يوقفنا على صورة من صور خدمة الصغار للكبار، التي تقدمت في الباب السابق، ولكنها خدمة وزيادة، والزيادة هي: كيفية القيام بالخدمة نفسها، فليست مجرد أداء الخدمة على وجه التأفف والتبرم، ولكنها خدمة ذات تفنن في الأدب والذوق، مما لفت انتباه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فسأل هذا التابعي عن مصدر هذا الأدب الرفيع، فكان الجواب المتوقع: «من جدي رافع»؛ فحقاً إنها مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم.
خدمة الأكبر لذوي الفضل
عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي في سفر فكان يخدمني فقلت له: لا تفعل.
فقال: «إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، آليت أن لا أصحب أحداً منهم إلا خدمته»، وكان جرير أكبر من أنس(214) .
قال النووي: «يستحب خدمة المسافر الذي له نوع فضيلة، وإن كان الخادم أكبر سناً؛ لحديث أنس»(215) .
فكان جرير أكبر من أنس بكثير في السن، ومع ذلك كان جرير هو الذي يخدم أنساً، وجرير كان في قومه كالملك، فقد كان في قومه سيداً،
