ورقة PDF 101رابط الصفحة المنفردة

وفي هذه المعركة أنعم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على خالد بلقب «سيف الله تعالى»(213) .

وانظر إلى هذه الشجاعة النادرة، والقوة العظيمة التي كان يحظى بها سيف الله تعالى: فعن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: «لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية»(214) .

خالد وفتح مكة وما بعده

بعد أن استقر خالد رضي الله تعالى عنه في المدينة المنورة، شهد فتح مكة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان على الميمنة، وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدخلها من الليط(215) ، كما قاتل رضي الله تعالى عنه بعض المشركين الذين تجمعوا بالخندمة(216) ، لصد بعض فرق الجيش الإسلامي.

وظل خالد رضوان الله تعالى عليه قرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد بعثه إلى بني جذيمة يدعوهم إلى الإسلام(217) .

ثم شارك خالد رضي الله تعالى عنه في غزوة حنين، فكان على مقدمة جيش المسلمين، وكان أحد الذين تجمعوا حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقاتلوا معه قتالاً شديداً، فجرح وعاده النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

عن عبد الرحمن بن أزهر قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين يتخلل الناس، يسأل عن رحل خالد، فدل عليه، فنظر إلى جرحه، وحسبت أنه نفث فيه»(218) .

ما بال سيف الله أين مكانهأيغيب عن نظر النبي ويعزب
سأل النبي فقيل عند جراحهلو يستطيع أتى يهش ويطرب
فمشى إليه يعوده في موكبلله فيه من الملائك
صفحة مطبوعة 102 · ورقة PDF 102رابط الصفحة المنفردة
موكب
بوركت خالد ما رأت عين دماًكدمٍ جرى من خالد يتصبب(219) ( 219 )

*خالد يهدم العزى:

بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخمس ليال بقين من رمضان خالداً لهدم العزى، في ثلاثين فارساً من أصحابه.

هذا البطل يستبد به توق عارم إلى هدم عالمه القديم كله ومظاهر الشرك، فعن أبي الطفيل قال: «لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها خالد بن الوليد، وكانت على تلال السمرات، فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فقال: ارجع، فإنك لم تصنع شيئاً.فرجع خالد، فلما نظرت إليه السدنة - وهم حجابها - أمعنوا في الجبل، وهم يقولون: يا عزى خبليه، يا عزى عوريه، وإلا فموتي برغم. قال: فأتاها خالد فإذا هي امرأة عريانة، ناشرة شعرها، تحثو التراب على رأسها، فعممها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فقال: تلك العزى»(220) .

وعن عبد الله بن أبي الهذيل قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد إلى العُزَّى، فجعل يضربها بسيفه ويقول:

يا عُزٌّ كفرانكِ لا سبحانكِإني رأيتُ الله قد
صفحة مطبوعة 103 · ورقة PDF 103رابط الصفحة المنفردة
أهانكِ(221)

إن تولي خالد واجب القائد في غزوة الفتح دليل على ثقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بكفاءة قيادته، وتوليه مهمة هدم العزى دليل على ثقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم برسوخ عقيدته(222) .

وهكذا يبقى سيف الله تعالى ملازماً لرسوله وحبيبه وقائده عليه الصلاة والسلام، يأتمر بأمره، وينتهي بنهيه، ويسمع له ويطيع، ولا يتقدم عليه برأي، سلس القياد، سمح المحيا، كريم الخصال، عظيم السجايا، يتحرق على الأيام الخوالي التي قضاها بعيداً عن هذا النور، محارباً كائداً له، يسعى بكل ما أوتي من قوة لأن يستبدل تلك الأعمال والجنايات بالطاعات والباقيات الصالحات، فكان له ذلك رضي الله عنه وأرضاه.

لله در خالد... إن فترة إسلامه التي قضاها إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تتجاوز أربع سنوات، بينما قاتل شمالاً على حدود أرض الشام، وجنوباً في اليمن، وشهد أحد عشر مشهداً، قاتل في ثلاثة مشاهد منها تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقاتل في ثلاثة مشاهد منها قائداً مستقلاً، ولم يقاتل في خمسة مشاهد منها، بل أنجز واجبه سلماً فمن أين له الوقت الكافي لتحقيق كل هذه الأعمال؟!

لقد كان خالد موضع ثقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت له قابليات نادرة في القيادة العسكرية خاصة، لا يجود بها الزمان إلا نادراً.

ولذلك لا غرابة عندما نسمع خالداً يقول عن نفسه: «قد منعني كثيراً من القراءة - أي قراءة القرآن - الجهاد في سبيل الله»(223) .

خالد والصديق رضي الله تعالى عنهما

وبعد أن لحق الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى، وحمل أبو بكر مسؤولية الخلافة هبت أعاصير الردة غادرة ماكرة، مطوقة الدين الجديد بزئيرها المصم، وانتفاضها المدمدم، وهنا يضع أبو بكر عينه لأول وهلة على بطل الموقف ورجل الساعة... أبي سليمان،

صفحة مطبوعة 104 · ورقة PDF 104رابط الصفحة المنفردة

سيف الله تعالى، خالد بن الوليد.

ولما عقد الخليفة لكل أمير لواءه، اتجه صوب خالد، وقال يخاطبه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: «نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله، سله الله على الكفار والمنافقين»(224) .

ومضى خالد إلى سبيله ينتقل بجيشه من معركة إلى معركة، ومن نصر إلى نصر، حتى كانت المعركة الفاصلة(225) .

توجه إلى اليمامة بأمر من أبي بكر رضي الله تعالى عنه، حيث كان يقيم بها مسيلمة ابن حبيب الكذاب، وقد حدث قتال بين الطرفين، انهزم المسلمون فيه أول الأمر، ثم أعادوا الكرة على عدوهم، حتى تمكنوا من دخول حديقة الموت، وكان بين الفئتين قتال شديد، انتهى بالقضاء على من بالحديقة من المشركين، وقتل فيها مسيلمة الكذاب(226) .

لقد أبلى خالد في قتال أهل الردة بلاءً عظيماً، وكان من العوامل الحاسمة لانتصار المسلمين على المرتدين.

ولله در الصديق رضي الله تعالى عنه حين قال في خالد: «ما كنت لأشيم سيفاً سله الله على الكافرين»(227) .

هازم الفرس في أرض العراق

صدق أبو بكر رضي الله تعالى عنه حين قال: «عجزت النساء أن يلدن مثل خالد»(228) .

لقد كان خالد قائداً لا يجارى ولا يبارى في خططه، وأسلوب قتاله وشجاعته، وأقسم بالله أن معاركه كانت أغرب من الخيال، وله في كل معركة ذكر ونبأ تطير بذكره الركبان(229) .

كان أبو بكر قد

صفحة مطبوعة 105 · ورقة PDF 105رابط الصفحة المنفردة

أدرك بفطنته وبصيرته ما لقوى الشر الجاثمة وراء حدود بلاده من دورخطير في تهديد مصير الإسلام وأهله.. الفرس في العراق، والروم في بلاد الشام.

إمبراطوريتان خريمتان، تتشبثان بخيوط واهنة من حظوظهما الغاربة، وتسومان الناس في العراق وفي الشام سوء العذاب، بل وتسخرهم- وأكثرهم عرب - لقتال المسلمين العرب، الذين يحملون راية الدين الجديد، ويضربون بمعاوله قلاع العالم القديم كله، ويجتثون عفنه وفساده.

هنالك أرسل الخليفة العظيم المبارك توجيهاته إلى خالد، أن يمضي بجيشه صوب العراق(230) .

وصل خالد بجيشه إلى البصرة، وحينئذ فر أهلها، وحصل على كثير من الأموال والسبايا.

لقد استهل عمله في العراق بكتب أرسلها إلى جميع ولاة كسرى ونوابه على ألوية العراق ومدائنه...

«بسم الله الرحمن الرحيم

من خالد بن الوليد.... إلى مرازبة فارس...

سلام على من اتبع الهدى...

فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد حَمْدِ الله الذي فض خدمتكم، وفرق كلمتكم، ووهن بأسكم وسلب ملككم.

فإذا جاءكم كتابي هذا، فابعثوا إلي بالرهن، واعتقدوا مني الذمة وأجيبوا إلي بالجزية، فإن لم تفعلوا؛ فوالذي لا إله إلا هو لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت، كحبكم الحياة والسلام على من اتبع الهدى»(231) .

وراح سيف الرحمن خالد رضوان الله تعالى عليه يواصل حركة الجهاد والفتوحات والفروسية، فتم له فتح أكثر من ثلاثين بلداً،

صفحة مطبوعة 106 · ورقة PDF 106رابط الصفحة المنفردة

منها: المذار، والولجة، والحيرة، والأنبار، وعين التمر، ودومة الجندل، وغير ذلك من بلدان العراق.

لله درك يا خالد... تمت لجيوشك السيطرة على أكثر من ثلثي العراق خلال أربعين يوماً، عام 12 هـ، وهذا إنجاز عسكري عظيم مدهش، تعجز اليوم عن تحقيق مثله أعتى الجيوش المدججة بالصواريخ والطائرات والأساطيل والدبابات، فبورك زندك، وبورك ساعدك، وبورك سيفك ورمحك، وبورك جوادك، وبوركت همتك، أعلى الهمم وأشرفها، وأنبلها وأعزها وأغلاها(232) .

الشام تناديك يا سيف الله تعالى

كان النصر الذي أحرزه الإسلام على الفرس في العراق بشيراً بنصر مثله على الروم في الشام.

فجند الصديق أبو بكر جيوشاً عديدة، واختار لإمارتها نفراً من القادة المهرة، هم: أبو عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، ومعاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهم أجمعين.

وعندما نمت أخبار هذه الجيوش إلى إمبراطور الروم، نصح وزراءه وقواده بمصالحة المسلمين، وعدم الدخول معهم في حرب خاسرة، بيد أن وزراءه وقواده أصروا على القتال، وقالوا: «والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد خيله إلى أرضنا».

وأعدوا للقتال جيشاً بلغ قوامه مائتي ألف مقاتل، وأربعين ألفاً.

وأرسل قادة المسلمين إلى الخليفة بالصورة الرهيبة للموقف، فقال أبو بكر: «والله لأشفين وساوسهم بخالد»(233) .

وتلقى «ترياق الوساوس»... وساوس التمرد والعدوان والشرك، تلقى أمر الخليفة بالزحف إلى الشام؛ ليكون أميراً على جيوش الإسلام التي سبقته إليها، وما أسرع ما امتثل خالد وأطاع(234) .

قال الإمام الذهبي رحمه الله: «وغزا العراق واستظهر، ثم اخترق البرية السماوية، بحيث

صفحة مطبوعة 107 · ورقة PDF 107رابط الصفحة المنفردة

إنه قطع المفازة من حد العراق إلى أول الشام في خمس ليال في عسكر معه، وشهد حروب الشام، ولم يبق في جسده قيد شبر إلا وعليه طابع الشهداء»(235)

فَعُدَّ من مناقبه وأعماله رضي الله عنه قطع البرية السماوية، والمفازة من العراق إلى الشام في خمس ليال.

وفي طريقه إلى الشام قام بفتح بضعة بلدان: تدمر، وحوارين، ومرج راهط، وبصرى، وغيرها.

فلما وصل خالد رأى أمامه جيشاً كثيفاً من الروم، وجيشاً أكثف منه يتجمع قريباً منه، فما شكا رضي الله عنه تعباً، ولا ابتغى راحة، ولا انتظر الأوامر من المدينة، بل حمل التبعة كاملة وبادر إلى العمل، فجمع الفصائل الإسلامية وقادها، وعمد إلى الجيش الرومي الأدنى، فضربه في «أجنادين» ضربة أذهبت روعه، وأطارت صوابه، ومزقته شر ممزق، ثم وثب إلى الجيش الآخر في «اليرموك».

واليرموك هو اليوم الأغر في سيرة خالد، وهو من أيام الإسلام المعدودات، كان المسلمون لا يزيدون على خمسة وأربعين ألفاً، سلاحهم ضعيف، ومنزلهم بعيد، والميرة والمدد منقطعات عنهم، إلا أن ينتظروا أياماً لا تنتظرها المعركة، والروم نحو مائتي ألف، قد احتلوا من اليرموك موقعاً حصيناً، ومعهم الذخائر والميرة، وهم في بلاد كانوا يحكمونها، ويملكون مواردها وخيراتها، وإن لم تكن بلاداً عربية من الأزل، وكانوا على تعبئة فنية، والمسلمون بشجاعتهم وقوة قلوبهم لا يعرفون التعبئة، إنما يعرفون الهجوم، هجوم الأسود(236) .

واستمع إلى جواب القائد المسلم الواثق بربه، المتوكل عليه، حين خاطبه ماهان قائد الروم في اليرموك قائلاً: «إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاماً، وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان العام المقبل بعثنا لكم بمثلها».

فقال خالد: «إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وإنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك».

صفحة مطبوعة 108 · ورقة PDF 108رابط الصفحة المنفردة

فقال أصحاب ماهان: «هذا والله ما كنا نتحدث به عن العرب»(237) .

وتدور المعركة البطولية، وينزل الله تعالى نصره على المسلمين، وتهزم جيوش الروم الكافرة الصليبية، وتجود قريحة خالد فيترنم بهذه الأبيات قائلاً:

لك الحمد مولانا على كل نعمةوشكر لما أوليت من سابغ النعم
مننت علينا بعد كفر وظلمةوأنقذتنا من حندس الظلم والظلَم
فتمم إله العرش ما قد ترومهوعجل لأهل الشرك بالبؤس والنقم(238) ( 238 )

ومن لطائف خالد في هذه المعركة، ما رواه عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: «إن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك، فقال: اطلبوها، فلم يجدوها. فقال: اطلبوها، فوجدوها، فإذا هي قلنسوة خلقة. فقال خالد: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحلق رأسه، فابتدر الناس جوانب شعره، فسبقتهم إلى ناصيته، فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالاً وهي معي إلا رزقت النصر»(239) .

خالد والفاروق رضي الله تعالى عنهما

يشاء الله تعالى فيأتي القدر المحتوم ليستل الصديق رضي الله عنه من بين أحبته وإخوانه، ليمضي به إلى رفيق دربه، وقائد سعده، وشقيق روحه، في أعلى عليين بإذن رب العالمين جل ذكره.

ويتولى الفاروق الخلافة من بعد صدِّيقنا، ويبعث كتاباً إلى أبي عبيدة بن الجراح في الشام بخبر موت الصديق، وبعزل خالد عن الإمارة، وتوليته هو عليها.

ويأتي الخبر ويبلغ خالداً رضي الله تعالى عنه، فما زاد على أن هَمْهَم بابتهالات الترحم على أبي بكر، والدعاء بالتوفيق لعمر، والرضا بالأمر والنزول عند الرغبة.

نعم؛ إنه الإيمان الذي يربي النفوس على أن تتعالى على السفاسف، والعيش للذات.

إنّ الإمارة كالجندية كلاهما سبب يؤدي به واجبه نحو الله تعالى الذي آمن به،

صفحة مطبوعة 109 · ورقة PDF 109رابط الصفحة المنفردة

ونحو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي بايعه، ونحو الدين الذي اعتنقه، وسار تحت رايته.

إن نشاط خالد لم يتوقف، وفروسيته لم تخضع للأهواء، بل شارك في حركة الفتوحات الإسلامية لعدد من بلاد الشام، ومنها: دمشق، وحمص، ومرعش، وقنسرين.

وإن روح هذا الفارس الكبير لتوجد دائماً وأبداً حيث تصهل الخيل، وتلتمع الأسنة، وتخفق رايات التوحيد فوق الجيوش المسلمة، ولذلك كان يقول: «ما ليلة تهدى إلى بيتي فيها عروس أنا لها محب، أو أبشر فيها بغلام، بأحب إلي من ليلة شديدة الجليد، في سرية من المهاجرين أصبح بها العدو»(240) .

ومن كانت هذه همته، فلا يهمه أن يكون أميراً أو مأموراً، قائداً أو مقوداً.

وترجّل البطل المغوار

أما آن لهذا الفارس أن يستريح، وهو الذي لم تشهد الأرض عدواً للراحة مثله؟!

أما آن لجسده المجهد أن ينام قليلاً، وهو الذي كان يصفه أصحابه وأعداؤه بأنه «الرجل الذي لا ينام، ولا يترك أحداً ينام»؟!

أما هو، فلو خير لاختار أن يمد الله تعالى في عمره مزيداً من الوقت، يواصل فيه هدم البقايا المتعفنة القديمة، ويتابع عمله وجهاده في سبيل الله والإسلام...

ولكن.... ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾(241) .

لقد كانت مأساة حياته - في رأيه - أن يموت على فراشه، وهو الذي قضى حياته كلها فوق ظهر جواده، وتحت بريق سيفه.

هو الذي غزا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقهر أصحاب الردة، وسوى بالتراب عرشي فارس والروم، وقطع الأرض وثباً، في العراق خطوة خطوة، حتى فتحها للإسلام، وفي بلاد الشام خطوة خطوة حتى فتحها كلها للإسلام.

أميراً... يحمل شظف الجندي وتواضعه،

وجندياً... يحمل مسؤولية الأمير

صفحة مطبوعة 110 · ورقة PDF 110رابط الصفحة المنفردة

وقدوته.

كانت مأساة حياة البطل أن يموت على فراشه!!

هنالك قال ودموعه تنهال من عينيه: «لقد لقيت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي، كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء»(242) .

كلمات لا يجيد النطق بها في مثل هذا الموطن إلا مثل هذا الرجل.

وحين كان يستقبل لحظات الرحيل، شرع يملي وصيته...

أتدرون إلى من أوصى؟

إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

أتدرون ماذا كانت تركته؟

فرسه وسلاحه!! ثم ماذا؟!

لا شيء قط مما يقتني الناس ويمتلكون.

ذلك أنه لم يكن يستحوذ عليه وهو حي سوا اقتناء النصر، وامتلاك الظفر على أعداء الحق، وما كان في متاع الدنيا جميعه ما يستحوذ على حرصه.

وأخيراً...

خرج جثمان البطل من داره محمولاً على أعناق أصحابه، وثوى في مرقده، ووقف أصحابه في خشوع، والدنيا من حولهم هاجعة، خاشعة، صامتة.

لم يقطع هذا الصمت المهيب سوا صهيل فرس جاءت - كما نتخيلها - تركض، بعد أن خلعت رسنها، وقطعت شوارع المدينة وثباً وراء جثمان صاحبها، يقودها عبيره وأريجه.

وإذ بلغت الجمع الصامت، والقبر الرطب، لوحت برأسها كالراية، وصهيلها يصدح.

تماماً مثلما كانت تصنع والبطل فوق ظهرها، يهد عروش فارس والروم، ويشفي وساوس الوثنية والبغي، ويزيح من طرق الإسلام كل قوى التقهقر والشرك.

وراحت وعيناها على القبر لا تزيغان، تعلو برأسها وتهبط، ملوحة لسيدها وبطلها، مؤدية له تحية

صفحة مطبوعة 111 · ورقة PDF 111رابط الصفحة المنفردة

الوداع.

ثم وقفت ساكنة، ورأسها مرتفع، وجبهتها عالية، ولكن من مآقيها تسيل دموع غزار كبار...

لقد وقفها خالد مع سلاحه في سبيل الله.

ولكن...

هل سيقدر فارس على أن يمتطي صهوتها بعد خالد...؟!

وهل ستذلل ظهرها لأحد سواه؟!

إيه... يا بطل كل نصر.. ويا فجر كل ليل

لقد كنت تعلو بروح جيشك على أهوال الزحف، بقولك لجندك:

«عند الصباح يحمد القوم السرى»

حتى ذهبت عنك مثلاً.

وها أنت ذا، قد أتممت مسراك،

فلصباحك الحمد، أبا سليمان.

ولذكراك المجد، والعطر، والخلد، يا خالد.

ودعنا نردد مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، كلماته العذاب الرطاب التي ودعك بها ورثاك:

«رحم الله أبا سليمان، ما عند الله خير له مما كان فيه، ولقد مات فقيداً وعاش حميداً، ولقد رأيت الدهر ليس بقابل»(243) .

صفحة مطبوعة 112 · ورقة PDF 112رابط الصفحة المنفردة

الشبهات المثارة حول الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه

الشبهة الأولى: القول في: قصته مع بني جذيمة

وملخص القصة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث خالداً بعد فتح مكة إلى قوم من بني جذيمة ليدعوهم إلى الإسلام، فأوقع بهم خالد قتلاً وسبياً، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتبرأ من فعل خالد، ثم بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمال فوداهم(244) حتى ودى ميلغة الكلب(245) ، وفضل معه بقية من المال فقسمه بينهم، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك استحسنه.

هذا تلخيص سريع لأحداث القصة، وأما التفصيل لها وما وقع فيها من زيادات وتناقضات فهذا ما سوف أشير إليه بعد قليل، وقبل ذلك لا بد من ذكر بعض المقدمات المهمة:-

أ - أن الصحابة رضوان الله عليهم – بمن فيهم خالد بن الوليد – هم بشر يخطؤون ويصيبون، ولا يوجد أحد معصوم فيهم، وهذا لا يقدح في عدالتهم وصدقهم وإخلاصهم وحبهم لهذا الدين.

ب - أن المنهج الصحيح في التعامل مع ما وقع من الصحابة من أخطاء: هو رد الخطأ وعدم قبوله، مهما كان صاحبه من الجلالة والتقدم، مع بقاء اعتقاد فضل ذلك الصحابي وحبه وتوليه والترضي عنه.

ج - أن ما وقع من الصحابة من أخطاء يصنَّف في دائرة الاجتهاد المعذور صاحبه، والذي لا ملامة عليه فيه وإن كان هذا الاجتهاد قد يُرَدُّ لمخالفته الأدلة الصريحة.

هذه بعض المقدمات التي تعين بإذن الله على فهم الموضوع الذي نحن بصدده، وتجعل الكلام فيه بعدل و إنصاف بحيث لا يقبل الخطأ من صاحبه لحبنا وتعظيمنا له، ولا يبغض ويهدر الإنسان لخطأ وقع

صفحة مطبوعة 113 · ورقة PDF 113رابط الصفحة المنفردة

فيه.

أعود الآن للحديث عن قصة خالد مع بني جذيمة وما وقع فيها، فأقول مستعيناً بالله:-

إن هذه القصة وردت في المصادر الحديثية والتاريخية وغيرها بطريقتين:

الأولى: مجملة، والثانية: مفصلة بتفصيلات كثيرة.

والباحث المنصف لا بد له من المقارنة بين الروايات، وبيان أسانيد هذه التفصيلات المذكورة، وهل هي ثابتة أم لا؟!، ثم الخروج بعد ذلك بنتيجة موفقة بإذن الله تعالى.

وفي البداية سأسوق الرواية المجملة، ثم بعد ذلك أسوق الرواية المفصلة، وأحاول المقارنة بينها وبيان الصواب فيها:-

الرواية المجملة

عن ابن عمر رضي الله عنهماقال: بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، قال: ودفع إلى كل رجل منَّا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منَّا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يديه فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» مرتين(246) .

هذه هي الرواية المجملة لهذه القصة، ومن خلال النظر فيها يتبين لنا ما يلي:-

1- أن خالد بن الوليد دعا القوم إلى الإسلام، وهذا يعني أنه لم يكن يعلم بإسلامهم من قبل، لا أنه علم بذلك لكنه لم يُعِر ذلك اهتماماً، وهذا خلاف ما سيأتي في الرواية المفصلة.

2-

صفحة مطبوعة 114 · ورقة PDF 114رابط الصفحة المنفردة

أن خالد بن الوليد لم يفهم عن القوم أنهم أسلموا؛ لأنهم نطقوا بكلمة موهمة، ولم ينطقوا بكلمة صريحة تدل على إسلامهم، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، وهذا ما جعل خالداً لا يعتبر ذلك إسلاماً منهم.

3- أن القتل وقع من خالد للقوم بعد ظنه أنهم رفضوا الدخول في الإسلام، ولم يكن ذلك القتل بعد علم خالد اليقيني أن القوم مسلمون، ومع ذلك قتلهم لسبب آخر.

4- أن بعض الصحابة الذين كانوا في السرية مع خالد رفضوا قتل أسراهم، وخالفوه في رأيه.

5- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبرأ من صنيع خالد لما بلغه الخبر، ولم يتبرأ من خالد نفسه، ولا أقام عليه الحد، مما يدل على أن خالداً كان متأولاً في فعله، كما سيأتي معنا بعد قليل.

* الروايات المفصلة:-

1-

صفحة مطبوعة 115 · ورقة PDF 115رابط الصفحة المنفردة

قال ابن سعد: لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقيم في مكة، بعثه إلى بنى جذيمة داعياً إلى الإسلام، ولم يبعثه مقاتلاً، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سليم فانتهى إليهم خالد، فقال: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون قد صلينا وصدقنا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذَّنا فيها. قال: فما بال السلاح عليكم؟ فقالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح. قال: فضعوا السلاح. قال: فوضعوه. فقال لهم: استأسروا فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتَّف بعضاً وفرقهم في أصحابه، فلما كان في السحر نادى خالد: من كان معه أسير فليُدافِّه والمدافَّة: الإجهاز عليه بالسيف(247) فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أساراهم، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما صنع خالد، فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد». وبعث علي بن أبي طالب فَوَدى(248) لهم قتلاهم وما ذهب منهم، ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره(249)

2-قال الإمام الطبري: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحق، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حُنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين افتتح مكة خالد بن الوليد داعياً ولم يبعثه مقاتلاً، ومعه قبائل من العرب: سُليم ومُدلج وقبائل من غيرهم، فلما نزلوا على الغميصاء- وهي ماء من مياه بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة – على جماعتهم، وكانت بنو جذيمة قد أصابوا في الجاهلية عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكه بن المغيرة– وكانا أقبلا تاجرين من اليمن– حتى إذا نزلا بهم قتلوهما، وأخذو أموالهما، فلما كان الإسلام وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد، سار حتى نزل ذلك الماء، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا.

صفحة مطبوعة 116 · ورقة PDF 116رابط الصفحة المنفردة

ثم قال الإمام الطبري: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحق، قال:حدثني بعض أهل العلم عن رجل من بني جذيمة، قال: لما أمرنا خالد بوضع السلاح، قال رجل منا يقال له جحدم: ويلكم يا بني جذيمة! إنه خالد، والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، ثم ما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبداً. قال: فأخذه رجال من قومه، فقالوا: يا جحدم؛ أتريد أن تسفك دماءنا! إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب، وأمِن الناس، فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد، فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكُتِّفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفع يديه إلى السماء، ثم قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد».

ثم ذكر الطبري بعث علي بن أبي طالب، فَوَدى لهم القتلى(250) .

هذا تقريباً بعض ما ورد في القصة من تفصيلات، وهي كما ترى تعارض وتناقض ما ورد في الرواية المجملة في صحيح البخاري.

وقد أفاد مجموع الروايات ما يلي:-

1- أن بني جذيمة كانوا قد أسلموا وصدَّقوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبنوا المساجد وأذَّنوا وصلَّوا فيها. (رواية بن سعد).

2- أن خالداً رضي الله عنه قتلهم بعدما تيقن من إسلامهم بلفظ صريح لا إشكال فيه ولا غموض، وعلم بذلك ومع هذا قتلهم. (رواية ابن سعد).

3- أن سبب قتل خالد لهم إنما كان ثأراً لعمه الفاكه بن المغيرة، الذي قتله بنو جذيمة في الجاهلية. (رواية الطبري).

هذا بعض ما أفادته الروايات المفصلة السابقة، وبناءً على هذه الروايات فقد حُكِم على خالد بن الوليد رضي الله عنه بأنه رجل قتَّال سفَّاك للدماء، قد خان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمره... الخ، وإليك أخي القاريء بعض النقولات

صفحة مطبوعة 117 · ورقة PDF 117رابط الصفحة المنفردة

في ذلك:-

قال الشهرستاني: «وقد كان للمجتهدين في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أثر كبير، بحيث سوغوا لأنفسهم العمل بأعمال نهى عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لم يأمر بها وتعدوا حدودهم، فراحوا يعترضون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتراض ندٍ وقرين، ويجتهدون أمام النص الصريح، فمن ذلك ما فعله خالد بن الوليد من الوقيعة ببني جذيمة السنة الثامنة للهجرة... لثأر كان بينه وبينهم في الجاهلية...»(251) .

وقال ابن طاووس: «ثم انظر إلى إقدام خالد على مخالفة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم!! في حياته وما ظهر منه، وكان الصواب ترك ولاية خالد ومحبته عند من يقول بصحة الخبر المذكور»(252) .

وقال الكراجكي: «لما تظاهر بالإسلام – خالد-، بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني جذيمة ليأخذ منهم صدقاتهم، فخانه في عهده، وخالفه على أمره، وقتل المسلمين، واستعمل في ذلك لترة(253) كانت بينه وبينهم في الجاهلية»(254) .

إلى غير ذلك من أقوال تشنع على خالد رضي الله عنه، وتتهمه في دينه بناء على هذه القصة.

ومن باب العدل والإنصاف لا بد من النظر في هذه الروايات، والمقارنة بينها لمعرفة صدق ذلك من عدمه، وعند التحقيق نجد أن هذه الروايات وقع فيها من التناقض والتعارض الشيء الكثير، مما يجعل القاريء لها يصعب عليه قبولها.

وسأقوم بمناقشة هذه الروايات كل واحدة على حدة، وبيان ما فيها سنداً ومتناً، ثم بعد ذلك التعليق على ما وقع من خالد في هذه القضية.

فأقول ومن الله أستمد العون والتوفيق:-

أولاً: رواية ابن سعد:-

هذه الرواية لا يمكن قبولها والاعتماد عليها في هذا الموضوع، رغم جلالة ناقلها وهو ابن سعد رحمه الله، وذلك:-

أ- سنداً:-

1- هذه القصة ساقها ابن سعد ضمن المغازي والسرايا التي وقعت في زمن النبي

صفحة مطبوعة 118 · ورقة PDF 118رابط الصفحة المنفردة

صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بيَّن رحمه الله في بداية سياقه لهذه الغزوات والسرايا إسناده في ذلك فقال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي أخبرنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن و... و... و...

ثم قال ابن سعد: وأخبرني رؤيم بن زيد المقري...

وأخبرني حسين بن محمد...

وأخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس...

ثم قال ابن سعد: دخل حديث بعضهم في بعض قالوا...

ثم شرع في سياق المغازي والسرايا.

وبهذه الطريقة لا نستطيع تحديد السند الكامل للقصة التي بين أيدينا حتى نعلم ما مدى صحتها من عدمه، ومن الذي زاد هذه الزيادات وما حكمها؟!

2- هذه القصة رواها الواقدي في مغازيه(255) بنصها قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر - أي الباقر - قال: لما رجع خالد ابن الوليد....

وهنا سند لا يحتج به لأسباب:-

أ- الواقدي: صاحب الكتاب وملخص القول فيه قول الحافظ ابن حجر رحمه الله: متروك مع سعة علمه(256) .

ب- عبد الرحمن بن عبد العزيز: هو ابن عبد الله بن عثمان الأنصاري الأوسي، أبو محمد المدني.

وملخص الأقوال فيه قول الحافظ ابن حجر رحمه الله: صدوق يخطئ(257) .

ج - حكيم بن عباد بن حنيف: هو ابن واهب بن الحكيم الأنصاري الأوسي المدني.

صفحة مطبوعة 119 · ورقة PDF 119رابط الصفحة المنفردة

قال ابن سعد: كان قليل الحديث ولا يحتجون بحديثه.

وقال العجلي: ثقة. وصحح له الترمذي وابن خزيمة وغيرهما.

وقال ابن القطان: لا يعرف حاله(258) .

وقال الحافظ ابن حجر: صدوق(259) .

د - الحديث معضل لأنه من رواية أبي جعفر الباقر رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو لم يدرك ذلك، لأن مولده كان سنة 56هـ، فكيف يروي مباشرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!

ب - وأما من جهة المتن:-

فالرواية تنص على أن بني جذيمة قد صرحوا لخالد رضي الله عنه بأنهم مسلمون، ودليل إسلامهم بناء المساجد والأذان فيها والصلاة، ومع ذلك قتلهم خالد رضي الله عنه غدراً وخيانة بعد وضعهم السلاح، وهذا مخالف مخالفة صريحة لرواية البخاري التي تنص على أن القوم لم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، وجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فقتلهم خالد ظناً منه أنهم لم يسلموا.

فرواية ابن سعد فيها مطعن عظيم ومغمز خطير في دين خالد رضي الله عنه؛ لأنه قتلهم بعد علمه اليقيني بإسلامهم، وهذا ما ننزِّه خالداً عنه؛ لأنه أتقى لله وأخوف له من أن يقع منه ذلك بهذه الطريقة البشعة.

صفحة مطبوعة 120 · ورقة PDF 120رابط الصفحة المنفردة

ثانياً: رواية الطبري:-

وهذه الرواية عند النظر والتحقيق فيها لا يمكن الاعتماد عليها أيضاً، وإن كانت هي عمدة كثير ممن تكلم في هذا الموضوع، وأسباب رد هذه الرواية ما يلي:-

أ- سنداً:

فالناظر في سند هذه الرواية يجزم ببطلانها وعدم ثبوتها؛ وذلك لما يلي:-

1- ابن حميد شيخ الطبري: هو محمد بن حميد الرازي، ومن نظر في ترجمته جزم بأنه لا يحتج به.

قال عنه البخاري: فيه نظر.

وقال السدوسي: كثير المناكير.

وقال الجوزجاني: رديء المذهب غير ثقة.

وقال النسائي: ليس بثقة.

وقال ابن حجر: ضعيف(260) .

2- سلمة: هو ابن الفضل الرازي الأبرش الأنصاري، أبو عبد الله الأزرق الرازي.

قال البخاري: عنده مناكير وهّنهُ علي.

وقال أبو حاتم: محله الصدق، في حديثه إنكار، لا يمكن أن أطلق لساني فيه بأكثر من هذا، يكتب حديثه ولا يحتج به.

وقال النسائي: ضعيف.

وقال ابن عدي: عنده غرائب وإفرادات، ولم أجد في حديثه حديثاً قد جاوز الحد في الإنكار، وأحاديثه متقاربة محتملة.

وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطيء ويخالف.

وقال ابن حجر: صدوق كثير الخطأ(261) .

3- ابن إسحق: صاحب المغازي، فمختلف فيه.

صفحة مطبوعة 121 · ورقة PDF 121رابط الصفحة المنفردة

قال فيه ابن حجر: صدوق يدلس ورُمِي بـ...والقدر(262) .

4-حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف: فقال عنه ابن سعد: قليل الحديث ولا يحتجون بحديثه. وذكره ابن حبان في الثقات.

وقال العجلي: ثقة وصحح له الترمذي وابن خزيمة وغيرهما.

وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.

وقال ابن حجر: صدوق(263) .

فهذه حال رجال السند، وأقل ما يقال فيه إنه: ضعيف؛ لعلتين:-

أ- ضعف بعض رجال السند كما سبق.

ب- الإرسال: فهو من رواية أبي جعفر الباقر رضي الله عنه، وهو لم يدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وأما السند الآخر الذي ذكره الطبري عن محمد بن إسحق قال: حدثني بعض أهل العلم عن رجل من بني جذيمة... الخ

فبمجرد النظر إليه يجزم بضعفه لجهالة بعض رجاله.

وقد عقب الحافظ ابن كثير على هذه الروايات بقوله: «وهذه مرسلات ومنقطعات»(264) .

ب- متناً:- فيقال فيها ما قيل في رواية ابن سعد الماضية: إنه لا يمكن الظن بخالد رضي الله عنه أن يقتل القوم بعد علمه بصحة إسلامهم، وتيقنه من ذلك، وبعد إعطائهم الأمان بوضع السلاح، فهذا كله مخالف لرواية البخاري الصحيحة في هذا الباب.

هذه حال الروايات المفصلة في قصة خالد مع بني جذيمة، وقد ظهر من خلال الاستعراض السابق أنه لا توجد رواية سالمة من الطعن والمقال فيها سنداً ومتناً. ولعلي أضيف هنا بعض النقاط المؤيدة لبطلان هذه الروايات:

1- نصت رواية ابن سعد والطبري على أن النبي صلى الله عليه

صفحة مطبوعة 122 · ورقة PDF 122رابط الصفحة المنفردة

وآله وسلم بعث خالداً إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام، ولم يبعثه مقاتلاً، وهذا يخالف رواية البخاري حيث لم تتعرض لمنع خالد من قتال القوم، وإنما جاء في الرواية «فدعاهم إلى الإسلام»، والمعروف والمشهور من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعثه البعوث والسرايا إلى غير المسلمين دعوتهم إلى أحد ثلاثة أمور إما الإسلام أو الجزية أو القتال، كما جاء ذلك في حديث بريدة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال... وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم... فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم...»(265) فإن أسلموا أو أدوا الجزية وجب الكف عنهم، وإلا فليس لهم إلا السيف، وهذا ما فعله خالد رضي الله عنه، فإنه لما لم يفهم عنهم أنهم أرادوا الإسلام قتلهم، ومما يؤيد ضعف رواية ابن سعد والطبري ما جاء في رواية ابن سعد من أن عدد السرية كان 350 رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فهل يعقل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل هذا العدد لدعوة بني جذيمة للإسلام؟!

لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبعث الرجل والرجلين لدعوة القوم إلى الإسلام ويكتفي بذلك، فلماذا كل هذا العدد مع بني جذيمة بالتحديد؟!

2-أن جُلَّ المعترضين الطاعنين في خالد رضي الله عنه- إن لم يكونوا كلهم– يذكرون أن سبب قتل خالد لبني جذيمة هو الثأر لعمه الفاكه بن المغيرة الذي قتلته بنو جذيمة في الجاهلية، وهذا الأمر لم يثبت بسند صحيح كما سيأتي معنا، ولكن العجيب في الأمر قول المفيد في «الإرشاد»: «إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنفذ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، وأنفذ معه عبد الرحمن بن عوف للترة – الثأر – التي كانت بينه وبينهم، ولولا ذلك ما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالداً أهلاً للإمارة على المسلمين!!»(266) .

فلا أدري ما قصده بهذا الكلام؟! فهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قاصداً قتل بني جذيمة؛ ولذلك أرسل إليهم أميراً بينهم وبينه عداوة وثأر، حتى يعاملهم بالثأر!!

