مكتبة المبرّةالباحث الذكي
أدب الحوار والاختلافالقراءة المتصلة
صفحة 8
حجم النص28
صفحة 1 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 2 · ورقة PDF 2رابط الصفحة المنفردة

نوع المطبوع: كتاب — الطبعة: الأولى — عدد الصفحات: 192

السلسلة: تراث الآل والأصحاب (15)

الناشر: مبرة الآل والأصحاب

ص. ب. 12421 الشامية — الرمز البريدي 71655 — ت: 2560203

ردمك: 978 99966 64 60 1 ISBN

حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب

إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية

الطبعة الأولى

1442 ه 2021م

هاتف: 22560203 22552340 فاكس: 22560346

ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت

E mail: almabarrh@gmail.com

www. almabarrah.net

بسم الله الرحمن الرحيم

صفحة 3 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 4 · ورقة PDF 4رابط الصفحة المنفردة

سلسلة تراث الآل والأصحاب ( 15 )

آداب الحوار والاختلاف

فِي تُرَاثِ الآلِ وَالأصْحَاب

تأليف

بَدْر بَاقِر

الباحث بمركز البحوث والدراسات بالمبرة

عنوان الكتاب: آداب الحوار والاختلاف في تراث الآل والأصحاب.

اسم المؤلف: بدر محمد باقر.

صفحة مطبوعة 5 · ورقة PDF 5رابط الصفحة المنفردة

الفهرس

فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
تمهيد9
موقف الناس من الحوار والمناظرة12
الرأي النابذ للمناظرة وحجج أهله15
الرأي المشيد بالمناظرة وفوائدها24
دواعي الاختلاف33
بغيًا بينهم36
تعريف الحوار42
لفظ حوار ومشتقاته في القرآن الكريم42
تعريف الجدل43
لفظ الجدل ومشتقاته في القرآن الكريم44
تعريف المناظرة47
تعريف المراء48
لفظ المراء ومشتقاته في القرآن الكريم48
تعريف المحاجة49
لفظ المحاجة ومشتقاته في القرآن الكريم50
تعريف الاختلاف51
الفرق بين الخلاف والاختلاف52
أنواع الاختلاف54
الخلاف
صفحة مطبوعة 6 · ورقة PDF 6رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الحقيقي (المعنوي)54
الخلاف اللفظي54
خلاف التنوع54
خلاف التضاد55
الخلاف القوي55
الخلاف الضعيف55
الخلاف السائغ55
الخلاف غير السائغ58
آداب الحوار59
الآداب الذاتية59
إخلاص النية62
التجرد في إرادة الحق64
العلم70
العدل والإنصاف73
الحلم والصبر78
الرحمة والشفقة84
العزة والثبات على الحق87
حسن الإنصات والاستماع للمحاور92
الهدوء واعتدال النفس والمزاج96
التواضع ونبذ الاستعلاء98
التلطُّف وحسن الخطاب105
نبذ التصورات
صفحة مطبوعة 7 · ورقة PDF 7رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
المسبقة ومحاكمة الخصم إلى كلامه110
الرجوع إلى الحق والتسليم بالخطأ112
الآداب المنهجية116
الابتعاد عن الشخصنة والتركيز على الفكرة116
تحرير محل الخلاف120
تحرير مصطلحات الحوار125
ضرب الأمثلة وتقريب الصورة128
التعريض وعدم استفزاز الخصم131
إصلاح المنطق وتجنب اللحن134
البعد عن التقعر والتنطع137
مراعاة مقتضى الحال في طول الخطاب ولهجته140
عدم رفع الصوت بلا حاجة146
إنزال الناس منازلهم148
فهم منطلقات المخالف150
توخي الدقة في العبارة153
الابتعاد عن التشنيع وإظهار الظفر155
احترام المخالف158
الصدق ولو على نفسك160
حسن التثبت162
التذكير بالله والوعظ167
توقي الفضول171
الخاتمة176
المراجع178

