يمكن للنّاظر أن يخلُصَ إلى أنّ الأوقافَ في عصر النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه تُفضي بنا إلى اعتبارِ هذه المعالِم:
الوقْف سُنَّةٌ قائمةٌ عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتّبعه آل بيتِه وأصحابُه رضوان الله عليهم، ثمّ التّابعون والمسلمون من بعدهم؛ فهو نظام إسلاميٌّ شُرع بالكتاب والسُّنَّةِ وإجماع الصّحابة. الصّدقة الجارية والوقف، كان يُطلَقُ عليه في عهد الصحابة مسمّى: (الصّدقة)، والصّدقة الجاريةُ إحدى الصّدقات بلا شكّ، لكنها جُعلت في عين تحبس ليستمرّ نفعها وأجرها، وسمّيت وقفاً، والوقف والتحبيس والتسبيل بمعنى واحد، وهو: المنع من التصرف. الوقف لا يكون إلا فيما له أصل يدوم الانتفاع به، وتبقى عينه، فأمّا الذي يُستهلَكُ بالانتفاع به فهو صدقة، وليس وقفاً؛ فلا يصحّ وقف ما لا يدوم الانتفاع به كالطعام. متى ثبت الوقف فإنّ العين لا يجوز أنْ تباع، ولا أنْ توهب، ولا أنْ تورَث. يُستحبُّ أنْ يكون المال المعطى صدقةً أو وقفًا من أجود وأنفس مال المتصدّق وأحبّه إليه، وهذا فِعل الصحابة والسلف؛ إذا أحبّوا شيئاً جعلوه لله سبحانه وتعالى. الصّدقة تصل إلى الميّت وتجري عليه الحسنات إلى ما بعد الممات، وفي هذا إجماع الأمة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له(315) والصدقة الجارية عمادُها