صفحة مطبوعة 123 · ورقة PDF 123رابط الصفحة المنفردة

وهل أصبحت الأحقاد والضغائن بين الناس هي السبب المقنع والمحفز عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتأمير؟! وأين هذا من قولهم: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث خالداً داعياً إلى الإسلام، وليس مقاتلاً؟! فكيف يُؤمِّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً بينه وبين القوم المبعوث إليهم ثأر وحقد؟! ثم بعد ذلك يقال: إنه بعثه داعياً لا مقاتلاً؟! هذا مطعن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم كيف يتبرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فعل خالد، وهو الذي بعثه إلى هؤلاء القوم، مع علمه بالترة والثأر الذي بينه وبينهم، فكأن السبب الحقيقي في مقتل بني جذيمة – بحسب استنباط المفيد – هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس خالد. وحاشاه من كل ذلك.

* فائدة:-

صفحة مطبوعة 124 · ورقة PDF 124رابط الصفحة المنفردة

روى الواقدي بسنده: عن أبي قتادة رضي الله عنه وكان في القوم– يعني يوم بني جذيمة– قال: «لما نادى خالد في السحر: من كان معه أسير فليدافه، أرسلت أسيري، وقلت لخالد: اتق الله؛ فإنك ميت وإن هؤلاء قوم مسلمون. قال: يا أبا قتادة، إنه لا علم لك بهؤلاء. قال أبوقتادة: فإنما يكلمني خالد على ما في نفسه من الترة عليهم»(267) .

قلت: هذه الرواية لو صحت لكانت مما يؤيد رأي القائلين بأن خالداً قتل القوم ثأراً لعمه الفاكه، وبعد علمه بإسلامهم، ولكن الرواية – بحمد الله – لا تصح؛ لأنها من رواية الواقدي، وحاله غني عن البيان، ثم إن في السند مجهولاً حيث قال الواقدي: حدثني يحيى ابن عبد الله بن أبي قتادة عن أهله عن أبي قتادة.

إذن الملخص النهائي لما سبق: هو أن جميع الروايات المفصلة لقصة خالد رضي الله عنه مع بني جذيمة لا تصح: لضعف أسانيدها والتناقض والاضطراب في متونها، ولذا فكل ما بني عليها من أحكام ومواقف فلا يعتدُّ بها ولا يلتفت إليها.

بقي الإشارة إلى الفهم الصحيح لأهل العلم للرواية الثابتة في قصة خالد مع بني جذيمة:-

فأولاً: لا بد من استحضار المقدمات التي ذكرت في بداية هذه الشبهة؛لأنها مما يعين بإذن الله على الفهم السليم، وعدم الخوض في المسألة بلا علم.

ثانياً: أن أهل العلم يرون أن خالداً أخطأ في فعله ذلك، وأنه قد أنكر عليه جماعة من الصحابة ممن كانوا معه، كسالم مولى أبي حذيفة، وابن عمر رضي الله عنهما راوي القصة في البخاري، وعبد الرحمن بن عوف.

قال شيخ الإسلام: «وكذلك خالد بن الوليد لما قتل

صفحة مطبوعة 125 · ورقة PDF 125رابط الصفحة المنفردة

بني جذيمة وأخذ أموالهم كان مخطئاً قطعاً»(268)

وقال ابن الأثير: «ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكه بعثه– خالد – إلى بني جذيمة من بني عامر بن لؤي، فقتل منهم من لم يجز له قتله»(269) .

وقال ابن عبد البر: «وبعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الغميصاء: ماء من مياه جذيمة من بني عامر، فقتل منهم ناساً لم يكن قتله لهم صواباً»(270) .

إلى غير ذلك من الأقوال المفيدة بأن خالداً أخطأ في فعله.

ثالثاً: كيف فهم أهل العلم ما فعله خالد رضي الله عنه ببني جذيمة؟!

والجواب: أنهم يقولون: إن خالداً قتل القوم لا عن عمد، وإنما متأولاً أنهم غير مسلمين.

وهذه بعض النصوص المفيدة لذلك:-

قال الإمام ابن حزم بعد أن أورد حديث قتل بني جذيمة: «لأن خالداً لم يقتل بني جذيمة إلا متأولاً أنهم كفار، ولم يعرف أن قولهم: صبأنا صبأنا إسلام صحيح»(271) .

وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: «إن خالد بن الوليد غزا بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوماً، فقالوا:صبأنا وأرادوا أسلمنا، فلم يقبل خالد ذلك منهم، وقتلهم بناءً على ظاهر اللفظ، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فأنكره، فدل على أنه يكتفى من كل قوم بما يعرف من لغتهم، وقد عذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالد ابن الوليد في اجتهاده، ولذلك لم يَقُدْ منه، وقال ابن بطال: لا خلاف أن الحاكم إذا قضى بجور أو بخلاف قول أهل العلم أنه مردود، لكن ينظر فإن كان على وجه الاجتهاد فإن الإثم ساقط، وأما الضمان فيلزم عند الأكثر...»(272) .

وقال في موضع آخر:«وأما خالد فحمل هذه اللفظة على ظاهرها؛ لأن قولهم: صبأنا أي خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام. وقال الخطابي: يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام؛ لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة، ولم ينقادوا إلى الدين فقتلهم

صفحة مطبوعة 126 · ورقة PDF 126رابط الصفحة المنفردة

متأولاً»(273)

وقال الحلبي: «ولا يخفى أنه يبعد أن خالد بن الوليد إنما قتلهم لقولهم صبأنا ولم يقولوا أسلمنا، إلا أن يقال يجوز أن يكون خالد فهم أنهم قالوا ذلك على سبيل الأنفة، وعدم الانقياد إلى الإسلام، وأنه عليه الصلاة والسلام إنما أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم، قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا»(274) .

وقال شيخ الإسلام: «وكذلك خالد بن الوليد قد قتل بني جذيمة متأولاً»(275) .

وقال ابن القيم: «فإن خالد بن الوليد قتل بني جذيمة بالتأويل»(276) .

إلى غير ذلك من النصوص المفيدة أن خالداً رضي الله عنه ما قتل القوم إلا لظنه أنهم رفضوا الإسلام ولم يقبلوه «إذ فهم أن القوم يسخرون من الإسلام بقولهم صبأنا، لأن قريشاً كانت تنبذ الذي يدخل الإسلام بأنه صابئ تعييراً له، وكان هذا مشهوراً، وقد وقع لخالد نفسه حين أسلم فقال له عكرمة بن أبي جهل: صبأت يا خالد؟ قال: بل أسلمت. وكذلك وقع مثله لثمامة بن أثال وعمر بن الخطاب وغيرهم من الصحابة، فعذر خالد في إسراعه بقتل القوم قائم، وهو أنه لم يفهم منهم إلا رفض الإسلام، لأنهم لم يصرحوا به، ولكنه لم يستفسرهم عن مرادهم، ولم يأخذ برأي عبد الرحمن بن عوف وابن عمر، فكان ذلك خطأ منه تبرأ من صنيعه فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وودى أولئك القتلى، وأقر خالداً على إمرته، لأنه مجتهد ولم يكن يقصد إلا نصرة الإسلام بما فعل»(277) ، وهذا ما يؤكد بطلان تلك الروايات السابقة، التي نصت على أن القوم أخبروا خالداً بإسلامهم بصيغة صريحة لا شبهة فيها ولا تأويل، ومع ذلك قتلهم متعمداً أخذاً بثأر الجاهلية.

وبناءً على ذلك يكون خالد معذوراً في اجتهاده هذا، ولكن هناك فرق بين عذره وبين تصحيح خطئه والدفاع عن هذا الخطأ، فنحن نقول: إنه أخطأ بفعله ذلك، ومع هذا فهو معذور

صفحة مطبوعة 127 · ورقة PDF 127رابط الصفحة المنفردة

لتأوله.

فإن قيل: «فلو كان خالد معذوراً فيما اعتذر به من قتلهم، لما قال نبيهم!! صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»(278) .

فالجواب:

أ - أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبرأ من صنيع خالد؛ لأنه خطأ قطعاً، ولكنه لم يتبرأ من خالد لتأوله، ولهذا لم يقم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحد عليه.

قال الخطابي: «أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم، قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا»(279)

وقال أيضاً: «الحكمة في تَبَرُّئه؛ من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهداً، أن يُعرَف أنه لم يأذن له في ذلك؛ خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه؛ ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن فعل مثله»(280) .

وقال شيخ الإسلام: «ولما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفع يديه إلى السماء، وقال:«اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»؛ لأنه خاف أن يطالبه الله تعالى بما جرى عليهم من العدوان»(281) .

وقال الحافظ ابن حجر: «والذي يظهر أن التبري من الفعل لا يستلزم إثم فاعله ولا إلزامه الغرامة، فإن إثم المخطيء مرفوع، وإن كان فعله ليس بمحمود»(282) .

إذن فهناك فرق بين إعذار المتأول في فعله، وبين بيان أن ذلك الفعل الواقع منه خطأ.

ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قَبِل عذر خالد، وإن كان تبرأ من فعله، أنه؛ لم يقم الحد عليه، فلو كان خالد قد قتل القوم متعمداً كما نصت الروايات السابقة، وأنه ثأر لعمه الفاكه، لما جاز للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يترك إقامة الحد عليه، ويكتفي فقط بالتبري من فعله ودية القتلى.

صفحة مطبوعة 128 · ورقة PDF 128رابط الصفحة المنفردة

قال الحافظ ابن حجر: «وقد عذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد في اجتهاده؛ ولذلك لم يُقِد منه»(283) . قال

وقال الداوودي: «لم يَرَ صلى الله عليه وآله وسلمالقَوَد في ذلك لأنه متأول»(284) .

فإن قيل: إن أهل القتلى تنازلوا عن القصاص، ورضوا بالدية وهذا حقهم، ولذلك لم يُقم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحد على خالد.

فالجواب: أن ذلك غير صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودى القتلى مباشرة، دون تخيير أهلهم بين القصاص أو الدية أو العفو كما هو الحال في القتل العمد، فلم يثبت بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيَّرهم بين هذه الأمور الثلاثة، فدل ذلك على أن قتلهم كان خطأ، والقاتل المخطىء لا قصاص عليه، وهذا هو حال خالد.

ب- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعزل خالداً عن الإمارة بعد هذه الواقعة، فدل ذلك على أنه قبل منه اعتذاره وعفى عن خطئه.

قال شيخ الإسلام: «ومع هذا فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعزل خالداً عن الإمارة، بل ما زال يؤمره ويقدمه، لأن الأمير إذا جرى منه خطأ أو ذنب أمر بالرجوع عن ذلك، وأقر على ولايته، ولم يكن خالد معانداً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان مطيعاً له ولكن لم يكن في الفقه والدين بمنزلة غيره، فخفي عليه حكم هذه القضية»(285) .

صفحة مطبوعة 129 · ورقة PDF 129رابط الصفحة المنفردة

تتمة

إن قيل: لقد ورد أن خالداً اعترف بأنه فعل ما فعل ببني جذيمة أخذاً بثأر عمه الفاكه ابن المغيرة، واختصم هو وعبد الرحمن بن عوف في ذلك، كما روى ذلك الواقدي(286) وعنه ابن عساكر(287) من حديث إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: «لما قدم خالد بن الوليد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عاب عبد الرحمن بن عوف على خالد ما صنع، وقال: يا خالد أخذت بأمر الجاهلية قتلتهم بعمك الفاكه، قاتلك الله، قال: وأعانه عمر بن الخطاب على خالد. فقال خالد: أخذتُهم بقتل أبيك. فقال عبدالرحمن: كذبت والله، لقد قتلتُ قاتل أبي بيدي، وأشهدتُ على قتله عثمان بن عفان، ثم التفت إلى عثمان، فقال: أنشدك الله هل علمتَ أني قتلتُ قاتل أبي؟ فقال عثمان: اللهم نعم. ثم قال عبدالرحمن: ويحك يا خالد، ولو لم أقتل قاتل أبي، كنتَ تقتل قوماً مسلمين بأبي في الجاهلية؟! قال خالد: ومن أخبرك أنهم أسلموا؟! فقال: أهل السرية كلهم يخبروننا أنك وجدتهم قد بنوا المساجد وأقروا بالإسلام، ثم حملتهم على السيف. قال: جاءني رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أغير عليهم، فأغرت بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقال عبدالرحمن: كذبتَ على رسول الله. وغالظ عبدالرحمن، وأعرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن خالد وغضب عليه، وبلغه ما صنع بعبد الرحمن، فقال: «ياخالد ذروا لي أصحابي، متى يُنكَ أنف المرء يُنْكَ المرءُ، ولو كان أُحُد ذهباً تنفقه قيراطاً قيراطاً في سبيل الله، لم تدرك غدوة أو روحة من غدوات أو روحات عبدالرحمن».

وروى الواقدي(288) ومن طريقه ابن عساكر(289) أيضاً من حديث ابن عمر، قال: «قال عمر لخالد: ويحك يا خالد أخذت بني جذيمة بالذي كان من أمر الجاهلية؟ أو ليس الإسلام قد محا ما كان قبله في الجاهلية؟! فقال: يا أباحفص والله ما أخذتهم إلا بالحق، أغرتُ على قوم مشركين فامتنعوا، فلم يكن لي بد إذ امتنعوا من

صفحة مطبوعة 130 · ورقة PDF 130رابط الصفحة المنفردة

قتالهم، فأسرتهم ثم حملتهم على السيف. فقال عمر: أي رجل تعلم عبد الله بن عمر؟

قال: أعلمه والله رجلاً صالحاً. قال: فهو الذي أخبرني غير الذي أخبرتني، وكان معك في ذلك الجيش. فقال خالد: فإني أستغفر الله وأتوب إليه. قال: فانكسر عنه عمر وقال: ويحك ائت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر لك».

والجواب على ذلك:-

أولاً: أن في سند الروايتين الواقدي محمد بن عمر، وحاله معروف، فهي روايات ضعيفة لا تصح سنداً.

ثانياً: وأما متناً: فهي مخالفة لرواية البخاري، حيث نصت هذه الروايات على أن خالداً قتل القوم مع علمه الصريح واليقيني بإسلامهم، وهذا لا يظن به، ثم إن في الرواية أن خالداً تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك كذب على عمر رضي الله عنه، والظن بخالد أنه أتقى لله وأورع من أن يصدر عنه مثل ذلك.

ثالثاً: ورد أنه وقع بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام وشجار بسبب هذه الحادثة؛ ولكن على سبيل الإجمال، وهي أسانيد مقبولة، فمثلاً روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس رضي الله عنه قال: «كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها. فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهباً ما بلغتم أعمالهم»(290) .

صفحة مطبوعة 131 · ورقة PDF 131رابط الصفحة المنفردة

وروى الطبراني من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: «شكا عبدالرحمن بن عوف خالد بن الوليد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا خالد لا تؤذِ رجلاً من أهل بدر، فلو أنفقتَ مثل أحد ذهباً لم تدرك عمله؟ قال: يقعون فِيَّ فأَرُدُّ عليهم. قال:«لا تؤذوا خالداً فإنه سيف من سيوف الله صَبَّه الله على الكفار»(291) .

فهذه الروايات تدل على أنه وقع كلام وخصام بين خالد بن الوليد وبين عبدالرحمن ابن عوف، ولكنها لم تحدد طبيعة هذا الكلام فلعله إنكار من عبدالرحمن على خالد في قتله بني جذيمة، كما حدث من ابن عمر وسالم مولى أبي حذيفة، أما أنه اتهمه بالقتل ثأراً لعمه الفاكه، واعتراف خالد بذلك، فهذه نصوص ضعيفة لا يعتد بها ولا يحتج بها.

رابعاً: على فرض صحة القصة، فإن ما وقع من كلام بين خالد وعبدالرحمن كان في وقت المخاصمة والشجار لا أنه حدث حقيقة.

قال الحافظ ابن كثير تعليقاً على تخاصم عبد الرحمن وخالد: «فلهذا قال خالد لعبدالرحمن: إنما ثأرت لأبيك يعني حين قتلَتْهُ بنو جذيمة، فأجابه بأنه قد أخذ ثأره وقتل قاتله، ورد عليه بأنه إنما ثأر بعمه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه وأخذوا أمواله، والمظنون بكل واحد منهما أنه لم يقصد

صفحة مطبوعة 132 · ورقة PDF 132رابط الصفحة المنفردة

شيئاً من ذلك، وإنما يقال هذا في وقت المخاصمة، فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الإسلام وأهله، وإن كان أخطأ في أمر واعتقد أنهم ينتقصون الإسلام بقولهم صبأنا صبأنا، ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا، فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيتهم، وقتل أكثر الأسرى أيضاً، ومع هذا لم يعزله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل استمر به أميراً، وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك، وودى ما كان جناه خطأ في دم أو مال»(292)

صفحة مطبوعة 133 · ورقة PDF 133رابط الصفحة المنفردة

الشبهة الثانية: القول في: قصة خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة وقتله والزواج من امرأته

وملخص الشبهة: أن مالك بن نويرة قد جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلماً، وقد أسند إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم جباية صدقات قومه، ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تولى الأمر بعده أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فما كان من مالك ابن نويرة إلا أن توقف في دفع الزكاة لأبي بكر؛ لأنه لم يكن يراه أهلاً للخلافة!! وأن صاحب الأمر في ذلك هو علي رضي الله عنه، فاعْتُبِر هذا الموقف من مالك بن نويرة ردة عن دين الإسلام في نظر أبي بكر، فما كان منه إلا أن بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى مالك فقتله ظلماً وعدواناً، وتزوج من امرأته في نفس الليلة بدون انقضاء عدتها، وذلك لافتتان خالد بجمالها.

وقد أنكر كل من أبي قتادة وعمر رضي الله عنهما فعل خالد، وأنه قتل رجلاً مسلماً وزنى بامرأته، فلا بد من إقامة الحد عليه، إلا أن الصديق رضي الله عنه امتنع عن ذلك والتمس لخالد العذر في جريمته، بأنه تأول فأخطأ، وأنه سيف من سيوف الله سلَّه الله تعالى على الكفار، فلا يُغمد أبداً مهما فعل.

هذا ملخص سريع ومجمل لهذه الشبهة وهذا المطعن العظيم في دين خالد، وفي دين الصديق رضي الله تعالى عنهما.

ولعل الكلام يطول في هذه الشبهة، والرد عليها؛ وذلك لكثرة الروايات فيها، وكثرة الكلام حولها، وحتى تتضح الصورة ويخرج القارىء بنتيجة مفيدة في هذا المقام، لا بد من تقسيم الموضوع إلى عدة مباحث كما يلي:-

المبحث الأول: حكم منع الزكاة.

المبحث الثاني: موقف مالك بن نويرة من دفع الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

المبحث الثالث: أسباب امتناع مالك بن نويرة من دفع الزكاة.

صفحة مطبوعة 134 · ورقة PDF 134رابط الصفحة المنفردة

المبحث الرابع: حال مالك بن نويرة وهل ارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لم يرتد؟!

المبحث الخامس: لماذا قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة؟ والروايات في ذلك.

المبحث السادس: موقف خالد بن الوليد من زوجة مالك بن نويرة.

المبحث السابع: حكم ما فعله خالد بن الوليد من القتل والزواج.

فأقول وبالله التوفيق ومنه أستمد العون والإرشاد:-

لقد كثر الكلام في هذه المسألة قديماً وحديثاً، وجُعلت من أشهر المطاعن في الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه، وعند النظر العلمي والتحقيق القائم على أسس صحيحة، بعيدة عن الغلو والتعصب والهوى، نجد أنه قد وقع في هذه القضية من الكذب والدس والتلفيق، والاتهام بالزور والباطل والبهتان، والأخذ بالظن السيء والقذف، و... و... و... الشيء الكثير والكثير جداً.

ولعل كثيراً من المواقف بنيت على أسس متهاوية، ودعائم هالكة وروايات باطلة، ولذا أقول: إن من أراد الخير لدينه والسلامة لإيمانه، وحرص على الكلام بعلم وعدل لا بظلم وجهل، فلا بد له من التحقيق العلمي الدقيق في مثل هذه القضايا التي تمس أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم السلام، أما أن يحكم على صحابي جليل بأحكام جائرة وباطلة نتيجة بعض الروايات والقصص والحكايات المطعون فيها، فهذا – والله – من أعظم الاعتداء والظلم للنفس أولاً وللآخرين ثانياً.

مباحث هذه الشبهة: المبحث الأول:

صفحة مطبوعة 135 · ورقة PDF 135رابط الصفحة المنفردة

حكم منع الزكاة

إن القاريء في كتب التاريخ والسير يجد أن كثيراً من العرب قد ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى إن ابن إسحق حصر الذين لم يرتدوا في أهل المسجدين (مكة والمدينة)(293) ، فعزم سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه على قتالهم، وقد كان أهل الردة على أقسام:-

منهم من تبع مدعي النبوة كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي، وسجاح، وهؤلاء لا إشكال فيهم فقد اتفق الصحابة على كفرهم وردَّتهم.

ومنهم من أنكر شرائع الإسلام وترك الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وهؤلاء أيضاً لم يقع بين الصحابة خلاف فيهم، فهم مرتدُّون.

ومنهم من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة ومنعوا الزكاة وقالوا بعدم وجوب أدائها للإمام، واستدلوا على ذلك بأن الله تعالى أمر بدفع الزكاة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليطهرهم ويزكيهم بها، وهذا لا يكون لمن جاء بعده، قال تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(294) وهؤلاء من وقع الخلاف فيهم بين الصحابة والصديق رضي الله عنهم، واحتجوا عليه بأنه كيف يقاتل من شهد الشهادتين وأقام الصلاة، فقال الصديق قولته الشهيرة:-

«والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم على منعها.

قال عمر: والله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر، فعرفتُ أنه الحق»(295) .

صفحة مطبوعة 136 · ورقة PDF 136رابط الصفحة المنفردة

فعُلم من ذلك أن الصحابة اتفقوا في نهاية الأمر على وجوب قتال من منع الزكاة، سواء كان منعه جحوداً أو غير ذلك وأن ذلك كله سمي قتال أهل الردة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «والصحابة لم يقولوا: أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها، هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة، بل قال الصديق لعمر رضي الله عنهما: والله لو منعوني عقالاً - أو عناقاً - كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم على منعه، فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب، وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة وهي قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة، وكان من أعظم فضائل الصديق عندهم أن ثبته الله تعالى على قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله»(296) .

وقال أيضاً: «وفي الجملة فالذين قاتلهم الصديق رضي الله عنه كانوا ممتنعين عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإقرار بما جاء به فلهذا كانوا مرتدين»(297) .

وليس هذا المقام مقام تفصيل لهذه النقطة، ولكن المراد من هذا العرض أن أهل الردة أقسام، ومن بينهم الذين منعوا الزكاة، وأن الصحابة اختلفوا في بداية الأمر في قتالهم، ثم اتفقت كلمتهم على وجوب القتال.

هذا مذهب أهل العلم في ذلك، وهم بذلك لم يخالفوا نصاً صريحاً صحيحاً، ولم يخرقوا إجماعاً، بل إنك تجد في كتب المعترضين والطاعنين في الصحابة، وعلى رأسهم الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ما يؤيدفعل الصحابة في هذه المسألة، فعلى سبيل المثال لا الحصر:-

جاء في كتاب «من لا يحضره الفقيه»: عن أبي عبد الله؛ قال: «من منع قيراطاً من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم، وهو قول الله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ ».

وفي رواية

صفحة مطبوعة 137 · ورقة PDF 137رابط الصفحة المنفردة

أخرى: «ولا تقبل له صلاة».

وروى أبان بن تغلب عنه؛ قال: «دمان في الإسلام حلال من الله تبارك وتعالى، لا يقضي فيهما أحد حتى يبعث الله عز وجل قائمنا أهل البيت، فإذا بعث الله عز وجل قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم الله تعالى: الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب عنقه»(298) .

وغير ذلك من النصوص الصريحة في كفر من منع الزكاة، بدون تفصيل في منعها جحوداً أو عدمه، ووجوب قتاله وقتله.

فلماذا إذن الإنكار على الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ما فعل مع مانعي الزكاة، مع أن الطاعنين في خلافته وما قام به من قتال لمانعي الزكاة قد جاءت النصوص الصريحة عنهم بموافقته كما سبق؟!

لا جواب إلا أن يقال: هو التعصب والهوى الذي يردي صاحبه.

صفحة مطبوعة 138 · ورقة PDF 138رابط الصفحة المنفردة

المبحث الثاني: موقف مالك بن نويرة من دفع الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

إن القارئ في المراجع التاريخية، ولمن كتب في حروب الردة من الموافقين أو المخالفين، يجد أن مسألة منع مالك بن نويرة، وبعض قومه من دفع الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأمور المسلمة، والمتفق عليها بين الطرفين، وإن كان الخلاف قد وقع في أسباب هذا المنع ودوافعه، وهذا ما سأبحثه بعد هذه النقطة، فمسألة منع الزكاة واقعة منهم لا محالة، وهذا الأمر يذكره الطاعنون في خالد بن الوليد وفي الصديق وفي حروب الردة.

وإليك بعض العبارات الدالة على ذلك:-

قال النجفي – بعد كلام في حكم مانع الزكاة وجواز قتله وهل هو مرتد أم لا– قال: « أما الأول -أي مانع الزكاة بدون استحلال– فليس بمرتد قطعاً خلافاً للعامة(299) ، فسمُّوه مرتداًً لما وقع من أبي بكر في قوم منعوا الزكاة، فأرسل إليهم خالد بن الوليد لعنه الله !! فقتل رجالهم وسبى نساءهم، حتى دخل بزوجة مالك في تلك الليلة..»(300) .

فالنص واضح أن من ضمن من منع الزكاة مالك بن نويرة.

وفي «سفينة النجاة»: «ولا يصح أن نحمل على مانعي الزكاة الذين قتل خالد بن الوليد رجالهم وسبى ذراريهم ونهب أموالهم، ونكح امرأة مالك بن نويرة ليلة قتله...»(301) .

وفي كتاب «الكنى والألقاب»: «ولا يحتمل المقام الإشارة إلى وقائعه – خالد – ولكني أشير إلى وقعتين: الأولى...

الثانية: قال ابن شحنة الحنفي في روضة الناظر: في أيام أبي بكر منعت يربوع الزكاة، وكان كبيرهم مالك بن نويرة... فأرسل أبو بكر خالد بن الوليد فقال مالك: إنا نأتي بالصلاة دون الزكاة...»(302) .

صفحة مطبوعة 139 · ورقة PDF 139رابط الصفحة المنفردة

وفي «شرح إحقاق الحق» في ترجمة مالك بن نويرة: «أقول من الفجايع الواقعة في الصدر الأول قضية قتله، وما عومل بأهله وحريمه، بعد امتناعه من رد الزكاة لعمال الشخص الأول...»(303) .

أعتقد أن مثل هذه النقولات كاف لإثبات هذا الأمر، وأنه ليس بدعاً من لدن الصديق وخالد رضي الله عنهما، بل هو مما اعترف به المخالفون.

وبناء على ذلك لو ربطنا هذه النقطة بالنقطة السابقة– وهي حكم منع الزكاة– لوجدنا أن مالك بن نويرة مستحق للقتل وضرب العنق، وأنه ليس بمؤمن ولا مسلم، فلماذا الإنكار إذن على أبي بكر الصديق وتجريم فعله؟!

إلا أن المعترضين على قتل مالك خرجوا من هذا المأزق بأن مالك بن نويرة منع الزكاة لسبب ورأي كان يراه، وأن هذا السبب والرأي ليس مبيحاً لأبي بكر الصديق رضي الله عنه لقتله.

فجعلوا السبب المانع من دفع الزكاة عند مالك بن نويرة عذراً له في فعله، بل وصوَّبوا هذا الفعل وأقرُّوه، وأنكروا على المخالف وجرَّموه، وهذا السبب سيأتي بعد قليل.

وأما كلام أهل العلم ونقولاتهم في منع مالك بن نويرة للزكاة وتسميته بالجفول، لجفله إبل الصدقة، وتفريق الزكاة في قومه، فهذا أشهر من أن يذكر، ومن أراد التأكد فليراجع بعض المصادرالتاريخية التي تحدثت عن ذلك(304) .

صفحة مطبوعة 140 · ورقة PDF 140رابط الصفحة المنفردة

فوائد

فائدة (1)

ذكر شاذان بن جبرائيل في كتابه «الفضائل»: أن أبا بكر رضي الله عنه أمر خالد بن الوليد رضي الله عنه بقتل مالك بن نويرة؛ لسبب سيأتي معنا بعد قليل، وأَظْهَرَ للنَّاس أن قتلهم له كان بسبب الردة ومنع الزكاة(305) .

وأقول: إن هذا الأمر خلاف ما نصت عليه المراجع السابقة عند الموافقين والمخالفين، من أن مالك بن نويرة قد منع الزكاة حقيقة، وليس ادعاءً واتهاماً له.

فائدة (2)

ذكر الشريف المرتضى في كتابه «الشافي» نقلاً عن الإمام الطبري في قصة مالك بن نويرة فقال: «وقد روى جماعة من أهل السير وذكره الطبري في تاريخه، أن مالكاً نهى قومه عن الاجتماع على منع الصدقات..»(306) .

وبالرجوع إلى نص الإمام الطبري في تاريخه(307) ، نجده يقول: «إن مالكاً نهى قومه عن الاجتماع» دون زيادة (على منع الصدقات)، فهذه إضافة من الشريف المرتضى؛ من أجل إثبات عدم منع الزكاة من قبل مالك بن نويرة، وهذا تحريف في النقل يؤدي إلى تحريف في المعنى، وليس هذا من طرق الراسخين في العلم.

قال ابن أبي الحديد في ا لرد على الشريف المرتضى:-

«منها: قوله-أي الشريف المرتضى- «إن مالكاً نهى قومه عن الاجتماع على منع الصدقات»، فإن ذلك غير منقول، وإنما المنقول أنه نهى قومه عن الاجتماع في موضع واحد، وأمرهم أن يتفرقوا في مياههم. ذكر ذلك الطبري، ولم يذكر نهيه إياهم عن الاجتماع على منع الصدقة»(308) .

وقال

صفحة مطبوعة 141 · ورقة PDF 141رابط الصفحة المنفردة

محقق كتاب «الأعيان»: «في الشافي: عن الاجتماع على منع الصدقات» كما سمعت، وليس ذلك في الطبري، وكأن المرتضى فهم منه أن المراد من الاجتماع هو الاجتماع على منع الصدقات، والصواب أنه نهاهم عن الاجتماع في مكان واحد، وأمرهم بالتفرق في أموالهم؛ لئلا يظن بهم الجيش العصيان إذا رآهم مجتمعين»(309)

فائدة (3)

ذكر الشريف المرتضى عدم إمكانية الجمع بين إقامة الصلاة والإقرار بها، وبين جحد الزكاة، فكيف يجحد مالك وقومه الزكاة مع إقرارهم بالصلاة.

قال الشريف المرتضى: «وكيف يجوز عند خصومنا على مالك وأصحابه جحد الزكاة مع المقام على الصلاة، وهما جميعاً في قَرَن(310) ؟! لأن العلم الضروري بأنهما من دينه؛ وشريعته على حد واحد، وهل نسبة مالك إلى الردة مع ما ذكرناه إلا قدح في الأصول، ونقض لما تضمنته من أن الزكاة معلومة ضرورة من دينه؛»(311) .

وقد رد على هذا الكلام ابن أبي الحديد فقال: «قلت: أما تعجب المرتضى من كون قومٍ منعوا الزكاة وأقاموا الصلاة، ودعواه أن هذا غير ممكن ولا صحيح، فالعجب منه كيف ينكر وقوع ذلك، وكيف ينكر إمكانه؟!

أما الإمكان: فلأنه لا ملازمة بين العبادتين إلا من كونهما مقترنتين في بعض المواضع في القرآن، وذلك لا يوجب تلازمهما في الوجود، أو من قوله: إن الناس يعلمون كون الزكاة واجبة في دين الإسلام ضرورة، كما يعلمون(312) كون الصلاة في دين الإسلام ضرورة، وهذا لا يمنع اعتقادهم سقوط وجوب الزكاة لشبهة دخلت عليهم. فإنهم قالوا: إن الله تعالى قال لرسوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(313) قالوا: فوصف الصدقة المفروضة بأنها صدقة من شأنها أن يطهر رسول الله عليه وسلم الناس ويزكيهم بأخذها منهم، ثم عقب ذلك بأن

صفحة مطبوعة 142 · ورقة PDF 142رابط الصفحة المنفردة

فرض عليه مع أخذ الزكاة منهم أن يصلي عليهم صلاة تكون سكناً لهم. قالوا: وهذه الصفات لا تتحقق في غيره.... فلم يجب علينا دفع الزكاة إلى غيره.

وهذه الشبهة لا تنافي كون الزكاة معلوماً وجوبها ضرورة من دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهم ما جحدوا وجوبها، ولكنهم قالوا: إنه وجوب مشروط، وليس يُعلم بالضرورة انتفاء كونها مشروطة، وإنما يُعلم ذلك بنظر وتأويل. فقد بان أن ما ادعاه من الضرورة ليس بدالّ على أنه لا يمكن أحد اعتقاد نفي وجوب الزكاة بعد موت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.... إلى آخر ما ذكره»(314) .

صفحة مطبوعة 143 · ورقة PDF 143رابط الصفحة المنفردة

المبحث الثالث: أسباب امتناع مالك بن نويرة من دفع الزكاة

فقد اتضح لكل منصف مبتغ للحق، أن مالك بن نويرة كان قد منع الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة الموافقين والمخالفين، إلا أن المنتصرين لمالك قد ذكروا أسباباً لهذا المنع من قِبل مالك بن نويرة؛ ليخرجوا من مأزق وجوب قتل مانع الزكاة، والحكم عليه بعدم الإيمان والإسلام، كما نقلتُ ذلك قبل صفحات.

وأنا في هذا المبحث سأذكر أهم هذه الأسباب التي جعلت مالك بن نويرة يمتنع عن دفع الزكاة بحسب آرائهم.

فمن خلال المطالعة والبحث في هذه المسألة وجدت أن المنتصرين لمالك يرجعون امتناع مالك بن نويرة عن دفع الزكاة إلى اعتقاده عدم أحقية الصديق رضي الله عنه بالخلافة، واغتصابه لها من الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبالتالي فهو ليس له الحق في أخذ مال الصدقة والزكاة من الناس.

وإليك أخي القاريء بعض النقولات في هذا الشأن:-

قال النجفي بعد أن ذكر إرسال الصديق خالداً لقتل مالك وقومه: «ولكن ذلك كان لأغراض فاسدة، خصوصاً بعد أن كان منعها عليه– أي منع الزكاة على الصديق- منهم؛ لعدم إمامته المقتضية وجوب طاعتهم له، وهذا هو الذي دعاه إلى ذلك»(315) .

وفي سفينة النجاة: «لأن تأخير جمع الزكاة وإعطائها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يظهر أن المدعي للأمر أهل لذلك أو لا، لا يصير سبباً للارتداد»(316) .

وفي «شرح إحقاق الحق» قال: «أقول من الفجايع الواقعة في الصدر الأول قضية قتله مالك وما عومل بأهله وحريمه بعد امتناعهم من رد الزكاة لعمال الشخص الأول– أبو بكر رضي الله عنه– معللين بأن المتقمص غير من نص عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف

صفحة مطبوعة 144 · ورقة PDF 144رابط الصفحة المنفردة

تؤدى الزكاة إليه»(317)

وفي كتاب «الأعيان» نقلاً عن الشافي للمرتضى: «أن مالك بن نويرة أمسك عن أخذ الصدقة من قومه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يقوم قائم بعده، وننظر ما يكون من أمره..»(318) .

وقال الوحيد البهبهاني في ترجمة مالك بن نويرة: «اختصاصه بعلي؛ ونهاية إخلاصه له مشهور، حتى إنه ما بايع أبا بكر أصلاً بل أنكر عليه أشد الإنكار وعاتبه بقوله:... أما تستحي أن تقوم في مقام أقام الله ورسوله فيه غيرك، وما ترك يوم الغدير حجة ولا معذرة..»(319) .

وفي كتاب «الفضائل» قوله: «ثم قدم مالك إلى المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لينظر من يتولى الأمر بعده، فلما رأى أبو بكر على المنبر تقدم إليه، وقال: من أرقاك هذا المنبر ووصّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس؟! فقال أبو بكر: أخرجوا الأعرابي البوَّال على عقبيه من مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»(320) .

هذه بعض النقولات في هذا الموضوع، وواضح من خلال عرضها أنها نصَّت على أن مالك بن نويرة لم يكن راضياً بخلافة الصديق رضي الله عنه. ويعتبرها غير شرعية، وأنه لم يبايعه أصلاً، فكيف يدفع إليه الزكاة بعد ذلك؟! فهذا سبب امتناع مالك عن دفع الزكاة لأبي بكر، ليس لأنه جحدها وارتد بذلك، ولكنه لم يكن يرى الصديق مستحقاً لأن تدفع إليه، لأنه خليفة غير شرعي.

والجواب على ذلك أن يقال: إن هذا الأمر باطل جملة وتفصيلاً، فنحن نتحدى من يقول بذلك أن يأتي بسند صحيح لقوله، ولن يستطيع إلى ذلك سبيلاً.

ونقول أيضاً: إن الصديق لم يقاتلهم لأنهم امتنعوا من دفع الزكاة إليه شخصياً مع قيامهم بدفعها إلى مستحقيها بأنفسهم، بل لأنهم منعوها أصلاً، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وهؤلاء أي الذين منعوا الزكاة لم يقاتلوهم لكونهم لم يؤدوها إلى الصديق، فإنهم لو أعطوها

صفحة مطبوعة 145 · ورقة PDF 145رابط الصفحة المنفردة

بأنفسهم لمستحقيها ولم يؤدوها إليه لم يقاتلهم، هذا قول جمهور العلماء كأبي حنيفة وأحمد وغيرهما، وقالوا: إذا قالوا نحن نؤديها بأنفسنا ولا ندفعها إلى الإمام لم يكن له قتالهم، فإن الصديق رضي الله عنه لم يقاتل أحداً على طاعته ولا ألزم أحداً بمبايعته»(321)

ثم إننا نناقش في أصل المسألة، وهي الوصاية لعلي رضي الله عنه بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كنا لا نقر بهذا الأمر من الأصل وننكره، ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مات ولم يوصِ لأحد بشىء بنص صريح قاطع للنزاع، فكيف سنقر بما ترتب عليه، وهو كون مالك بن نويرة كان يرى علياً الأحق بالخلافة، ولذا لم يدفع الزكاة لأبي بكر رضي الله عنه؟!