بسم الله الرحمن الرحيم

صفحة مطبوعة 8 · ورقة PDF 8رابط الصفحة المنفردة

تمهيد

صفحة مطبوعة 9 · ورقة PDF 9رابط الصفحة المنفردة

«الحمد لله الذي أحسن خلق الإنسان وعدَّله، وألهمه نور الإيمان فزيَّنه به وجمَّله، وعلَّمه البيان فقدَّمه به وفضَّله، وأفاض على قلبه خزائن العلوم فأكمله، ثم أرسل عليه سترًا من رحمته وأسبله، ثم أمدَّه بلسان يترجم به عما حواه القلب وعَقِله، ويكشف عنه ستره الذي أرسله، وأطلق بالحق مقوله وأفصح بالشكر عما أولاه وخوَّله، من علم حصَّله ونطق سهَّله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله الذي أكرمه وبجَّله، ونبيه الذي أرسله بكتابٍ أنزله، وأسمى فضله وبيَّن سبله، صلى الله عليه وسلم ومن قبله ما كبر الله عبد وهلَّله»(1) .

أما بعد

ف«النطق أشرف ما خص به الإنسان، فإنه صورته المعقولة التي بها باين سائر الحيوان، ولهذا قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٣ عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَان﴾ [الرحمن: 3 4]، ولم يقل: وعلمه البيان، إذ جعل قوله: عَلَّمَهُ تفسيرًا لقوله: خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ تنبيهًا أن خلقه تعالى إيَّاه هو تخصيصه بالبيان الذي لو تُوُهِّم مرتفعًا عنه لكانت الإنسانية مرتفعة، ولذلك قيل: ما الإنسان لولا

صفحة مطبوعة 10 · ورقة PDF 10رابط الصفحة المنفردة

اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة، وقيل: المرء مخبوء تحت لسانه، وقال الشاعر:

لسان الفتى نصف ونصف فؤادهفلم يبق إلا صورة اللحم والدم

أي: إذا توهم ارتفاع النطق الذي هو اللسان والقوة الناطقة التي هي بالفؤاد؛ لم يبق إلا صورة اللحم والدم، فإذا كان الإنسان هو الإنسان بذلك فلا شك أن من كان أكثر منه حظًّا كان أكثر منه إنسانية»(2) .

«ونبه تعالى بنكتة لطيفة على أن الإنسان لا يكون إنسانًا إلَّا بالدين، ولا ذا بيان إلا بقدرته على الإتيان بالحقائق الدينية؛ فقال تعالى: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ١ عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ٢ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ٣ عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَان﴾.

فابتدأ بتعليم القرآن ثم بخلق الإنسان ثم بتعليم البيان، ولم يدخل الواو فيما بينهما وكان الوجه على متعارف الناس أن يقول: خلق الإنسان وعلمه البيان وعلمه القرآن، فإن إيجاد الإنسان بحسب نظرنا مقدم على تعليم البيان، وتعليم البيان مقدم على تعليم القرآن، لكن لما لم يُعَد الإنسان إنسانًا ما لم يتخصص بالقرآن ابتدأ بالقرآن، ثم قال: خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ﴾ تنبيهًا على أن بتعليم القرآن جعله إنساناً على الحقيقة، ثم قال: ﴿عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَان تنبيهاً على أن البيان الحقيقي المختص بالإنسان يحصل بعد معرفة القرآن، فنبه بهذا الترتيب المخصوص، وترك حرف العطف منه، وجعل كل جملة بدلاً مما قبلها لا عطفاً؛ على أن الإنسان ما لم يكن عارفًا برسوم العبادة ومتخصصًا بها لا يكون إنسانًا، وأن كلامه ما لم يكن

صفحة مطبوعة 11 · ورقة PDF 11رابط الصفحة المنفردة

على مقتضى الشرع لا يكون بيانًا»(3)

فإذا عرفنا ما سبق واستيقنت منه النفوس؛ كان العلم بأن خالق هذه النفس والذي قد جعل البيان ركن إنسانيتها، وعنوان تميزها، والفصل ما بينها وبين سائر الحيوانات لن يتركها هملًا بغير تهذيب لشعث تلك الخاصة، ولا تشذيب لتشرذمها، فإن الركن الذي به الامتياز ينبغي أن يسوَّر ليفصل بين المتمايزين، وإلا حصل الاختلاط وعسر التفريق.

