وقدوته.
كانت مأساة حياة البطل أن يموت على فراشه!!
هنالك قال ودموعه تنهال من عينيه: «لقد لقيت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي، كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء»(242) .
كلمات لا يجيد النطق بها في مثل هذا الموطن إلا مثل هذا الرجل.
وحين كان يستقبل لحظات الرحيل، شرع يملي وصيته...
أتدرون إلى من أوصى؟
إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
أتدرون ماذا كانت تركته؟
فرسه وسلاحه!! ثم ماذا؟!
لا شيء قط مما يقتني الناس ويمتلكون.
ذلك أنه لم يكن يستحوذ عليه وهو حي سوا اقتناء النصر، وامتلاك الظفر على أعداء الحق، وما كان في متاع الدنيا جميعه ما يستحوذ على حرصه.
وأخيراً...
خرج جثمان البطل من داره محمولاً على أعناق أصحابه، وثوى في مرقده، ووقف أصحابه في خشوع، والدنيا من حولهم هاجعة، خاشعة، صامتة.
لم يقطع هذا الصمت المهيب سوا صهيل فرس جاءت - كما نتخيلها - تركض، بعد أن خلعت رسنها، وقطعت شوارع المدينة وثباً وراء جثمان صاحبها، يقودها عبيره وأريجه.
وإذ بلغت الجمع الصامت، والقبر الرطب، لوحت برأسها كالراية، وصهيلها يصدح.
تماماً مثلما كانت تصنع والبطل فوق ظهرها، يهد عروش فارس والروم، ويشفي وساوس الوثنية والبغي، ويزيح من طرق الإسلام كل قوى التقهقر والشرك.
وراحت وعيناها على القبر لا تزيغان، تعلو برأسها وتهبط، ملوحة لسيدها وبطلها، مؤدية له تحية
