بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا، أي: حينما رأوه بكى صلى الله عليه وسلم بكوا، وهذا يسمى عند العلماء بكاء المجاورة، أي: أني رأيتك تبكي فبكيت، وكل دمعة للعين تختلف؛ فدمعة الحزن تختلف عن دمعة الفرح، وتختلف عن دمعة الخوف، وتختلف عن دمعة النفاق، وتختلف عن دمعة المجاملة أو المجاورة.
وقد اختلف العلماء في حكم البكاء، فقال الإسماعيلي: «كثُر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال كلٌّ مجتهداً على حسب ما قُدِّر له، ومن أحسن ما حضرني وجهٌ لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يُغِيرون، وَيسْبون، ويَقتُلُون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرّمة، فمعنى الخبر: أن الميت يُعذّب بذلك الذي يبكي عليه أهله به؛ لأن الميت يُندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذُكر، وهي زيادة ذنب من ذنوبه يستحقّ العذاب عليها»(358) .
وقال ابن حزم: «ولاح بهذا أن هذا البكاء الذي يعذب به الميت ليس هو الذي لا يعذب به من دمع العين، وحزن القلب. فصح أنه البكاء باللسان، إذ يعذبونه برياسته التي جار فيها فعذب عليها، وشجاعته التي يعذب عليها، إذ صرفها في غير طاعة الله تعالى، وبجوده الذي أخذ ما جاد به من غير حله، ووضعه في غير حقه فأهله يبكونه بهذه المفاخر، وهو يعذب بها بعينها، وهو ظاهر الحديث لمن يتكلف في ظاهر الخبر ما ليس فيه، وبالله تعالى التوفيق، وقد روينا عن ابن عباس: أنه أنكر على من أنكر البكاء على الميت، وقال: الله أضحك وأبكى؟»(359) .