فالصواب أن مالكاً منع الزكاة كغيره من العرب الذين منعوها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لحجج واهية ليس منها ما ذكر هنا.

بل إنه قد ورد في بعض كتب المنتصرين لمالك ما يعارض ما ذُكر قبل قليل من أن مالكاً منع الزكاة لأنه لم يكن يرى الصديق أهلاً للخلافة، ففي كتاب «الخرائج والجرائح» تحت فصل: في أعلام أمير المؤمنين؛: «21– ومنها: أنه لما قعد أبو بكر بالأمر بعث خالد بن الوليد إلى بني حنيفة، ليأخذ زكاة أموالهم، فقالوا لخالد: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث كل سنة من يأخذ صدقات الأموال من الأغنياء من جملتنا، ويفرقها في فقرائنا فافعل أنت كذلك، فانصرف خالد إلى المدينة، وقال لأبي بكر: إنهم منعوا من(322) الزكاة، فأعطاه عسكراً، فرجع خالد وأتى بني حنيفة وقتل رئيسهم، وأخذ زوجته ووطئها في الحال وسبى نسوانهم، ورجع بهن إلى المدينة»..(323) .

وواضح من هذا النص:-

1- أنهم لم يمتنعوا من دفع الزكاة بحجة عدم أحقية الصديق بالخلافة، ولا صرحوا بذلك، بل أرادوا دفعها لخالد.

2-

صفحة مطبوعة 146 · ورقة PDF 146رابط الصفحة المنفردة

أن خالداً لو قبل منهم ما ذكروه، لدفعوا الزكاة للصديق، فهذا دليل على أنهم كانوا يريدون دفع الزكاة للصديق– على حد زعمهم في هذا النقل– بالطريقة التي كان يفعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم معهم، ورأوا الصديق صالحاً لذلك، إلا أن خالداً كذب على القوم فكان ما كان، وهذا خلاف ما ذكر عنهم قبل قليل.

صفحة مطبوعة 147 · ورقة PDF 147رابط الصفحة المنفردة

المبحث الرابع: حال مالك بن نويرة، وهل ارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلمأو لم يرتد؟!

هذا المبحث يختلف عن سابقه من حيث سبب الردة، ففي المبحث السابق بحثنا منع مالك بن نويرة للزكاة وإثبات ذلك، وهو من أسباب الردة التي لأجلها قاتل الصديق رضي الله عنه من فعل ذلك.

إلا أن بحثنا هنا سينصب على جهة أخرى في مالك بن نويرة، وهي ردته بمتابعة بعض من ادعى النبوة كسجاح، وهل ذلك ثابت عليه أو لا؟!

إنك أخي القاريء الكريم بمجرد مراجعة بعض المصادر التاريخية فإنك تجد هذا الأمر ظاهراً ومشهوراً، في أن مالك بن نويرة قد تابع سجاح المدعية للنبوة، وقد نصَّ كثير من أهل السير والتاريخ على ردَّته، إلا أن الطاعنين في خالد بن الوليد رضي الله عنه وفي الصديق من قَبْلِه، يغفلون هذه الحقيقة ولا يتعرضون لها البتة، بل على العكس من ذلك فإنهم يثبتون الصحبة لمالك، ويفضلونه على كثير من الصحابة الكرام.

وإليك أخي الكريم بعض النقولات عن أئمة السير والتاريخ لترى صدق ذلك بنفسك.

وأبدأ نقولاتي عن شيخ المؤرخين الإمام الطبري رحمه الله، لأن البعض ينقل عنه ما يوافق رأيه وينصره، وأما ما يخالف رأيه فإنه يرده ويطعن به.

قال الإمام الطبري: «فلما انتهت – أي سجاح – إلى الحزن، راسلت مالك بن نويرة ودعته إلى الموادعة فأجابها، وفثأها– كفها وصدها– عن غزوها وحملها على أحياء من بني تميم»(324) .

ثم قال الطبري: «فاجتمع وكيع ومالك ابن نويرة وسجاح

صفحة مطبوعة 148 · ورقة PDF 148رابط الصفحة المنفردة

وقد وادع بعضهم بعضاً، واجتمعوا على قتال الناس»(325)

وقال الطبري أيضاً: «و لم يدخل في أمر سجاح....ولم يمالئهم من حنظلة إلا وكيع ومالك، فكانت ممالأتهما موادعة على أن ينصر بعضهم بعضاً، ويحتاز بعضهم إلى بعضهم»(326) .

وروى الطبري عن الصعب بن عطية بن بلال قال: «لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة ارعوى مالك بن نويرة وندم وتحير في أمره... ولم يبق في بلاد بني حنظلة شيء يكره إلا ما كان من مالك بن نويرة، ومن تأشّب(327) إليه بالبطاح، فهو على حاله متحير شج»(328) .

هذا ما نقله الإمام الطبري رحمه الله في حال مالك بن نويرة مع سجاح المدعية للنبوة، بموادعته إياها والاجتماع معها على قتال الناس، إلا أنه صدها عن قتال الصديق لسبب الله أعلم به، فهل بعد ذلك يقال إنه بقي على إسلامه؟!

وقا ل الحافظ ابن كثير رحمه الله تحت 277عنوان قصة سجاح وبني تميم:

«كانت بنو تميم قد اختلفت آراؤهم أيام الردة، فمنهم من ارتد ومنع الزكاة، ومنهم من بعث بأموال الصدقات إلى الصديق، ومنهم من توقف لينظر في أمره، فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنت الحارث... وهي من نصارى العرب وقد ادعت النبوة، ومعها جنود من قومها ومن التفَّ بهم، وقد عزموا على غزو أبي بكر الصديق، فلما مرت ببلاد بني تميم دعتهم إلى أمرها، فاستجاب لها عامتهم، وكان ممن استجاب لها مالك بن نويرة التميمي و.... وتخلف آخرون منهم عنها، ثم اصطلحوا على أن لا حرب بينهم، إلا أن مالك بن نويرة لما وادعها ثناها عن عودها، وحرضها على بني يربوع، ثم اتفق الجميع على قتال الناس...»(329) .

وقال أيضاً: «فصل في خبر مالك بن نويرة: كان قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة، فلما اتصلت بمسيلمة لعنهما الله ثم ترحلت إلى بلادها، فلما كان ذلك ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره وتلوم في شأنه..»(330) .

وقال ابن خلدون تحت عنوان: «خبر بني تميم وسجاح: قبض رسول الله صلى الله عليه

صفحة مطبوعة 149 · ورقة PDF 149رابط الصفحة المنفردة

وآله وسلم وعماله في بني تميم.. ومالك بن نويرة على حنظلة،... وبينما هم على ذلك فجأتهم سجاح.. وكانت تنبأت بعد الوفاة،.. وأقبلت من الجزيرة في هذه الجموع قاصدة المدينة، لتغزو أبا بكر والمسلمين، وانتهت إلى الجرف، فدهم بني تميم أمر عظيم لما كانوا عليه من اختلاف الكلمة، فوادعها مالك بن نويرة وثناها عن الغزو، وحرضها على بني تميم..»(331)

وفي خبر البطاح ومالك بن نويرة يقول ابن خلدون: «لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة، وراجع بنوتميم الإسلام، أقام مالك بن نويرة متحيراً في أمره...»(332) .

وقال السمعاني «في الأنساب»: «ومالك بن نويرة هو الذي قتله خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر الصديق على الردة، وتزوج امرأته..(333) » .

وقال المقريزي: «وأما ردة بني يربوع قوم مالك بن نويرة: لما رجعت سجاح إلى الجزيرة ارعوى مالك بن نويرة، وندم وتحير في أمره.. وسار خالد.. يريد البطاح، وبها مالك بن نويرة قد تردد عليه أمره..»(334) .

وفي «السيرة الحلبية»: «وفي كلام السهيلي.. وكان مالك ارتد ثم رجع إلى الاسلام، ولم يظهر ذلك لخالد، وشهد عنده رجلان من الصحابة برجوعه إلى الإسلام فلم يقبلهما..»(335) .

بل لقد نقل القول بردة مالك بن نويرة بعض أكابر علماء الإمامية، فهذا ابن طاووس ينقل عن المروزي في تاريخه: «أن بني تميم والرباب ارتدوا واجتمعوا على مالك بن نويرة»(336) .

وفي كتاب «السقيفة» يقول صاحبه: «مالك وادع

صفحة مطبوعة 150 · ورقة PDF 150رابط الصفحة المنفردة

سجاح»(337)

إلى غير ذلك من النقول المؤيدة لما ذكرت من ردة مالك بن نويرة، ولعل ملخص الأمر أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وادعاء سجاح وغيرها للنبوة، ما كان من مالك بن نويرة إلا أن تابعها ووادعها، واجتمع معها على قتال الناس؛ لعله يظفر بالملك ويكون له شأن، ومما يؤكد ذلك أنه امتنع عن دفع الزكاة للصديق رضي الله عنه، فلو كان مسلماً حقاً وبقي على إسلامه، لما اجتمع مع امرأة تدعي النبوة، ووادعها على قتال الناس وأبى دفع الزكاة.

كل ذلك يؤكد صحة الخبر في ردته بعد الإسلام إلا أنه لما حدث من سجاح ما حدث، من زواجها من مسيلمة الكذاب، ورجوعها إلى بلادها، ندم مالك بن نويرة على ما وقع منه، وتحير في أمره، وتردد ماذا يفعل لعلمه أن الأخبار ستصل إلى الصديق رضي الله عنه، فبقي على ذلك إلى أن جاءه خالد بن الوليد وهو على حاله تلك.

هذا ملخص لما ورد في كتب التاريخ عن حال مالك بن نويرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

إلا أن المنتصرين لمالك لم تعجبهم هذه النقولات وأعرضوا عنها، بل الأدهى من ذلك أنهم أتوا بكلام يناقضها ويبطلها بدون حجة ولا دليل، فادعوا أن مالك بن نويرة من خيرة الصحابة وأفاضلهم وأنه مسلم مؤمن موحد، كل ذلك لينفوا عنه تهمة الردة التي أثبتها له علماء كثر،وليبينوا أنه قُتِل ظلماً وبغياً وعدواناً، لأنه من أنصار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ومن النقولات في ذلك: -

ما جاء في كتاب: «الأعلام من الصحابة والتابعين»: في ترجمة مالك بن نويرة: «وتعجب كيف يقوم خالد بن الوليد بهذه الجريمة النكراء، فيقتل زعيم قوم مسلمين مؤمنين وقومه في ليلة واحدة، وهو من أجلاء الصحابة المستقيمين على الولاء..»(338) .

وفي كتاب: «أبو بكر بن أبي قحافة»: وصف مالك بن نويرة بأنه صحابي أمين(339) ، وأنه ذو عقيدة راسخة رغم كونه حديث الإسلام، وأنه الصحابي المؤمن(340) .

صفحة مطبوعة 151 · ورقة PDF 151رابط الصفحة المنفردة

إلى غير ذلك من النقول التي تخالف ما ذكره أئمة التاريخ في هذا المقام، ولذلك يبقى كلام أئمة التاريخ هو المقدم في هذه المسألة - وهي ردة مالك بن نويرة - لأن المخالف لم يأتِ بدليل ولا بشبهة دليل على صحة قوله.

صفحة مطبوعة 152 · ورقة PDF 152رابط الصفحة المنفردة

المبحث الخامس: لماذا قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة؟! والروايات في ذلك

لعل هذا المبحث هو العمود الفقري لهذه الشبهة، فكل ما سبق من أبحاث إنما هو توطئة ومقدمة؛ للوصول إلى هذه النقطة الحساسة، التي من أجلها طُعن في خالد بن الوليد ولُعن، وأصبح من أخبث عباد الله- عياذاً بالله-، إلى نهاية قاموس الشتائم في حقه رضي الله عنه.

وبنظرة سريعة إلى هذا الموضوع نجد أن الطاعنين في خالد بن الوليد يذكرون أن قتله لمالك بن نويرة كان لأسباب أهمها:-

1- رفض مالك دفع الزكاة لأبي بكر الصديق؛ لعدم أحقيته بالخلافة، واغتصابه هذا الحق من علي رضي الله عنه، وإنكار مالك بن نويرة على أبي بكر على ملأ من الناس.

2- الزواج من أم تميم زوجة مالك بن نويرة؛ لأنها كانت فائقة الجمال وكان خالد قد فتن بها، بل إنه كان يعشقها في الجاهلية.

3- لأحقاد سابقة بين خالد ومالك.

هذه من أهم الأسباب التي وقفت عليها في هذا الموضوع، ولعلي أسوق بعض النقولات الدالة على هذه الأسباب لتتضح الصورة أكثر.

أما عن السبب الأول:

وهو رفض مالك بن نويرة دفع الزكاة لأبي بكر لعدم أحقيته بالخلافة:-

فقد جاء في كتاب «الفضائل» في خبر مالك بن نويرة قصة عجيبة من قدوم مالك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعليمه الإيمان، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له... وتوالي وصيي هذا من بعدي، وأشار إلى علي بيده...، فقال: يارسول الله أَعِدْ علي، فإني رجل نسَّاء، فأعاد عليه فعقدها بيده، وقام مالك وهو يجر إزاره، وهو يقول: تعلمت الإيمان ورب الكعبة، فلما بَعُد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم-: «من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا الرجل»، فقام أبو بكر وعمر ولحقا بالرجل وطلبا منه أن يستغفر لهما!! فقال: لا غفر الله لكما!! تتركان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحب الشفاعة، وتسألاني أستغفر لكما، فرجعا والكآبة في وجهيهما، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبسم، وقال: أفي الحق مغضبة؟! فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،

صفحة مطبوعة 153 · ورقة PDF 153رابط الصفحة المنفردة

ورجع بنو تميم إلى المدينة ومعهم مالك بن نويرة، فخرج لينظر من قام مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! فدخل يوم الجمعة، وأبو بكر على المنبر يخطب الناس، فنظر إليه، وقال: أخو تيم؟! قالوا: نعم. قال: فما فعل وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أمرني بموالاته؟! قالوا: يا أعرابي؛ الأمر يحدث بعده الأمر. قال: بالله ماحدث شىء، وإنكم خنتم الله ورسوله، ثم تقدم إلى أبي بكر، وقال: من أرقاك هذا المنبر، ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس؟ فقال أبو بكر: أخرجوا الأعرابي البوال على عقبيه من مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقام إليه قنفذ بن عمير وخالد بن الوليد فلم يزالا يلكزان عنقه حتى أخرجاه،...، فلما استتم الأمر لأبي بكر وجه خالد بن الوليد، وقال له: قد علمت ما قاله مالك على رؤوس الأشهاد، ولست آمن أن يفتق علينا فتقاً لا يلتئم، فاقتله، فحين أتاه خالد ركب جواده، وكان فارساً يُعدُّ بألف، فخاف خالد منه، فأمنه وأعطاه المواثيق، ثم غدر به بعد أن ألقى سلاحه، فقتله وأعرس بامرأته في ليلته، وجعل رأسه في قدر فيها لحم جزور لوليمة عرسه، وبات ينزو عليها نزو الحمار»(341)

ولعل القاريء لهذا الخبر يضحك ملء فيه عند قراءته، ويعجب من مثل هذا الكلام كيف يصدر عن عاقل، ويكفي لإبطاله سياقه بدون سند مما يؤكد سقوطه، هذا فضلاً عما ورد فيه من

صفحة مطبوعة 154 · ورقة PDF 154رابط الصفحة المنفردة

عبارات تخالف الواقع والتاريخ.

وأما عن السبب الثاني:

وهو الافتتان بأم تميم زوجة مالك، والزواج منها:-

فقد جاء في كتاب «المسترشد»: أن عمر أنكر على أبي بكر تغافله عن خالد، وقد قذف بالزنا وقتل رجلاً مسلماً؛ رغبة في امرأته لجمالها(342) .

وفي «تاريخ اليعقوبي»: «وكتب – أبو بكر – إلى خالد بن الوليد أن ينكفيء إلى مالك ابن نويرة اليربوعي، فسار إليهم، وقيل: إنه كان ندأهم(343) ، فأتاه مالك بن نويرة يناظره، واتبعته امرأته، فلما رآها خالد أعجبته!! فقال: والله لا نلت ما في مثابتك حتى أقتلك، فنظر مالكاً وضرب عنقه وتزوج امرأته..(344) » .

وقال الحافظ ابن حجر: «وروى ثابت بن قاسم في الدلائل أن خالداً رآى امرأة مالك، وكانت فائقة في الجمال، فقال مالك بعد ذلك لامرأته: قتلتني يعني سأُقتل من أجلكِ»(345) .

وقال الكتبي: «وقيل: إن خالداً كان يهوى امرأة مالك في الجاهلية»(346) .

إلى غير ذلك من النقول في هذا السبب.

وقد علق الحافظ ابن حجر رحمه الله بعد أن نقل رواية ثابت بن القاسم في الدلائل بقوله: «وهذا قاله– أي مالك- ظناً، فوافق أنه قُتل، ولم يكن قتله من أجل المرأة كما ظن»(347) .

ومعنى كلام الحافظ: أن مالكاً قال هذا الكلام من باب الظن، وإن كان خلاف الواقع والحقيقة، فليس قتله لأجل تلك المرأة وإعجابه وافتتانه بها، ولا يظن بخالد رضي الله عنه هذا الظن السيء أبداً.

أقول: هذا على فرض صحة الرواية!!

صفحة مطبوعة 155 · ورقة PDF 155رابط الصفحة المنفردة

ثم إن جميع من يذكر هذا السبب، يذكره هكذا بدون إسناد، أو كما رأينا في كلام الكتبي حيث قال: وقيل...- وهي من صيغ التضعيف–، ولا يمكن أن يقبل طعن في صحابي جليل، ويظن به السوء والخبث إلى هذه الدرجة، بمثل هذه الروايات الساقطة التي ليس لها زمام ولا خطام.

وأما عن السبب الثالث:

وهو الأحقاد بين خالد ومالك:-

فقد جاء في كتاب «نور الأفهام في علم الكلام»، في الشرح، قوله: «مالك بن نويرة الذي قتله خالد بن الوليد غدراً لغضاضة كانت بينهما في الجاهلية..»(348) .

ولا أدري ما هو مصدر المؤلف في هذا الكلام، ومن أين جاء به؟ أم أنه الكره والبغض الذي يعمي ويصم، ويجعل المرء ينسب إلى الآخرين كل رذيلة وفحش، وخبث طوية ومكر وغيره؛ لمجرد العداء بينه وبينهم؟!

لعل هذه هي أهم الأسباب التي تذكر في قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة؛ مما يجعل القاريء لمثل هذا الكلام يظن الظلم والعدوان والبغي من خالد على مالك، وأنه لا ذنب له حتى يكون مصيره هذا المصير الفظيع.

وللوقوف على حقيقة الأمر في هذه المسألة الخطيرة أقول:-

لقد وردت ثلاث روايات في كتب التاريخ لقتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة سأذكرها مجملة، ثم أبدأ بتفصيل كل واحدة على حدة، وكل واحدة منها تعدّ سبباً من الأسباب التي لأجلها قتل خالد مالكاً، فأقول وبالله التوفيق:

1- السبب الأول:- أن خالداً لم يتعمد قتل مالك بن نويرة، وإنما حبسه بعدما أسره، وكانت ليلة باردة، فقال خالد: ادفئوا أسراكم - من التدفئة -، وكان لغة كنانة: ادفئوا أي اقتلوا، فقتل الجنود الأسرى، فلما سمع خالد الواعية(349) ، خرج فرأى ما حدث، فقال: إذا أراد الله أمراً أمضاه.

2- السبب الثاني:- أن مالك بن نويرة اعترف بجحد الزكاة أمام خالد؛ ولذا قتله.

3- السبب الثالث:- أن مالكاً قال عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يجادل خالداً:

صفحة مطبوعة 156 · ورقة PDF 156رابط الصفحة المنفردة

صاحبكم، فقال خالد: أوما تعده لك صاحباً؟! ثم أمر بضرب عنقه.

هذا مجمل للأسباب الواردة في هذا الموضوع، ونأتي الآن إلى تفصيل الروايات الدالة عليها:-

الرواية الأولى

روى الطبري فيما كتب إليه السري بن يحيى، يذكر عن شعيب بن إبراهيم، أنه حدثه عن سيف بن عمر، عن خزيمة بن شجرة العقفاني، عن عثمان بن سويد، عن سويد بن المثعبة الرياحي، قال: «قدم خالد بن الوليد البطاح(350) ، فلم يجد عليه أحداً، ووجد مالكاً قد فرقهم في أموالهم، ونهاهم عن الاجتماع حين تردد عليه أمره، وقال: يا بني يربوع؛ إنا قد كنا عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدين، وبطأنا الناس عنه فلم نفلح ولم نُنجح، وإني قد نظرت في هذا الأمر، فوجدت الأمر يتأتى لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس، فإياكم ومنادأة قوم صُنع لهم، فتفرقوا إلى دياركم وادخلوا في هذا الأمر، فتفرقوا على ذلك إلى أموالهم، وخرج مالك حتى رجع إلى منزله، ولما قدم خالد البطاح بث السرايا، وأمرهم بداعية الإسلام أن يأتوه بكل من لم يُجب، وإن امتنع أن يقتلوه، وكان مما أوصى به أبو بكر: إذا نزلتم منزلاً فأذِّنوا وأقيموا، فإن أذَّن القوم وأقاموا فكفُّوا عنهم، وإن لم يفعلوا فلا شيء إلا الغارة، ثم اقتلوهم كل قِتلة: الحرق فما سواه، وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم، فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم، وإن أبوها فلا شيء إلا الغارة ولا كلمة.

فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع...، فاختلفت السرية فيهم، وفيهم أبو قتادة، فكان فيمن شهد أنهم قد أذَّنوا وأقاموا وصلوا، فلما اختلفوا فيهم أمر بهم فحُبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء، وجعلت تزداد برداً، فأمر خالد منادياً فنادى (أدفئوا أسراكم)، وكانت في لغة كنانة إذا قالوا: دثِّروا الرجل فأدفئوه، دفئه قتله، وفي لغة غيرهم: أدْفِهِ فأقتله، فظن القوم– وهي في لغتهم القتل– أنه أراد القتل فقتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكاً، وسمع خالد الواعية. فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا

صفحة مطبوعة 157 · ورقة PDF 157رابط الصفحة المنفردة

أراد الله أمراً أصابه. وقد اختلف القوم فيهم، فقال أبو قتادة: هذا عملك، فزبره خالد، فغضب ومضى، حتى أتى أبا بكر فغضب عليه أبو بكر، حتى كلمه عمر فيه، فلم يرض إلا أن يرجع إليه، فرجع إليه حتى قدم معه المدينة، وتزوج خالد أم تميم ابنة المنهال، وتركها لينقضي طهرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره، وقال عمر لأبي بكر: إن في سيف خالد رهقاً، فإن لم يكن هذا حقاً، حق عليه أن تقيده، وأكثر عليه في ذلك، وكان أبو بكر لا يقيد من عماله ولا وزعته(351) فقال: هيه يا عمر! تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد، وودى مالكاً، وكتب إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل، فأخبره خبره فعذره وقبل منه، وعنفه في التزويج الذي كانت تعيب عليه العرب ذلك»(352)

هذه هي رواية الإمام الطبري، وقد ذكر هذه الرواية كثير من المؤرخين مع اختلاف في بعض الألفاظ.

وقد طُعِن في هذه الرواية ورُدَّت؛ لأنها تبريء ساحة خالد رضي الله عنه، فقيل: إن في سند الرواية، سيف بن عمر، وهو متهم بالكذب، وحاله أشهر من أن يذكر، هذا من جهة السند.

وأما من جهة المتن، فقيل: متى كان خالد كنانياً حتى يتحدث بلغتهم؟! ولم الحديث بلغتهم في هذا الموطن بالذات؟!، ثم إن كان الأمر كما هو في الرواية فيكون خالد بريئاً من قتل مالك، فلماذا قال أبو بكر تأول فأخطأ؟ ولماذا أكثر عليه عمر حتى يقيده؟ ولماذا غضب منه أبوقتادة؟ولماذا لم يعتذر خالد بهذا الأمر؟ ثم كيف يتزوج خالد امرأة مالك في نفس الليلة؟! إلى غير ذلك من الأسئلة الموجهة إلى هذه الرواية لإبطالها وإسقاطهامن دائرة الاحتجاج.

وأقول: ونحن موافقون على ضعف هذه الرواية سنداً، ولكن العجب ممن يضعفها ثم يأخذ منها ما يوافقه، ويترك منها ما يخالفه!!

فإذا كان الأمر كما قيل من ضعف الرواية وسقوطها؛ فإما أن تُرد الرواية جملة واحدة، أو تُقبل جملة واحدة، وأما التفصيل بلا دليل فلا يصح. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى

صفحة مطبوعة 158 · ورقة PDF 158رابط الصفحة المنفردة

اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(353)

فلماذا يُقبل من الرواية إنكار أبي قتادة على خالد، وغضبه عليه، وتزوج خالد من أم تميم زوجة مالك بن نويرة، وإنكار عمر لفعل خالد، وأن في سيفه رهقاً، وأن أبا بكر كان لا يقيد من عماله ولا وزعته، ويتركهم يفعلون ما يشاؤون؟!!

لماذا يُقبل بهذه الأمور ويُسلَّم بها كأنها في أعلى درجات الصحة، ولا مجال لمناقشتها فضلاً عن الطعن فيها وردّها؟ ثم نجد في المقابل الطعن بكل قوة وصراحة وحزم في العذر الذي اعتذر به لخالد في الرواية نفسها من أنه لم يأمر بقتل الأسرى، وإنما فُهم ذلك عنه خطأ، مع أن الرواية واحدة وسندها واحد؟!

فإن كانت الرواية مردودة سنداً ومتناً فهي مردودة بكل تفصيلاتها، وإن كانت مقبولة فهي مقبولة بكل تفصيلاتها.

فإن كان يحق للمخالف أن يأخذ من الرواية ما يوافقه، فنحن كذلك يحق لنا أن نأخذ منها ما يدفع الكيد والزور عن الصحابي الجليل خالد بن الوليد.

صفحة مطبوعة 159 · ورقة PDF 159رابط الصفحة المنفردة

الرواية الثانية

ذكر الواقدي في كتابه «الردة» قال: «وتوسط خالد أرض البطاح، وبالبطاح يومئذ رجل من أشراف بني تميم يقال له (الجفول)؛ لأنه جفل إبل الصدقة ومنع الزكاة، وجعل يقول لقومه: (يا بني تميم، إنكم قد علمتم بأن محمد بن عبدالله كان قد جعلني على صدقاتكم قبل موته، وقد هلك محمد!! ومضى لسبيله، ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به، فلا تُطمِعوا أحداً في أموالكم، فأنتم أحق بها من غيركم)، قال: فلامه بعض قومه على ذلك، وحمده بعضهم وسدد له رأيه بما قال..، قال: و بلغ شِعره وكلامه أبا بكر والمسلمين فازدادوا عليه حنقاً وغيظاً، وأما خالد بن الوليد فإنه حلف وعاهد الله لئن قدر عليه ليقتلنه، وليجعلن رأسه أثفية(354) للقدر.

قال: ثم ضرب خالد عسكره بأرض بني تميم، وبث السرايا في البلاد يمنة ويسرة، قال: فوقفت سرية من تلك السرايا على مالك بن نويرة، وإذا هو في حائط له، ومعه امرأته وجماعة من بني عمه، قال: فلم يعلم مالك إلا والخيل قد أحدقت به، فأخذوه أسيراً وأخذوا امرأته معه، وكانت بها مسيحة من جمال. قال: وأخذوا كل من كان من بني عمه، فأتوا بهم إلى خالد بن الوليد حتى أوقفوه بين يديه. قال: فأمر خالد بضرب أعناق بني عمه بِدْياً– أي بداية–، فقال القوم: إنا مسلمون، فعلام تضرب أعناقنا؟ قال خالد: والله لأقتلنكم. فقال له شيخ منهم: أليس قد نهاكم أبو بكر أن تقتلوا من صلى إلى القبلة؟ فقال خالد: بلى قد أمرنا بذلك، ولكنكم لم تصلوا ساعة قط. قال: فوثب أبو قتادة إلى خالد بن الوليد، فقال: إني أشهد أنك لا سبيل لك عليهم. قال خالد: وكيف ذلك؟ قال: لأني كنت في السرية التي وافتهم، فلما نظروا إلينا، قالوا: من أنتم؟ قلنا: نحن المسلمون. فقالوا: ونحن المسلمون. ثم أذَّنا وصلَّينا وصلوا معنا. فقال خالد: صدقت يا أبا قتادة، إن كانو قد صلوا معكم، فقد منعوا الزكاة التي تجب عليهم، ولا بد من قتلهم. قال: فرفع شيخ منهم صوته يقول:...(أبياتاً من الشعر)، فلم يلتفت خالد بن الوليد إلى مقالة الشيخ، فقدمهم وضرب أعناقهم عن آخرهم. قال: وكان أبو قتادة قد عاهد الله أن لايشهد

صفحة مطبوعة 160 · ورقة PDF 160رابط الصفحة المنفردة

مع خالد مشهداً أبداً بعد ذلك اليوم. قال: ثم قدَّم خالد مالك بن نويرة ليضرب عنقه، فقال مالك: أتقتلتني وأنا مسلم أصلي للقبلة؟ فقال له خالد: لو كنت مسلماً لما منعت الزكاة، ولا أمرت قومك بمنعها، والله لما قلت بما في منامك(355) حتى أقتلك. قال: فالتفت مالك بن نويرة إلى امرأته فنظر إليها، ثم قال: يا خالد، بهذا تقتلني. فقال خالد: بل لله أقتلك برجوعك عن دين الإسلام، وجفلك لإبل الصدقة، وأمرك لقومك بحبس ما يجب عليهم من زكاة أموالهم. قال: ثم قدمه خالد فضرب عنقه صبراً. فيقال: إن خالد بن الوليد تزوج بامرأة مالك ودخل بها. وعلى ذلك أجمع أهل العلم»(356)

وجاء في «البداية والنهاية» «ويقال: بل استدعى خالد مالك بن نويرة، فأنبه على ما صدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة»(357) .

وفي «روضة الناظر» لابن شحنة الحنفي، قوله: «في أيام أبي بكر منعت يربوع الزكاة، وكان كبيرهم مالك بن نويرة، وكان فارساً منطقياً شاعراً، قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فولاه صدقة قومه، فأرسل إليه أبو بكر خالد بن الوليد، فقال مالك: إنا نأتي بالصلاة دون الزكاة. فقال خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معاً لا يقبل أحدهما بدون الآخر؟(358) .. » .

وقد رد الطاعنون في خالد هذه الروايات؛ لأنها من طريق الواقدي، هذا من جهة السند، وأما متناً فلأن مالكاً عندهم لم يمنع الزكاة لمجرد المنع، بل لأنه كان لايرى أبا بكر أهلاً للخلافة حتى تدفع له أموال الزكاة، ففرقها في قومه فهم أحق بها، أوأنه أخرها ليرى لمن يستتم الأمر، كما سبق معنا في المبحث الثالث من هذه الشبهة.

وقد تبين لنا سابقاً بطلان تلك الأسباب التي دعت مالكاً إلى منع الزكاة، وقد بينتُ في المبحث الثاني أن مالكاً قد منع الزكاة حقاً، حتى بشهادة الطاعنين في خالد.

وعليه؛ فإن كون خالد يقتل مالكاً لهذا السبب فلا غضاضة عليه فيه، لأنه في ذلك

صفحة مطبوعة 161 · ورقة PDF 161رابط الصفحة المنفردة

كغيره من مانعي الزكاة الذين يجب قتلهم إن لم يرجعوا عن ذلك.

ثم يقال هنا ما قيل في الرواية السابقة: فلماذا يؤخذ من هذه الرواية ما يؤيد اتهام خالد بقتل مالك بن نويرة مع أنه صلى وشهد له أبو قتادة بذلك، وأنه ما قتله إلا رغبة في زوجته لجمالها الفائق... إلى غير ذلك.

وفي المقابل يُرَد عذر خالد في قتله لمالك بأنه منع الزكاة، وفرقها في قومه، واعتراف مالك بذلك!!

فلماذا هذا التفريق وهذا التفصيل وهذا التحكم في الرواية بدون دليل؟!

والعجب أن البعض يستشهد برواية الواقدي هذه، ويعتبر ذلك دليلاً له، كما فعل ذلك صاحب كتاب «أضواء على الصحيحين»(359) من استشهاده بكلام ابن أعثم الكوفي- المأخوذ أصلاً عن رواية الواقدي - دون تعليق عليه. مع أن الرواية تنص على أن خالداً قتل مالكاً لمنعه الزكاة، وأن مالكاً لم يدافع عن نفسه في هذا الأمر، بل إنه التوى على موضوع قتله وأن ذلك كان لأجل زوجته أم تميم، وهذا كلام باطل وهروب من المواجهة.

فلو لم يكن مالك مانعاً للزكاة حقيقة لناقش خالداً وجادله، وبيَّن له أنه غير مانع لها، فلما لم يفعل دلّ ذلك على أنه مقر بهذه الجريمة، ولذلك قتله خالد.

فكيف بعد كل هذا يستشهد النجمي صاحب أضواء على الصحيحين بهذه القصة، وفيها ما يبطل رأيه ويخالف تصوره؟!!

أدع الحكم للقارىء الكريم.

صفحة مطبوعة 162 · ورقة PDF 162رابط الصفحة المنفردة

* الرواية الثالثة:-

روى الطبري قال: «ثنا ابن حميد، ثنا سلمة، ثنا محمد بن إسحق، عن طلحة بن عبد الله بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق: أن أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه: أن إذا غشيتم داراً من دور الناس فسمعتم فيها أذاناً للصلاة، فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم ما الذي نقموا، وإن لم تسمعوا أذاناً، فشنوا الغارة، فاقتلوا وحرقوا، وكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة، وكان عاهد الله ألا يشهد مع خالد بن الوليد حرباً أبداً بعدها، وكان يحدث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل، فأخذ القوم السلاح. قال: فقلنا: إنا المسلمون. فقالوا: ونحن المسلمون. قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا لنا: فما بال السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح. قال: فوضعوها، ثم صلينا فصلوا، وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال له وهو يراجعه: ما إخال صاحبكم إلا وقد كان يقول كذا وكذا. قال: أوما تعدّه لك صاحباً؟! ثم قدمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه، فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب، تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: عدو الله عدا على امريء مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته. وأقبل خالد ابن الوليد قافلاً حتى دخل المسجد، وعليه قباء له عليه صدأ الحديد، معتجراً بعمامة له، قد غرز في عمامته أسهماً، فلما أن دخل المسجد، قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها، ثم قال: أرئاء ! قتلتَ امرءاً مسلماً، ثم نزوت على امرأته!! والله لأرجمنك بأحجارك، ولا يكلمه خالد بن الوليد، ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتى دخل على أبي بكر فلما دخل عليه أخبره الخبر، واعتذر إليه فعذره أبو بكر، وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك، قال: فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر، وعمر جالس في المسجد، فقال: هلم إلي يا ابن أم شملة!! قال: فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلمه ودخل بيته»(360) .

وقد روى خليفة بن خياط هذه القصة مختصرة في تاريخه(361) قال: حدثنا بكر، عن ابن إسحق، قال: نا (طليحة بن عبيد الله)(362)

صفحة مطبوعة 163 · ورقة PDF 163رابط الصفحة المنفردة

بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن قتادة(363) نحوه. وقال: «إنا لما غشينا القوم أخذوا السلاح، فقلنا: إنا مسلمون. فقالوا: ونحن مسلمون. قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا: فما بال السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح. فوضعوا السلاح، ثم صلينا وصلوا».

وممن ذكر مضمون هذه الرواية، ولكن بدون سند، كلٌّ من:-

- الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية»(364) حيث قال هناك:

«وقال– خالد مخاطباً مالكاً– ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟! فقال مالك: إن صاحبكم!! كان يزعم ذلك. فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟! يا ضرار اضرب عنقه».

- ابن خلكان في «وفيات الأعيان»(365) وفيه: «فقال مالك: إني آتي بالصلاة دون الزكاة. فقال له خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معاً لا تقبل واحدة دون الأخرى؟. فقال مالك: قد كان صاحبك يقول ذلك. قال خالد: وما تراه لك صاحباً؟ والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تجاولا في الكلام طويلاً، فقال له خالد: إني قاتلك. قال: أو بذلك أمرك صاحبك؟ قال: وهذه بعد تلك. والله لأقتلنك.. ».

- المقريزي في «إمتاع الأسماع»(366) .

- ابن خلدون في «تاريخه»(367) .

- ابن حجر في «الإصابة»(368) نقلاً عن سيف بن عمر، وغيرهم كثير.

وقد فرح البعض بهذه الرواية أيما فرح لأنها تنص على:-

1- أن خالداً قتل مالكاً وقومه بعدما علم بإسلامهم، وغدرهم بعد وضع السلاح.

2- إنكار أبي قتادة على خالد وشهادته لمالك بالإسلام.

3- إنكار عمر فعل خالد وطعنه فيه بقوله: عدو الله، عدا على

صفحة مطبوعة 164 · ورقة PDF 164رابط الصفحة المنفردة

امرىء مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته. وتحطيمه الأسهم من عمامة خالد، وأنه سيرجمه لأنه زنى.

4- تواطؤ أبي بكر مع خالد على هذه الفعلة الشنعاء.

قلت: لكن قد يعكر صفو هذه الفرحة، ما جاء في الرواية من أن سبب قتل خالد لمالك أنه كان يقول: «ما إخال صاحبكم» عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن خالداً رد عليه: «أوما تعده لك صاحباً؟» فلا يجيب مالك بشيء.

وحتى يخرج البعض من هذا المأزق، وتسلم لهم الرواية، قالوا: إن المقصود من كلام مالك: «صاحبكم» أي الصديق رضي الله عنه، وليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فقد ساق شرف الدين الموسوي القصة كاملة في كتابه «النص والاجتهاد»، وقال عند قول مالك: «أو بذلك أمرك صاحبك – يعني أبا بكر-(369) » .