فكان سور تلك الخاصة: آدابها، إذ بقدر التخلق بها يكون التباين عن مقام الحيوانية والسمو إلى رتبة الإنسانية، والتفريط بها يجر السامي إلى حضيضٍ رفعه بارئه عنه وأكرمه.

فوجب على كل عاقل الفحص عن تلك الآداب، وتمحيصها في مادة الوحي وعباراته، فيعلم من خلالها ما ينبغي عليه التزامه، وما هو حريٌّ بالتنزه عنه، وقد منَّ الله تعالى علينا بأن جعلنا من أمة محمد صلوات ربي وسلامه عليه، ورسولنا خير تمثُّلات ذلك الوحي، فهو الإنسان الكامل، المتفرد من بين عباد الله بالمقام المحمود، وبالمنزلة الرفيعة، وبرتبة الوسيلة التي لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وإنَّا لنرجو أنه من ينالها، بفضل من الله تعالى وكرم.

وخير تمثُّلات الوحي بعد نبينا هم الذين عاينوا الوحي وشهدوا التنزيل، وفهموا عن نبيهم مراد خالقهم، وخيرهم بعدهم

صفحة مطبوعة 12 · ورقة PDF 12رابط الصفحة المنفردة

من خالطهم وعاملهم وأخذ منهم وفهم عنهم، فكانت تلك القرون هي المعيار، وتلك الأجيال هي أسوة ما يجيء بعدها من أجيال، فبقدر القرب من هديهم يكون الهدى، وبقدر البعد يكون الزيغ، ومن ثم فقد نشطتُ في هذه الوريقات لجمع آداب الحوار واستشفافها عبر الآثار المنقولة عنهم.

وما تقديمنا لفضل البيان في رسالة معنونة بالحوار إلا أن الحوار فرع البيان، فهو بيان مخصوص، يفارق عموم البيان بكونه متبادلًا بين طرفين متنازعين، يجتهد كل طرف منهما في بيان حجته ودليله ليسوق سامعه إليه وينقله إلى القول به، أو يقربه من ذلك، أو حتى يقطعه عن المحاجة ويخصمه.

موقف الناس من الحوار والمناظرة:

ولكون الحوار ميدانًا للتنازع مع ما يقترن به النزاع من مفاسد. ومع ما تدعو إليه النفس عند الخصومة من إرادة غلبة الخصم وقهره والسعي للعلو عليه والظهور؛ فلتلك المفاسد المقارِنة كان الجدل والحوار والمناظرة محورًا لتغاير وجهات النظر حوله، فمن غلَّب المفاسد مطلقًا ذهب إلى منعه وذم المشتغلين به، ومن لحظ النفع فيه وأنه من لوازم الحياة وليس يستغني الإنسان عنه؛ فإنه دعا إليه ومدح أهله.

وقبل التعرض إلى أقوال المنع أو الإباحة، فإنَّا ينبغي أن نبين أن مؤدى الأقوال تقريبًا واحد وهو القول بالحوار المشروط، وإنما يكون التشدد في الشروط هو الفارق، ونحن إذا قلنا بوحدة المؤدى فإننا لا نعني

صفحة مطبوعة 13 · ورقة PDF 13رابط الصفحة المنفردة

عدم تلفظ أحدهم بمنعها على كل حال؛ وإنما عماد الأمر النظر إلى أفعال المتحدث؛ فلم نجد أحدًا ممن نقل عنه التنفير من الجدل والمناظرة إلا وقد نُقل عنه تلبسه بشيء من ذلك، وما تكاد تجد أحدًا أثنى على المناظرة وعدَّد فوائدها؛ إلا وقد أعرض عن بعض محاوريه وأحجم عن محاججتهم.

وإنما يعرض الخلل إذا وسَّع الناظر دائرة القول فجعله مذهبًا مطردًا معمولًا به لا تسع مخالفته، ثم شرع بالتصنيف مستندًا إلى تلك الأقوال فطردها وعنون: (مذهب المانعين) أو (مذهب المجيزين)، ثم استعمل تلك النصوص في عيب مخالفه؛ وتلك معضلة متكررة في الدراسات الحديثة وهي معللة بالجمود على الألفاظ وتعميمها دون مراعاة الخصوصية ولا سبر سير القائلين، وبحث هذا المسلك على أي حال خارج عن موضوع الكتاب.

