أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله عز وجل، فما ذلك؟ قالت: نهيتَ الناس آنفًا أن يغالوا في صدق النساء والله عز وجل يقول في كتابه ﴿وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيًۡٔاۚ﴾ [النساء: 20]، فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر، مرتين أو ثلاثًا، ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: «إني نهيتكم أن تغالوا في صدق النساء، ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له»(194)
وسأل رجل عليًّا رضي الله عنه عن مسألة، فقال فيها، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا، فقال علي رضي الله عنه: «أصبتَ وأخطأتُ وفوق كل ذي علم عليم»(195) .
فتأمل حال الصالحين وإقرارهم بخطئهم وتراجعهم عنه، ثم تأمل أكثر من تعرف اليوم واسبر حالهم في حواراتهم اليومية في شئونهم العادية فتدرك الفرق، ولا أقول انظر حالهم في المناظرات العلمية التي يشحن فيها المحاور نفسه ويهيِّئها بأنه على الحق الكامل ومن خالفه شيطان يبغي الغواية والإضلال؛ فالحال فيها لا يسرُّ، وتأمل ما قاله الغزالي في القرن الخامس عن مناظري زمانه وعليه قِسْ: «فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يَسْوَدُّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذم من أفحمه طول عمره، ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنهم في تعاونهم على النظر في الحق»(196) .