ولكن يأبى الله إلا أن يظهر الحق، فقد قال ابن أبي الحديد في أثناء رده على الشريف المرتضى: «فأما قول مالك: صاحبك يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روى هذه اللفظة الطبري في التاريخ، قال: كان خالد يعتذر عن قتله فيقول: إنه قال وهو يراجعه: ما إخال صاحبكم إلا قال كذا وكذا، فقال خالد: أو ما تعده لك صاحباً؟! وهذه لعمري كلمة جافية، وإن كان لها مخرج في التأويل، إلا أنه مستكره، وقرائن الأحوال يعرفها من شاهدها وسمعها..»(370) .

إذن من أحب أن يأخذ بهذه الرواية فبها ونعمت، ولكن ليعلم أن الرواية قد نصت على عذر خالد في قتله مالكاً؛ لصدور ذلك القول الشنيع منه في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو سبب موجب لردته وقتله.

ومع هذا أقول: إن سند هذه الرواية لا يصح أبداً.

1- ففي إسناد الطبري: ابن حميد وسلمة بن الفضل، وقد سبق القول فيهما في شبهة بني جذيمة، وأنهما ضعيفان.

2- وفي

صفحة مطبوعة 165 · ورقة PDF 165رابط الصفحة المنفردة

إسناد الطبري وخليفة: طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر. قال عنه الحافظ ابن حجر: مقبول.(371) يعني إذا توبع وإلا فهو ضعيف، ولم يتابع هنا كما هو ملاحظ.

3- في السند اضطراب: فالطبري رواه مرسلاً عن طلحة، وأما خليفة فقد رواه موقوفاً على أبي قتادة رضي الله عنه.

وعليه؛ فإنه يسقط الاحتجاج بهذه الرواية بجميع ألفاظها.

هذه هي أهم الروايات في هذا الموضوع، ولعله قد اتضح من خلال العرض السابق أنه لا توجد رواية تسلم من الطعن، إما من جهة السند، أو من جهة المتن، ومع هذا فالذي لا بد من قوله في هذا المقام: هو أن من المتفق عليه تاريخياً في هذه الحادثة قضيتين هما:-

1- قتل خالد لمالك بن نويرة.

2- زواج خالد من أم تميم زوجة مالك.

وما سوى ذلك من أحداث فهي محل نظر وبحث، والروايات فيها متعارضة، وبعضها يناقض بعضاً، وعند استجماع المعلومات في هذ القضية نجد أن خالداً لم يقتل مالك بن نويرة لأحقاد سابقة بينهما، فهذا من الكذب الواضح، ولم يقتله كذلك من أجل عشقه لزوجته وهواه بها، فهذا من البهتان المبين، ولم يقتله لأن مالكاً لم يكن يعتقد إمامة الصديق، بل هو موالٍ لآل البيت، قائل ٌبولاية علي رضي الله عنه، فهذا من الافتراء الذي لا نظير له، ولا يمكن بحال من الأحوال إثباته. هذا من جهة المنتصرين لخالد الذابين عنه.

وأما من جهة الطاعنين في خالد فهم يقولون كذلك: إن خالداً لم يقتل مالكاً لأنه جحد الزكاة، ولم يقتل مالكاً لأنه قال عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صاحبكم، وأن قصة ادفئوا أسراكم تهريج وترويج.

فأقول طالما بقي الأمر كذلك، وبقي هذا الخلاف قائماً في هذه الفرعيات، فلنطرحها جميعاً جانباً، ولنأخذ من هذه القصة ما هو مقرر في كتب الفريقين.

صفحة مطبوعة 166 · ورقة PDF 166رابط الصفحة المنفردة

فمن ذلك أن مالكاً:-

1- منع الزكاة كبقية المانعين. وقد اعترف أنصار مالك بن نويرة بذلك كما سبق بيانه.

2- تابع سجاح المدعية للنبوة، ووادعها وصالحها، واجتمع معها على قتال الناس. وقد سبق أيضاً بيان هذا.

وعليه؛ يكون قتل خالد لمالك بن نويرة لهذين السببين، بل إن سبباً واحداً منهما كافٍ لإباحة دم القائل به.

فلا داعي للتشويه والتهويش في هذه الحادثة، وأن خالداً قتل مَن هو معصوم الدم، ومَن هو مِن خيرة الصحابة، وسبى زوجته وزنى بها.

فهذا الكلام كله عارٍ عن الصحة ومجافٍ للحقيقة والواقع.

- بقيت نقطة لا بد من الإشارة إليها في هذه المسألة وهي: موقف بعض الصحابة من فعل خالد رضي الله عنه وإنكارهم عليه، وعلى رأسهم:-

1- أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه.

2- عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فأقول:-

أولاً:-

ما وقع من أبي قتادة وأنه كان ممن شهد لمالك بالإسلام، ولقومه بالأذان والإقامة والصلاة، وإنكاره على خالد قتل مالك بعد ذلك، فجوابه:-

أن أمر مالك كان مشتبهاً على كثير من الصحابة، بمن فيهم أبي قتادة، وذلك لأنه رآه يصلي ويشهد الشهادتين، فعلام يُقتل؟! ولكن خالداً كان لا يرى ذلك كافياً لإثبات إسلامه؛ لمنعه الزكاة ومتابعته لسجاح، فكان خالد من وجهة نظره يرى مالكاً مرتداً، والصلاة لا

صفحة مطبوعة 167 · ورقة PDF 167رابط الصفحة المنفردة

تعصم الدم مع هذه الأفعال.

فإنكار أبي قتادة على خالد من باب إنكار المجتهدين بعضهم على بعض، فليس رأي أبي قتادة بأولى من رأي خالد في هذه المسألة.

وإذا كان الخلاف قد وقع للصحابة في شأن مانعي الزكاة منذ البداية، ومراجعتهم لأبي بكر الصديق لنفس الشبهة، وهي شهادة مانعي الزكاة بالتوحيد وإقام الصلاة، فلا غرابة أن تبقى هذه الشبهة عند البعض منهم كأبي قتادة رضي الله عنه.

وأما ما ورد في «تاريخ الإسلام» عن الزهري قال: «وبعث خالد إلى مالك بن نويرة سرية فيهم أبوقتادة، فساروا يومهم سراعاً حتى انتهوا إلى محلة الحي، فخرج مالك في رهطه، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المسلمون، فزعم أبو قتادة أنه قال: وأنا عبد الله المسلم، قال: فضع السلاح، فوضعه في اثني عشر رجلاً، فلما وضعوا السلاح ربطهم أمير تلك السرية وانطلق بهم أسارى، وسار معهم السبي حتى أتوا بهم خالداً، فحدَّث أبو قتادة خالداً أن لهم أماناً، وأنهم قد ادعوا إسلاماً، وخالف أبا قتادة جماعة السرية، فأخبروا خالداً أنه لم يكن لهم أمان وإنما أسروا قسراً، فأمر بهم خالد فقتلوا، وقبض سبيهم، فركب أبو قتادة فرسه وسار قِبل أبي بكر، فلما قدم عليه، قال: تعلم أنه كان لمالك بن نويرة عهد، وأنه ادعى إسلاماً، وإني نهيت خالداً فترك قولي، وأخذ بشهادات الأعراب الذين يريدون الغنائم، فقام عمر فقال: يا أبا بكر إن في سيف خالد رهقاً، وإن هذا لم يكن حقاً، فإن حقاً عليك أن تقيده، فسكت أبو بكر.ومضى خالد قِبل اليمامة، وقدم متمم بن نويرة فأنشد أبا بكر مندبة ندب بها أخاه، وناشده في دم أخيه وفي سبْيِهم، فرد إليه أبوبكر السبي، وقال لعمر وهو يناشده في القود: ليس على خالد ما تقول، هَبْه تأول فأخطأ»(372) .

فهذه القصة لا تصح ولا تثبت بهذا السياق؛ وذلك:-

لأن القصة من رواية الموقَّري عن الزهري.

قال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب»:

«قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: الموقري يروي عن الزهري عجائب، قال: أراه ليس ذاك بشيء.

وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال عنه: كذاب. وقال مرة: ضعيف.

صفحة مطبوعة 168 · ورقة PDF 168رابط الصفحة المنفردة

وقال ابن المديني: ضعيف لا يكتب حديثه.

وقال الجوزجاني: كان غير ثقة، يروي عن الزهري عدة أحاديث ليس لها أصول!!

وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائي: منكر الحديث ليس بثقة. وقال مرة: متروك الحديث.

وقال الترمذي: يضعف في الحديث.

وقال ابن خزيمة: لا يحتج به.

وقال ابن حبان: كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، روى عن الزهري أشياء موضوعة لم يروها الزهري قط، وكان يرفع المراسيل، ويسند الموقوف، لا يجوز الاحتجاج به بحال»(373) .

فهذه حال من روى هذه القصة بهذه التفاصيل عن الزهري فهل تقبل بعد ذلك؟!

هذا فيما يتعلق بموقف أبي قتادة من خالد.

ثانياً:-

وأما موقف عمر وإنكاره فعل خالد، فأقول: إذا كان من حضر مع خالد هذا الموقف لم تتضح له الصورة الحقيقية للموضوع كأبي قتادة، فمن باب أولى أن يشكل الأمر على من لم يحضر تلك الواقعة، ولعل إنكار عمر كان لما سمعه من أبي قتادة، ولأن عمر رضي الله عنه كان يحتاط في الدماء كثيراً، فقال في خالد ما قال. ثم يقال في إنكار عمر ما قيل في إنكار أبي قتادة على خالد من أنه من إنكار المجتهدين بعضهم على بعض.

قال الأيجي: «وإنكاره – عمر – عدم قتل خالد من إنكار المجتهدين بعضهم على بعض فيما أدى إليه اجتهادهم»(374) .

وأما ما نسب إلى عمر من سب خالد، واتهامه بالزنى، وأنه يريد رجمه، وغير ذلك مما سبق، فهذا لم يثبت به النقل الصحيح أبداً.

فإن قيل: فلماذا قال الصديق: تأول خالد فأخطأ، وأنه ودى مالكاً، وأنه ردَّ السبي؟!

فالجواب:-

أولاً: قول الصديق: تأول

صفحة مطبوعة 169 · ورقة PDF 169رابط الصفحة المنفردة

فأخطأ(375) تحمل على محملين:-

أ- مجازي وليس حقيقي: بمعنى أن خالداً لم يتأول ولم يخطىء، وإنما قال الصديق ذلك لعمرتنزلاً، ودليل ذلك ما ورد في بعض الروايات: «هَبْهُ تأول فأخطأ»! أي احْسِبْهُ يا عمر في هذه الفعلة أنه تأول فأخطأ ! فارفع لسانك عنه ولا تكثر عليه.

ب- حقيقي: وأن المقصود من الخطأ هنا هو استعجال خالد في قتل مالك، وكان الواجب عليه أن يتأكد من حاله على وجه اليقين؛ لوقوع الاشتبهاه في حاله من قِبل الصحابة، واختلافهم فيه.

ذكر ابن أبي الحديد نقلاً عن جواب قاضي القضاة، عن شيخه أبي علي، في شبهة قتل خالد لمالك قوله: «فإن قيل: فما معنى ما روي عن أبي بكر من أن خالداً تأول فأخطأ؟ قيل: أراد عجلته عليه بالقتل، وقد كان الواجب عنده – أبي بكر – على خالد أن يتوقف للشبهة»(376) .

ثانياً: لماذا ودى الصديق مالك بن نويرة؟!

الجواب:- أن ذلك من باب الاحتياط، وللشبهة في حاله، فقد يكون مالك راجع الإسلام، فيكون قتله خطأ.

ثالثاً: أن الصديق رد السبي، فقد ورد ذلك في ثلاث روايات:-

1- رواية الموقري

صفحة مطبوعة 170 · ورقة PDF 170رابط الصفحة المنفردة

عن الزهري التي نقلها الذهبي في تاريخ الاسلام(377) وقد سبق بيان ما في هذه الرواية، وأنها لا تصح.

2- روى خليفة بن خياط قال: ثنا علي بن محمد، عن ابن أبي ذئب(378) عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: «قدم أبو قتادة على أبي بكر فأخبره بمقتل مالك وأصحابه، فجزع من ذلك جزعاً شديداً، فكتب أبو بكر إلى خالد فقدم عليه، فقال أبو بكر: هل يزيد خالد على أن يكون تأول فأخطأ؟ ورد أبو بكر خالداً، وودى مالك بن نويرة، ورد السبي والمال»(379) .

فرجال هذا السند ثقات مشهورون إلا شيخ خليفة، وهو علي بن محمد وهو المدائني، متكلم فيه. قال ابن عدي: ليس بالقوي في الحديث وهو صاحب الأخبار، وقال: هو صاحب أخبار معروف بالأخبار، وأقل ماله من الروايات المسندة(380) .

وذكره ابن الجوزي في الضعفاء(381) . ووثقه يحيى بن معين(382) .

وقال عنه الذهبي: الحافظ الصادق... وكان عجباً في معرفة السير والمغازي والأنساب وأيام العرب، مصدقاً فيما ينقله، عالي الإسناد. وقال أيضاً: وكان عالماً بالفتوح والمغازي والشعر، صدوقاً في ذلك(383) .

فهذه الرواية محل نظر لحال المدائني، فمن ضعفه رد الرواية، وأبطل أن يكون الصديق رد السبي، ومن وثق المدائني قَبِل الرواية، وعليه يحمل رد الصديق للسبي على الاحتياط في ذلك، كما حُمِلت ديته لمالك على الاحتياط.

3- روى الطبري قال: وكتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: «شهد قوم من السرية أنهم أذنوا وأقاموا وصلّوا، ففعلوا مثل ذلك. وشهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شيء، فقتلوا. وقدم أخوه متمم بن نويرة ينشد أبا بكر دمه، ويطلب إليه في سبيهم، فكتب له برد السبي، وألحَّ عليه عمر في خالد أن يعزله، وقال: إن في سيفه رهقاً. فقال: لا يا عمر، لم أكن لأشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين»(384) . وهذه الرواية ضعيفة لحال سيف بن عمر.

وخلاصة القول في المسألة:-

صفحة مطبوعة 171 · ورقة PDF 171رابط الصفحة المنفردة

أن خالداً قتل مالك بن نويرة لأنه كان يراه مرتداً عن الإسلام، إما لمتابعته سجاح، أو لمنعه الزكاة، إلا أن الصحابة اختلفوا في حاله، كأبي قتادة الذي شهد له بالاسلام، لأنه رآه وقومه يصلون، ولم يكن ذلك عذراً عند خالد فاشتبه الأمر عليهم، واجتهد خالد في قتله، واجتهد أبوقتادة وعمر في الحكم بإسلامه، وبناءً على هذا الاختلاف وعدم اتضاح الأمر، ودى الصديق مالكاً من باب الاحتياط.

أما أن يكون خالد قد قتله لطمعه في زوجته، أو لأن مالكاً رفض دفع الزكاة لعدم اقتناعه بخلافة أبي بكر، أو لأحقاد سابقة، فهذا كله من الكذب الواضح، والذي لا يمكن للمدعي به إثباته أبداً.

صفحة مطبوعة 172 · ورقة PDF 172رابط الصفحة المنفردة

المبحث السادس: موقف خالد من زوجة مالك بن نويرة

- سبق معنا في مبحث أسباب قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة أن الطاعنين في خالد يذكرون أن من هذه الأسباب: عشقه لأم تميم زوجة مالك بن نويرة، وافتتانه بجمالها، وأنه كان يهواها في الجاهلية، ولما سنحت لخالد فرصة الفتك بزوجها، قتله بدون ذنب وتزوج بها، وقد سبق الرد على هذا الهراء والكذب، فلا داعي لإعادته.

- وقد سبق معنا كذلك أن من الأمور المتفق عليها تاريخياً، زواج خالد من أم تميم فهذا ثابت لا محالة.

إلا أني في هذا المبحث سألقي الضوء على ما ورد في كيفية هذا الزواج، وهل وقع من خالد في نفس الليلة التي قتل فيها زوجها بدون استبراء لها، وما حقيقة الأمر؟!

لعل القاريء في هذه النقطة يكتشف سريعاً وبدون عناء أن الطاعنين في خالد بن الوليد يجمعون على أنه زنى بزوجة مالك بن نويرة، لأن مالكاً قُتِل مسلماً في رأيهم، وأنه دخل بها في نفس الليلة، بدون عدة ولا استبراء لها.

وها أنا أسوق بعض النقولات في ذلك:-

قال شاذان بن جبرائيل: «فقتله وأعرس بامرأته في ليلته.. وبات ينزو عليها نزو الحمار»(385) .

وقال النجفي: «حتى دخل بزوجة مالك في تلك الليلة»(386) .

وقال الراوندي: «وقتل رئيسهم وأخذ زوجته، ووطئها في الحال»(387) .

وقال عاشور: «ونكح امرأته بلا عدة لجمالها»(388) .

وقال الوحيد البهبهاني: «وتزوج زوجته ليلة»(389) أي من ليلته.

صفحة مطبوعة 173 · ورقة PDF 173رابط الصفحة المنفردة

وقال اليعقوبي: «وتزوج امرأته من يومها»(390) .

وقال مرتضى العسكري: «وتزوج بامرأته في تلك الليلة ولماَّ يدفن مالك!!»(391) .

وقال أبو القاسم الكوفي: «وأخذ امرأته ووطأها من ليلته من غير استبراء لها ولا وقعت عليها القسمة»(392) .

وقال عباس القمي: «دخل بامرأته في ليلته»(393) .

وقال الشاكري: «ويزني بزوجته في تلك الليلة ولم يتركها لعدتها»(394) .

هذه بعض النقولات في هذا الموضوع، وواضح من خلالها ما قلته قبل قليل: من أنّ إجماع المخالف قام على أن خالداً نكح أم تميم في نفس الليلة التي قتل فيها زوجها، دون عدة ولا استبراء.

والرد على هذا الافتراء والكذب من جهتين:-

1- نتحدى من الآن إلى يوم القيامة - وعندها يفضح الكاذب على رؤوس الأشهاد – أن يأتينا القائل بذلك بإسناد ثابت صحيح لما قال.

2- أن مثل هذا الكلام لا يعرف في المصادر التاريخية القديمة، بل إن الأمر على خلافه، حيث نص كثير من المؤرخين على أن خالداً تزوجها بعد انقضاء عدتها، ولتوضيح الأمر أكثر أسوق بعض النقولات في هذا المقام، فعلى سبيل المثال:-

يقول الإمام الطبري: «وتزوج خالد أم تميم ابنة المنهال، وتركها لينقضي طهرها»(395) .

فإن قيل: هذه من رواية سيف!! قلنا: رواية من طريق سيف خير وأفضل من رواية لا سند لها ولا زمام ولا خطام!! هذا أولاً.

وأما ثانياً: فقد سبق معنا أن البعض يحتج بهذه الرواية على إيمان مالك بن نويرة، وإنكار أبي قتادة على خالد لقتله مالك مع أنه شهد له

صفحة مطبوعة 174 · ورقة PDF 174رابط الصفحة المنفردة

بالأذان والصلاة، وأن عمر أنكر فعل خالد، وأن الصديق تواطأ مع خالد في فعلته تلك.

كل هذا يحتج به البعض مع أنه في نفس الرواية التي في سندها سيف بن عمر، فلماذا يُنكر علينا احتجاجنا بهذه الرواية التي فيها أن خالداً ترك زوجة مالك حتى ينقضي طهرها؟!

وقال الحافظ ابن كثير: «واصطفى خالد امرأة مالك بن نويرة، وهي أم تميم بنت المنهال، وكانت جميلة فلما حَلَّت بنى بها»(396) .

وقال ابن خلكان: «وقبض خالد امرأته، فقيل: إنه اشتراها من الفيء وتزوج بها، وقيل: إنها اعتدت بثلاث حيض، ثم خطبها إلى نفسه فأجابته»(397) .

وقال ابن أبي الحديد ناقلاً عن الشيخ أبي علي في رده على الطاعن في خالد: «فأما وطؤه لامرأته فلم يثبت، فلا يصح أن يجعل طعناً فيه»(398) .

وقال الأيجي: «وأما تزوجه امرأته فلعلها كانت مطلقة قد انقضت عدتها، إلا أنها كانت محبوسة عنده»(399) .

فانظرأيها القاريء المنصف واحكم بنفسك من الذي يذكر الحقيقة، ومن الذي يخفيها، بل ويظهر خلافها؟!

ولا أدري ما عذر من فعل ذلك عند الله تعالى في طعنه في خير الخلق بعد الأنبياء بدون إثبات ولا حجة ولا برهان؟!

اللهم رحماك رحماك.

فائدة

روى الطبري: «عن ابن حميد، عن سلمة، عن محمد بن إسحق، قال: ثم إن خالداً قال لمجَّاعة: «زوجني ابنتك، فقال له مجاعة: مهلاً، إنك قاطع ظهري وظهرك معي عند صاحبك، قال: أيها الرجل، زوجني، فزوجه. فبلغ ذلك أبا بكر، فكتب إليه كتاباً يقطر

صفحة مطبوعة 175 · ورقة PDF 175رابط الصفحة المنفردة

الدم: لعمري يا ابن أم خالد، إنك لفارغ تنكح النساء، وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد...»(400)

هذا الكلام يذكره البعض من باب الطعن في خالد، وأنه كان يعشق النساء، وهمه نكاحهن حتى وهو في أشد الظروف كالحرب والقتال.

وقد نقل هذه الرواية أيضاً ابن جرير الطبري الإمامي في كتابه «المسترشد»(401) من طريق الواقدي، وفيها: «لعمري يا خالد ابن أم خالد إنك فارغ تنكح النساء، وتعرس بهن، وتضاع لذلك دماء المسلمين...».

قلت: هذه القصة لا تصح ولا تثبت، لا من طريق الإمام الطبري؛ لأن في إسنادها ابن حميد وشيخه سلمة، وقد مضى القول مفصلاً فيهما.

ولا من الطريق الذي ذكره الطبري الإمامي؛ لأن في إسنادها الواقدي، وحاله معروف.

ثم إن ما ورد عن خالد رضي الله عنه في عشقه للجهاد وليس للنساء!! يبطل هذه الرواية جملة وتفصيلاً.

فقد روى أبو يعلى بسنده أن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: «ما ليلة تهدى إلى بيتي فيها عروس أنا لها محب، وأبشر فيها بغلام، بأحب إلي من ليلة شديدة الجليد، في سرية من المهاجرين أصبح بها العدو»(402) .

صفحة مطبوعة 176 · ورقة PDF 176رابط الصفحة المنفردة

المبحث السابع: حكم ما فعله خالد رضي الله عنه من القتل والزواج

هذا المبحث هو خاتمة المطاف في هذه الشبهة، وقد أطلت في عرضها وبحثها؛ لأنها من أقوى الشبهات المثارة حول هذا الصحابي الجليل.

وأما عن موضوع هذا المبحث: وهو حكم ما فعله خالد من القتل والزواج، فلا بد عند الإجابة على ذلك من التفريق بين رأي خالد في هذا الموضوع، وما دعاه إلى ذلك، وبين رأي الحاكمين على فعل خالد من الصحابة وغيرهم، ومن جاء بعدهم من علماء وأئمة.

وقبل ذكر التفصيل في هذا الموضوع أذكر كلمة لابن أبي الحديد أعجبتني كثيراً حول ما وقع بين خالد ومالك، حيث يقول: «فأما قصة مالك بن نويرة وخالد بن الوليد فإنها مشتبه عندي، ولا غرو فقد اشتبهت على الصحابة، وذلك أن من حضرها من العرب اختلفوا في حال القوم هل كان عليهم شعار الإسلام أو لا؟!»(403) .

قلت: لو أنصف المرء نفسه، وأخذ بهذه القاعدة، لأراح واستراح ولما اضطر للقول على الصحابة بغير علم ولا عدل، ولوقف كما وقف الأوائل فيما وقع من الصحابة رضوان الله عليهم، ولَوَكل أمرهم إلى الله تعالى، مع اعتقاد حبهم وإخلاصهم وصدقهم وتقواهم وورعهم، خاصة وأن تلك الأمور اشتبهت على الصحابة أنفسهم– كما قال ابن ابي الحديد– مع حضورهم لها، فالاشتباه على من جاء بعدهم من باب أولى وأحرى.

أعود فأقول: أما ما يتعلق برأي خالد في هذا الموضوع، فالذي اتضح من خلال الصفحات الماضية أن خالداً كان يرى ردة مالك بن نويرة، وأنه لم يعتد بإسلامه، لأن منع الزكاة يعد ردة، ولو كان المانع مقيماً للصلاة، وعليه فلا حرج إذن ولا إنكار على خالد فيما فعله من قتله لمالك بن نويرة وهو على تلك الحال.

ونحن ننزه خالداً كما ننزه جميع الصحابة أن يقع منهم قتل عمد بدون شبهة ولا تأويل ولاعذر، لأنهم أتقى لله تعالى وأخوف منه من جميع من جاء بعدهم، ولا أحد يزايد عليهم في ذلك، بل هم أصحاب القدح المعلى والمقام الأسمى في ذلك.

صفحة مطبوعة 177 · ورقة PDF 177رابط الصفحة المنفردة

هذا من جهة حكم ما فعله خالد اعتقاداً لما يراه من صواب.

أما إذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية أخرى وهي نظرة الصحابة والعلماء ومن بعدهم لهذا الفعل، فهذا شيء آخر.

فقد سبق معنا إنكار أبي قتادة الأنصاري وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما لهذا الفعل، وعدُّوه من الأخطاء من وجهة نظرهم، وذلك لأنهما كانا يريان مالكاً لم يخرج عن دائرة الإسلام. هذا كله على فرض صحة الروايات، وقد سبق بيان ما فيها.

وقد رجح بعض العلماء هذا المذهب فمثلاً:-

يقول الحافظ ابن كثير: «وإن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة، وأخطأ في قتله»(404) .

وقال ابن عبد البر: «فقتل خالد بن الوليد مالكاً يظن أنه ارتد حين وجهه أبو بكر لقتال أهل الردة، واختلف فيه هل قتله مسلماً أو مرتداً؟ وأراه والله أعلم قتله خطأ»(405) .

وقد مال ابن الأثير إلى أن مالكاً لم يرتد بل هو مسلم موحد صحابي وترضى عنه(406) .

إلى غير ذلك من النقول التي تؤيد خطأ خالد في قتله لمالك بن نويرة.

قال الدكتور إبراهيم الرحيلي: «وعلى كل حال فقتل خالد لمالك بن نويرة إما أن يكون لواحد من هذه الأسباب المذكورة– منعه للزكاة أو متابعته لسجاح أو قوله صاحبكم– وإما أن يكون لسبب آخر لم نعلمه، وإما أن خالداً لم يرد قتله أصلاً، وإنما قتل خطأ، فإن كل ذلك محتمل، وحينئذ فخالد معذور على كل حال، سواء أكان قتله بحق لسبب يوجب قتله، أو بخطأ ناشيء عن تأويل يعذر به، أو بغير قصد لا لوم عليه فيه».

ثم قال: «والمقصود أن كل واحد من الصحابة كان مجتهداً في إحقاق الحق، وأمرهم دائر بين الأجر والأجرين، فمجتهد مصيب له أجران، ومجتهد مخطيء له أجر واحد وخطؤه مغفور، ولا ينتقصهم في شيء من هذا إلا جاهل بأصول الشرع أو زائغ عن الحق»(407) .

صفحة مطبوعة 178 · ورقة PDF 178رابط الصفحة المنفردة

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «بل مالك بن نويرة لا يعرف أنه كان معصوم الدم، ولم يثبت ذلك عندنا... إلى أن قال: ثم يقال: غاية ما يقال في قصة مالك ابن نويرة إنه كان معصوم الدم، وإن خالداً قتله بتأويل، وهذا لا يبيح قتل خالد».

إلى أن قال: وقوله– أي الحلي صاحب منهاج الكرامة– إن عمر أشار بقتله:- فيقال: غاية هذا أن تكون مسألة اجتهاد، كان رأي أبي بكر فيها ألا يقتل خالداً، وكان رأي عمر فيها قتله، وليس عمر بأعلم من أبي بكر...، ولا يجب على أبي بكر ترك رأيه لرأي عمر، ولم يظهر بدليل شرعي أن قول عمر هو الراجح، فكيف يجوز أن يجعل مثل هذا عيباً لأبي بكر إلا من هو من أقل الناس علماً وديناً؟!

وليس عندنا أخبار صحيحة ثابتة بأن الأمر جرى على وجه يوجب قتل خالد.

وأما ما ذكره من تزوجه بامرأته ليلة قتله، فهذا مما لم يعرف ثبوته، ولو ثبت لكان هناك تأويل يمنع الرجم.

ثم ذكر كلام الفقهاء في مسألة عدة الوفاة هل تجب للكافر.

ثم قال: «ومعلوم أن خالداً قتل مالك بن نويرة لأنه رآه مرتداً... ثم قال: وبالجملة فنحن لم نعلم أن القضية وقعت على وجه لا يسوغ فيها الاجتهاد، والطعن بمثل ذلك من قول من يتكلم بلا علم، وهذا مما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم»(408) .

والخلاصة: أن خالداً قتل مالكاً لأنه كان يراه مرتداً من وجهة نظره واجتهاده؛ لأمور ظهرت له ويعتبر ذلك صواباً، وقد رجح هذا القول طائفة من العلماء، وأما بعض الصحابة وجملة من العلماء فقد اعتبروا ذلك الفعل خطأ من وجهة نظرهم، إلا أن خالداً كان متأولاً في فعله، ولذا لم يجب عليه الحد، كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقم عليه الحد في فعله مع بني جذيمة.

صفحة مطبوعة 179 · ورقة PDF 179رابط الصفحة المنفردة

تتمة

بقي الإشارة إلى عبارة ذكرها ابن أبي الحديد في أثناء رده على المرتضى في كتابه الشافي، وهي من مستشنع الأقوال، حيث يقول: «ولست أنزه خالداً عن الخطأ، وأعلم أنه كان جباراً فاتكاً لا يراقب الدين فيما يحمله عليه الغضب وهوى نفسه، ولقد وقع منه في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع بني جذيمة بالغميصاء، أعظم مما وقع منه في حق مالك بن نويرة، وعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن غضب عليه مدة وأعرض عنه، وذلك العفو هو الذي أطمعه حتى فعل ببني يربوع ما فعل بالبطاح»(409) .

قلتُ: رضي الله عن صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كم أوذوا في حياتهم وبعد مماتهم، وأسأل الله تعالى أن يكون ذلك رفعة لدرجاتهم عند ربهم جل وعلا. وأما ما ذكره ابن أبي الحديد من أن خالداً كان جباراً فاتكاً، فهو والله الحق الذي لا محيد عنه، ولكنه ليس كما ظن المؤلف، وإنما كان كذلك على الكفار والمشركين والمرتدين والمنافقين، فهو سيف الله الذي سله عليهم، ولذا فهم يبغضونه أشد البغض، أما أنه كان كذلك على المؤمنين وعباد الله الموحدين فهذا والله هو الكذب المبين، فما فعله في بني جذيمة كان اجتهاداً منه– كما سبق– ولم يكن يعلم بإسلام القوم، وما فعله بمالك بن نويرة فله تأويله فيه بأنه كان مرتداً عنده، فمن أين إذن الحكم عليه بهذه القسوة والغلظة؟!

ولعلي أسوق هنا مثالين أو ثلاثة فقط؛ لإبطال ما ألصق بخالد من أنه كان محباً للدماء متعرضاً لها يأخذ بالظِّنَّة، ولا يراقب الشرع والدين فيما يحمله عليه الغضب:-

1- عن البراء بن عازب رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث خالد بن الوليد إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث علياً رضي الله عنه فأمره أن يقفل خالداً...

صفحة مطبوعة 180 · ورقة PDF 180رابط الصفحة المنفردة

إلخ الحديث»(410)

والشاهد منه: أن خالد بن الوليد رضي الله عنه مكث ستة أشهر يدعو الناس إلى الإسلام، وهي مدة ليست بالقليلة، ومع ذلك لم يجبه أحد منهم، فلو كان خالد محباً للدماء لقتل القوم، واعتذر بأنهم رفضوا الدخول في الإسلام، إلا أنه رضي الله عنه لم يكن منه شيء من ذلك، فدل هذا على أنه كان لا يقتل إلا من يستحق القتل عنده، ومن أُمِرَ بقتله.

2- روى الطبري بسنده عن عبد الله بن أبي بكر، قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو في جمادى الأولى من سنة عشر إلى بلحارث ابن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثاً، فإن استجابوا لك فاقبل منهم، وأقم فيهم، وعلِّمهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ومعالم الإسلام، فإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون الناس إلى الإسلام، ويقولون: يا أيها الناس أسلِموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعاهم إليه، فأقام خالد فيهم يعلمهم الإسلام، وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم...(411) » .

والخبر واضح في التزام خالد بأوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودعوة الناس للإسلام، وقبول ذلك منهم وتعليمهم كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان خالد محباً للدماء، لاستطاع أن يحتال لقتلهم بأي طريق، كما يتهمه بذلك الحاقدون.

3- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق لقبض الصدقات، فخرج الوليد ثم رجع من منتصف الطريق، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم أرادوا قتله، لما كان بينه وبينهم من عداوة في الجاهلية، فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالداً وأمره أن يخفي قدومه عليهم، وقال: «انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم، فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تَرَ ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار»، ففعل ذلك خالد، وأتاهم فسمع منهم أذاني المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير، فانصرف خالد إلى رسول صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره الخبر..(412) .

والخبر واضح وضوح الشمس في تثبت خالد من إسلام القوم، وأنه لم

صفحة مطبوعة 181 · ورقة PDF 181رابط الصفحة المنفردة

يأخذهم بالتهمة والظن، ولو كان خالد محباً للدماء لأغار عليهم، واحتال بأي حيلة في ذلك، وحاشاه من ذلك.

وقد تعمدت ذكر بعض الآثار من بعض الكتب التي تطعن في خالد بن الوليد؛ ليعلم القاريء الكريم مدى التناقض الذي وقع فيه بعض المؤلفين في شأن هذا الصحابي الجليل، فهم يذكرون عنه أنه كان محباً للدماء والغاً فيها، حتى وصفه البعض بالمجرم الزاني(413) ، ووصفه آخر بالزاني القاتل الهاتك صاحب المخازي والمخاريق(414) ، وغير ذلك من أوصاف ذميمة قبيحة، ثم تجدهم بعد ذلك يروون في كتبهم مثل هذه الروايات التي تنقض ما وصفوه به من الإجرام والقتل وحب الدماء، فالحمد الله واهب العقول، ونسأله تعالى أن يعصمنا من مضلات الأهواء والفتن.

وقد اشتملت هذه النقولات على فائدة أخرى مهمة، وهي كما يلي:-

لو كان خالد- كما يزعم الحاقدون- محباً للدماء، والغاً فيها، فبأي حق يبعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم المرة تلو المرة، إلى هنا وهناك، مع علمه بما فعل يوم بني جذيمة؟!!

فلو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم من حال خالد ما ذكره الحاقدون، لما بعثه إلى قوم من الأقوام، وإلا فكيف يجوز للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن يبعث رجلاً محباً للدماء ولا يتورع عنها، ولا يراعي الدين والشرع في تعامله مع الناس.

إن هذا الأمر يعود بالطعن واللوم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحاشاه؛ من ذلك؛ لأن خالداً لم يكن كما زعم الحاقدون.

وأما قول ابن أبي الحديد: «إن عفو النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن خالد يوم بني جذيمة، هو الذي أطمعه في مالك وقومه».

فهذا كلام يقشعر منه البدن، وتنفر منه الطباع، ومؤداه الطعن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه لم يأخذ على يد الظالم، وإنما عامله بالعفو عن إجرامه وفتكه، وهذه صفة ذم ونقص في القائد وعدم حكمة منه؛ لأنه وضع للشيء في غير موضعه، فكان الأولى

صفحة مطبوعة 182 · ورقة PDF 182رابط الصفحة المنفردة

بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعاقب خالد، لا أن يعفو عنه، بل إن هذا العفو لم يكن من الحكمة في شيء، بل إن هذا العفو جرَّ على المسلمين بعد ذلك ويلات عظيمة على يد خالد والعياذ بالله.

نعم أخي القاريء هكذا يفعل البغض والحقد بأصحابه، وصدق الشاعر عندما قال:

وعين الرضا عن كل عيب كليلةولكن عين السخط تبدي المساويا

فبسبب الحقد على خالد والبغض له وقع ابن أبي الحديد في الطعن في نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم من حيث لا يشعر، فاللهم ثبتنا على الإيمان يا رب العالمين.

هذا ما يتعلق بقتل خالد لمالك بن نويرة.

* وأما زواج خالد من أم تميم زوجة مالك، فهذا كما سبق قد اتفقت عليه معظم المصادر التاريخية، إلا أن الطاعنين في خالد اختلقوا فرية في هذا الموضوع، وهي أن هذا الزواج قد تم من خالد في نفس الليلة التي قُتل فيها مالك زوج أم تميم، وقبل أن ينقضي طهرها، وبدون عدة ولا استبراء، بل وقبل أن يدفن مالك، وقد سبقت هذه الأقوال جميعاً، وأنه لا أساس لها من الصحة.

والأدهى من ذلك: الادعاء بأن خالداً قتل مالكاً مع علمه بإسلامه وعدم ردته، من أجل زواجه بامرأته لشغفه بجمالها ولهواه السابق فيها، مما جعله لا يصبر عليها بعد قتل زوجها حتى تعتدَّ العدة الشرعية للمتوفى عنها زوجها، فكان هذا النكاح من خالد، إنما هو سفاح وزنا في الحقيقة والعياذ بالله.

ولكن من قرأ الصفحات الماضية والمباحث السابقة، يخرج بنتيجة مهمة هي: أن خالداً كان يرى ردة مالك وعدم إسلامه، وبالتالي فعقد النكاح بينه وبين زوجته يفسد بالردة، وعندها لا غبار على زواج خالد من أم تميم.

قال الدكتور علي الصلابي: «قال الشيخ أحمد شاكر: إن خالداً أخذها– أم تميم– هي وابنها ملك يمين بوصفها سبية، إذ أن السبية لا عدة عليها، وإنما يحرم حرمة قطعية أن يقربها مالكها إن كانت حاملاً قبل أن تضع حملها، وإن كانت غير حامل حتى تحيض حيضة واحدة، ثم دخل بها، وهو عمل مشروع جائز لا مغمز فيه ولا مطعن، إلا أن

صفحة مطبوعة 183 · ورقة PDF 183رابط الصفحة المنفردة

أعداءه والمخالفين عليه رأوا في هذا العمل فرصتهم فانتهزوها، وذهبوا يزعمون: أن مالك بن نويرة مسلم، وأن خالداً قتله من أجل امرأته».