والخلاصة التي نود أن نشير إليها في هذا الشأن؛ أنه لم يرد مدح للجدل أو ذم بإطلاق، وإنما يتعلق المدح والذم بأحوال مخصوصة تعرض للمتلبس به؛ يحمد لأجلها أو يذم، قال تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: «وأما جنس النظر والمناظرة، فهذا لم ينه السلف عنه مطلقاً، بل هذا إذا كان حقًا  يكون مأمورًا به تارة ومنهيًا عنه أخرى، كغيره من أنواع الكلام الصدق، فقد ينهى عن الكلام الذي لا يفهمه المستمع، أو الذي يضر المستمع، وعن المناظرات التي تورث شبهات وأهواء، فلا تفيد علماً ولا ديناً.

ومن هذا الباب أنه خرج صلى الله عليه وسلم على طائفة من أصحابه وهم يتناظرون في القدر، فقال: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ وأن تضربوا كتاب

صفحة مطبوعة 14 · ورقة PDF 14رابط الصفحة المنفردة

الله بعضه ببعض، وإنما نزل القرآن ليصدق بعضه بعضاً، لا ليكذب بعضه بعضاً.

فإذا كانت المناظرة تتضمن أن كل واحد من المتناظرين يُكذِّب ببعض الحق نهي عنه لذلك»(4) ، وقال: «والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها، أو من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال.

وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة تارة أخرى.

وفي الجملة جنس المناظرة والمجادلة فيها: محمود ومذموم، ومفسدة ومصلحة، وحق وباطل.

ومنشأ الباطل من نقص العلم، أو سوء القصد، كما قال تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ﴾ [النجم: 23].

ومنشأ الحق من معرفة الحق والمحبة له، والله هو الحق المبين، ومحبته أصل كل عبادة، فلهذا كان أفضل الأمور على الإطلاق معرفة الله ومحبته، وهذا هو ملة إبراهيم خليل الله تعالى، الذي جعله للناس إماماً، وجعله أمة يأتم به الخلق، وهو الذي ناظر المعطلين والمشركين»(5) .

وقد تناقل الناس عبارات قيلت في سياق التنفير من المناظرة والحوار، أقتبس شيئًا مشتهرًا منها، ثم أمثِّل ببعض المتحفظين عن فتح

صفحة مطبوعة 15 · ورقة PDF 15رابط الصفحة المنفردة

باب الحوار، وكذا ببعض من تحمَّس له وعدَّد فوائده وأسوق لك حججهم لتتأملها، وهي كلها وإن ظهر بادي النظر تناقضها منسجمة مع ما ذكرنا أنها متعلقة بأحوال وظواهر تفرزها تلك المخاصمات، ومن جنس هذا ما يروى عن جعفر الصادق أنه سأله أحد أصحابه فقال: «بلغني أنك كرهت منا مناظرة الناس وكرهت الخصومة؟ فقال: أما كلام مثلك للناس فلا نكرهه، مَن إذا طار أحسن أن يقع وإن وقع يحسن أن يطير، فمن كان هكذا فلا نكره كلامه»(6) فالصادق بحسب الرواية إنما كره كلام عديم الإجادة والمعرفة لمواضع القول؛ أما من عرف فلم يكرهه له.

وهكذا أفرزت النظرات إلى جوانب مختلفة أقوالًا تتضاد فيما بينها، فمن لاحظ المفاسد شدَّد، ومن لاحظ الفوائد وسَّع، وإلا فليس المانع يعارض الصورة التي يشيد بها المبيح، وليس المبيح يجوِّز الصورة التي يتشدد في التنفير منها المانع، وإن كان ذلك لا يعني رفع الخلاف بينهم بالكلية، ولكنه يقلصه إلى حده الأدنى.

