أنّ الوقْف عندهم وعند غيرهم يحتاجُ إلى أن يُحازَ عن الواقف ويخرج عن يده، كما قال اللّخمي: "الأحباسُ تفتقرُ إلى حَوْزٍ، كالهبات"(134) وقال ابن رشد: "الحيازةُ من تمام التّحبيس التي لا يصحّ القضاء به دونَها؛ اذ لا يصحّ لحاكم أن يحكم بمعيَّن إلا بعد أن يتعيّن عنده بالحيازة، هذا ما لا اختلاف فيه ولا ارتياب في صحّته"(135)
وبناءً على هذا، فقد ثارت مسألةُ ما إذا وَقَفَ الإنسانُ على من في حَجْرِهِ وتحت ولايته، فهل يلزمُ أنْ يقبضَ نيابةً عنه ويصحُّ قبضُه؟ أم لا بدّ من إخراجه عن يده؟ وممّا ترتّب على ذلك أيضاً: ما إذا وَقَفَ على وجهٍ، ثمّ أرادَ أن ينتفع مع النّاسِ في ذلك الوجه، فهل يصحُّ ذلك؟ أم يكونُ ذلكَ إبطالاً منه للحيازةِ، وبالتالي: رجوعاً منه في الوقف؟ هذا الذي أشار إليه الحافظ، وهو الذي يقرّر ابن رشد وغيره صحّته، كما في قوله: «مسألة: قال مالك: من حبس دارًا في سبيل الله، أو سلاحًا، أو دابّةً، فأنفَذَ ذلك في تلك الوجوه زمانًا، ثم أراد أن ينتفع به مع الناس، قال: إنْ كان ذلك من حاجةٍ فلا أرى بذلك بأسًا.
قولُه: "ثم أراد أن ينتفع به مع الناس"، معناه: ينتفع به فيما سَبَّله فيه من السبيل، لا فيما سِوى ذلك من منافعه، فلهذا لم يَرَ بذلك بأسًا إذا فعل ذلك من حاجة؛ لأن الاختيار فيما جُعِلَ في السبيل ألا يعطى فيه إلَّا لأهل الحاجة إليه، فإذا احتاج إليه في السبيل فاستعمله فيه لم يكن ذلك رجوعًا منه فيما حبّسه، ولا عَوْدًا منه في صدقته، والله أعلم»(136) .