ثم قال:-

«وقد اتهم خالد بأنه في زواجه هذا خالف تقاليد العرب، فقد قال العقاد: قتل خالد مالك بن نويرة، وبنى بامرأته في ميدان القتال على غير ما تألفه العرب في جاهلية وإسلام، وعلى غير ما يألفه المسلمون وتأمر به الشريعة.

فهذا القول بعيد عن الصحة فقد كان يحصل كثيراً في حياة العرب قبل الإسلام إثر حروبهم وانتصاراتهم على أعدائهم أن يتزوجوا من السبايا، وكانوا يفخرون بذلك ولذلك كثير فيهم أولاد السبايا...

وأما من الناحية الشرعية، فقد أتى خالد أمراً مباحاً، وسلك إليه سبيلاً مشروعة، أتاه من هو أفضل منه، فإذا كان قد أُخذ عليه زواجه إبَّان الحرب، أوفى أعقابها، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج بجويرية بنت الحارث المصطلقية إثر غزوة المريسيع، وقد كانت في سبايا بني المصطلق، فقضى عنها كتابتها وتزوجها، وكان بها طابع بركة ويمن على قومها، إذ أعتق لهذا الزواج مئة رجل من أسراهم، لأنهم أصبحوا أصهاراً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان من آثاره المباركة كذلك إسلام أبيها الحارث بن ضرار، كما أنه عليه الصلاة والسلام تزوج بصفية بنت حيي بن أخطب اليهودية إثر غزوة خيبر، وبنى بها في خيبر، أو ببعض الطريق، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأسوة الحسنة فقد توارى العتاب، وانقطع الملام.

ودفاع الدكتور محمد حسين هيكل عن خالد اتبع فيه منهجية غير مقبولة، فقد قال الدكتور هيكل: وما التزوج من امرأة على خلاف تقاليد العرب، بل ما الدخول بها قبل أن يتم تطهيرها!!، إذا وقع ذلك من فاتح غزا فحق له بحكم الغزو أن تكون له سبايا يصبحن ملك يمينه.

إن التزمت في تطبيق التشريع لا ينبغي أن يتناول النوابغ العظماء من أمثال خالد، وبخاصة إذا كان ذلك يضر بالدولة، أو يعرضها للخطر.

ورد الشيخ أحمد شاكر بهذا الخصوص، فقال: لشد ما

صفحة مطبوعة 184 · ورقة PDF 184رابط الصفحة المنفردة

أخشى أن يكون المؤلف- محمد حسين هيكل- تأثر بما قرأ من أخبار نابليون، وغيره من ملوك أوربة في مباذلهم وإسفافهم، وبما كتبه الكاتبون من الإفرنج في الاعتذار عنهم لتخفيف آثارهم بما كان لهم من عظمة، وبما أسدوا إلى أممهم من فتوح وأيادٍ، حتى يظن بالمسلمين الأولين أنهم أمثال هؤلاء، فيقول: إن التزمت في تطبيق التشريع لا يجب أن يتناول النوابغ العظماء من أمثال خالد، وهذا قول يهدم كل دين وخلق»(415)

والخلاصة: أن زواج خالد من أم تميم زوجة مالك بن نويرة وقع على وجه مشروع عنده، لأنه كان يرى ردة مالك، وقد أصبحت زوجته سبية له.

أما أنه تزوجها في نفس الليلة وبدون عدة ولا طهر ولا استبراء فهذا مما لا دليل عليه أبداً.

صفحة مطبوعة 185 · ورقة PDF 185رابط الصفحة المنفردة

الشبهة الثالثة: القول بأن: خالد بن الوليد كان يبغض علياً رضي الله عنهما

لعل هذه الشبهة من الشبهات التي تثار حول جُلّ الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، فهناك من يصور العلاقة بين الصحابة الأبرار وآل البيت الأطهار، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بعلاقة العداء والكره والبغض و الانتقام وغير ذلك.

ومن ضمن هؤلاء الصحابة الكرام الذين اتُّهِموا بالعداء لآل البيت: الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه.

ولننظر أولاً إلى بعض ما يقال في حق خالد حول هذه النقطة:-

قال الكركي: «وأما خالد بن الوليد عليه من الله لعنات تتوالي وتتوارد وتترادف إلى يوم العرض على الله، فإن هذا الجلف الجافي والعلج الغسوم(416) ، لا تأخذه في عداوة أمير المؤمنين لومة لائم، ولا يفيق من سكرة حنقه على أهل البيت آناً من آناء الدهر، وهذا اللعين الفاجر هو الذي تظاهر بعداوة أمير المؤمنين في أيام حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك غضب عليه غضباً شديداً، وقال خالد اللعين شيئاً عن علي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق)، وتعرض بقوله؛ ذلك بخالد اللعين، فهو منافق لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم،... إلى أن قال: وحال خالد اللعين غني عن الشرح والبيان لا ينكره أحد من أرباب السير ونقلة الأخبار والآثار»(417) .

اللهم إني أستغفرك من نقلي لهذا الكلام، ووالله لولا أني أريد بيان عظم الحقد على صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما نقلت مثل هذا الكلام، ولا آذيت أذن وعين القاريء ومن قبل ذلك قلبه ودينه وإيمانه بمثل هذا الإجرام.

صفحة مطبوعة 186 · ورقة PDF 186رابط الصفحة المنفردة

وقال ابن أبي الحديد: «قال الزبير: وكان خالد بن الوليد شيعة لأبي بكر، ومن المنحرفين عن علي رضي الله عنه»(418) .

بل لقد تعدى الأمر أكثر من ذلك بكثير، حيث يقول المعلق على كتاب «نقد الرجال»: «خالد بن الوليد لعنه الله تعالى هو شر خلق الله، كفره أشهر من كفر إبليس!!»(419) .

هذا غيض من فيض، ونقطة من يَمٍّ مما يوصف به الصحابة، ومن بينهم خالد بن الوليد بسبب هذه الشبهة، وهي العداء لآل البيت الكرام.

والسؤال المطروح الآن: ما هو الدليل على هذا الكلام، وأن خالداً كان من المبغضين لآل البيت؟!

والجواب:-

أحاديث رواها المدافعون عن خالد والصحابة جميعاً في مصادرهم تنص صراحة على هذه الحقيقة، ومن هذه الأحاديث:-

1- عن بريدة رضي الله عنه: «أنه مر على مجلس وهم يتناولون من علي، فوقف عليهم، فقال: إنه قد كان في نفسي على علي شيء، وكان خالد بن الوليد كذلك، فبعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سرية عليها علي، وأصبنا سبياً، قال: فأخذ علي جارية من الخمس لنفسه، فقال خالد بن الوليد: دونك، قال: فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعلت أحدثه بما كان، ثم قلت: إن علياً أخذ جارية من الخمس، قال: وكنتُ رجلاً مكباباً(420) ، قال: فرفعتُ رأسي فإذا وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تغير، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه»(421) .

والنص واضح في أن خالداً كان يبغض علياً رضي الله عنهما جميعاً.

2- وعن بريدة قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثين إلى اليمن، على أحدهما علي بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: إذا التقيتم فعلي

صفحة مطبوعة 187 · ورقة PDF 187رابط الصفحة المنفردة

على الناس، وإن افترقتما فكل واحد منكما على جنده، قال: فلقينا بني زيد من أهل اليمن، فاقتتلنا فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فاصطفى علي امرأة من السبي لنفسه.

قال بريدة: فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبره بذلك، فلما أتيتُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفعتُ الكتاب فقريء عليه،فرأيت الغضب في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول الله، هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه، ففعلت ما أرسلتُ به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقع في علي، فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي، وإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي».وفي رواية النسائي: «فكتب بذلك خالد بن الوليد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمرني أن أنال منه»(422) .

والنص صريح في أن خالداً كتب كتاباً وأرسله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع بريدة، تحريضاً على علي لما فعله، وكل ذلك من باب الكراهية والبغض.

3- وعن بريدة قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً إلى خالد بن الوليد ليقسم الخمس، وقال روح مرة: ليقبض الخمس– قال: فأصبح علي ورأسه يقطر، قال: فقال خالد لبريدة: ألا ترى إلى ما يصنع هذا، لما صنع علي. قال بريدة: وكنت أبغض علياً، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا بريدة أتبغض علياً؟ قال قلت: نعم. قال: فلا تبغضه– قال روح مرة: فأحبه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك»(423) .

والنص أيضاً صريح في تحريض خالد لبريدة على علي رضي الله عنهم جميعاً.

إلى غير ذلك من الروايات التي تنص وتوضح مدى البغض والكراهية التي كان يُكنُّها خالد بن الوليد لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وإذا ثبت ذلك، ونحن نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عن علي (لا يبغضه إلا منافق)، تبين لنا أن خالداً داخل في هذا الحديث ولا شك، بسبب عداوته

صفحة مطبوعة 188 · ورقة PDF 188رابط الصفحة المنفردة

وبغضه لآل البيت، وعلى رأسهم علي رضي الله عنه، هذا مفاد هذه الشبهة.

وللجواب على ذلك أقول:-

هناك حقائق لا بد منها في هذا المقام:-

1- أن الصحابة رضوان الله عليهم بشر كغيرهم، يعتريهم ما يعتري البشر، ولهم طباع وطبائع مختلفة عن بعضهم، فمنهم الهين اللين ومنهم العسر الشديد، ومنهم الحليم ومنهم سريع الغضب والحاد، ومنهم ومنهم...، ولذا فقد يتصرف البعض منهم بحكم الطبيعة والعادة وما جُبل عليه، فيقع في الخطأ ويجانب الصواب، وقد يسيء لغيره، ومع ذلك فالظن بهم – وهذا هو الواقع – أنهم لا يصرون على الخطأ الصادر من أحدهم، بل يعودون ويتوبون ويندمون ويستغفرون.

وكذلك فالظن بهم أنهم يتحرون التقوى في أقوالهم وأفعالهم، فإذا صدر من أحدهم ما يخالف ذلك في موقف أو موقفين فلا يعمم على سائر حياته، بل يعامل هذا الخطأ أو تلك المخالفة بحسبها وبحجمها دون إفراط ولا تفريط.

2- أن الأصل في تعامل الصحابة بعضهم مع بعض القاعدة القرآنية ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ وصفة الرحمة و الشفقة والمحبة، والعطف والإحسان غالبة فيهم، وهي أصيلة عندهم، وخلاف هذه الصفات فحوادث شاذة ومواقف معدودة، لا تخرم القاعدة، فإذا ما قوبلت بتلك الصفات الغالبة فيهم غمرت في بحرها، وغاصت في لجتها، وكأن تلك الحوادث والمواقف لم تكن.

وعليه فقد يسب أحد الصحابة أخاه(424) أو يعيره(425) أو يسخر ويضحك منه(426)

صفحة مطبوعة 189 · ورقة PDF 189رابط الصفحة المنفردة

أو... أو... ومع ذلك تبقى المحبة والألفة والرحمة قائمة بينهم.

3- تفريعاً على ما سبق: لا يمكن أن يبغض أحد من الصحابة أخاه بغضاً عاماً من كل وجه وكأنه يعامل كافراً أو منافقاً؛ لأن ذلك إبطال لنص الآية ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴾، أما أن يبغضه من جانب أو لخلق أو لسلوك أو لقول أو لفعل ما، فهذا قد يقع إلا أنه لا يقدح في الأصل العام، وهو الرحمة والإحسان المتبادل.

4- بناءً على ما سبق نستطيع أن نفهم ما وقع بين الصحابة من إساءة أو تعدٍ أو تراشق بالألسنة أو غير ذلك، ومن هذه الوقائع ما نحن الآن بصدده وهو ما قيل عن بغض خالد لعلي رضي الله عنهما، فنحن نسلم أن ذلك قد يقع، وقد نصت الأحاديث السابقة على شيء من ذلك، إلا أن مثل هذا الأمر لا بد أن نفهمه بناءً على النقاط سالفة الذكر.

فنعم قد يكون خالد أبغض علياً، ولكن لا بد لنا هنا من هذه الأسئلة:-

أ- هل أبغضه من كل وجه وفي كل الأحوال وفي جميع المقامات، بحيث أن علاقة الرحمة والمحبة قد انقطعت بينهما أبداً؟ وأصبح العداء والبغض هو المصيطر على النفوس، ويتمنى الواحد أن يفتك بأخيه لو ظفر به؟!

إن القائل بذلك محتاج إلى دليل صريح واضح على قوله، وليس والله بواجده ما عاش دهره، بل إن حاله كحال من يطلب من الأكمه رؤية النور!!

ب- هل هذا البغض بين بعض الصحابة– إن وقع– كخالد وعلي داخل في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لايحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق)، بحيث يكون كل من أبغض علياً- مهما كانت درجة هذا البغض- منافقاً خارجاً عن دائرة الإسلام؟!!

اللهم إني أبرأ إليك من هذا الفهم، إن من ينطبق عليه هذا الحديث هو من أبغض علياً رضي الله عنه من كل وجه، وعلى كل حال، ولم يَرَ له من الرحمة والمحبة نصيب، نعم هذا والله منافق لأنه أبغض ولياً من أولياء الله تعالى. ونظير هذا الحديث، حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن و لا يبغضهم إلا منافق»(427) وقوله: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر»(428) .

صفحة مطبوعة 190 · ورقة PDF 190رابط الصفحة المنفردة

ولعل من اللفتات البديعة الرائعة في هذا المقام: أن الإمام مسلماً رحمه الله أخرج حديث بغض الأنصار، وبغض علي رضي الله عنهم جميعاً في موضع واحد، تحت باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنهم من الإيمان(429) ، فليس حب علي وحده من الإيمان، وليس بغضه وحده من النفاق، بل إن حب الأنصار أيضاً من الإيمان وبغضهم من النفاق، وبالتالي نحكم على كل من يبغض أنصارياً بأنه منافق!! وما أكثر من يبغض الصحابة قديماً وحديثاً!!

أعود إلى موضوعي فأقول: إن ما وقع بين بعض الصحابة وعلي من هذا البغض -إن صحت التسمية-، لا يمكن أن يكون داخلاً في حكم هذا الحديث.

ولعلي أكون أدق لو قلت: إن ما وقع من الصحابة بعضهم مع بعض ليس بغضاً أو كرهاً أو حقداً كما يحلو للبعض أن يسميه، وإنما هو من باب الغيرة وكلام الأقران في بعضهم، والقاعدة تقول: كلام الأقران يطوى ولا يروى.

ج- لوكان خالد رضي الله عنه مجرماً كما زعم الحاقدون، وأنه منافق وأكفر من إبليس، فكيف لنا أن نفهم هذه الأحاديث؟!:-

1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «...وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله»(430) .

وهذا قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قيل: إن خالداً وابن جميل والعباس قد منعوا الصدقة، فدافع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن خالد بهذه الطريقة.

أفتراه؛ يدافع عن منافق وأكفر من إبليس!! نعوذ بالله.

2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلاً، فجعل الناس يمرون، فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله

صفحة مطبوعة 191 · ورقة PDF 191رابط الصفحة المنفردة

وسلم: من هذا يا أبا هريرة؟ فأقول: فلان. فيقول: نِعْمَ عبد الله هذا. ويقول: من هذا؟ فأقول: فلان. فيقول: بئس عبد الله هذا. حتى مرَّخالد بن الوليد، فقال:من هذا؟ فقلت:هذا خالد بن الوليد.قال:«نعم عبد الله خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله»(431)

فهل يا ترى يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخالد ذلك وهو منافق وأكفر من إبليس؟!

3- حديث وحشي بن حرب: «أن أبا بكر عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة، وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد ابن الوليد، وسيف من سيوف الله، سلَّه الله على الكفار والمنافقين»(432) .

فهل يقال مثل هذا الكلام وهذا المديح في منافق وأكفر من إبليس؟!

4- عن عبد الرحمن بن أزهر قال: «جرح خالد بن الوليد يوم حنين، فمرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا غلام، وهو يقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ فخرجت أسعى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ حتى أتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مستند إلى رحل قد أصابته جراحة، فجلس رسول صلى الله عليه وآله وسلم عنده ودعا له، قال: وأرى فيه: ونفث عليه»(433) .

قلتُ: أفيظن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل كل ذلك بمنافق وأكفر من إبليس وعدو لزوج ابنته صلى الله عليه وآله وسلم؟!

كيف لنا أن نفهم هذه الأحاديث وغيرها كثير، وهي تنص صراحة على مدح خالد وتزكيته من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء له.

صفحة مطبوعة 192 · ورقة PDF 192رابط الصفحة المنفردة

فهل يعقل أن يفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك مع منافق وأكفر من إبليس؟! إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل مع أصحابه بالنفاق والكذب!!! نعوذ بالله من الجهل والضلال والهوى.

صفحة مطبوعة 193 · ورقة PDF 193رابط الصفحة المنفردة

فوائد

فائدة (1)

سبق معنا في أدلة الطاعنين في خالد، وأنه كان مبغضاً لعلي رضي الله عنهما، حديث بريدة في قصة بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً وخالداً إلى اليمن، وفي نهاية الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي».

وقد احتج البعض بهذا الحديث على أن علياً أحق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنص الحديث.

وأقول: هذا الحديث بهذا اللفظ: رواه الإمام أحمد(434) ، والنسائي في الكبرى(435) وغيرهما.

قال الهيثمي: «رواه أحمد والبزار باختصار، وفيه الأجلح الكندي، وثقه ابن معين، وضعفه جماعة، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح»(436) .

فمدار الحديث على الأجلح الكندي، ومن نظر في ترجمته وجد أن كثيراً من أهل العلم ضعفوه، فمثلاً:

قال يحيى القطان: في نفسي منه شيء.

وقال أحمد: أجلح ومجالد متقاربان في الحديث، وقد روى الأجلح غير حديث منكر

وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به.

وقال النسائي: ضعيف ليس بذاك، وكان له رأي سوء.

وقال الجوزجاني: مفتري.

وقال أبو داود: ضعيف.

وقال ابن سعد: كان ضعيفاً جداً.

وقال ابن حبان: كان لا يدري

صفحة مطبوعة 194 · ورقة PDF 194رابط الصفحة المنفردة

ما يقول.

وذهب بعض أهل العلم إلى توثيقه: كابن معين ويعقوب بن سفيان وابن عدي(437) .

فهذه حال الرجل، فالغالب على تضعيفه.

ولذلك فقد حكم جمع من العلماء على ضعف هذه الزيادة ونكارتها، وهي قوله «بعدي».

فهذا الحافظ ابن كثير يقول: «هذه اللفظة منكرة، والأجلح...، ومثله لا يقبل إذا تفرد بمثلها، وقد تابعه فيها من هو أضعف منه، والله أعلم»(438) .

والمتابع للأجلح على هذه الزيادة واللفظة هو: جعفر بن سليمان الضبعي، كما عند الترمذي، والإمام أحمد من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه(439) .

قال المباركفوري في تعليقه على هذه اللفظة: «وقد استدل به.... على أن علياً رضي الله عنه كان خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير فصل، واستدلالهم به عن هذا باطل، فإن مداره عن صحة زيادة لفظ (بعدي)، وكونها صحيحة محفوظة قابلة للاحتجاج، والأمر ليس كذلك، فإنها قد تفرد بها جعفر بن سليمان وهو... بل هو غالٍ فيه...

ثم قال: وظاهر أن قوله (بعدي) في هذا الحديث مما يقوى به معتقد...، وقد تقرر في مقره أن المبتدع إذا روى شيئاً يقوي به بدعته فهو مردود، قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في مقدمته: والمختار أنه إن كان داعياً إلى بدعته ومروجاً لها رُدَّ، وإن لم يكن كذلك قُبِل، إلا أن يروي شيئاً يقوي به بدعته فهو مردود.

ثم قال المباركفوري: فإن قلت: لم يتفرد بزيادة قوله (بعدي) جعفر بن سليمان، بل تابعه عليها أجلح الكندي– وساق الحديث– قلت: أجلح الكندي هذا أيضاً...، ثم قال: والظاهر أن زيادة (بعدي) في هذا الحديث من وهم هذين...، ويؤيده أن الإمام أحمد روى في مسنده هذا الحديث من عدة طرق، ليست في واحدة منها هذه الزيادة– ثم ساق بعض الأحاديث– ثم قال: فظهر بهذا كله أن زيادة لفظة (بعدي) في هذا الحديث ليست

صفحة مطبوعة 195 · ورقة PDF 195رابط الصفحة المنفردة

بمحفوظة، بل هي مردودة، فاستدلال...بها على أن علياً رضي الله عنه كان خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير فصل باطل جداً، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم»(440)

وقد علق الشيخ شعيب على حديث الأجلح بقوله: إسناده ضعيف بهذه السياقة من أجل أجلح الكندي(441) .

وقال شيخ الإسلام: «وكذلك قوله (هو ولي كل مؤمن بعدي) كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل هو في حياته وبعد مماته ولي كل مؤمن، وكل مؤمن وليه في المحيا والممات، فالولاية التي هي ضد العداوة لا تختص بزمان، وأما الولاية التي هي الإمارة فيقال فيها والي كل مؤمن بعدي، كما يقال في صلاة الجنازة إذا اجتمع الولي والوالي قُدِّم الوالي في قول الأكثر، وقيل: يقدم الولي، فقول القائل: علي ولي كل مؤمن بعدي، كلام يمتنع نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه إن أراد الموالاة لم يحتج أن يقول بعدي، وإن أراد الإمارة كان ينبغي أن يقول: والٍ على كل مؤمن»(442) .

إلا أن الشيخ الألباني رحمه الله قد صحح الحديث بهذه الزيادة في السلسلة الصحيحة(443) وغيرها. ثم علق عليه بقوله: «فمن العجيب حقاً أن يتجرأ شيخ الإسلام ابن تيمية على إنكار هذا الحديث، وتكذيبه في منهاج السنة، مع تقريره رحمه الله أحسن تقرير أن الموالاة هنا ضد المعاداة، وهو حكم ثابت لكل مؤمن، وعلي رضي الله عنه من كبارهم، يتولاهم ويتولونه، ففيه رد على الخوارج والنواصب، لكن ليس في الحديث أنه ليس للمؤمنين مولى سواه.

ثم قال: فالحديث ليس فيه دليل البتة على أن علياً رضي الله عنه هو الأحق بالخلافة من الشيخين...؛ لأن الموالاة غير الولاية؛ التي هي بمعنى الإمارة، فإنما يقال فيها: والي كل مؤمن.

صفحة مطبوعة 196 · ورقة PDF 196رابط الصفحة المنفردة

هذا كله من بيان شيخ الإسلام، وهو قوي متين كما ترى، فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث؛ إلا التسرع والمبالغة في الرد على...غفر الله لنا وله».

أقول: من العجيب حقاً كلام الشيخ الألباني رحمه الله في شيخ الإسلام، وأنه متجرئ في تكذيب الحديث ورده، وما جره إلى ذلك إلا التسرع والمبالغة في الرد على الخصوم.

والذي يتضح من كلام شيخ الإسلام الماضي أنه انتقد جزءاً من متن الحديث، وهي لفظة (بعدي) ولم يطعن في كل الحديث، كما هو واضح من خلال كلامه، وبيَّن أن هذه اللفظة لا يمكن أن تكون صادرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الولاية التي هي ضد العداوة فهذه لا تختص بزمان، فهل علي ولي للمؤمنين فقط بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم! هذا باطل بالاتفاق !!.

وإن كان قصد قائلها الولاية بمعنى الإمارة، فلا يقال: ولي، بل يقال: والي.

هذا هو تقرير شيخ الإسلام رحمه الله وهو كما قال الشيخ الألباني: قوي متين.

ثم إن بعض العلماء انتقد الحديث من جهة سنده كما نقلنا ذلك عن ابن كثير والمباركفوري، وبيَّنا أن هذه اللفظة (بعدي) منكرة في الحديث، ولعل الوهم فيها من الراويين جعفر بن سليمان والأجلح الكندي، وهي مما يؤيد مذهبهما، وإن كانا صدوقين أو حتى ثقتين، فكلام شيخ الاسلام رحمه الله في نقده للمتن منسجم مع كلام ابن كثير والمباركفوري في نقدهما للسند.

ثم ههنا سؤال أخير في هذا الموضوع موجه للشيخ الألباني رحمه الله:-

كيف تُفْهَم لفظة (بعدي) في هذا الحديث، وعلى أي شيء تحمل، وهل لها معنى في هذا السياق أم لا معنى لها؟

لعل الإجابة على ذلك توضح قوة ووجاهة رأي شيخ الإسلام رحمه الله.

فائدة (2):-

في

صفحة مطبوعة 197 · ورقة PDF 197رابط الصفحة المنفردة

كتاب «دعائم الإسلام» قال: «روينا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث بعثين إلى اليمن، على أحدهما علي رضي الله عنه، وعلى الآخر خالد بن الوليد، وقال: إذا اجتمعتم فعلي عليكم أجمعين، وإذا افترقتم فكل واحد على أصحابه. فأصاب القوم سبايا، فاصطفى علي جارية لنفسه، فكتب بذلك خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأرسل بالكتاب مع بريدة الأسلمي، وأمره أن يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلسانه ففعل، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن علياً مني وأنا منه، وله ما اصطفى» وتبين الغضب في وجهه؛، فقال بريدة: هذا مقام العائذ بك يا رسول الله، بعثتني مع رجل وأمرتني بطاعته ففعلت، وبلغت ما أرسلني به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا بريدة إن علياً ليس بظلَّام، ولم يخلق للظلم، وهو أخي ووصيي وولي أمركم من بعدي»(444)

فواضح من هذه الرواية أن واضعها يريد تثبيت المعنى الذي يعتقده، وهو أن علياً هو أمير المؤمنين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدون فصل، فأضاف كلمة (أمركم) أيضاً حتى تتضح الصورة أكثر، ولا يبقى مجال للظن ما هو المقصود بعبارة (وهو وليكم من بعدي)، هل هي ولاية النصرة والمحبة ضد العداوة، أم ولاية الإمارة؟! فأتى هنا بزيادة كلمة من عنده وهي (أمركم) ليؤكد المعنى الثاني وليس الأول، فينتصر بذلك.

ويكفينا في تكذيب الرواية أنها سيقت بدون إسناد، هذا فضلاً عن نكارة متنها كما مر معنا.

فائدة

صفحة مطبوعة 198 · ورقة PDF 198رابط الصفحة المنفردة

(3):-

جاء في كتاب «الإرشاد للمفيد»: قصة خالد وعلي وبعثهما إلى اليمن، ورجوع بريدة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيها زيادة من العجب العجاب، حيث قال: «فسار بريدة حتى انتهى إلى باب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلقيه عمر بن الخطاب، فسأله عن حال غزوتهم، وعن الذي أقدمه، فأخبره أنه إنما جاء ليقع في علي، وذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه، فقال له عمر: امضِ لما جئت به، فإنه– أي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- سيغضب لابنته مما صنع علي!!... إلى أن قال: فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ويحك يا بريدة أحدثت نفاقاً؛ إن علي بن أبي طالب يحل له من الفيء ما يحل لي، إن علي ابن أبي طالب خير الناس لك، ولقومك، وخير من أخلف من بعدي لكافة أمتي..»(445) .

طبعاً الخبر في الكتاب المذكور بدون سند، وهذا لا غرابة فيه.

ثم واضح من سياق النص أن واضعه يريد أن يثبت العداء والبغض بين الصحابة وبين علي رضي الله عنهم جميعاً، وبخاصة هنا مع عمر بن الخطاب الذي أثنى على فعل بريدة وما جاء به، لأنه سيطعن في علي، وهذا والله من أعظم الكذب والزور والبهتان على الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وسيقف الصحابة خصماء لهؤلاء يوم القيامة فماذا هم فاعلون؟!

ثم انظر إلى تصوير النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رأي عمر أنه ينتصر لنفسه ولابنته دون مراعاة لحكم الشرع. نعوذ بالله من الخذلان.

فائدة (4):-

صفحة مطبوعة 199 · ورقة PDF 199رابط الصفحة المنفردة

في كتاب «مكاتيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم» قال: «ورووا أيضاً عن حنظلة الكاتب: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن، فقال: إذا اجتمعتما فعلي الأمير، وإذا تفرقتما فكل واحد منكما على عمله، وكتب خالد بن الوليد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: من خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبدأ بنفسه ثم لم ينكر ذلك عليه، وكتب علي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فبدأ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم علق المؤلف على ذلك بقوله:-

«فمن كان عارفاً بمقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عنده من الأدب اللازم ما يبعثه على حفظ الحرمة، كان يلاحظ ذلك ويراعيه - أي يقدم ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذكر نفسه في الرسالة -، ومن لم تكن عنده المعرفة، أو لم يكن عنده من الأدب ما يبعثه على رعاية المقام، كتب وقدَّم نفسه كما تقدم»(446) .

ذكر المؤلف هذا الكلام تحت عنوان: من قدَّم اسمه من الصحابة في كتبه، أي على اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

والر د على هذا الأمر من وجهين:-

1- أن الرواية التي ذكرها المؤلف، وبنى عليها حكمه السابق، وطعن لأجلها في خالد ابن الوليد، رواها الطبراني(447) وقال الهيثمي في المجمع(448) : «رواه الطبراني وفيه سيف بن عمر الأسدي وهو متروك».

2- أن المؤلف نفسه قال في بداية هذا المبحث وهو تقديم النبي لاسمه في أول كتابه، وأن هذا طريق مألوف يقتضيه أدب الكتابة، وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبدأ في كتبه باسمه الشريف تعظيماً للنبوة ورفعاً لشأنها..ثم قال:-

«وكان غيره صلى الله عليه وآله وسلم- يعني من الصحابة وغيرهم– يبدأ باسمه المبارك إجلالاً وإعظاماً للرسالة، وأداءً لحق النبوة السامية، وإليك نماذج:-

صفحة مطبوعة 200 · ورقة PDF 200رابط الصفحة المنفردة

كتب إليه خالد بن الوليد: «محمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله، من خالد ابن الوليد»(449) .

فأول مثال ذكره المؤلف في تقديم الصحابي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه: هو مثال خالد بن الوليد، فلا أدري هل نسي المؤلف هذا الكلام لما طعن في خالد بعد صفحات قليلة، وأنه لا يراعي حرمة النبوة وليس عنده من الآداب ليقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه وغير ذلك؟!

فأقول: سبحان الله واهب العقول أم أنه الحقد الدفين؟!

صفحة مطبوعة 201 · ورقة PDF 201رابط الصفحة المنفردة

الشبهة الرابعة: القول بأن: خالداً قتل سعد بن عبادة رضي الله عنهما

تدور أحداث هذه القصة حول المصير المحتوم الذي لقيه الصحابي الجليل سعد بن عبادة رضي الله عنه، ألا وهو القتل وعلى يد أحد الصحابة الأجلاء!!

تشير أصابع الاتهام في هذه الجريمة البشعة كما تقول هذه الشبهة إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه، فهو الذي تولى كبر هذه الفعلة الشنيعة.

وتذكر المصادر أن خالداً لم يفعل ذلك من تلقاء نفسه، بل إن الذي أوعز إليه بذلك وأغراه به هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والسبب في ذلك ما حدث في يوم السقيفة من رفض سعد بن عبادة مبايعة الصديق؛ لأنه كان يرى نفسه أهلاً لهذا المنصب، إلا أن الصحابة: أبا بكر وعمر وأبا عبيدة أسكتوا سعداً واغتصبوا منه هذا المنصب، فما كانت حيلة سعد إلا أن تراشق معهم بالكلام الفج، والعبارات الحاقدة، ورفض مبايعة الصديق، واعتزلهم في جميع شؤونه حتى الصلاة معهم، وبقي الحال على ذلك إلى أن توفي الصديق رضي الله عنه، وخلفه الفاروق رضي الله عنه، فخشي سعد من غائلة عمر ففر إلى الشام، إلا أن ظنه كان في محله، حيث أغرى عمر خالداً رضي الله عن الجميع بقتل سعد، وجعل له على ذلك جُعْلاً، وفعلاً نفذ خالد المهمة على أكمل وجه؛ لأنه الشخص الذي يعشق الدماء ولا يحجزه عنها دين ولا تقوى!!

وحتى لا تنفضح الجريمة ويكتشف أمر الفاعل، اخترعوا قصة من عند أنفسهم تقول بأن الجن قتلت سعداً، وصنعوا في ذلك بيتاً من الشعر على لسان الجن، ليضحكوا على عقول العامة، ويُخفوا هذه الجريمة وفاعلها الحقيقي.

هذه تقريباً هي أحداث هذه الرواية.

اللهم إنا نعوذ بك من هذا الضلال والهذيان، ونبريء ساحة صحابة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الكذب والبهتان.

وها أنا ذا أسوق بعض النقولات الدالة على هذه الشبهة:-

يقول الطبرسي بعد أن ذكر قصة مبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وما حدث في السقيفة: «فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يقضي بقضائهم، ولو وجد أعواناً لصال

صفحة مطبوعة 202 · ورقة PDF 202رابط الصفحة المنفردة

بهم ولقاتلهم، فلم يزل كذلك مدة ولاية أبي بكر، حتى هلك أبو بكر، ثم ولي عمر، فكان كذلك، فخشي سعد غائلة عمر، فخرج إلى الشام فمات بحوران في ولاية عمر ولم يبايع أحداً.

وكان سبب موته أن رمي بسهم في الليل فقتله، وزعموا أن الجن رموه، وقيل أيضاً: إن محمد بن مسلمة الأنصاري تولى ذلك بجُعل جُعل له عليه، وروي أنه تولى ذلك المغيرة بن شعبة، وقيل خالد بن الوليد»(450) .

ويقول المجلسي: «وقال البلاذري في تاريخه: إن عمر بن الخطاب أشار إلى خالد بن الوليد ومحمد بن مسلمة الأنصاري بقتل سعد، فرماه كل منهما بسهم فقتله، ثم أوقعوا في أوهام الناس أن الجن قتلوه، ووضعوا هذا الشعر على لسانهم:-

قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادةفرميناه بسهمين فلم نخط فؤاده»(451) ( 451 )

ويقول القمي الشيرازي: «وقال المعتبرون من أهل السير: إن خالد بن الوليد قتله حين كان سعد في قرى غثان من الشام، طلباً لرضى عمر، ولفقوا هذا الشعر، ونسبوا قتله إلى الجن خوفاً من فتنة الأنصار»(452) .

وفي كتاب النص على أمير المؤمنين يقول المؤلف: «واعلم أن عمر وإن كان قد عزل خالداً عن إمارته سنة سبع عشرة، ولكنه لم يقم عليه الحد فيما بعد كما وعد، ولعل سبب ذلك أنه اتفق معه على قتل سعد بن عبادة - الذي كان معارضاً لعمر يوم السقيفة - فقتله خالد في الشام، على ما روى البلاذري عن الكلبي»(453) .

إلى غير ذلك من النقول

صفحة مطبوعة 203 · ورقة PDF 203رابط الصفحة المنفردة

المفيدة لنفس القصة وأحداثها.

والجواب على هذه الشبهة سيدور حول محاور:-

المحور الأول: القول فيما وقع بين الصحابة يوم السقيفة.

المحور الثاني: تناقض الأقوال والروايات في قضية قتل خالد لسعد بن عبادة رضي الله عنهما.

المحور الثالث: ما ذكره أهل العلم في مسألة قتل سعد بن عبادة رضي الله عنه.

فأقول مستعيناً بالله تعالى:

- المحور الأول: القول فيما وقع بين الصحابة يوم السقيفة.

لعل الناظر في كتب التاريخ وغيرها يجد روايات كثيرة لما دار بين الصحابة رضوان الله عليهم يوم السقيفة؛ لاختيار خليفة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

والذي يصح من هذه الروايات وهو الموافق لما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من دين وتقوى، ورغبة في الآخرة وزهد في الدنيا ومناصبها، هو أن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لتأمير سعد بن عبادة عليهم، فعلم بذلك المهاجرون، فأقبل كل من الصديق والفاروق وأمين الأمة رضي الله عنهم جميعاً، وتباحثوا مع إخوانهم الأنصار حول هذه القضية في جو يلفه الود والألفة والأخوة، وبيَّن لهم الصديق أن الخلافة في قريش، فهم الأمراء وأنتم أيها الأنصار الوزراء، ثم أشار عليهم ببيعة أحد الرجلين: الفاروق عمر أو أمين الأمة أبي عبيدة، إلا أنهم رفضوا أن يتقدموا على الصديق الذي رضيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لدينهم، فكيف يرضون بغيره لدنياهم؟؟

فتقدموا إلى الصديق رضي الله عنه وبايعوه جميعاً، رضي الله عنهم أجمعين(454) .

فهذا أصح ما ورد في يوم السقيفة من الروايات.

وأما ما ورد من روايات في هذا الموضوع من أنه وقع خصام ونزاع شديد، وتراشق بالألسن وغير ذلك بين الصحابة، وأن سعداً لم يبايع وترك الصلاة مع المسلمين، فهذه كلها روايات لا تصح أبداً ولا تثبت حديثياً ولا تاريخياً.

وسأورد لك أخي القارئ الكريم روايتين تعدان من الروايات المعتمدة عند البعض والتي يبنون على أساسها كثيراً من الأحكام في حق

صفحة مطبوعة 204 · ورقة PDF 204رابط الصفحة المنفردة

الصحابة الأجلاء.

وسأسوق هاتين الروايتين من كتب لها وزنها وأهميتها عند أهل العلم، ثم أبين ما فيها.

* الرواية الأولى: رواية الإمام الطبري:-

فقد ذكر الإمام الطبري رحمه الله الخبر عما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الخلافة في سقيفة بني ساعدة، وهو خبر طويل أسوق منه موضع الشاهد لقصتنا، فبعد أن تمت البيعة لأبي بكر رضي الله عنه، وانفض الناس عن سعد بن عبادة، وحصل ما حصل، قال سعد: «أما والله لو أن بي قوة ما أقوى على النهوض، لسمعتَ - أي عمر رضي الله عنه - مني في أقطارها وسككها زئيراً يحجرك وأصحابك، أما والله إذاً لألحقنَّك بقوم كنتَ فيهم تابعاً غير متبوع، احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه في داره، وترك أياماً ثم بَعث إليه أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال: أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي، وأخضب سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي فلا أفعل، وأيم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم !! حتى أُعرض على ربي وأعلم ما حسابي.

