البعد عن التقعر والتنطع :
ناسب وقد ذكرنا التزام أدب تقويم اللسان وإصلاحه والتزام الفصاحة وحسن البيان أن نَحذَر طرفه وهو التقعر والتنطع والسعي وراء غريب الكلام ووحشي العبارة، فهو وإن ظهر للجاهل أنه من علو الكعب والتبحر في البيان؛ ولكنه على الحقيقة في الضد من ذلك، فهو من العيِّ والفهاهة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «هلك المتنطعون»(233) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة»(234) وعلق عليه ابن الأثير رحمه الله فقال: «هو الذي يتشدق في الكلام ويفخم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفًّا»(235) وقال الغزالي رحمه الله: «ويدخل فيه كل سجع متكلَّف وكذلك التفاصح الخارج عن حد العادة»(236) «ولو كان لزوم السجع في القول، والإعراب في اللفظ هما البلاغة لكان الله عز وجل أولى باستعمالها في كلامه الذي هو أفضل الكلام، ولكان النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة المهديون، والسلف المتقدمون قد استعملوها، ولزموا سبيلها، وسلكوا طريقها، فأما ولسنا واجدين مما في أيدينا من كلامهم استعمال السجع والغريب إلا في المواضع اليسيرة، فهم أولى بأن يقتدى بهم، ويحتذى بمناهجهم ممن قد نبت في هذا الوقت من هؤلاء الذين ليس معهم من البلاغة إلا ادعاؤها، ولا من الخطابة إلا