الرأي النابذ للمناظرة وحجج أهله:

ومما جاء من نصوص على لسان العلماء في نبذ المناظرة والتنفير عنها قول مالك رحمه الله: «وليس هذا الجدل من الدين بشيء»(7) وقوله: «وكان يقال لا تُمكن زائغ القلب من أذنيك فإنك ما تدري ما يعلَقُك(8) من ذلك،

صفحة مطبوعة 16 · ورقة PDF 16رابط الصفحة المنفردة

ولقد سمع رجل من الأنصار من أهل المدينة شيئًا من بعض أهل القدر، فعلق قلبه، فكان يأتي إخوانه الذين يستنصحهم، فإذا نهوه قال: فكيف بما علق قلبي ولو علمتُ أن الله رضي أن ألقي بنفسي من فوق هذه المنارة فعلت»(9) وقال معن بن عيسى: «انصرف مالك بن أنس يوما من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له: أبو الجويرية، كان يتهم بالإرجاء، فقال: يا أبا عبد الله اسمع مني شيئًا أكلمك به وأحاجك وأخبرك برأيي. قال: فإن غلبتني؟ قال: إن غلبتك اتبعتني قال: فإن جاء رجل آخر، فكلمنا فغلبنا؟ قال: نتبعه، قال مالك رحمه الله: يا عبد الله، بعث الله عز وجل محمدًا صلى الله عليه وسلم بدين واحد، وأراك تنتقل من دين إلى دين»(10)

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل والدين حدوده بينة ليس بأمر توقف فيه النظر»(11) .

وعن مسلم بن يسار أنه كان يقول: «إياكم والمراء فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته»(12) .

وجاء رجل إلى الحسن فقال: «يا أبا سعيد، تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت

صفحة مطبوعة 17 · ورقة PDF 17رابط الصفحة المنفردة

دينك فالتمسه»(13)

وعن سلام بن أبي مطيع: «أن رجلًا من أصحاب الأهواء قال لأيوب السختياني: يا أبا بكر أسألك عن كلمة؟ قال: فولَّى أيوب، وجعل يشير بإصبعه: ولا نصف كلمة ولا نصف كلمة»(14) .

وكان عبد الكريم الجزري يقول: «ما خاصم ورِع قط في الدين»(15) .

وكمثال لمن احتج للتحفظ والتشدد في اجتناب المناظرة؛ أسوق لك كلام الآجري رحمه الله، وقد حرص فيه على سد كل باب يمكن أن يولج إلى فتح باب الجدل فاستعرض أقوال المعترضين، وبيَّن رأيه في تقاصرها عن التحفيز إلى المشاركة في المناظرة والجدال، فقال رحمه الله: «من كان له علم وعقل، فميَّز جميع ما تقدم ذكري له من أول الكتاب إلى هذا الموضع علم أنه محتاج إلى العمل به، فإن أراد الله به خيرًا لزم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين في كل عصر، وتعلَّم العلم لنفسه، لينتفي عنه الجهل، وكان مراده أن يتعلمه لله تعالى ولم يكن مراده أن يتعلمه للمراء والجدال والخصومات، ولا للدنيا، ومن كان هذا مراده سلم إن شاء الله تعالى من الأهواء والبدع والضلالة، واتبع ما كان عليه من تقدم من أئمة المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم، وسأل الله تعالى أن يوفقه لذلك، فإن قال قائل: فإن كان رجل قد علَّمه الله تعالى علمًا، فجاءه رجل يسأله عن مسألة في الدين، ينازعه فيها ويخاصمه، ترى له أن يناظره حتى تثبت عليه الحجة،

صفحة مطبوعة 18 · ورقة PDF 18رابط الصفحة المنفردة

ويرد عليه قوله؟ قيل له: هذا الذي نهينا عنه، وهو الذي حذَّرَناه من تقدم من أئمة المسلمين، فإن قال قائل: فماذا نصنع؟ قيل له: إن كان الذي يسألك مسألته مسألة مسترشد إلى طريق الحق لا مناظرة، فأرشده بألطف ما يكون من البيان بالعلم من الكتاب والسنة، وقول الصحابة، وقول أئمة المسلمين رضي الله عنهم، وإن كان يريد مناظرتك، ومجادلتك، فهذا الذي كره لك العلماء، فلا تناظره، واحذره على دينك.