فلما أتي أبو بكر بذلك قال له عمر: لا تَدَعْه حتى يبايِع، فقال له بشير بن سعد: إنه قد لج وأبى، وليس بمبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يُقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فاتركوه فليس تركه بضاركم، إنما هو رجل واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير ابن سعد، واستنصحوه لما بدالهم منه، فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يجمع معهم، ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر رحمه الله»(455) .

أقول: إن الناظر في هذه الرواية يجزم ببطلانها وكذبها من أول وهلة سنداً ومتناً.

- أما سنداً: فهي من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى الكذاب الأفاك صاحب الأباطيل والطوام، قال ابن حجر: إخباري تالف لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره.

وقال الدارقطني: ضعيف.

وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال مرة: ليس بشيء.

صفحة مطبوعة 205 · ورقة PDF 205رابط الصفحة المنفردة

وقال ابن عدي:..... محترق....

وقال أبو عبيدة الآجري: سألت أبا داود عنه فنفض يده، وقال: أحد يسأل عن هذا؟! وذكره العقيلي في الضعفاء(456) .

فكيف يوثق بما يرويه لنا هذا الجبل الأشم في الكذب؟!

ثم إن السند من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، لم يذكره غير ابن أبي حاتم، وقال: روى عن جده أبي عمرة، روى عنه المسعودي. ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً(457) .

فهذه علة ثانية للسند.

فهذه حال القصة من جهة السند.

- وأما متناً: فكل من يقرأ القصة يخرج بنتيجة متفق عليها، وهو أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا ينتظرون موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحظة بلحظة، لينقض كل واحد منهم على السلطة من بعده، ويُخرِج الأحقاد والضغائن التي أخفاها في صدره على إخوانه طوال هذه السنين.

ووالله إن هذا لمن أعجب العجب أن يُصوَّر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم أرق الناس قلوباً، وأسرعهم دمعة، وأكثرهم تقوى، بهذه الطريقة المهينة والعياذ بالله.

بعد كل ذلك أدع الحكم للقارئ الكريم.

* الرواية الثانية: رواية ابن سعد:

فقد روى ابن سعد هذه القصة في طبقاته عن محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن صالح، عن الزبير بن أبي أسيد الساعدي: أن أبا بكر بعث إلى سعد بن عبادة أن أَقبِل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال: لا والله لا أبايع حتى أراميكم بما في كنانتي وأقاتلكم بمن تبعني من قومي وعشيرتي، فلما جاء الخبر إلى أبي بكر، قال بشير بن سعد: يا خليفة رسول الله، إنه قد أبى ولج وليس بمبايعكم حتى تُقتل الأوس، فلا تحركوه فقد استقام لكم الأمر، فإنه ليس بضاركم، إنما هو رجل وحده ما تُرِك. فقبل

صفحة مطبوعة 206 · ورقة PDF 206رابط الصفحة المنفردة

أبو بكر نصيحة بشير فترك سعداً، فلما ولي عمر لقيه ذات يوم في طريق المدينة، فقال: إيهٍ يا سعد، فقال سعد: إيهٍ يا عمر، فقال عمر: أنت صاحب ما أنت صاحبه؟ فقال سعد: نعم أنا ذاك، وقد أفضى إليك هذا الأمر، كان والله صاحبك أبو بكر أحب إلينا منك، وقد والله أصبحتُ كارهاً لجوارك. فقال عمر: إنه من كره جوار جاره تحول عنه. فقال سعد: أما إني غير مستنسيء بذلك، وأنا متحول إلى جوار من هو خير منك. قال: فلم يلبث إلا قليلاً حتى خرج مهاجراً إلى الشام، في أول خلافة عمر بن الخطاب فمات بحوران(458)

وهذه الرواية لا تصح ولا تثبت بهذا السياق أبداً؛ وذلك لحال رجال إسنادها:-

1- محمد بن عمر: هو الواقدي، وحاله غني عن التعريف لكل من له اشتغال بعلم الرجال.

وخلاصة الأقوال فيه: ما قاله الحافظ ابن حجر: متروك مع سعة علمه(459) .

وقال الذهبي: واستقر الإجماع على وهن الواقدي(460) .

2- محمد بن صالح: هو ابن دينار التمار الأنصاري، شيخ الواقدي.

قال ابن حجر: صدوق يخطئ(461) .

3- الزبير بن المنذر: ابن أبي أسيد الساعدي.

قال ابن حجر: مستور(462) .

وقال الذهبي: لا يكاد يعرف(463) .

وذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً(464) .

فهذه حال رجال السند، فالقصة معلولة بالواقدي وبالزبير بن

صفحة مطبوعة 207 · ورقة PDF 207رابط الصفحة المنفردة

المنذر، أضف إلى ذلك علة الإرسال. ولذلك قال الذهبي بعد أن ساق هذه القصة في السير: «إسنادها كما ترى»(465) وكأن الذهبي رحمه الله يشير إلى ضعفها وعدم ثبوتها.

وقد ضعفها الدكتور عمر عبد السلام تدمري في تحقيقه لكتاب «تاريخ الاسلام» للذهبي(466) .

فالخلاصة: أن ما روي من أحداث في السقيفة بين سعد بن عبادة رضي الله عنه والصديق والفاروق رضي الله عنهمامن كلام جارح وتهديد ووعيد من سعد واعتزاله المسلمين، كل ذلك لا يثبت أبداً من طريق صحيح.

على أنه تجدر الإشارة إلى أن بعض أهل العلم نقل عدم مبايعة سعد للصديق رضي الله عنهما، إلا أن هذا لا يقدح في خلافة الصديق أبداً.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه، وامتنع سائر الصحابة عن البيعة لم يصر إماماً بذلك، وإنما صار إماماً بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية..»(467) .

وقال أيضاً: «وقد تخلف سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر، ولم يضربوه ولم يحبسوه فضلاً عن القتل»(468) .

إلا أن شيخ الإسلام أشار في موضع آخر إلى أن سعداً رضي بإمارة الصديق وأذعن، فقد قال شيخ الإسلام: «وأما أبو بكر فتخلف عن بيعته سعد لأنهم كانوا قد عينوه للإمارة، فبقي في نفسه ما يبقى في نفوس البشر، ولكن هو مع هذا رضي الله عنه لم يعارض ولم يدفع حقاً، ولا أعان على باطل، بل قد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسند الصديق عن عفان عن أبي عوانة عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن هو الحميري فذكر حديث السقيفة وفيه: أن الصديق قال: ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر، فَبَرُّ الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم» فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء» فهذا مرسل

صفحة مطبوعة 208 · ورقة PDF 208رابط الصفحة المنفردة

حسن، ولعل حميداً أخذه عن بعض الصحابة الذي شهدوا ذلك.

وفيه فائدة جليلة جداً: وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجمعين(469) .

وقال الحافظ ابن كثير: أما بيعة الصديق أي من قِبل سعد بن عبادة فقد روينا في مسند الإمام أحمد أنه سلم للصديق ما قاله

صفحة مطبوعة 209 · ورقة PDF 209رابط الصفحة المنفردة

من أن الخلفاء من قريش(470)

* المحور الثاني: تناقض الأقوال والروايات في قصة قتل خالد لسعد بن عبادة.

فبمجرد تصفح الكتب التي ذكرت هذه الروايات نجد التعارض والتناقض واضحاً فيها وبدون عناء بحث.

فمثلاً: يذكر البعض أن خالداً قتل سعد بن عبادة من تلقاء نفسه، طلباً لرضى عمر رضي الله عنه، كما صرح بذلك القمي الشيرازي(471) .

وبعضهم يذكر أن عمر هو الذي أشار إلى خالد بقتل سعد، كما ذكر ذلك المجلسي(472) والمرعشي(473) نقلاً عن البلاذري.

ويذكر البعض أن الذي باشر القتل غير محدد، فقيل: إنه محمد بن مسلمة، وقيل: المغيرة بن شعبة، وقيل: خالد بن الوليد. كما نص على ذلك الطبرسي(474) .

وذكر ابن أبي الحديد أن من الطعون الموجهة للصديق رضي الله عنه أنه كتب إلى خالد بن الوليد وهو على الشام، يأمره أن يقتل سعد بن عبادة، فكمن له هو وآخر معه ليلاً، فلما مرَّ بهما رمياه بسهم فقتلاه...(475) .

قلت: إن مثل هذا التخبط دليل على فساد القصة من أصلها، وأنها من التلفيق المقصود، ومن الكذب الرخيص الذي لا ينطلي على عامة الناس، فضلاً عن خاصتهم.ثم لتفنيد هذا الكلام وهذه التناقضات، أقول: إن احتمالات هذه القصة الملفقة - على أحسن الأحوال - لا تخرج عن أحد هذين الاحتمالين:-

فإما يكون المشير بقتل سعد بن عبادة هو الصديق رضي الله عنه، أو يكون المشير بذلك هو الفاروق رضي الله عنه.

ولن أناقش مسألة مَنْ المباشِر للقتل؛ لأن هذا سيأتي معنا في المحور الثالث.

فعلى الاحتمال الأول: وهو أن المشير بالقتل هو الصديق، فقد كفانا ابن أبي الحديد مؤونة الرد على هذه التهمة الرخيصة.

صفحة مطبوعة 210 · ورقة PDF 210رابط الصفحة المنفردة

فقد قال بعد أن ذكر كتابة أبي بكر لخالد يأمره بقتل سعد، قال: «والجواب، أَمَّا أنا فلا أعتقد أن الجن قتلت سعداً، ولا أن هذا شعر الجن، ولا أرتاب أن البشر قتلوه، وأن هذا الشعر شعر البشر، ولكن لم يثبت عندي أن أبا بكر أمر خالداً، ولا أستبعد أن يكون فعله من تلقاء نفسه؛ ليرضي بذلك أبا بكر - وحاشاه - فيكون الإثم على خالد، وأبو بكر بريء من إثمه، وما ذلك من أفعال خالد ببعيد»(476) .

قلت: صدق ابن أبي الحديد وكذب، فقد صدق في تبرئة الصديق رضي الله عنه، وإن كان ليس أهلاً للتهمة.

وكذب في اتهام خالد وتأثيمه. فالله حسيبه.

ثم ها هنا نقاط لابد من الإشارة إليها في هذا الاحتمال:-

1- إن المشهور تاريخياً أن سعد بن عبادة رضي الله عنه مات في خلافة الفاروق رضي الله عنه سنه 14هـ، أو 15 هـ، أو 16هـ، كما نص على ذلك كثير من المؤرخين(477) ، فكيف يقال بعد ذلك إن الصديق رضي الله عنه أمر خالداً بقتله، فكمن له خالد هو وآخر ليلاً، فلما مرَّ بهما رمياه بسهم فقتلاه، هذا يؤكد أن القصة مكذوبة من أصلها.

2- إن روايتي الطبري وابن سعد اللتين سبقتا معنا، والتي يحتج بها البعض على أن سعد بن عبادة رضي الله عنه لم يبايع الصديق، تنصان صراحة على أن الصديق قد أخذ بنصيحة البشير بن سعد في ترك سعد بن عبادة وشأنه؛ لأنه لن يضره شيئاً، وفعلاً طبَّق الصديق ذلك، فلم يتعرض لسعد.

فأي الروايات نصدق إذن؟! الروايات التي تقول إن الصديق ترك سعداً، أم التي تقول إن الصديق أمر خالداً بقتل سعد فقتله؟! نرجو الصراحة في الإجابة.

3- القصة ذكرها ابن أبي الحديد بدون

صفحة مطبوعة 211 · ورقة PDF 211رابط الصفحة المنفردة

سند، وهذا إسقاط لها من دائرة الاعتبار.

وعلى الاحتمال الثاني: وهو أن الفاروق هو المشير بالقتل. فالذين يذكرون ذلك كالمجلسي والمرعشي وغيرهما، ينقلون ذلك عن البلاذري في أنساب الأشراف.

وعند الرجوع إلى الكتاب المذكور يتبين لنا الخلل في المنهجية العلمية وعدم التحري في النقل.

وسأسوق الرواية بنصها لتعلم أيها القارئ صدق ما أقول.

قال البلاذري: «المدائني، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان، وعن أبي مخنف، عن الكلبي وغيرهما: أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر، وخرج إلى الشام، فبعث عمر رجلاً، وقال: ادْعُهُ إلى البيعة، واخْتَلْ له، وإن أبى فاستعن بالله عليه، فقدم الرجل الشام، فوجد سعداً في حائط بحوارين، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أبايع قرشياً أبداً. قال: فإني أقاتلك. قال: وإن قاتلتني. قال: أفخارج أنت مما دخلَتْ فيه الأمة؟ قال: أما البيعة فإني خارج، فرماه بسهم فقتله. وروي أن سعداً رمي في حمام. وقيل: كان جالساً يبول، فرمته الجن فقتلته، وقال قائلهم:

قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادةرميناه بسهمين فلم تُخْطِ فؤاده»(478) ( 478 )

هذا نص الرواية أيها القارئ الكريم كما ساقها البلاذري، وواضح في النص أنه لم يعيِّن الرجل الذي قتل سعد بن عبادة، مع أن المجلسي والمرعشي لما نقلا هذه الرواية وأشارا إلى البلاذري، ذكرا أن الذي باشر قتل سعد بن عبادة هو خالد بن الوليد، وهذا غير موجود في نص الرواية أبداً، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على مدى الكراهية والبغض لهذا الصحابي الجليل خالد بن الوليد، بحيث تلفق له التهم وتنسب له الجرائم، وهو والله بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما السلام.

هذا من جهة.

ومن جهة أخرى،

صفحة مطبوعة 212 · ورقة PDF 212رابط الصفحة المنفردة

فأنت تجد في سند الرواية كلاً من أبي مخنف والكلبي، وكلاهما غني عن التعريف، وحالهما معلومة لمن ينشد الحقيقة ويبحث عن الحق.

فالخلاصة: أن اتهام الصديق أو الفاروق بالإشارة إلى خالد لقتل سعد بن عبادة، اتهام باطل وقول عارٍ عن الصواب.

* المحور الثالث: أقوال أهل العلم في مقتل سعد بن عبادة رضي الله عنه:

عند النظر في ترجمة سعد بن عبادة، نجد أنه من المتفق عليه بين المؤرخين أنه مات في الشام، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «وأما موته بأرض الشام فمحقق، والمشهور أنه بحوران»(479) .

وأما موته قتلاً، فالذي يذكر في كثير من المراجع التاريخية أن ذلك كان بسبب الجن، وهذا يبطل ما ادعاه البعض مِن أنَّ المباشر لقتل سعد بن عبادة كان أحد الصحابة، فقيل: إنه محمد بن مسلمة، أو المغيرة بن شعبة، أو خالد بن الوليد، وكل ذلك من الكذب الظاهر.

قال ابن عبد البر: «ولم يختلفوا أنه وجد ميتاً في مغتسله، وقد اخضر جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول، ولا يرون أحداً:

قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادةورميناه بسهم فلم يخط فؤاده

ويقال: إن الجن قتلته»(480) .

وهذا الأمر وإن كان ينكره البعض، إلا أنه هو الذي يذكر في ترجمة سعد، وقد بيَّنتُ في الصفحات السابقة كذب التهمة الموجهة إلى الصديق أو الفاروق رضي الله عنهما بأن أحدهما كان المشير بقتل سعد بن عبادة، وأنه قتل على يد أحد الصحابة، والمشهور أنه خالد بن الوليد.

فمسألة أنه قتل بأمر أحد من الصحابة، أو على يد أحد من الصحابة لم يثبت، لا من جهة السند، ولا من جهة التاريخ، فكيف يُعَوَّل على هذا الأمر، ويُتَّهَم به أجلاء الصحابة.

بل لقد وردت قصة قتل الجن لسعد بن عبادة مسندة عن ابن سيرين وقتادة، وهذا مما يؤيد أقوال المؤرخين في ذلك.

فقد روى ابن سعد في طبقاته عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، قال: سمعت محمد بن سيرين يحدث: أن سعد بن عبادة بال قائماً، فلما رجع، قال لأصحابه: إني لأجد دبيباً، فمات، فسمعوا الجن تقول:

صفحة مطبوعة 213 · ورقة PDF 213رابط الصفحة المنفردة
قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادةورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده»(481) ( 481 )

وهذا سند رجاله ثقات إلا أنه مرسل، وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير، والحاكم في مستدركه بسندهما عن محمد بن سيرين أيضاً(482) ، قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الكبير، وابن سيرين لم يدرك سعد بن عبادة(483) .

وقد روى هذه القصة أيضاً عبد الرزاق في مصنفه(484) ، ومن طريقه الطبراني(485) والحاكم(486) عن معمر عن قتادة قال: «قام سعد بن عبادة يبول، ثم رجع فقال: إني لأجد في ظهري شيئاً، فلم يلبث أن مات، فناحته الجن فقالوا:

قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادةبسهمين فلم نخطئ فؤاده»

وهذا أيضا سند رجاله ثقات إلا أنه مرسل، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وقتادة لم يدرك سعداً أيضاً(487) .

وهذه الأسانيد وإن كانت مرسلة، إلا أنها أفضل بكثير، بل لا تقارن مع رواية البلاذري شبه الموضوعة.

وعقيدة المسلمين في الصحابة، وما هم عليه من التقوى، والخوف من الله، والرغبة في الآخرة، والزهد في متاع الدنيا، كل ذلك يؤكد ويؤيد براءة خالد من هذا الإفك والبهتان.

فالخلاصة من هذا المبحث:-

أنه لم يثبت بوجه يعتدُّ به أن أحداً من الصحابة الكرام كان ضالعاً في مقتل سعد بن عبادة رضي الله عنه.

وأن الرواية التاريخية المشهورة في قتل الجن له، قد وردت من طرق رجالها ثقات عن محمد بن سيرين وقتادة، فلا مانع من القول بها، ولا غرابة في وقوع مثل هذه الحادثة.

صفحة مطبوعة 214 · ورقة PDF 214رابط الصفحة المنفردة

الشبهة الخامسة: القول في: البغض والعداء المتبادل بين عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما

لا أدري لماذا يُصِرُّ البعض على إظهار الصحابة رضوان الله عليهم بصورة الأعداء الألداء، والخصوم الأشداء، وكأن تعاليم الإسلام وآيات القرآن التي جاءت بالأخوة والمودة والألفة، وصفاء القلوب من الحقد والضغينة والحسد، وغير ذلك من الأدواء، لم تفلح في تربية هؤلاء النفر، وتهذيب أخلاقهم وسلوكهم، وحاشاهم من ذلك. ومن هذه الصور التي ترسم لنا هذا الواقع الدعِيّ، المنسوب كذباً وزوراً إلى صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما كان بين عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما من عداء شديد، وبغض ظاهر واضح للعيان، يؤدي إلى تربص كل واحد منهما بالآخر، علماً - وهذا للفائدة - بأنهما أبناء خال!!

وسأورد لك أخي القارئ الكريم بعض النقولات التي تذكر هذه الشبهة:

«وقال سبط ابن الجوزي(488) في مرآة الزمان: لم يزل عمر ساخطاً على خالد مدة خلافة أبي بكر؛ لكلام كان يبلغه عنه من الاستخفاف به، واطراح جانبه، وما كان يسميه إلا باسم أمه وبالأعيسر، وكان أكبر ذنوبه - خالد - عنده قتل مالك بن نويرة بعد إسلامه، وأخذه لامرأته، ودخوله المسجد وعلى رأسه السهام فيها دم، وكان يحث أبا بكر على عزله، ويحرضه على قتله بسبب قتله لمالك، وكان أبو بكر يتوقف، فلما مات أبو بكر وولي عمر، قال: والله لا يلي لي خالد عملاً أبداً...»(489) .

فالنص واضح أن العداء من عمر لخالد كان لسببين:-

1- عداء شخصي لاستخفاف خالد به، وتسميته باسم أمه وبالأعيسر وغير ذلك.

2- عداء لقتله مالك بن نويرة.

وسيأتي الجواب عن ذلك بإذن الله تعالى.

صفحة مطبوعة 215 · ورقة PDF 215رابط الصفحة المنفردة

ويقول اليعقوبي: «وكان عمر سيء الرأي في خالد، على أنه ابن خاله لقول كان قاله في عمر»(490) .

قلت: فما هو هذا القول الذي قاله فيه؟! لا ندري

ويقول محمد بن عقيل: «وقد لعن عمر بن الخطاب خالد بن الوليد حين قتل مالك بن نويرة»(491) . وفي موضع آخر يقول: «وشتم - عمر - خالد بن الوليد، وحكم بفسقه»(492) .

سبحان الله واقع خير البشر بعد الأنبياء: شتم ولعن وحكم بالفسق؛ لأمور شخصية، وكأننا نعيش في عصور الانحطاط المادي.

وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى التفكير في القتل!!

يقول نجاح الطائي: «وأول عمل لعمر بعد وصوله إلى السلطة تمثل في عزل خالد بن الوليد، ثم قتله في حمص في سنة 21 هجرية، وكان خالد ألد أعداء عمر، وصاحب أكبر جيش في العراق»(493) .

لعل الصورة اتضحت أمامك أخي القارئ حول هذه الشبهة من خلال النقول السابقة، ولولا الخشية من القول: بأننا لا نملك الرد على مثل هذا الهراء، لما تكلفت عناء الرد عليه؛ لعدم قيامه على أسس ثابتة، وأدلة ظاهرة.

وسأوجز الرد على هذه الشبهة في نقطتين:-

1- النقول المستفيضة في العلاقة الحميمة بين عمر وخالد.

2- بيان بطلان بعض النقول التي قد تؤيد هذه الشبهة.

وهذا أوان الشروع في المقصود، وعلى الله الاتكال.

1- النقول المستفيضة

صفحة مطبوعة 216 · ورقة PDF 216رابط الصفحة المنفردة

في العلاقة الحميمة بين عمر وخالد:-

لا شك أن المتصفح للكتب التاريخية ومصادر التراجم، يجد هذا الأمر واضحاً للعيان لا لبس فيه ولا خفاء، بل ويجد اعتذار الصحابة بعضهم لبعض في الأمور الاجتهادية، التي تختلف فيها وجهات النظر، وهذا الأمر ليس بالغريب على من تربى في مدرسة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

لا أريد الإطالة عليك أيها القارئ، وسأحيلك على هذه النقول؛ لترى بأم عينك كيف يُشَوَّه تاريخ الصحابة الكرام بقصد أو بدون قصد.

روى الإمام ابن جرير الطبري قصة عزل عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد، وفي نهاية القصة يقول عمر: «يا خالد؛ والله إنك علي لكريم، وإنك إلي لحبيب، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء»(494) .

فهذا تصريح واضح من عمر بمحبته لخالد، وكرامته عليه، لا يمكن إهداره وطرحه جانباً والتغافل عنه، إلا إن كنا نقول: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعمل بالنفاق والكذب!!

وروى ابن عساكر بسنده من طريق محمد بن سعد،... عن ثعلبة بن أبي مالك يقول: رأيت ابن الخطاب بقباء يوم السبت ومعه نفر من المهاجرين والأنصار، فإذا أناس من أهل الشام يصلون في مسجد قباء حجاجاً، فقال: من القوم؟ قالوا: من اليمن(495) قال: أي مدائن الشام نزلتم؟ قالوا: حمص. قال: هل كان من مغربة خبر؟ قالوا: موت خالد ابن الوليد يوم رحلنا من حمص، قال: فاسترجع عمر مراراً ونكس، وأكثر الترحم عليه، وقال: كان والله سداداً لنحور العدو، ميمون النقيبة، فقال له علي بن أبي طالب: فَلِمَ عزلته؟ قال: عزلته لبذله المال لأهل الشرف، وذوي اللسان، قال علي: فكنتَ تعزله عن التبذير في المال، وتتركه على جنده، قال: لم يكن يرضى. قال: فهلاَّ

صفحة مطبوعة 217 · ورقة PDF 217رابط الصفحة المنفردة

بَلَوْتَهُ؟!(496)

فانظر أيها المحب للصحابة الكرام إلى هذا الثناء العاطر من عمر لخالد، وكذلك الحزن الشديد والألم العظيم على فقده.

فهل يعقل أن يصدر ذلك من رجل يبغض الآخر ذلك البغض الذي مرَّ معنا قبل صفحات؟!

أقول: لا يمكن ذلك، إلا إذا كان عمر - كما قلت قبل قليل - يعمل بالنفاق والكذب !!

وروى ابن عساكر بسنده عن أبي علي الحرمازي قال: دخل هشام بن البختري في ناس من بني مخزوم على عمر بن الخطاب، فقال له: يا هشام أنشدني شعرك في خالد بن الوليد، فأنشده فقال: قصَّرت في الثناء على أبي سليمان، إن كان ليحب أن يذل الشرك وأهله، وإن كان الشامت به لمتعرضاً لمقت الله، ثم قال عمر: قاتل الله أخا بني تميم ما أشعره:

فَقُل للذي يبقى خلاف الذي مضىتهيأ لأخرى مثلها فكأن قدِ
فما عيش من قد عاش بعدي بنافعيولا موتُ من قد مات بعدي بمخلدِ

ثم قال: رحم الله أبا سليمان، ما عند الله خير له مما كان فيه، ولقد مات فقيداً وعاش حميداً، ولقد رأيت الدهر ليس بقابل(497) .

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن شقيق قال: لما مات خالد بن الوليد، اجتمعن نسوة بني المغيرة يبكين عليه، فقيل لعمر: أَرْسِل إليهن فانْهَهُنَّ، لا يبلغك عنهن شيء تكرهه. قال: فقال عمر: وما عليهن أن يُهْرِقْنَ من دموعهن على أبي سليمان، مالم يكن نقع أو لقلقة(498) .

صفحة مطبوعة 218 · ورقة PDF 218رابط الصفحة المنفردة

وروى ابن سعد عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال: لما توفي خالد بن الوليد، بكت عليه أم خالد، فقال عمر: يا أم خالد، أخالداً وأجره ترزين جميعاً؟ عزمت عليك ألا تبيتي حتى تُسَوَّدَ يداك من الخضاب(499) .

فهل بعد كل هذه النقول يبقى في النفس شيء، من أن عمر كان يُكِنُّ البغض والعداء والحقد لخالد، وخالد كذلك؟!

فإن قيل: فلماذا عزل عمر خالداً، وقال: لا يلي لي من الأعمال شيئاً؟!

فهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على ما سبق ذكره من البغض والعداء المتبادل بينهما.

والجواب على ذلك:-

أن هذا العزل لا شأن له بما ذكر من أحقاد جاهلية سابقة بين عمر وخالد، ولا لعداوة شخصية بينهما، وإنما كان ذلك لأسباب ذكرها عمر رضي الله عنه بنفسه، ليقطع الطريق على كل متَخَرِّصٍ ومُتَخَوِّضٍ، أن يتخرص أو يتخوض بلا علم ولا حجة.

وقبل سياق الروايات التي تدل على ما ذكرتُ، أشير إلى أن عزل خالد رضي الله عنه «مرَّ بمرحلتين: الأولى: عزله عن القيادة العامة، وإمارة الأمراء بالشام سنة 13هـ بعد تولي عمر للخلافة، وسبب هذا العزل اختلاف منهج الصديق

صفحة مطبوعة 219 · ورقة PDF 219رابط الصفحة المنفردة

والفاروق رضي الله عنهما في التعامل مع الولاة والعمال، فكان من سنة الصديق مع عماله وأمرائه، أن يترك لهم حرية التصرف كاملاً، فكان أبو بكر لا يرى أن يكسر على الولاة سلطانهم في مال أو غيره، ما دام العدل قائماً في رعيتهم.

وكان منهج الفاروق خلاف ذلك، فكان يرى أنه يجب على الخليفة أن يحدد لأمرائه وولاته طريقة سيرهم في حكمهم، ورد الأمور إليه لينظر فيها، ويأمرهم بأمره وعليهم التنفيذ.

ولذلك كان عمر قد أشار على الصديق بأن يكتب لخالد أن لا يعطي شاة ولا بعيراً إلا بأمره، فرفض خالد ذلك، فأشار عليه بعزله، لكن الصديق أقر خالداً على عمله، لعلمه أنه لا يقوم مقامه غيره.

فلما تولى الفاروق الخلافة، كتب إلى خالد: ألا تعطي شاة ولا بعيراً إلا بأمري، فرفض خالد ذلك. فعزله عمر.

فليس في هذا العزل ما يدل على ما ذكر من الأحقاد والضغائن المتبادلة من الطرفين، وإنما هو اختلاف من جهة الحكم والسياسة، وليس في ذلك طعن في خالد ولا دينه، كما أن خالداً استقبل هذا العزل بدون اعتراض، وظل تحت قيادة أبي عبيدة حتى فتح الله عليه قنسرين.

العزل الثاني: كان في السنة السابعة عشرة في قنسرين، حين بلغ أمير المؤمنين أن خالداً وعياض بن غنم أدربا في بلاد الروم، ورجعا بغنائم عظيمة، وأن خالداً أجاز الأشعث بن قيس بعشرة آلاف، فأراد عمر التحقق من مصدر المال الذي أجاز منه الأشعث، وعزله عن العمل في الجيش إطلاقاً، واستقدمه المدينة، وتم التحقيق مع خالد وانتهى الأمر ببراءة خالد أن يكون مدَّ يده إلى غنائم المسلمين»(500) .

هذه هي قصة العزل بدون غلو ولا تفريط، ولا يظهر منها من قريب أو

صفحة مطبوعة 220 · ورقة PDF 220رابط الصفحة المنفردة

بعيد ما ذكر من الحقد والبغض المتبادل، والذي على إثره عُزِل خالد لأجله.

أما الروايات التي جاءت موضحة لسبب عزل خالد فأذكر منها:-

1- روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ناشرة بن سمي اليزني قال: سمعت عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول في يوم الجابية وهو يخطب الناس:... وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد، إني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطاه ذا البأس وذا الشرف وذا اللسانة، فنزعته وأمّرتُ أبا عبيدة بن الجراح، فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: والله ما أعذرت يا عمر بن الخطاب، لقد نزعت عاملاً استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وغمدت سيفاً سله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووضعت لواء نصبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد قطعت الرحم، وحسدت ابن العم، فقال عمر بن الخطاب: إنك قريب القرابة، حديث السن، مغضب من ابن عمك»(501) .

فالأثر واضح في سبب العزل، وهو ما ذكرناه قبل قليل، بسبب إطلاق خالد يده في المال، الأمر الذي لم يكن يعجب عمر رضي الله عنه.

2- وهناك روايات تشير إلى أن العزل كان هدفه حماية جناب التوحيد والعقيدة مثل:-

أ- روى ابن سعد قال: أخبرنا عفان بن مسلم، نا حماد بن زيد، نا أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: قال عمر بن الخطاب: «لأعزلن خالد بن الوليد، والمثنى مثنى بني شيبان، حتى يعلما أن الله إنما كان ينصر عباده، وليس إياهما كان ينصر»(502) .

ب- روى ابن أبي شيبة عن وكيع، عن مبارك، عن الحسن، قال: قال عمر لما بلغه قول خالد: «لأنزعن خالداً ولأنزعن المثنى، حتى يعلما أن الله ينصر دينه ليس إياهما»(503) .

فهذه الروايات توضح أن سبب العزل أو من أسباب العزل، حماية جناب التوحيد، فحتى لا يفتن الناس في خالد، ويرفعوه فوق منزلته، صنع عمر رضي الله عنه ما

صفحة مطبوعة 221 · ورقة PDF 221رابط الصفحة المنفردة

صنع.

ولذلك لما جاء عمر خبر فتح الشام، قال: الله أكبر، رُبَّ قائلٍ: لو كان خالد بن الوليد(504) . «أي لو كان خالد أميراً عليهم لانتصر، ولم يطلب مدداً، أي أن النصر من عند الله، وليس بقيادة فلان أو غيره، وذلك أن الناس تعلقوا بخالد، ونسبوا إليه الانتصارات، وكانوا ينسبون إليه الخوارق، فكان عزله لخالد رضي الله عنه درءاً للفتنة»(505) .

فالخلاصة: أن هذه هي أسباب العزل الحقيقية، وليس كما يدعي البعض لأمور شخصية، وأحقاد قلبية.

ثم إن هذا الأمر كان اجتهاداً من عمر رضي الله عنه، سواءً في مسألة المال أو في مسألة حماية جناب التوحيد والعقيدة، وقد ورد عن عمر رضي الله عنه بعد موت خالد، أنه اعتذر عما كان يظن بخالد رضي الله عنه، فقد روى ابن عساكر عن نافع قال: لما مات خالد بن الوليد لم يوجد له إلا فرسه وغلامه وسلاحه، فقال عمر: رحم الله أبا سليمان، إنا كنا لنظنه على غير هذا(506) .

وروى ابن سعد بسنده عن قيس بن أبي حازم قال: لما مات خالد بن الوليد، قال عمر: يرحم الله أبا سليمان، لقد كنا نظن به أموراً ما كانت(507) .

فما كان عمر ينكر عليه إلا تقدمه في المال، وإنفاقه لمن يستحق أولا يستحق، لكنه أدرك بعد موت خالد أنه لم يكن يأخذ من هذه الأموال شيئاً لنفسه أبداً، فرحمه الله تعالى ورضي عنه.

أما الوجهة المقابلة لعمر: وهو رأي خالد فيه، فقد كان رضي الله عنه مثال القائد البطل، والمؤمن التقي، والجندي المطيع، فما كان لخالد أن يتنكر لعمر بسبب هذا العزل، ولا أن يحقد عليه، ولا أن يرفض أوامره، بل كان على العكس من ذلك تماماً، حيث لم يعترض على أوامر العزل، وانتقل من رتبة القيادة إلى رتبة الجندية بكل تواضع واحترام، فقد حفظ لنا التاريخ ذلك الموقف العظيم من خالد رضي الله عنه، لما

صفحة مطبوعة 222 · ورقة PDF 222رابط الصفحة المنفردة

بعث عمر كتاباً بموت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وعزل خالد بن الوليد، وأرسل الكتاب إلى أبي عبيدة ليقرأ على الناس، فلما قريء الكتاب على الناس، ارتفع للناس ضجة عظيمة بالبكاء والنحيب، وبكى خالد، وقال: إن كان أبو بكر قد قبض، وقد استخلف عمر، فالسمع والطاعة لعمر وما أمر به(508)

وانظر إلى هذا الموقف الرجولي من خالد، والذي يَنُمُّ عن مدى التربية الإيمانية التي تربى عليها، بحيث جعلته يستعلي على نفسه ومصالحه الشخصية، في سبيل هذا الدين والارتقاء به:-

فقد روى الإمام أحمد والطبراني من حديث عزرة بن قيس، قال: قال خالد بن الوليد: كتب إلي أمير المؤمنين حين ألقى الشام بَوانِيَة بَثَنِيةً وعسلاً(509) «وشك عفان مرة قال: حين ألقى الشام كذا وكذا»، فأمرني أن أسير إلى الهند، والهند في أنفسنا يومئذ البصرة، قال: وأنا لذلك كاره، قال: فقام رجل فقال لي: يا أبا سليمان اتق الله، فإن الفتن قد ظهرت. قال: فقال: وابن الخطاب حي؟! إنما تكون بعده، والناس بِذي بلَّيان - أو بَذي بلِّيان بمكان كذا وكذا - فينظر الرجل فيتفكر هل يجد مكاناً لم ينزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو فيه من الفتنة والشر فلا يجده، قال: وتلك الأيام التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين يدي الساعة أيام الهرج، فنعوذ بالله أن تدركنا وإياكم تلك الأيام(510) .

والشاهد من هذا الأثر: أنه بالرغم من كون خالد كارهاً للذهاب إلى الهند - البصرة-، ومحاولة ذلك الرجل الطعن في تصرف عمر، بأنه قد ظهرت الفتن في عصره، إلا أن خالداً رضي الله عنه يقف ذلك الموقف الحازم من هذا القول، ويخبر أن الفتن لا تظهر في زمن عمر، لعلمه مَنْ هو عمر في الحزم والشدة، والعدل والتقوى، والورع وغير ذلك.

فهذه والله الأخلاق وتلك التربية الحقة: التنازل عن الرأي الشخصي في

صفحة مطبوعة 223 · ورقة PDF 223رابط الصفحة المنفردة

سبيل المصلحة العامة، مع كامل الطاعة والانقياد.

ومما يدل أيضاً على بطلان القول بالعداء الشخصي بين عمر وخالد رضي الله عنهما، أن خالداً لما مات جعل وصيته وتركته وإنفاذ عهده إلى عمر بن الخطاب.

فقد روى ابن عساكر بسنده عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، قال: لم يزل خالد بن الوليد مع أبي عبيدة، حتى توفي أبو عبيدة، واستُخلِف عياض بن غنم الفهري، فلم يزل خالد معه حتى مات عياض بن غنم، فاعتزل خالد إلى ثغر حمص، فكان فيه، وحبس خيلاً وسلاحاً، فلم يزل مقيماً مرابطاً بحمص حتى نزل به، فدخل عليه أبو الدرداء عائداً له، فقال خالد بن الوليد: إن خيلي هذه التي حبست في الثغر، وسلاحي هو على ما جعلته عليه، عدة في سبيل الله، وقوة يُغزى عليها، ويُعلف من مالي، وداري بالمدينة صدقة حبس لا يباع ولا يورث، وقد كنت أشهدتُ عليها عمر بن الخطاب ليالي قدم الجابية، وهو كان أمرني بها، ونِعْم العون هو على الإسلام، والله يا أبا الدرداء الئن مات عمر، لترينَّ أموراً تنكرها، قال: قال أبو الدرداء: وأنا والله أرى ذلك، قال خالد: قد كنت وجدتُ عليه في نفسي في أمور، لما تدبّرتها في مرضي هذا، وحضرني من الله حاضر، وعرفتُ أن عمر كان يريد الله بكل ما فعل، كنتُ وجدتُ عليه في نفسي حيث بعث إلي من يقاسمني مالي، حتى أخذ فرد نعل، وأخذتُ فرد نعل، فرأيته فعل ذلك بغيري من أهل السالفة، ومن شهد بدراً، وكان يغلظ علي، وكانت غلظته علي، وكنتُ أدلُّ عليه بقرابة، فرأيته لا يبالي قريباً، ولا لوم لائم في غير الله، فذلك الذي أذهب ما كنتُ أجدُ عليه، وكان يكثر علي عنده، وما كان ذلك مني إلا على النظر، كنت في حرب ومكابدة، وكنتُ شاهداً وكان غائباً، فكنتُ أعطي على ذلك، فخالفه ذلك من أمري، وقد جعلتُ وصيتي وتركتي وإنفاذ عهدي إلى عمر بن الخطاب.

