وآله وسلم بعث خالداً إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام، ولم يبعثه مقاتلاً، وهذا يخالف رواية البخاري حيث لم تتعرض لمنع خالد من قتال القوم، وإنما جاء في الرواية «فدعاهم إلى الإسلام»، والمعروف والمشهور من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعثه البعوث والسرايا إلى غير المسلمين دعوتهم إلى أحد ثلاثة أمور إما الإسلام أو الجزية أو القتال، كما جاء ذلك في حديث بريدة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال... وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم... فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم...»(265) فإن أسلموا أو أدوا الجزية وجب الكف عنهم، وإلا فليس لهم إلا السيف، وهذا ما فعله خالد رضي الله عنه، فإنه لما لم يفهم عنهم أنهم أرادوا الإسلام قتلهم، ومما يؤيد ضعف رواية ابن سعد والطبري ما جاء في رواية ابن سعد من أن عدد السرية كان 350 رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فهل يعقل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل هذا العدد لدعوة بني جذيمة للإسلام؟!
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبعث الرجل والرجلين لدعوة القوم إلى الإسلام ويكتفي بذلك، فلماذا كل هذا العدد مع بني جذيمة بالتحديد؟!
2-أن جُلَّ المعترضين الطاعنين في خالد رضي الله عنه- إن لم يكونوا كلهم– يذكرون أن سبب قتل خالد لبني جذيمة هو الثأر لعمه الفاكه بن المغيرة الذي قتلته بنو جذيمة في الجاهلية، وهذا الأمر لم يثبت بسند صحيح كما سيأتي معنا، ولكن العجيب في الأمر قول المفيد في «الإرشاد»: «إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنفذ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، وأنفذ معه عبد الرحمن بن عوف للترة – الثأر – التي كانت بينه وبينهم، ولولا ذلك ما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالداً أهلاً للإمارة على المسلمين!!»(266) .
فلا أدري ما قصده بهذا الكلام؟! فهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قاصداً قتل بني جذيمة؛ ولذلك أرسل إليهم أميراً بينهم وبينه عداوة وثأر، حتى يعاملهم بالثأر!!
