الابتعاد عن الشخصنة والتركيز على الفكرة :
والمقصود بالشخصنة: هو كل ما يكون خادشًا لتجريد الفكرة، كاستصحاب صلاح حال حاملها أو فساده دليلًا على الصواب أو الخطأ، فليس ذلك يستقيم، وإنما يكون حال حامل الفكرة أمارة تستروح إليها النفوس، فصلاح صاحبها يلقي لها قبولًا والعكس حال فساده، وعند التحقيق والتأمل فكم من صالح قد تورط بمقالة مجانبة للصواب، وكم من فاسدِ حالٍ قد أصاب في مقالته الحق أو بعضه، فليس حامل الفكرة ميزانًا سليمًا للصواب أو الخطأ، بل يكون النظر في ذات الفكرة ودلائلها، فما وافق الحق أخذنا به وإلا رددناه.
لما ذكر الغزالي الفلاسفة وزلَّاتهم تعرض إلى خلل يعرض في طائفتين، طائفة تحسن بهم الظن وتصوب خطأهم باعتبار ما اصابوا فيه، وأخرى تدفع ما معهم من الحق باعتبار الأخطاء التي وقعوا فيها، فقال عن الأولى: «من ينظر فيها أي علوم الفلاسفة يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة، فيحسب أن جميع علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم، ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول: لو كان الدين حقاً لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم، فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجورهم استدل على
