من التكاليف الشرعية ما قد يبدو فيه حرج وإضرار للمكلّفين، وتفويتَ مصالحَ عليهم، كتحريم شرب الخمر وتحريم بيعها. ولكن المتدبّر إذا تدبّر في تلك التشريعات ظهرت له مصالحها في عواقب الأمور.
واستقراءُ أدلّةٍ كثيرةٍ من القرآن والسُّنَّةِ الصحيحة، يُوجِبُ لنا اليقينَ بأنّ أحكامَ الشريعةِ الإسلاميّة منوطةٌ بحكمٍ وعللٍ راجعة للصّلاح العامّ للمجتمع والأفراد»(301) .
وقد اتفق الأصوليُّون على مقاصدَ خمسةٍ، انتثرَت الأحكامُ الشرعيّة التفصيليّة في كلّ جوانبِ الحياةِ من أجل رعايتها وصيانتها وحفظها وتحقيقها، ظهرت للأصوليّين والمقاصديّين من خلال تتبُّع العلل والحِكَم الملحوظةِ في الأحكام الجزئيّة، وجرّدوا منها كليّاتٍ هي المقاصدُ الأساسيّة للشريعةِ الإسلاميّة، وظهرت لهم منها خصائصُ ما يجب أن يُعدَّ مقصدًا للشريعة.
قال الغزاليّ رحمه الله: «ومقصودُ الشّرع من الخَلْقِ خمسةٌ: وهو أنْ يحفظ عليهم دينَهم ونَفْسَهُم وعَقْلَهُم ونَسْلَهُم ومالَهم، فكُّل ما يتضمّن حفظَ هذه الأصولِ الخمسةِ فهو مصلحة، وكلُّ ما يفوّت هذه الأصولَ فهو مفسدةٌ، ودفعُها مصلحة»(302) .
إذا اتّضح هذا، فإنّه يمكننا الآن النّظر في نظام الوقف، ورسم علاقته بمقاصد الشريعة الإسلاميّة ودوره في تحقيقها.