فإن قال قائل: فإن اضطرني في الأمر وقتًا من الأوقات إلى مناظرتهم، وإثبات الحجة عليهم، ألا أناظرهم؟ قيل له: الاضطرار إنما يكون مع إمام له مذهب سوء، فيمتحن الناس ويدعوهم إلى مذهبه، كفعل من مضى في وقت أحمد بن حنبل: ثلاثة خلفاء امتحنوا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم السوء، فلم يجد العلماء بدًّا من الذب عن الدين، وأرادوا بذلك معرفة العامة الحق من الباطل، فناظروهم ضرورة لا اختيارًا، فأثبت الله تعالى الحق مع أحمد بن حنبل ومن كان على طريقته وأذل الله تعالى المعتزلة وفضحهم، وعرفت العامة أن الحق ما كان عليه أحمد ومن تابعه إلى يوم القيامة، أرجو أن يعيذ الله الكريم أهل العلم من أهل السنة والجماعة من محنة تكون أبدًا.

فإن قال قائل: هذا الذي ذكرتَه وبيَّنتَه قد عرفناه، فإذا لم تكن مناظرتنا في شيء من الأهواء التي ينكرها أهل الحق، ونهينا عن الجدال والمراء والخصومة فيها، فإن كانت مسألة من الفقه في الأحكام، مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والنكاح والطلاق، وما أشبه ذلك

صفحة مطبوعة 19 · ورقة PDF 19رابط الصفحة المنفردة

من الأحكام، هل لنا مباح أن نناظر فيه ونجادل، أم هو محظور علينا، عرِّفنا ما يلزم فيه كيف السلامة؟ قيل له: هذا الذي ذكرته ما أقل من يسلم من المناظرة فيه حتى لا يلحقه فيه فتنة ولا مأثم، ولا يظفر فيه الشيطان. فإن قال: كيف؟ قيل له: هذا، قد كثر في الناس جدًّا في أهل العلم والفقه في كل بلد يناظر الرجل الرجل يريد مغالبته، ويعلو صوته، والاستظهار عليه بالاحتجاج، فيحمر لذلك وجهه، وتنتفخ أوداجه، ويعلو صوته، وكل واحد منهما يحب أن يخطئ صاحبه، وهذا المراد من كل واحد منهما خطأ عظيم، لا يحمد عواقبه ولا يحمده العلماء من العقلاء؛ لأن مرادك أن يخطئ مناظرك: خطأ منك، ومعصية عظيمة، ومراده أن تخطئ خطأ منه ومعصية، فمتى يسلم الجميع؟!

فإن قال قائل: فإنما نناظر لتخرج لنا الفائدة!.

قيل له: هذا كلام ظاهر، وفي الباطن غيره، وقيل له: إذا أردت وجه السلامة في المناظرة لطلب الفائدة، كما ذكرت، فإذا كنت أنت حجازيًّا، والذي يناظرك عراقيًّا، وبينكما مسألة، تقول أنت: حلال، ويقول هو: بل حرام، فإن كنتما تريدان السلامة، وطلب الفائدة، فقل له: رحمك الله هذه المسألة قد اختلف فيها من تقدم من الشيوخ، فتعال حتى نتناظر فيها منا صحة لا مغالبة، فإن يكن الحق فيها معك، اتبعتك، وتركت قولي، وإن يكن الحق معي، اتبعتني وتركت قولك، لا أريد أن تخطئ ولا أغالبك، ولا تريد أن أخطئ، ولا تغالبني، فإن جرى الأمر على هذا فهو حسن جميل، وما أعز هذا في الناس، فإذا قال كل واحد منهما: لا نطيق هذا، وصدقا عن أنفسهما، قيل لكل واحد منهما: قد عرفت قولك وقول

صفحة مطبوعة 20 · ورقة PDF 20رابط الصفحة المنفردة

صاحبك وأصحابك واحتجاجهم، وأنت فلا ترجع عن قولك، وترى أن خصمك على الخطأ، وقال خصمك كذلك، فما بكما إلى المجادلة والمراء والخصومة حاجة إذا كان كل واحد منكما ليس يريد الرجوع عن مذهبه، وإنما مراد كل واحد منكما أن يخطئ صاحبه، فأنتما آثمان بهذا المراد، أعاذ الله العلماء العقلاء عن مثل هذا المراد، فإذا لم تجر المناظرة على المناصحة، فالسكوت أسلم، قد عرفت ما عندك وما عنده، وعرف ما عنده وما عندك، والسلام.

