يأخذهم بالتهمة والظن، ولو كان خالد محباً للدماء لأغار عليهم، واحتال بأي حيلة في ذلك، وحاشاه من ذلك.
وقد تعمدت ذكر بعض الآثار من بعض الكتب التي تطعن في خالد بن الوليد؛ ليعلم القاريء الكريم مدى التناقض الذي وقع فيه بعض المؤلفين في شأن هذا الصحابي الجليل، فهم يذكرون عنه أنه كان محباً للدماء والغاً فيها، حتى وصفه البعض بالمجرم الزاني(413) ، ووصفه آخر بالزاني القاتل الهاتك صاحب المخازي والمخاريق(414) ، وغير ذلك من أوصاف ذميمة قبيحة، ثم تجدهم بعد ذلك يروون في كتبهم مثل هذه الروايات التي تنقض ما وصفوه به من الإجرام والقتل وحب الدماء، فالحمد الله واهب العقول، ونسأله تعالى أن يعصمنا من مضلات الأهواء والفتن.
وقد اشتملت هذه النقولات على فائدة أخرى مهمة، وهي كما يلي:-
لو كان خالد- كما يزعم الحاقدون- محباً للدماء، والغاً فيها، فبأي حق يبعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم المرة تلو المرة، إلى هنا وهناك، مع علمه بما فعل يوم بني جذيمة؟!!
فلو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم من حال خالد ما ذكره الحاقدون، لما بعثه إلى قوم من الأقوام، وإلا فكيف يجوز للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن يبعث رجلاً محباً للدماء ولا يتورع عنها، ولا يراعي الدين والشرع في تعامله مع الناس.
إن هذا الأمر يعود بالطعن واللوم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحاشاه؛ من ذلك؛ لأن خالداً لم يكن كما زعم الحاقدون.
وأما قول ابن أبي الحديد: «إن عفو النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن خالد يوم بني جذيمة، هو الذي أطمعه في مالك وقومه».
فهذا كلام يقشعر منه البدن، وتنفر منه الطباع، ومؤداه الطعن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه لم يأخذ على يد الظالم، وإنما عامله بالعفو عن إجرامه وفتكه، وهذه صفة ذم ونقص في القائد وعدم حكمة منه؛ لأنه وضع للشيء في غير موضعه، فكان الأولى