قال: فقدم بالوصية على عمر، فقبلها وترَّحم عليه، وأنفذ ما فيها، وتزوج عمر بعدُ امرأته(511) .

فكيف يستقيم أن يكون العداء بينهما مستعراً، والبغض على أشده، ثم يوصي خالد ويعهد بأمواله وتركته إلى عمر؟!

صفحة مطبوعة 224 · ورقة PDF 224رابط الصفحة المنفردة

وكذلك ما سبق من كلام عمر عن خالد عند موته.

فكل هذا يبطل هذه المزاعم من أصلها.

2- بيان بطلان بعض النقول التي تؤيد هذه الشبهة:-

قبل ذكر بعض هذه النقول أشير إلى أن ما يروى من موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه تجاه خالد بن الوليد رضي الله عنه بسبب مقتل مالك بن نويرة، وأنه طالب برجمه، وأنه سبَّه بقوله: عدو الله، وما إلى ذلك، أقول: إن مثل هذا الكلام قد سبق الرد عليه في الشبهة الثانية، وملخصه: أنه لا يثبت ولا يصح شيء من ذلك، وكل ما روي في هذا المقام لا يخلو من طعن وغمز، فلا يعتد به ولا يحتج به أبداً.

أما الروايات التي قد يفهم منها شيء من هذا العداء فأذكر بعضاً منها من باب بيان حالها، وإلا فهي لا تستحق أن تذكر أصلاً.

فمن هذه الروايات:-

1- ما رواه ابن عساكر عن الشعبي قال: اصطرع عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وهما غلامان، وكان خالداً(512) ابن خال عمر، فكسر خالد ساق عمر، فعولجت وجبرت، وكان ذلك سبب العداوة بينهما(513) .

قلت: هذه القصة لا تصح لسببين:-

أ- مجالد بن سعيد: الراوي عن الشعبي، وملخص الأقوال فيه أنه كما قال الحافظ ابن حجر: ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره(514) .

ب- الأثر من رواية الشعبي عن عمر، فهو مرسل، فالناظر في ترجمة الشعبي يجد أن العلماء نصوا على أنه لم يسمع ممن هو بعد عمر، كعلي

صفحة مطبوعة 225 · ورقة PDF 225رابط الصفحة المنفردة

وعائشة وأسامة بن زيد وابن مسعود وغيرهم، فكيف يسمع من عمر؟!(515)

قال أبو حاتم وأبو زرعة: الشعبي عن عمر مرسل(516) .

هذا أولاً من جهة السند.

أما من جهة المتن: فأقول: إن هذا الأمر مخالف مخالفة واضحة لواقع الصحابة رضوان الله عليهم بعد الإسلام، وكيف تحولت العداوات التي كانت بينهم في الجاهلية إلى أخوة ومودة، لا يمكن أن توجد في مجتمع أبداً.

وقل لي بربك أيها القارئ العاقل: أيهما أعظم في بقاء العداوة في النفوس: هذه القصة بين خالد وعمر، أم حرب بعاث التي كانت بين الأوس والخزرج، والتي قتل فيها الأعداد الكثيرة؟!

فلو كان الأمر كما ذكرتْ الرواية، فمعنى هذا أن العداء والبغض والضغينة بين الأنصار لابد أن تبقى ولا تزول، وهذا من باب أولى.

أعود وأقول: الحمد لله الذي جعل لنا عقولاً نميز بها الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، ولا يكون أحدنا إمعة يردد ما يذكر بلا تدبر ولا تفكر!!

2- روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: لما استخلف عمر نزع خالد بن الوليد، فأمر أبا عبيدة بن الجراح، وبعث إليه بعهده وهو بالشام يوم اليرموك، فمكث العهد مع أبي عبيدة شهرين لا يعرفه إلى خالد حياءً منه، فقال خالد: أَخْرِج أيها الرجل عهدك نسمع لك ونطيع، فلعمري لقد مات أحب الناس إلينا، وولي أبغض الناس إلينا، فكان أبو عبيدة على الخيل(517) .

قلت: وهذا إسناد صحيح إلى الزهري إلا أنه مرسل، ومراسيل الزهري معروف حكمها مع جلالته وإتقانه.

قال الإمام الذهبي رحمه الله: «قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكل ما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا

صفحة مطبوعة 226 · ورقة PDF 226رابط الصفحة المنفردة

يحب أن يُسَمِّيَه.

قلت - الذهبي -: مراسيل الزهري كالمعضل، لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولما عجز عن وصله، ولو أنه يقول: عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن عَدَّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير ونحوها، فإنه لم يدر ما يقول، نعم مرسله كمرسل قتادة ونحوه.

أبو حاتم: حدثنا أحمد بن أبي شريح سمعت الشافعي يقول: إرسال الزهري ليس بشيء، لأنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم»(518) .

قلت: كان مولد الزهري رحمه الله سنة 50 هـ، وقيل: 51 هـ، وقيل: سنة 56هـ(519) وعلى أيٍّ من هذه الاحتمالات فإنه لم يدرك عمر ولا خالداً رضي الله عنهما، فتحديثه بهذه القصة لابد أن يكون بواسطة، ولا ندري ما هي حال هذه الواسطة.

وعليه؛ فإن هذه القصة لا تثبت ولا تصح أبداً، ليس لأن الخلل من الزهري، حاشاه - ولكن يحتمل - وهذا احتمال كبير جداً - أن يكون رواه عن بعض الضعفاء والمتروكين، فلا يحتج بهذا الأثر لهذا السبب.

3- روى ابن عساكر في تاريخه: أن عمرو بن العاص لما رأى كثرة الجموع بالشام، كتب إلى أبي بكر يذكر أمر الروم، وما جمعوا ويستمده، فشاور أبو بكر من عنده من المسلمين، فقال عمر بن الخطاب: يا خليفة رسول الله، اكتب إلى خالد بن الوليد يسير بمن معه إلى عمرو ابن العاص، فيكون له مدداً، ففعل أبو بكر، وكتب إلى خالد بن الوليد، فلما أتاه كتاب أبي بكر، قال: هذا عمل عمر، حسدني على فتح العراق وأن يكون على يدي، فأحبَّ أن يجعلني مدداً لعمرو بن العاص وأصحابه، فأكون كأحدهم، فإن كان فتح شركنا فيه، أو أن أكون تحت يدي بعضهم، فإن كان فتح كان ذكره له دوني(520) .

قلت: والقصة لا تثبت، ففي سندها الواقدي محمد بن عمر، وهو متروك.

ثم الواقدي يروي القصة عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن

صفحة مطبوعة 227 · ورقة PDF 227رابط الصفحة المنفردة

الحارث التيمي.

قال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، وقال مرة: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه.

وقال البخاري: حديثه مناكير، وعن أحمد بن حنبل أنه كان يضعفه.

وقال أبو داود: لا يكتب حديثه.

وقال الجوزجاني: ينكر الأئمة حديثه.

وقال أبو زرعة: منكر الحديث.

وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث(521) .

وقال ابن حجر: منكر الحديث(522) .

4- روى ابن عساكر بسنده إلى ابن إسحق: أن عمرو بن العاص كتب إلى أبي بكر بعد قتل خالد بن سعيد بن العاص يستمده، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو بالحيرة، يأمره أن يمد أهل الشام بمن معه من أهل القوة، ويخرج فيهم، ويستعمل على ضعفة أصحابه رجلاً منهم، فلما أتى خالد بن الوليد كتاب أبي بكر، قال: هذا عمل الأعيسر ابن عم سملة، كره أن يكون فتح العراق على يدي(523) .

ويقصد خالد بالأعيسر ابن عم سملة: عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

قلت: وهذا سند منقطع، فابن إسحق لم يذكر لنا عمن أخذ هذه القصة، ومثل ذلك لا يمكن الاحتجاج به، خاصة إذا كان في القصة ما يطعن في الصحابة ودينهم وأخلاقهم.

فالخلاصة: أن مثل هذه الروايات التي تظهر العداء بين عمر وخالد رضي الله عنهما لا يصح منها شيء، وأن الظن بالصحابة خلاف ذلك، كما سبق معنا في الرد على هذه الشبهة، فهم إخوة متحابون متناصرون، يضحون بأنفسهم لراحة إخوانهم، ويفدون المسلمين بدمائهم وأرواحهم، ومن كانت هذه حاله فلا يظن به هذا الظن السيء، من بقاء الحقد والحسد والضغينة على إخوانه لأعمال كانت في الجاهلية، أو لأمور تقبل فيها وجهات النظر، كقضية عزل عمر لخالد رضي الله عنهما جميعاً.

صفحة مطبوعة 228 · ورقة PDF 228رابط الصفحة المنفردة

الشبهة السادسة: خالد بن الوليد والخمر

لم يكتفِ البعض بما ألصق بخالد من تُهَم باطلة، كالقتل والزنى والحقد وحب الظهور وغيرها، حتى أضاف إلى ذلك تهمة جديدة هي: شربه الخمر وتدلّكه به.

ولعل هذه الشبهة ألصقت بكثير من الصحابة، كسمرة بن جندب، ومعاوية بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد وغيرهم، وكان المقصود من ذلك: إظهار هؤلاء الصحابة بمظهر المجون ورقة الدين، وأن الإسلام لم يغير فيهم أموراً كثيرة عما كانوا عليه في الجاهلية، فالقتل والزنى وشرب الخمر وغير ذلك من المنكرات، لم يزالوا يمارسونها حتى بعد إسلامهم، والسبب في ذلك أنهم ما دخلوا في هذا الدين عن قناعة واعتقاد، وإنما خوفاً من السيف، وحفظاً لدمائهم وأموالهم، ولولا ذلك لبقوا على جاهليتهم ومنكراتهم وضلالهم.

أقول: حاشاهم من ذلك، وهم خير خلق الله بعد الأنبياء، وأتقى الناس وأبرهم قلوباً، وأقلهم تكلفاً، وأعمقهم علماً، وأزهدهم في الدنيا، وأرغبهم في الأخرى...

فمن كانت هذه حاله وتلك فعاله، فكيف يُظن به تلك الظنون الفاسدة والأهواء الكاسدة؟!

إن ذلك - والله - لا يصدر إلا من قلب امتلأ بغضاً وحنقاً على هؤلاء السادة، ومِنْ نَفْسٍ أعماها الهوى عن محاسن هؤلاء القادة، فإلى الله المشتكى.

وحتى لا أطيل عليك أخي القارئ الكريم، أسوق لك بعض النقولات التي تذكر هذه الشبهة، ثم أستعين بالله في الرد عليها.

يقول حامد النقوي تحت عنوان «بيع بعضهم الخمر»: «أقول: وقد سبق سمرة في هذا الاجتهاد! خالد بن الوليد - وهو أحد كبار مجتهدي الصحابة؟! فقد كان مولعاً بالخمر، غير مرتدع عنه، حتى لقد وبخه عمر فلم ينته، فعزله عن الإمارة، قال الطبري: كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة قالا: فما زال خالد على قنسرين حتى غزا غزوته التي أصاب فيها، وقسم فيها ما أصاب لنفسه.

كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي المجالد مثله.

صفحة مطبوعة 229 · ورقة PDF 229رابط الصفحة المنفردة

قالوا: وبلغ عمر أن خالداً دخل الحمام، فتدلَّك بعد النورة بثخين عصفر معجون بخمر، فكتب إليه: بلغني أنك تدلك بخمر، وإن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرم مس الخمر إلا أن تغسل كما حرم شربها، فلا تمسوها أجسادكم، فإنها رجس، وإن فعلتم فلا تعودوا.

فكتب إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولاً غير خمر، فكتب إليه عمر: إني أظن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء، فلا أماتكم الله عليه. فانتهى إليه ذلك.

وقال ابن الأثير: وقيل إن خالد بن الوليد حضر فتح الجزيرة مع عياض، ودخل حماماً بآمد، فأطلى بشيء فيه خمر، فعزله عمر.

وقال ابن خلدون: قيل إن خالداً حضر فتح الجزيرة مع عياض، ودخل الحمام بآمد فأطلى بشيء فيه خمر»(524) .

فواضح من خلال هذا النقل أن المؤلف يتهم خالداً رضي الله عنه بأنه كان مولعاً بالخمر لا ينفك عنها، وسرد بعض الحوادث لإثبات ذلك.

قلت: إن الحديث عن علاقة خالد بالخمر - كما تبين لي بعد البحث - تتضح في نقطتين:-

1- اتخاذ خالد الخمر دلوكاً يتدلك به عند الغسل.

2- شربه الطلاء.

وسأفصل القول في كل نقطة على حدة، ليظهر معنا وجه الحق في ذلك.

1-اتخاذ الخمر دلوكاً:-

والمقصود بالدلوك كما قال ابن الأثير: الدَّلوك بالفتح: اسم لما يتدلك به من الغسولات، كالعدس والأشنان، والأشياء المطيبة(525) .

صفحة مطبوعة 230 · ورقة PDF 230رابط الصفحة المنفردة

وما رواه الطبري(526) وعنه ابن الأثير(527) وابن خلدون(528) أن خالداً تدلك بعد النورة بثخين عصفر معجون بخمر، يجاب عنه بما يلي:

أ- رواية الطبري من طريق السري عن شعيب عن سيف عن أبي المجالد.

ويكفي في إبطال هذه القصة أن يوجد في سندها سيف بن عمر الضبي، فحاله لا يخفى على طالب علم.

ب- على فرض ثبوت ذلك، فإن خالداً بيّن في القصة أنه لم يتدلك بنفس الخمر، وإنما كما قال: قتلناها فعادت غسولاً غير خمر.

فالنص واضح أن خالداً لم يستعمل الخمر المحرمة كغسول، وإنما استخدمها عندما تغيرت عن وصفها واسمها.

ولهذا فقد اتفق الفقهاء على أن الخمر إن استحالت - أي تحولت - خلاً بنفسها فإنها تطهر، قال شيخ الإسلام: «فقد اتفقوا كلهم على أن الخمر إذا صارت خلاً بفعل الله تعالى صارت حلالاً طيباً...»(529) .

وقال الإمام ابن القيم: «فصل: طهارة الخمر باستحالتها توافق القياس، وعلى هذا الأصل فطهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس، فإنها نجسة لوصف الخبث فإذا زال الموجب زال الموجب، وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها،... إلى أن قال: ومن الممتنع بقاء حكم الخبث وقد زال اسمه ووصفه، والحكم تابع للاسم والوصف دائر معه وجوداً وعدماً...»(530) .

بل ذهب الحلِّي في تذكرة الفقهاء إلى أن الخمر تحل سواءً استحالت بنفسها أو بطرح شيء فيها، حيث قال: «يجوز تخليل الخمر بطرح شيء فيها وتحل كما تحل لو استحالت بنفسها - عند علمائنا(531) -...» .

صفحة مطبوعة 231 · ورقة PDF 231رابط الصفحة المنفردة

إلى غير ذلك من أقوال أهل العلم على أن الخمر إن تغيرت عن اسمها ووصفها إلى اسم ووصف جديد، لم يعد لها نفس حكم الخمر من جهة حرمة الشرب والبيع والشراء والاستخدام وغيره.

ج- المسألة لا تعدو أن تكون مسألة اجتهادية اختلف فيها رأي عمر عن رأي خالد رضي الله عنهما، ولا تثريب على المجتهد إن كان قصد الحق، واستفرغ وسعه في طلبه، وبنى ذلك على الدليل، فإن أصاب كان له أجران، وإن أخطأ كان له أجر واحد، فأمره دائر بين الأجر والأجرين، مع العذر في الخطأ وعدم الإثم.

وخلاف الصحابة فيما بينهم في المسائل الاجتهادية كثير جداً، وهذه واحدة منها، فلماذا التشديد في هذه المسألة دون غيرها؟! أم لأنها وقعت بين خالد وعمر اللذين ينقل عنهما زوراً وبهتاناً أنهما عدوّان لدودان؟!

كما أنه لابد من القول - وهذا من باب حسن الظن في الصحابة جميعاً - أن خالداً لا يمكن أن يفعل شيئاً مما حرمه الله مع علمه بذلك، فلا يمكن أن يكون عالماً بتحريم الدلوك بالخمر - إن كان حراماً - ثم يفعله، هذا لا يمكن أن يظن بصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهم أتقى الناس، وأحرص الناس في البعد عن الإثم.

2- شرب خالد الطلاء:-

قال ابن الأثير: الطِّلاء بالكسر والمد: الشراب المطبوخ من عصير العنب، وهو الرّب، وأصله القطران الخاثر الذي تطلى به الإبل(532) .

فإذا كان المقصود من اتهام خالد رضي الله عنه بتولعه بالخمر هو شربه للطلاء، فهي تهمة لا تستحق أن تذكر؛ لأنه وردت روايات كثيرة عن جعفر الصادق رحمه الله أنه كان يرى جواز شرب الطلاء، فقد قال الكليني في كتابه «الكافي»: «باب في الطلاء» ثم سرد تحته جملة من الروايات عن أبي عبد الله الصادق منها على سبيل المثال: عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله يقول وقد سئل عن الطلاء فقال: إن طبخ حتى ذهب منه اثنان ويبقى واحد فهو حلال، وما كان دون ذلك فليس فيه خير. وفي رواية أخرى عنه:

صفحة مطبوعة 232 · ورقة PDF 232رابط الصفحة المنفردة

إن العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فهو حلال(533)

ويقول الحلي: «والعصير إذا غلي حرام نجس، سواء غلي من قبل نفسه أو بالنار، ولا يحل حتى يذهب ثلثاه، أو يصير خلاً...».

ويقول أيضاً: «ولا يحرم شيء من الربوبات(534) والأشربة وإن شُمَّ منها رائحة المسكر»(535) .

وإن كان المقصود أن خالداً رضي الله عنه قد شرب عين الخمر المحرمة بالإجماع، فأين الدليل على هذا الكلام؟!

أعود إلى ما ورد عن خالد رضي الله عنه بخصوص هذه المسألة، فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل، عن مغيرة، عن شريح: أن خالد ابن الوليد كان يشرب الطلاء بالشام(536) .

والكلام في هذه الجزئية يدور حول عدة نقاط:-

أ- أن شرب الطلاء المذكور عن خالد رضي الله عنه لم ينفرد به وحده دون سائر الصحابة، بل إنه ورد عن جملة كبيرة منهم، ولو تصفحنا مصنف ابن أبي شيبة لوجدنا أنه أورد قبل أثر خالد وبعده مجموعة آثار عن الصحابة في نفس الموضوع.

فمن الصحابة الذين روي(537) عنهم ذلك: أبو عبيدة، ومعاذ بن جبل، وأبو طلحة، وأجازه عمر للناس، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، بل إن من بين من روي عنه ذلك: علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

فقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي جحيفة قال: كان علي يرزقنا الطلاء. قال: قلت: كيف كان؟ قال: كنا نَأْتَدِمُه بالخبز ونحتاسه

صفحة مطبوعة 233 · ورقة PDF 233رابط الصفحة المنفردة

بالماء(538)

وبسنده عن أبي عبد الرحمن عن علي: كان يرزقنا الطلاء. فقلت له: ما هيئته؟ قال: أسود يأخذه أحدنا بأصبعه(539) .

فإن كان خالد ملوماً في ذلك، آثماً في فعله، فهذا الحكم ينسحب على جميع الصحابة الذين روي عنهم ذلك، ومن بينهم: علي بن أبي طالب. وإن كان علي معذوراً في هذا، فالآخرون معذورون ولا فرق.

ب- هذه المسألة من المسائل الخلافية بين أهل العلم، فقد روى البخاري تعليقاً، قال: ورأى عمر وأبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث.

قال الحافظ ابن حجر: أي رأوا جواز شرب الطلاء إذا طبخ، فصار على الثلث ونقص منه الثلثان، - ثم ساق الأسانيد عن عمر بإجازته شرب الطلاء إذا ذهب منه ثلثاه وبقي الثلث -، وقال الحافظ: وهذه أسانيد صحيحة.

ثم قال: وقد أفصح بعضها - أي بعض الآثار - بأن المحذور منه السكر، فمتى أسكر لم يحل. ثم قال: والطلاء: بكسر المهملة والمد هو الدبس شُبِّه بطلاء الإبل وهو القطران الذي يدهن به، فإذا طبخ عصير العنب حتى تمدد أشبه طلاء الإبل، وهو في تلك الحالة غالباً لا يسكر. وقد وافق عمر ومن ذكر معه على الحكم المذكور أبو موسى وأبو الدرداء، أخرجه النسائي عنهما، وعلي وأبو أمامة وخالد بن الوليد وغيرهم، أخرجها ابن أبي شيبة وغيره، ومن التابعين ابن المسيب والحسن وعكرمة، ومن الفقهاء الثوري والليث ومالك وأحمد والجمهور، وشرط تناوله عندهم مالم يسكر، وكرهه طائفة تورعاً.

ثم قال: وأطبق الجميع على أنه إن كان يسكر حَرُم. ثم نقل عن أبي عبيدة في «الأشربة» قوله: فوجب أن يحمل ما ورد عن الصحابة من أمر الطلاء على ما لا يسكر بعد الطبخ(540) .

فثبت من خلال هذه النقول أن شرب الطلاء الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم بمن فيهم خالد بن الوليد أنه إذا كان لا يسكر، وهذا هو الظن بصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم العالمين بتحريم الخمر وكل مسكر، ومن كره شرب ذلك فليس

صفحة مطبوعة 234 · ورقة PDF 234رابط الصفحة المنفردة

من باب التحريم، وإنما ورعاً كما قال الحافظ ابن حجر.

وعليه فلا لوم ولا إثم ولا تثريب على خالد في هذه المسألة التي وافقه عليها جملة كبيرة من الصحابة بمن فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.

صفحة مطبوعة 235 · ورقة PDF 235رابط الصفحة المنفردة

الشبهة السابعة: تسمية خالد رضي الله عنه بسيف الله المسلول

لقد تعاظم الأمر عند أعداء خالد رضي الله عنه ومبغضيه؛ إلى أن وصل إلى إنكارهم ما لقبه به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سيف من سيوف الله تعالى، سَلَّه الله تعالى على الكافرين والمنافقين، فلم يَرُقْ لهم ذلك ورأوا أن خالداً ليس أهلاً لأن يمتدحه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمثل هذا المديح وهذا الثناء، ولذلك فقد سلكوا لنفي هذا الشرف عن خالد سبيلين:-

1- أن الذي سمّى خالداً سيف الله ليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما الصديق رضي الله عنه، والعلة في ذلك ستأتي بعد قليل عند ذكر بعض النقول.

2- تضعيفهم لحديث البخاري الصريح في هذه المسألة ليسلم لهم رأيهم.

ثم بعد ذلك أثبتوا هذا اللقب للرجل الوحيد الذي يستحقه وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وإليك أخي القارئ بعض النقولات في هذا الشأن:-

يقول الكراجكي: «ومن عجيب أمرهم أنهم يسمون خالد بن الوليد سيف الله، عناداً لأمير المؤمنين...، قال فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «علي سيف الله وسهم الله»، وقال هو على المنبر: «أنا سيف الله على أعدائه ورحمته لأوليائه».

واحتجوا بتسميتهم خالد بن الوليد بخبر رووه عن قتادة أنه لما فعل خالد بن الوليد بأهل اليمامة ما فعل، وبذل فيهم السيف والقتل، وقتل مالك بن نويرة وهو مؤمن!!- ظلماً، ووطئ امرأته من ليلته، أشار عمر إلى أبي بكر بإقامة الحد، فقال أبو بكر: يا عمر، خالد سيف من سيوف الله، فسمُّوا خالداً لذلك سيف الله اتباعاً لقول أبي بكر، ونسوا أن خالداً لم يزل على الإسلام وأهله، وللنبي صلى الله عليه

صفحة مطبوعة 236 · ورقة PDF 236رابط الصفحة المنفردة

وآله وسلم عدواً وحرباً، وبالدين والإيمان مكذباً، وبالشرك والإفك متعصباً،... فمن العجب أن يكون من هذا صفته «سيف الله...»(541)

ويقول التستري: «وأما تسمية خالد بسيف الله فوقعت من أبي بكر؛ لإعانته له في غصب الخلافة أولاً، وقتل مالك الذي أوقع الخلل في خلافته ثانياً، فانكشف المعمى، وظهر أنه لا كرامة في ذلك الاسم والمسمى»(542) .

ويقول ابن أبي الحديد: «قوله: «فإنه سيف من سيوف الله» هذا لقب خالد بن الوليد، واختلف فيمن لقبه به، فقيل: لقبه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والصحيح: أنه لقبه به أبو بكر لقتاله أهل الردة وقتله مسيلمة»(543) .

هذه بعض النقولات في هذه المسألة وملخص ذلك:-

أ- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يلقب خالداً بهذا اللقب.

ب- أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه هو الذي لقبه بذلك.

ج- أن سبب تلقيب الصديق لخالد بذلك هو معاونة خالد للصديق في غصب الخلافة من علي رضي الله عنه، وقتال المسلمين الموحدين الذين سماهم الصديق أهل الردة !!

د- أن صاحب اللقب الحقيقي هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وجواباً على ذلك أقول:-

أولاً: ذكر الأحاديث الدالة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي لقَّب خالداً بسيف الله:-

1- روى البخاري في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس... وفيه يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حتى أخذها سيف من سيوف الله تعالى حتى فتح الله عليهم»(544) .

فالنص قطعي الدلالة على أن الذي سمَّاه بذلك هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

وحتى يهرب النافون للقب خالد من هذا التصريح الواضح، فقد سلكوا طريقاً آخر للخروج من هذا المأزق فقالوا بكذب هذا الحديث!!

صفحة مطبوعة 237 · ورقة PDF 237رابط الصفحة المنفردة

وها أنا أنقل لك أخي القارئ الكريم قول أحدهم في الطعن بهذا الحديث، ثم أرد على ذلك.

ووالله لولا أني أردت أن أظهر للقارئ الكريم مدى التجافي عن الحقيقة، والبعد عن الحق من طرف هؤلاء، ومحاولتهم التزوير بأي أسلوب انتصاراً لرأيهم، لما أتعبتُ القارئ وأتعبتُ نفسي في الدفاع عن حديث رواه البخاري؛ لأننا نجزم أنه في الدرجة العليا من الصحة والإتقان والثبوت.

أعود لأنقل كلام أحدهم على هذا الحديث، حيث يقول علي الميلاني: «لكن الحديث كذب وإن كان في صحيح البخاري، أما سنداً فلأنه عن أحمد بن عبد الملك بن واقد، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن حميد بن هلال، عن أنس.

وهذا السند متكلم فيه أولاً وآخراً، فأما أحمد بن واقد فعن مغلطاي: ذكره الكلاباذي والباجي قالا: وهو متروك، وقال ابن نمير: أهل بلده يسيؤون الثناء عليه فتركت حديثه، ولهذا ذكره ابن حجر فيمن تكلم فيه من رجال البخاري وجعل يدافع عنه.

وأما حميد بن هلال فقد أورده العقيلي في ضعفائه، وابن عدي في كامله، وابن الجوزي في ضعفائه، والذهبي في ميزانه، وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان: كان ابن سيرين لا يرضى حميد بن هلال.

وأما معنى: فلأنه إن كان بلفظ «سيف الله» الظاهر في الحصر فباطل كما هو واضح، وإن كان بلفظ «سيف من سيوف الله» فباطل، إذ لا يليق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ينعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس فلا يصفهم بوصف، ثم يخص خالداً بالكلام المذكور، وعلى الجملة فإن ظاهر سياق الحديث يقتضي الحصر كذلك، وهو باطل كما اعترف ابن تيمية»(545) .

قلت: لقد احتوى هذا الكلام على كثير من المغالطات المقصودة والمتعمدة؛ لإسقاط الحديث من دائرة الاحتجاج، ولكن أنَّى له ذلك.

وواضح من خلال الكلام السابق أن الطعن الموجه للحديث انقسم إلى قسمين: سنداً ومتناً، وسأقف مع كلامه بالتفصيل؛ ليرى القارئ مدى الأمانة العلمية عند

صفحة مطبوعة 238 · ورقة PDF 238رابط الصفحة المنفردة

الكاتب، وكيف حمله بغضه للصحابي الجليل خالد بن الوليد على الطعن في حديث صحيح غاية في الصحة.

- أولاً: الرد على الطعن في سند الحديث:

لقد انصبَّ كلام الكاتب على الحديث سنداً حول راويين اثنيين هما: أحمد بن عبد الملك بن واقد، وحميد بن هلال.

أما:-

1- أحمد بن عبد الملك بن واقد:-

الذي نقل فيه المؤلف كلام الباجي والكلاباذي وابن نمير ولم يزد على ذلك.

فعند الرجوع إلى ترجمة هذا الراوي - وهو أحد شيوخ البخاري - نجد أن الباجي قال فيه: متروك الحديث، وأن ابن نمير ترك حديثه لقول أهل بلده فيه(546) .

ولكن عند القراءة الفاحصة في ترجمة هذا الراوي، نجد أن الطعن الموجه له من قبل أهل بلده، والذي لأجله ترك ابن نمير حديثه، وكذلك الباجي وتبعهم على ذلك المؤلف هنا - أقول: هذا الطعن ليس موجهاً إلى عدالة الراوي وثقته وأمانته وصدقه في الحديث، وإنما إلى أمر آخر لا يقدح فيه أبداً من جهة صحة الحديث وعدمه.

قال أبو الحسن الميموني: «سألت أحمد بن حنبل عنه - أي عن أحمد بن واقد - فقال: قد كان عندنا ورأيته كيِّساً، وما رأيت بأساً، رأيته حافظاً لحديثه، وما رأيت إلا خيراً وهو صاحب سنة. فقلت: أهل حران يسيؤون الثناء عليه. قال: أهل حران قَلَّ ما يرضون عن إنسان وهو يغشى السلطان بسبب ضيعة له. قال الميموني: فرأيت أمره عند أبي عبد الله حسناً يتكلم فيه بكلام حسن»(547) .

فواضح من كلام الإمام أحمد أن الرجل ثقة عدل، غير مطعون فيه من جهة الإتقان، وإنما طعن فيه أهل بلده من جهة إتيانه السلطان، وقد كان ذلك مكروهاً عند الأئمة، أن يأتي العالم أبواب

صفحة مطبوعة 239 · ورقة PDF 239رابط الصفحة المنفردة

السلاطين!!

يقول جعفر بن محمد رضي الله عنه: الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتهموهم(548) .

ويقول وهب بن منبه: إياك وأبواب السلاطين، فإن عند أبوابهم فتناً كمبارك الإبل، لا تصيب من دنياهم شيئاً إلا وأصابوا من دينك مثله(549) .

ويقول سفيان الثوري: لو خيرت بين ذهاب بصري وبين أن أملأ بصري منهم -أي السلاطين- لاخترت ذهاب بصري(550) .

إلى غير ذلك من أقوال العلماء والأئمة في هذه المسألة، لكن لا يعني ذلك كما قلت في بداية الأمر القدح في حفظ الراوي وثقته وإتقانه في الأداء.

ولذلك فقد أثنى أئمة الجرح والتعديل على أحمد بن عبد الملك بن واقد في صدقه وأمانته:-

قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة.

وقال أبو حاتم: كان نظير النفيلي في الصدق والإتقان(551) وذكره ابن حبان في الثقات(552) .

وقال ابن حجر: ثقة تكلم فيه بلا حجة(553) . وفي مقدمة الفتح ذكره ابن حجر في أسماء من طعن فيهم من رجال البخاري، ونقل كلام الإمام أحمد السابق، ثم قال: فأفصح أحمد بالسبب الذي طعن فيه أهل حران من أجله، وهو غير قادح(554) .

أي أنه قد طعن في هذا الراوي وقدح فيه بأمر ليس بقادح في حفظه وصدقه وثقته ألا وهو غشيانه السلاطين.

فما رأيك أيها القارئ المنصف بهذا الكلام؟! وهل يبقى لديك شك في عدالة هذا الراوي وأمانته؟! ثم ما رأيك في طعن علي الميلاني بهذا الراوي بعد ذلك؟! وما رأيك بإغفال الميلاني لهذه الحقائق المذكورة في الكتب، والتي نقل منها ما ينصر رأيه فقط؟!

صفحة مطبوعة 240 · ورقة PDF 240رابط الصفحة المنفردة

أم أنه فعل ذلك مع هذا الراوي لأنه صاحب سنة كما قال الإمام أحمد؟!

وأما الراوي الثاني الذي طعن فيه المؤلف فهو:-

2- حميد بن هلال:-

فقد ذكر المؤلف أنه أورده العقيلي في ضعفائه، وابن عدي في كامله، وابن الجوزي في ضعفائه، والذهبي في ميزانه، ونقل كلام القطان عن ابن سيرين فيه.

وقد أوهمنا المؤلف أن هؤلاء الأئمة جميعاً يقولون بضعف هذا الراوي، والطعن فيه وعدم قبول حديثه.

ولكن عند الرجوع إلى هذه المصادر نجد الأمر بخلاف ما ذكر تماماً، وأنا أولاً أذكر أقوال أهل العلم في هذا الراوي، ثم بعد ذلك أعود للمصادر التي ذكرها المؤلف لنرى ما فيها.

قال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو هلال الراسبي: ما كان بالبصرة أعلم منه.

وقال ابن سعد: كان ثقة.

وذكره ابن حبان في الثقات(555) .

وقال ابن حجر: ثقة عالم(556) .

أما عن توقف ابن سيرين فيه، وأنه كان لا يرضاه، فقد أوضح العلماء سبب ذلك، فقد قال القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن ذلك، فقال: دخل في شيء من عمل السلطان، فلهذا كان لا يرضاه، وكان في الحديث ثقة(557) . وقال ابن حجر: توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان(558) .

ونحن نرى أن هذا السبب ليس قادحاً في دين الرجل، وصدقه وأمانته وإتقانه في الحديث، حتى يرد الحديث لأجله، وهو نفس السبب الذي لأجله ترك بعض العلماء أحمد ابن عبد الملك بن واقد، وهو سبب

صفحة مطبوعة 241 · ورقة PDF 241رابط الصفحة المنفردة

غير قادح.

أعود الآن لما نقله المؤلف عن بعض العلماء موهماً أنهم يقولون بضعفه.

أ- أما العقيلي: فقد نقل كلام يحيى القطان عن ابن سيرين: أنه كان لا يرضاه، ولم يعقب العقيلي على ذلك بشيء(559) .

فأقول: إن ذكر هذا الراوي في كتاب الضعفاء عند العقيلي إذا كان لهذا السبب، - وأظنه كذلك - فذلك غير صحيح، ولا كافٍ لتضعيفه، ومن صرح من العلماء بتوثيق هذا الراوي أكثر بكثير، فلا يبقى لكلام العقيلي موضعاً صحيحاً، خاصة وأن العلماء بينوا سبب عدم رضى ابن سيرين عنه.

وإن كان لسبب آخر، فلماذا لم يوضحه العقيلي ويذكره؟! فالجرح المبهم والمجمل لا يقبل، بل لابد أن يكون مفسراً، خاصة إذا كان هناك توثيق للراوي من قبل جماعة من العلماء.

ب- وأما ابن الجوزي: فقال في كتابه الضعفاء: حميد بن هلال عن يزيد بن هارون قال أبو بكر الخطيب: هو مجهول!!(560) .

قلت: كيف يكون هذا الراوي مجهولاً وشهرته أكثر من أن تذكر؟! فهو من رجال البخاري، وهل يعقل أن الخطيب البغدادي يجهل ذلك؟!

إلا أن استغرابي قد زال، كما سيزول استغراب القارئ الكريم حول هذه النقطة، وذلك عند رجوعي إلى ميزان الاعتدال للذهبي، حيث ظهر لي أمران خطيران يدلان على عدم أمانة الميلاني في النقل، وتعمد في إغفال الحقيقة على القارئ.

ج- ميزان الاعتدال: لقد ظهر لي من خلال تصفح ميزان الاعتدال أمران مهمان هما:-

الأمر الأول: أن الإمام الذهبي ذكر في ميزانه رجلين باسم حميد بن هلال، الأول منهما: هو الذي ذكره ابن الجوزي في ضعفائه، ونقل فيه الذهبي نفس نقل ابن الجوزي، فقال: حميد بن هلال عن يزيد بن هارون، قال الخطيب: مجهول.

صفحة مطبوعة 242 · ورقة PDF 242رابط الصفحة المنفردة

ثم أورد الذهبي عقب هذا الراوي مباشرة: حميد بن هلال وهو راوينا المقصود بالبحث(561) .

فتبين لي وللقارئ أن ابن الجوزي لم يقصد حميد بن هلال الذي هو أحد رجال البخاري، وإنما قصد راوياً آخر يوافقه في الاسم، وعليه يسقط ما ذكره الميلاني من أن ابن الجوزي ذكر هذا الراوي - وهو أحد رجال البخاري - في ضعفائه.

ثم إني أجزم بأن المؤلف فعل ذلك قصداً وإيهاماً للقارئ بأن ابن الجوزي قد طعن في هذا الراوي من رجال البخاري، والدليل على ذلك أن الذهبي ذكر الترجمتين متتابعتين مباشرة، فلا يمكن أن يكون الميلاني رأى الترجمة الأولى، ولم يَرَ الترجمة الثانية بل هذا من الخيانة العلمية.

الأمر الثاني: الذي يدل على عدم الأمانة في النقل، وتعمد إغفال الحقيقة: هو إغفال ما ذكره الذهبي في ميزانه عن حميد بن هلال أحد رجال البخاري، واكتفاء الميلاني بذكر الذهبي له في ميزانه، موهماً القارئ أن الذهبي يقول بضعفه!!

وها أنا أنقل لك أخي القارئ الكريم نص كلام الذهبي، لترى بنفسك مدى التجني والبعد عن الحق من قبل المؤلف.

يقول الإمام الذهبي: حميد بن هلال: من جلة التابعين وثقاتهم بالبصرة، روى عن.. وثقه ابن معين وغيره، وقال يحيى القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه - يعني لكونه دخل في شيء من عمل السلطان، وقال أبو هلال: ما كان بالبصرة أعلم من حميد بن هلال، ما أستثني الحسن ولا ابن سيرين، غير أن التناوة -وهي الفلاحة والزراعة- أَضَرَّت به.