ثم لا نأمن أن يقول لك في مناظرته: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقول له: هذا حديث ضعيف، أو تقول: لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم، كل ذلك لترد قوله، وهذا عظيم، وكذلك يقول لك أيضا، فكل واحد منكما يرد حجة صاحبه بالمخارقة والمغالبة، وهذا موجود في كثير ممن رأينا يناظر ويجادل، حتى ربما خرق بعضهم على بعض. هذا الذي خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، وكرهه العلماء ممن تقدم، والله أعلم»(16) .

ويظهر لك مما سبق وجاهة رأي الآجري رحمه الله، إذ قد لحظ جانب العيوب والتي لا تكاد تتنزه عنها المناظرات فشدد في التحرز طلبًا للسلامة.

وقريب منه ما جاء على لسان الغزالي رحمه الله: «ثم إنهم رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بعث إلى كافة أهل الملل فلم يقعد معهم في مجلس مجادلة لإلزام وإفحام وتحقيق حجة ودفع سؤال وإيراد إلزام، فما جادلهم إلا بتلاوة القرآن المنزل عليهم، ولم يزد في المجادلة عليه؛ لأن ذلك يشوش

صفحة مطبوعة 21 · ورقة PDF 21رابط الصفحة المنفردة

القلوب ويستخرج منها الإشكالات والشبه، ثم لا يقدر على محوها من قلوبهم، وما كان يعجز عن مجادلتهم بالتقسيمات ودقائق الأقيسة وأن يُعلم أصحابه كيفية الجدل والإلزام، ولكن الأكياس وأهل الحزم لم يغتروا بهذا، وقالوا: لو نجا أهل الأرض وهلكنا لم تنفعنا نجاتهم ولو نجونا وهلكوا لم يضرنا هلاكهم، وليس علينا في المجادلة أكثر مما كان على الصحابة مع اليهود والنصارى وأهل الملل، وما ضيعوا العمر بتحرير مجادلاتهم، فما لنا نضيع العمر ولا نصرفه إلى ما ينفعنا في يوم فقرنا وفاقتنا؟ ولمَ نخوض فيما لا نأمن على أنفسنا الخطأ في تفاصيله؟ ثم نرى أن المبتدع ليس يترك بدعته بجداله بل يزيده التعصب والخصومة تشددًا في بدعته؛ فاشتغالي بمخاصمة نفسي ومجادلتها ومجاهدتها لتترك الدنيا للآخرة أولى، هذا لو كنت لم أنه عن الجدل والخصومة فكيف وقد نهيت عنه؟ وكيف أدعو إلى السنة بترك السنة؟ فالأولى أتفقد نفسي وأنظر من صفاتها ما يبغضه الله تعالى وما يحبه لأتنزه عما يبغضه وأتمسك بما يحبه»(17)

«فإن قلت: فإذا كان للإنسان حق فلا بد له من الخصومة في طلبه أو في حفظه مهما ظلمه ظالم فكيف يكون حكمه؟ وكيف تذم خصومته؟!

فاعلم أن هذا الذم يتناول الذي يخاصم بالباطل والذي يخاصم بغير علم مثل وكيل القاضي فإنه قبل أن يتعرف أن الحق في أي جانب هو يتوكل في الخصومة من أي جانب كان فيخاصم بغير علم، ويتناول الذي

