مدخل
قال العلّامة الطّاهر بن عاشور:
«لا يمتَرِي أحدٌ في أنّ كلَّ شريعةٍ شُرعت للنّاس، أنّ أحكامها ترمي إلى مقاصدَ مُرادةٍ لمشرّعها الحكيم تعالى، إذ قد ثبت بالأدلة القطعيّة أنّ الله لا يفعل الأشياء عبثاً، دلّ على ذلك صنعه في الخلقة كما أنبأ عنه قوله: ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ٣٨ مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾، وقوله: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا﴾.
ومن أعظم ما اشتمل عليه خلق الإنسان خلقُ قَبُولِه التَّمَدُّنَ، الذي أعظمُه وضع الشرائع له.
وما أرسل الله تعالى الرُّسُلَ وأنزل الشرائعِ إلا لإقامة نظامِ البشر، كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾، وشريعة الإسلام هي أعظم الشرائع وأقومها، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾، بصيغة الحصر المستعمل في المبالغة...
فالشّرائع كلُّها وبخاصّة شريعة الإسلام، جاءت لما فيه صلاح البشر في العاجل والآجل، أي في حاضر الأمور وعواقبها. وليس المراد بالآجل أمورَ الآخرة، لأنّ الشرائع لا تحدّد للناس سَيْرهم في الآخرة، ولكن الآخرة جعلها الله جزاءً على الأحوال التي كانوا عليها في الدنيا. وإنما نريد أنّ