وقال ابن المديني: لم يلقَ عندي أبا رفاعة العدوي.

قلت: -أي الذهبي- روايته عنه في مسلم، وهو في كامل ابن عدي مذكور، فلهذا ذكرته، وإلا فالرجل حجة(562) .

ومعنى كلام الذهبي: أنه لولا ذكر هذا الراوي - حميد بن هلال - في كتاب الكامل في الضعفاء لابن عدي لما ذكرته في كتابي ميزان الاعتدال؛ لأن الرجل حجة.

صفحة مطبوعة 243 · ورقة PDF 243رابط الصفحة المنفردة

أما ذكر ابن عدي له في الكامل فسترى بعد قليل قوله فيه.

أظن أنه لم يبق مجال للشك بعد ذلك في مدى صدق المؤلف وأمانته في النقل.

د - وأما ابن عدي في كامله:

فأولاً: فقد ذكر ابن عدي في مقدمة كتابه الكامل منهجه في الكتاب فقال: «وذاكر في كتابي هذا كل من ذكر بضرب من الضعف، ومن اختلف فيه، فجرحه البعض وعدله البعض الآخر، ومرجح قول أحدهما مبلغ علمي من غير محاباة، فلعل من قَبَّح أمره أو حسنه تحامل عليه أو مال إليه»(563) .

فواضح من خلال كلام ابن عدي أنه لا يقول بضعف كل راوٍ ذكره في كتابه، ومن نسب له ذلك فقد تجنى عليه.

ثانياً: فبعد أن نقل ابن عدي طرفاً من أحاديث حميد بن هلال، قال: ولحميد بن هلال أحاديث كثيرة، وقد حدث عنه الناس والأئمة، وأحاديثه مستقيمة، والذي حكاه يحيى القطان أن محمد بن سيرين لا يرضاه لا أدري ما وجهه؟

فلعله كان لا يرضاه في معنى آخر ليس الحديث، وأما في الحديث فإنه لا بأس به وبرواياته(564) .

فانظر أخي القارئ الكريم إلى هذا الثناء الواضح من ابن عدي على حميد بن هلال ورواياته، ولعله لم يذكره في كامله إلا لما ورد من كلام ابن سيرين فيه، فأراد الدفاع عنه وليس الطعن فيه كما هو واضح، وهذا ما أغفله المؤلف قصداً.

- والخلاصة من خلال البحث السابق: أن الطعن الموجه من الميلاني لسند البخاري في هذا الحديث، طعن عارٍ عن الصحة ومخالف للواقع والحقيقة.

ثانياً: الرد على الطعن في متن الحديث:-

وأما طعنه في الحديث من جهة المتن فمن أغرب ما رأيت، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحصر هذا اللقب بخالد بن الوليد، بل نص الحديث أنه سيف من سيوف الله، ثم كيف لا يليق بالنبي؛أن ينعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس بدون أن يصفهم بشيء، ويصف خالداً بذلك كما قال المؤلف، فما المانع من ذلك؟!

صفحة مطبوعة 244 · ورقة PDF 244رابط الصفحة المنفردة

ثم ألم يقرأ المؤلف في نص الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما نعاهم كانت عيناه تذرفان؟! فأي شرف لهؤلاء الصحابة أعظم من أن يبكي عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أعتذر للقارئ الكريم على هذه الإطالة، ولولا أني أردت إثبات عدم الأمانة العلمية، والبعد عن الحقيقة عند المؤلف؛ لما تكلفت الجهد والوقت من نفسي ومن القارئ الكريم في الرد عليه، والدفاع عن حديث البخاري رحمه الله.

هذا هو الحديث الأول في إثبات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي لقب خالداً بسيف الله. والأن أعود لإكمال بقية الأحاديث:-

2- روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن جعفر في قصة غزوة مؤتة وفيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «... ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه...»(565) .

3- وفي المسند من حديث عبد الملك بن عمير، قال: «استعمل عمر بن الخطاب أبا عبيدة على الشام وعزل خالد بن الوليد، فقال خالد بن الوليد: بعث عليكم أمين هذه الأمة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» قال أبو عبيدة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «خالد سيف من سيوف الله، ونعم فتى العشيرة»(566) .

4- وفي المسند من حديث وحشي بن حرب أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة، وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «نِعْم عبد الله وأخو العشِيرة خالد بن الوليد، وسيف من سيوف الله سَلَّه الله

صفحة مطبوعة 245 · ورقة PDF 245رابط الصفحة المنفردة

على الكفار والمنافقين»(567)

5- وفي المسند من حديث أبي قتادة رضي الله عنه في قصة غزوة مؤتة، وفيه: «... ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء هو أمَّر نفسه، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إصبعيه فقال: «اللهم هو سيف من سيوفك فانصره، فمن يومئذ سُمِّي خالد سيف الله...»(568) .

6- وفي الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلاً فجعل الناس يمرون، فيقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من هذا يا أبا هريرة؟ فأقول: فلان. فيقول: نِعْم عبد الله هذا.

فيقول: من هذا؟ فأقول: فلان. فيقول بئس عبد الله هذا. حتى مَرَّ خالد بن الوليد، فقال: من هذا؟ قلت: هذا خالد بن الوليد. قال: «نِعْم عبد الله خالد بن الوليد سيف من سيوف الله»(569) .

إلى غير ذلك من الأحاديث المصرحة بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي سمَّى خالداً بسيف الله، وأن ذلك كان في غزوة مؤتة كما جاء في حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، فهل يبقى مجال للشك والريب عند من هو حريص على الدليل ومعظم له في ذلك؟!

ثانياً: أنه ورد في كتب الطاعنين في خالد بن الوليد ما يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد امتدح خالداً في غزوة مؤتة، وإن لم يوضح

صفحة مطبوعة 246 · ورقة PDF 246رابط الصفحة المنفردة

المؤلف هذا المدح ولم يكشف عنه ولكنه نص على ذلك.

يقول العاملي: «... لأن الجهاد لا يشترط في أميره أن يكون أتقى الناس، وإنما أعلم الناس بفنون الحرب، ولم يكونوا قادة السرايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمأتقى مَن في الجيش، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقرَّ خالد بن الوليد وامتدحه عندما تولى القيادة في مؤتة...»(570) .

فنقول للعاملي: ما هو المدح الذي مدحه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخالد بن الوليد يوم مؤتة غير قوله: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم»؟!

فإن كان عند العاملي مدح آخر غير هذا فليطلعنا عليه ونحن له من الشاكرين.

ثالثاً: كون الصديق رضي الله عنه يلقب خالداً بسيف الله، فهذا ليس ابتداءً ولا إنشاءً من الصديق، وإنما بما عُرِف واشتُهر به من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد سبق معنا من خلال استعراضنا لجملة من الأحاديث أن الذي لقب خالداً بذلك إنما هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما كان للصديق أن يخالف في ذلك - حاشاه - بل إنه يؤكد ويثبت هذا اللقب، ويحتج به على الآخرين.

أما أن الصديق رضي الله عنه لقب خالداً بذلك؛ لأنه ساعده على غصب الخلافة من علي رضي الله عنه، وقتل مالك بن نويرة وغيره من الموحدين!! فحكاية هذا القول تكفي في إبطاله وإسقاطه من أساسه؛ لأنه كلام مبني على باطل وإفك وزور وبهتان، وما بني على الباطل فهو باطل مثله ولا كرامة.

ثم إن مسألة أن علياً هو سيف الله وسهم الله كما ذكر المؤلف، وأن هذا لقبه وليس لقب خالد، فأقول على فرض صحة الحديث وثبوته في ذلك - وهو لا يثبت(571) - فإنه لا مانع من أن يكون علي سيف الله، وخالد سيفاً من سيوف الله، وهكذا فليس الأمر حصراً في شخص بعينه، ولذلك رأينا من خلال العرض السابق لأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يحصر هذا اللقب في خالد، بل قال في جميع المواضع «سيف من سيوف الله» و «مِن» هنا تبعيضية كما يعرف ذلك أهل اللغة والفصاحة.

صفحة مطبوعة 247 · ورقة PDF 247رابط الصفحة المنفردة

فلا داعي - والحال كذلك - للطعن في لقب خالد بحجة أن هذا لقب علي رضي الله عن الجميع(572) .

فالخلاصة من هذا المبحث:-

أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمى خالداً سيف الله؛ لشدة بأسه ورباطة جأشه، وقوته في الحرب على أعداء الله تعالى، وأن ذلك ليس محصوراً في خالد دون غيره من الصحابة.

فائدة عزيزة

يقول العلامة محمد يعقوب النانوتَوي عن خالد بن الوليد رضي الله عنه: «سيف الله لا يكسر ولا يقتل، فلهذا لم تكن له الشهادة رضي الله عنه»(573) .

صفحة مطبوعة 248 · ورقة PDF 248رابط الصفحة المنفردة

الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..

فها هو القلم قد ارتفع، والقراطيس قد جفّت، وارتاح الذهن من كد النظر في مثل هذه الشبهات، التي أطلقت في حق خير الخليقة بعد أنبياء الله تعالى عليهم الصلاة والسلام، لنقف على حقيقة لا يمكن إخفاؤها وطمسها، وهي باختصار: الكذب على الصحابة الأجلاء.

نعم، إنه الكذب الذي له دوافع كثيرة، لن أتطرق لذكرها، فقد اتضحت من خلال العرض السابق لتلك الشبهات.

إنه الكذب الذي يودي بصاحبه، ويجره إلى مستنقع الإثم.

إنه الكذب الذي لا يعرف خلقاً ولا أدباً، ولا كبيراً ولا صغيراً، ولا صحابياً ولا غيره.

إنه الكذب الذي من تزيى به، فقد نادى على عقله بالأفول، وعلى مبادئه بالنكول.

إنه الكذب... الكذب... الكذب...

ثم معذرة إليك أبا سليمان يا سيف الله عما أُلصق بك زوراً وبهتاناً، وأنت البار الراشد، المجاهد القائد، السيد الزاهد، فوالله الذي لا رب سواه، إنهم لم يعرفوا قدرك ولا قدر مَن قَدَّرك.

فالله موعدهم، وهو حسيبهم.

صفحة مطبوعة 249 · ورقة PDF 249رابط الصفحة المنفردة

المراجع

1- أبو بكر الصديق لعلي الصلابي ط. دار ابن كثير - دمشق - بيروت - 1424هـ، 2004م.

2- أبو بكر بن أبي قحافة لعلي الخليلي (دت) مكتبة أهل البيت.

3- إتحاف الخيرة المهرة للإمام البوصيري. ط. دار الوطن - الرياض - 1420هـ، 1999م.

4- الآحاد والمثاني للإمام أبي بكر الشيباني. ط. دار الراية – الرياض – تحقيق: د. باسم فيصل الجوابرة - ط 1 - 1411هـ، 1991م.

5-أحاديث أم المؤمنين عائشة لمرتضى العسكري. ط. دار التوحيد للنشر - ط 5 - 1414هـ، 1994م.

6- الاحتجاج للطبرسي. ط. دار الأسوة - ايران - 1424هـ.

7- إحقاق الحق لنور الدين التستري (د ت).

8- أحكام الجنائز للشيخ الألباني. ط. المكتب الإسلامي - بيروت.

9- الإرشاد للمفيد مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - ط 1 - 1416هـ، 1995م

10- إرواء الغليل للمحدث محمد ناصر الألباني. ط. المكتب الإسلامي – بيروت 1405هـ، 1985م.

11- أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبناته لنجاح الطائي. ط. دار الهدى لإحياء التراث – بيروت - ط 1 - 1422هـ.

12- الاستغاثة لأبي القاسم الكوفي (د ت).

13- الاستنفار للذب عن الصحابة الأخيار للشيخ سليمان العلوان (د ت).

14- الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (د ط).

15- أسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين أبي الحسن علي بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير. ط. دار الشعب.

16-

صفحة مطبوعة 250 · ورقة PDF 250رابط الصفحة المنفردة

أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد. لابن حزم. ط. دار الكتب العلمية بيروت تحقيق: سيد كسروي ط 1 1412هـ، 1992م.

17- الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. ط. دار الجيل – بيروت. تحقيق: البجاوي - ط 1 - 1412هـ.

18-الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. ط. دار الكتب العلمية - بيروت - تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض - ط 1 - 1415هـ.

19- أصول السرخسي للإمام محمد بن أحمد السرخسي - طبعة دار الكتب العلمية - بيروت - ط 1 - 1414هـ، 1993م.

20-أضواء على الصحيحين لمحمد صادق النجمي. ط. مؤسسة المعارف الإسلامية - قم - ط 1 - 1419هـ.

21-أضواء على عقائد الشيعة الإمامية لجعفر سبحاني. ط. مؤسسة الإمام الصادق - ط 1 - 1421هـ.

22-إعلام الموقعين عن رب العالمين للإمام ابن قيم الجوزية. ط. مكتبة الكليات الأزهرية – مصر. تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد 1388هـ، 1968م.

23-الأعلام من الصحابة والتابعين لحسين الشاكري ط. مطبعة ستارة - ط 2 - 1418هـ.

24-أعيان الشيعة لمحسن الأمين. ط. دار التعارف - بيروت، لبنان - تحقيق: حسن الأمين. (د ت).

25-اغتيال أبي بكر لنجاح الطائي. ط. دار الهدى لإحياء التراث - بيروت - ط 1 - 1419هـ.

26-إفحام الأعداء والخصوم لناصر حسين الهندي. ط. مكتبة نينوى الحديثة طهران (د ت).

27-إمتاع الأسماع للمقريزي. ط. دار الكتب العلمية - بيروت - تحقيق: محمد عبد الحميد النميسي - ط 1 - 1420هـ، 1999م.

28-الانتصار

صفحة مطبوعة 251 · ورقة PDF 251رابط الصفحة المنفردة

28-الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال لإبراهيم الرحيلي. ط. مكتبة الغرباء الأثرية ط 1 1418هـ، 1997م.

29-الانتصار للعاملي. ط. دار السيرة - بيروت - ط 1 - 1421هـ، 2000م.

30-أنساب الأشراف للبلاذري. ط. دار الفكر – بيروت - تحقيق: سهيل زكار وزركلي. - ط 1 - 1417هـ، 1996م.

31-الأنساب للسمعاني. ط. مطبعة مجلس دائرة المعارف بحيدر آباد، الهند، 1382هـ، 1962م.

32-بحار الأنوار للمجلسي. ط. مؤسسة الوفاء – بيروت - ط 2 - 1403هـ،1983م.

33-البداية والنهاية للحافظ ابن كثير الدمشقي. ط. مكتبة المعارف – بيروت - 1420هـ - 1999م.

34-بيت الأحزان لعباس القمي. ط. دار الحكمة - قم - ط 1 - 1412هـ.

35-تاريخ ابن خلدون للعلامة ابن خلدون. ط. الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة - 2007م.

36-تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي. ط. دار الكتاب العربي تحقيق: عبد السلام تدمري - ط 4 - 1422هـ، 2001م.

37-تاريخ الأمم والملوك. للإمام ابن جرير الطبري. ط. روائع التراث العربي - بيروت - تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم - ط 2 - 1387 هـ 1967م.

38-تاريخ الخلفاء للإمام السيوطي. ط. مطبعة السعادة – مصر تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد - ط 1 - 1371هـ - 1952م.

39-التاريخ الصغير للإمام البخاري. ط. دار الوعي – مكتبة دار التراث – حلب، القاهرة. تحقيق: محمود ابراهيم زايد - ط 1 - 1397هـ، 1977م.

40-التاريخ الكبير للإمام البخاري. ط. دار الفكر. تحقيق. السيد هاشم الندوي (دت) الموسوعة الشاملة.

41-تاريخ اليعقوبي لليعقوبي ط. دار

صفحة مطبوعة 252 · ورقة PDF 252رابط الصفحة المنفردة

صادر بيروت (د ت).

42-تاريخ مدينة دمشق للإمام أبي القاسم علي بن الحسن الشافعي المعروف بابن عساكر. ط. دار إحياء التراث العربي. تحقيق: علي شيري - ط 1 - 1421هـ، 2001م.

43-تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي للمباركفوري. ط. دار إحياء التراث العربي بيروت، (د ت).

44-تخريج الأحاديث والآثار للحافظ الزيعلي. ط. دار ابن خزيمة - الرياض - ط 1 - 1414هـ، تحقيق: عبد الله السعد.

45-تذكرة الفقهاء للحلي. ط. مطبعة مهر – قم - ط 1 - 1414هـ.

46-التصريح بما تواتر في نزول المسيح للمحدث محمد أنور شاه الكشميري. ط. مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة - 1402هـ 1982م.

47-التعديل والتجريح للإمام الباجي. ط. دار اللواء - الرياض - ط 1 - 1406هـ 1986م - تحقيق: أبو لبابة حسين.

48-تعظيم قدر الصلاة للإمام المروزي. ط. مكتبة الدار – المدينة المنورة. تحقيق: د. عبد الرحمن الفريوائي - ط 1 - 1406هـ.

49-تعليقة على منهج المقال للوحيد البربهاري (د ت) مكتبة أهل البيت.

50-تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني. ط. دار الرشيد – حلب. تحقيق: محمد عوامة - ط 1 - 1406هـ.

51-تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني. ط. مطبعة دائرة المعارف النظامية - الهند - ط 1 - 1326هـ.

52-تهذيب الكمال للحافظ ابي الحجاج المزي. ط. مطبعة دار الكتب العلمية - بيروت - ط 1 - 1425هـ، 2004م. تحقيق: عمرو شوكت.

53-الثقات للإمام أبي حاتم ابن حبان. ط. دار الفكر. تحقيق: السيد شرف الدين أحمد - ط 1 - 1395هـ 1975م.

54-جامع الأحاديث للإمام السيوطي (د ط).

55-الجرح

صفحة مطبوعة 253 · ورقة PDF 253رابط الصفحة المنفردة

55-الجرح والتعديل للإمام ابن أبي حاتم الرازي. ط. دار إحياء التراث العربي بيروت ط 1 1371هـ 1952م.

56-جواهر الكلام للنجفي. ط. دار إحياء التراث العربي – بيروت - ط 7 - 1981م.

57-حلية الأولياء للإمام أبي نعيم الأصبهاني. ط. دار الكتاب العربي – بيروت - ط 4 - 1405هـ.

58-الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي. ط. المطبعة العلمية – قم - ط 1 - 1409 هـ.

59-خصائص الإمام علي للإمام النسائي. ط. مكتبة المعلا - الكويت - ط 1 - 1406هـ، تحقيق: أحمد البلوشي.

60-خلاصة عبقات الأنوار لحامد النقوي. ط. مؤسسة البعثة – ايران - 1405هـ.

61-الدرجات الرفيعة لعلي خان المدني. ط. منشورات مكتبة بصيرتي – قم - 1397هـ.

62-الدرر السنية في الأجوبة النجدية تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. الطبعة السادسة 1417هـ، 1996م.

63-دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي. ط. دار المعارف - القاهرة 1383هـ 1963م.

64-دلائل النبوة للإمام الأصبهاني. ط. دار طيبة – الرياض. تحقيق: محمد الحداد - ط 1 - 1409هـ.

65-دلائل النبوة للإمام البيهقي. ط. دار الكتب العلمية – بيروت. تحقيق: د. عبد المعطي قلعجي - ط 1 - 1408هـ - 1988م.

66-رجال حول الرسول لخالد محمد خالد. ط. دار الكتاب العربي – بيروت - ط 5 - 1407هـ، 1987م.

67-رسائل الكركي. للكركي. ط. مطبعة الخيام – قم - ط 1 - 1409هـ. تحقيق: محمد الحسون.

68-روضة الواعظين للفتال النيسابوري. ط. منشورات الشريف الرضى، قم (د ت)

صفحة مطبوعة 254 · ورقة PDF 254رابط الصفحة المنفردة

مكتبة أهل البيت.

69-سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي. ط. دار الكتب العلمية – بيروت - ط 1 - 1414هـ 1993م - تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض.

70-سفينة النجاة للسرابي. ط. مطبعة أمير - قم - ط 1 - 1419هـ.

71-السقيفة لمحمد رضا المظفر. ط. مطبعة بهمن – قم - ط 2 - 1415هـ.

72-السلسلة الصحيحة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ط. مكتبة المعارف - الرياض - 1415هـ 1995م.

73-سنن ابن ماجه للإمام ابن ماجه القزويني. ط. دار الفكر. بيروت. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (د ت).

74-سنن أبي داود للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني. ط. دار الفكر بيروت (د ت).

75-سنن الترمذي للإمام أبي عيسى الترمذي. ط. دار إحياء التراث العربي – بيروت تحقيق: الشيخ أحمد شاكر (د ت).

76-السنن الكبرى للإمام أبي بكر البيهقي. ط. مكتبة دار الباز – مكة المكرمة. تحقيق: محمد عبد القادر عطا - 1414هـ 1994م.

77-السنن الكبرى للإمام النسائي. ط. دار الكتب العلمية – بيروت - ط 1 - 1411هـ 1991م.

78-سنن النسائي للإمام أحمد بن شعيب النسائي. ط. مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب. تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة - ط 2 - 1406هـ 1986م.

79-سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي. ط. مؤسسة الرسالة. تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرون. - ط 11 - 1422هـ 2001م.

80-السيرة الحلبية للإمام علي بن برهان الدين الحلبي. ط. دار المعرفة – بيروت. 1400هـ.

صفحة مطبوعة 255 · ورقة PDF 255رابط الصفحة المنفردة

81-السيرة النبوية لابن هشام الحميري. ط. دار المدني – القاهرة - 1383هـ 1963م.

82-الشافي في الإمامة للشريف المرتضي. ط. مؤسسة إسماعيليان - قم - ط 2 - 1410هـ.

83-شذرات الذهب لابن العماد. ط. دار الكتب العلمية - بيروت (د ت).

84-شرح إحقاق الحق للمرعشي منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي – قم. (د ت).

85-شرح الأخبار للقاضي النعمان. ط. مؤسسة النشر الإسلامي - قم - ط 2 - 1414هـ.

86-شرح القصيدة الرائية لجواد جعفر. ط. الإرشاد للطباعة والنشر – بيروت - ط 1 - 1422هـ، 2001م.

87-شرح منهاج الكرامة لعلي الميلاني. ط. مؤسسة دار الهجرة - ط 1 - 1418هـ 1997م.

88-شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد. ط. دار الكتب العلمية - بيروت - ط 1 - 1418هـ 1998م.

89-صحيح البخاري للإمام محمد بن إسماعيل البخاري. ط3. دار ابن كثير. بيروت 1407هـ 1987م.

90-صحيح مسلم للإمام مسلم بن الحجاج القشيري. ط. دار إحياء التراث العربي – بيروت (د ت).

91-صحيح وضعيف تاريخ الطبري لمحمد طاهر البرزنجي. ط. دار ابن كثير – دمشق - ط 1 - 2007م.

92-صحيح وضعيف سنن ابن ماجه للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ط. مكتبة المعارف، الموسوعة الشاملة.

93-صحيح وضعيف سنن أبي داود للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ط. مكتبة المعارف، الموسوعة الشاملة.

صفحة مطبوعة 256 · ورقة PDF 256رابط الصفحة المنفردة

94-صحيح وضعيف سنن الترمذي للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ط. مكتبة المعارف، الموسوعة الشاملة.

95-صحيح وضعيف سنن النسائي للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ط. مكتبة المعارف، الموسوعة الشاملة.

96-الصوارم المهرقة لنور الله التستري. ط. نهضت. تحقيق: جلال الدين المحدث، 1367هـ.

97-الصواعق المرسلة للإمام ابن قيم الجوزية. ط. دار العاصمة – الرياض- ط 3 - 1418هـ - 1998م.

98-صور من سير الصحابة للسحيباني. ط دار ابن خزيمة، الرياض - ط 4 - 1418هـ - 1998م.

99-الضعفاء الكبير للإمام أبي جعفر العقيلي. ط. دار الكتب العلمية – بيروت. تحقيق: عبد المعطي قلعجي، الطبعة الأولى 1404هـ- 1984م.

100-الضعفاء والمتروكين للعلامة ابن الجوزي. ط. دار الكتب العلمية تحقيق: عبد الله القاضي.

101-الطبقات الكبرى للعلامة محمد بن سعد. ط. دار صادر – بيروت. تحقيق: إحسان عباس - ط 1 - 1968م.

102- طبقات خليفة بن خياط. ط. دار الفكر. تحقيق: سهيل زكار، (د ت).

103- الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاووس. ط. الخيام - قم - ط 1- 1399هـ.

104- العثمانية للجاحظ. ط. دار الكتاب العربي - مصر 1374هـ، 1955م. تحقيق: عبد السلام هارون.

105- العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد بن حنبل. ط. المكتب الإسلامي. تحقيق: وصي الله عباس - ط 1 - 1408هـ، 1988م.

106- عمدة القاري شرح صحيح البخاري للإمام بدر الدين العيني. ط. دار الفكر بيروت ط 1

صفحة مطبوعة 257 · ورقة PDF 257رابط الصفحة المنفردة

2002م.

107- عمر بن الخطاب. ط مكتبة الفجر - ط 1 - 1424هـ، 2003م.

108- العواصم من القواصم للإمام أبي بكر ابن العربي المالكي. ط. المكتبة السلفية – القاهرة - ط 8 - 1424هـ، 2003م.

109- العوالم للبحراني. ط. مطبعة أمير – قم - ط 1 - 1407م.

110-عون المعبود شرح سنن أبي داود لشمس الحق العظيم آبادي. ط. دار الكتب العلمية – بيروت - ط 2 - 1415هـ.

111- عين العبرة لغبن العترة لآل طاووس. ط. دار الشهاب – قم (د ت).

112- الغارات للثقفي، الطبعة الإيرانية (د ت).

113- الغدير للأميني. ط. دار الكتاب العربي - بيروت - ط 4 - 1397هـ، 1977م.

114- الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية. ط. دار المعرفة – بيروت. تحقيق: حسنين محمد مخلوف.

115-فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني. ط. دار الفكر – بيروت - ط 1 - 1420هـ 2000م. وطبعة أخرى: مكتبة الصفا - القاهرة - ط 1 - 1424هـ 2003م.

116- فتوح الشام لأبي عبد الله الواقدي. ط. دار الجيل – بيروت (د ت).

117- فرسان النهار لسيد حسين عفاني. ط. دار ماجد عيدي - ط 1 - 1425هـ، 2004م.

118- فرسان من عصر النبوة لأحمد خليل جمعة. ط. دار اليمامة - دمشق - ط 1 - 1420هـ 1999م.

119- الفصول المهمة في تأليف الأمة لعبد الحسين شرف الدين. الناشر: قسم الإعلام الخارجي لمؤسسة البعثة (د ت).

120- الفصول المهمة في معرفة الأئمة لابن الصباغ. ط. دار الحديث. تحقيق: سامي الغريري - ط 1 - 1422هـ.

121-فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل. ط. دار ابن الجوزي. تحقيق: وصي الله عباس - ط 2 - 1420هـ 1999م.

122-فوات

صفحة مطبوعة 258 · ورقة PDF 258رابط الصفحة المنفردة

122-فوات الوفيات لمحمد شاكر الكتبي. ط. دار صادر بيروت. تحقيق: إحسان عباس ط 1 1973، 1974م.

123- قاموس الرجال للتستري. ط. مؤسسة النشر الإسلامي - قم - ط 1- 1419هـ.

124- القاموس المحيط للفيروز أبادي (د ط).

125- قواعد الأحكام للحلي. مؤسسة النشر الإسلامي – قم - ط 1 - 1413هـ.

126- الكافي للكليني. ط. مطبعة حيدري - طهران - ط 5 - 1363هـ تصحيح: علي أكبر الغفاري.

127. الكامل في التاريخ لابن الأثير. ط. دار المعرفة - بيروت - ط 1 - 1422هـ 2002م. تحقيق: خليل شيحا.

128- الكامل في الضعفاء للإمام ابن عدي الجرجاني. ط. دار الفكر – بيروت. تحقيق: يحيى غزاوي - ط 3 - 1409هـ 1988م.

129- كتاب الأربعين لمحمد طاهر القمي. ط. مطبعة أمير - قم - ط 1 - 1418هـ. تحقيق: السيد مهدي الرجائي.

130-كتاب الأموال للإمام ابن زنجويه. ط. مركز الدراسات الاقتصادية والفقهية- القاهرة - ط 1 - 1428هـ 2007م.

131- كتاب الأموال للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام (د ت).

132- كتاب التعجب للكراجكي. تصحيح وتخريج: فارس حسون. ط. دار الغدير - قم - ط 1 - 1421هـ.

133- كتاب الجهاد للإمام عبد الله بن المبارك. ط. دار العلم، تحقيق: د. نزيه حماد. (د ت).

134- كتاب الردة للواقدي. ط. دار الغرب الإسلامي - لبنان - ط 1 - 1410هـ 1990م.

135- كتاب الفتوح لابن أعثم. ط. دار الأضواء - ط 1 - 1411هـ. تحقيق: علي شيري.

صفحة مطبوعة 259 · ورقة PDF 259رابط الصفحة المنفردة

136- كتاب الفضائل لشاذان بن جبرائيل. ط. منشورات مؤسسة الأعلى - لبنان- ط 1 - 1408هـ 1988م.

137- كتاب الميزان للشعراني (د ت).

138- كشف الغمة للأربلي. ط. دار الأضواء - لبنان - ط 1 - 2000م.

139- كشف المحجة لثمرة المهجة لابن طاووس. ط. المطبعة الحيدرية – النجف 1370هـ 1950م.

140- كنز العمال للمتقي الهندي. ط. مؤسسة الرسالة – بيروت 1989م.

141- الكنى والألقاب لعباس القمي. ط. منشورات مكتبة الصدر - ط 5 - 1359هـ.

142- لسان العرب لابن منظور. ط. دار صادر – بيروت - ط 1.

143- لسان الميزان للحافظ ابن حجر العسقلاني. ط. مكتبة المطبوعات الإسلامية تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة - ط 1 - 1423هـ 2002م.

144- اللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس. ط. أنوار الهدى – قم -ط1- 1417هـ.

145- المجروحين للإمام ابن حبان. ط. دار الوعي – حلب. تحقيق: محمود إبراهيم زيد (د ت).

146- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ الهيثمي. ط. مؤسسة المعارف - بيروت 1406هـ 1986م.

147- محاكمات الخلفاء وأتباعهم. د. جواد جعفر. ط. الإرشاد للطباعة والنشر - بيروت - ط 1 - 1421هـ 2001م.

148- المحلى للإمام أبي محمد بن حزم الأندلسي. ط. دار الفكر (د ت).

149- المراسيل للإمام ابن أبي حاتم. ط. مؤسسة الرسالة - بيروت - ط 2 - 1418هـ 1998م.

150- مروج الذهب للمسعودي. ط. دار القلم – لبنان - ط 1 - 1989م.

151-مرويات غزوة حنين وحصار الطائف لإبراهيم قريبي. ط. عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية - المدينة المنورة - ط 1 - 1412هـ.

صفحة مطبوعة 260 · ورقة PDF 260رابط الصفحة المنفردة

152- المستجاد من الإرشاد للحلي. ط. مطبعة الصدر - قم - 1406هـ.

153-المستدرك على الصحيحين للإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري. ط. دار الكتب العلمية – بيروت - ط 1 - 1411هـ 1990م. تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.

154- المسترشد لابن جرير الطبري الإمامي. ط. مؤسسة الثقافة الإسلامية - ط 1 - 1415هـ.

155- مسند أبي يعلى للإمام أبي يعلى الموصلي. ط. دار المأمون للتراث – دمشق. تحقيق: حسين سليم أسد - ط 1 - 1404هـ 1984م.

156- مسند الإمام أحمد بن حنبل. ط. مؤسسة قرطبة – القاهرة (د ت).

157-مسند البزار للإمام أبي بكر البزار. ط. مؤسسة علوم القرآن. تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله 1409هـ.

158-مسند الحميدي لأبي بكر الحميدي ط. دار الكتب العلمية – بيروت. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي (د ت).

159-مسند الشاميين للإمام الطبراني. ط. مؤسسة الرسالة. تحقيق: حمدي السلفي - ط 1 - 1405هـ 1984م.

160-المسند للإمام أبي بكر ابن أبي شيبة. ط. دار الوطن. تحقيق: عادل العزازي وأحمد المزيدي 1997م.

161-مشاهير علماء الأمصار للإمام ابن حبان البستي. ط. دار الكتب العلمية - بيروت 1959م.

162-مشكل الآثار للإمام الطحاوي ط. مؤسسة الرسالة – بيروت – تحقيق: شعيب الأرناؤوط - ط 2 - 1427هـ، 2006م.

163-المصباح المنير لأحمد محمد الفيومي. ط. المكتبة العصرية. تحقيق: يوسف الشيخ محمد (د ت).

164- المصنف للإمام ابن أبي شيبة ط. دار القبلة. تحقيق: محمد عوامة - ط 1 - 1427هـ، 2006م.

165-

صفحة مطبوعة 261 · ورقة PDF 261رابط الصفحة المنفردة

المصنف للإمام عبد الرزاق الصنعاني. ط. المكتب الإسلامي بيروت ط 2 1403هـ.

166- معالم الفتن لسعيد أيوب. ط. مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - ط 1 - 1416هـ.

167- معالم المدرستين لمرتضى العسكري. ط. مؤسسة النعمان – بيروت - 1410هـ 1990م.

168- المعجم الأوسط للإمام الطبراني. ط. دار الحرمين – القاهرة. تحقيق: د. طارق عوض الله وعبد المحسن الحسيني 1415هـ.

169- معجم البلدان لياقوت الحموي. ط. دار صادر - بيروت - ط 1- 1993م. - ط 2 - 1995م.

170- معجم الصحابة للإمام البغوي. ط. مكتبة دار البيان – الكويت - ط 2 - 1428هـ 2007م.

171- المعجم الكبير للحافظ سليمان بن أحمد الطبراني. ط. مكتبة العلوم والحكم – الموصل. تحقيق: حمدي السلفي - ط 2 - 1404هـ 1983م.

172- معجم مقاييس اللغة العربية لابن فارس. ط. دار الفكر. تحقيق: عبد السلام هارون 1399هـ 1979م.

173- معرفة الصحابة للإمام أبي نعيم الأصبهاني. ط. دار الوطن – الرياض. تحقيق: عادل العزازي - ط 1 - 1419هـ 1998م.

174- المغازي للواقدي (د ط) المكتبة الشاملة.

175- مقتل الحسين لأبي مخنف لوط بن يحيى. ط. مطبعة العلمية – قم. تحقيق: حسين الغفاري (د ت).

176- مكاتيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للأحمدي الميانجي. ط. دار الحديث - ط 1 - 1998م.

177- من لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي. ط. دار التعارف ط 1 1412هـ

صفحة مطبوعة 262 · ورقة PDF 262رابط الصفحة المنفردة

1992م.

178- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب. ط. مطبعة الحيدرية - النجف - 1376هـ 1956م.

179- المناقب للخوارزمي. ط. مؤسسة النشر الإسلامي. تحقيق: مالك المحمودي - ط 2 - 1414هـ.

180- منتهى المطلب للحلي. ط. مجمع البحوث الإسلامية – مشهد – إيران - ط 1 - 1412هـ.

181- منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية. ط. مؤسسة قرطبة. تحقيق: محمد رشاد سالم - ط 1 - 1406هـ.

182- المواقف لعضد الدين الإيجي. ط. دار الجيل – بيروت. تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة - ط 1 - 1417هـ 1997م.

183- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب للريشهري. ط. دار الحديث - قم - ط 2 - 1425هـ.

184- ميزان الاعتدال في نقد الرجال للحافظ الذهبي. ط. دار الفكر – بيروت. - ط 1- 1420هـ 1999م.

185- نزهه الأبصار في فضائل الأنصار للإمام ابن الفراء. ط. أضواء السلف - ط 1 - 1425هـ 2004م.

186- النص على أمير المؤمنين لعلي عاشور (د ت) مكتبة أهل البيت.

187- النص والاجتهاد لعبد الحسين شرف الدين ط. سيد الشهداء. قم - ط 1 - 1404هـ.

188- النصائح الكافية لابن عقيل. ط. دار الثقافة - ايران - ط 1 - 1412هـ.

189- نقد الرجال للتفرشي ط. مؤسسة آل البيت – قم - ط 1 - 1418هـ.

190- النهاية في غريب الأثر لأبي السعادات الجزري ط. المكتبة العلمية – بيروت. تحقيق: محمود الطناحي وطاهر الزاوي 1399هـ 1979م.

191- نور الأفهام في علم الكلام لحسن اللواساني. ط. مؤسسة النشر الإسلامي - قم - ط 1 - 1425هـ.

صفحة مطبوعة 263 · ورقة PDF 263رابط الصفحة المنفردة

192- وسائل الشيعة للحر العاملي ط. آل البيت لإحياء التراث - قم - ط 2 - 1414هـ.

193- وضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي الشهرستاني. ط. مطبعة ستارة - قم - ط 1 - 1415هـ.

194- وفيات الأعيان للعلامة ابن خلكان. ط. دار صادر. تحقيق: إحسان عباس.

195- وقعة صفين لنصر بن مزاحم. ط. المؤسسة العربية الحديثة. تحقيق: عبدالسلام هارون - ط 3 - 1401هـ 1981م.

في هذا الكتاب

مناقشة هادئة ومحاورة بناءة لما أثير من شبهات حول بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ذلك الجيل الذي تربى على عين النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا خير القرون وأفضل البشر بعد الأنبياء، ولم ولن يأتي أحد يساميهم في العلم والفضل والدين والخلق، فلولاهم لما عرفنا الإسلام، ولا نُقل إلينا القرآن، ولكنا في غيابات الجهل متردين، وفي ظلمات الباطل حائرين، فمن لم يعرف لهم فضلهم وسابقتهم وجهادهم وإخلاصهم فقد ظلم نفسه، وخالف عقله لو أنه أطلقه من قيود التبعية والتقليد والتعصب البغيض.

وانطلاقاً من قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الذي رواه الترمذي: «من ردَّ عن عرض أخيه، ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة»، كان هذا الكتاب.

المؤلف

صفحة 264 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
الحاشية
داخل هذا الكتاب فقطالبحث في أولئك مبرؤون

اكتب كلمتين أو أكثر لعرض النتائج داخل هذا الكتاب.

النسخة المصوّرة — أولئك مبرؤونتمرير رأسي متصل