صفحة مطبوعة 22 · ورقة PDF 22رابط الصفحة المنفردة

يطلب حقه ولكنه لا يقتصر على قدر الحاجة بل يظهر اللدد في الخصومة على قصد التسلط أو على قصد الإيذاء، ويتناول الذي يمزج بالخصومة كلمات مؤذية ليس يحتاج إليها في نصرة الحجة وإظهار الحق، ويتناول الذي يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره مع أنه قد يستحقر ذلك القدر من المال، وفي الناس من يصرح به ويقول: إنما قصدي عناده وكسر عرضه، وإني إن أخذت منه هذا المال ربما رميت به في بئر ولا أبالي؛ وهذا مقصوده اللدد والخصومة واللجاج وهو مذموم جدًّا، فأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على قدر الحاجة، ومن غير قصد عناد وإيذاء؛ ففعله ليس بحرام، ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلًا، فإن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر، والخصومة توغر الصدر وتهيج الغضب، وإذا هاج الغضب نُسي المتنازَع فيه وبقي الحقد بين المتخاصمين حتى يفرح كل واحد بمساءة صاحبه ويحزن بمسرته، ويطلق اللسان في عرضه، فمن بدأ بالخصومة فقد تعرض لهذه المحذورات، وأقل ما فيه تشويش خاطره حتى إنه في صلاته يشتغل بمحاجة خصمه فلا يبقى الأمر على حد الواجب، فالخصومة مبدأ كل شر وكذا المراء والجدال، فينبغي أن لا يفتح بابه إلا لضرورة، وعند الضرورة ينبغي أن يحفظ اللسان والقلب عن تبعات الخصومة وذلك متعذر جدًّا، فمن اقتصر على الواجب في خصومته سلم من الإثم، ولا تذم خصومته إلا أنه إن كان مستغنيًا عن الخصومة فيما خاصم فيه لأن عنده ما يكفيه فيكون تاركًا للأولى ولا يكون آثمًا، نعم؛ أقل ما يفوته في الخصومة

صفحة مطبوعة 23 · ورقة PDF 23رابط الصفحة المنفردة

والمراء والجدال طيب الكلام وما ورد فيه من الثواب، إذ أقل درجات طيب الكلام إظهار الموافقة، ولا خشونة في الكلام أعظم من الطعن والاعتراض الذي حاصله إما تجهيل وإما تكذيب، فإن من جادل غيره أو ماراه أو خاصمه فقد جهَّله أو كذَّبه فيفوت به طيب الكلام»(18)

وفي تعداده للمفاسد المترتبة على المناظرة والمخاصمة قال رحمه الله: «ومنها التجسس وتتبع عورات الناس، وقد قال تعالى: ﴿وَ لَا تَجَسَّسُواْ﴾ [الحجرات: 12]، والمناظر لا ينفك عن طلب عثرات أقرانه وتتبع عورات خصومه، حتى إنه ليخبر بورود مناظر إلى بلده فيطلب من يخبر بواطن أحواله ويستخرج بالسؤال مقابحه حتى يعدها ذخيرة لنفسه في إفضاحه وتخجيله إذا مست إليه حاجة، حتى إنه ليستكشف عن أحوال صباه وعن عيوب بدنه فعساه يعثر على هفوة أو على عيب به من قرع أو غيره، ثم إذا أحس بأدنى غلبة من جهته عرَّض به إن كان متماسكًا، ويستحسن ذلك منه، ويعد من لطائف التسبب، ولا يمتنع عن الإفصاح به إن كان متبجحًا بالسفاهة والاستهزاء كما حكي عن قوم من أكابر المناظرين المعدودين من فحولهم.

ومنها الفرح لمساءة الناس والغم لمَسارِّهم ومن لا يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، فهو بعيد من أخلاق المؤمنين، فكل من طلب المباهاة بإظهار الفضل يسره لا محالة ما يسوء أقرانه وأشكاله الذين يسامونه في الفضل، ويكون التباغض بينهم كما بين الضرائر، فكما أن

صفحة مطبوعة 24 · ورقة PDF 24رابط الصفحة المنفردة

إحدى الضرائر إذا رأت صاحبتها من بعيد ارتعدت فرائصها واصفر لونها، فكذا ترى المناظر إذا رأى مناظرًا تغير لونه واضطرب عليه فكره، فكأنه يشاهد شيطانًا ماردًا أو سبعًا ضاريًا، فأين الاستئناس والاسترواح الذي كان يجري بين علماء الدين عند اللقاء وما نقل عنهم من المؤاخاة والتناصر والتساهم في السراء؟!»(19)

الرأي المشيد بالمناظرة وفوائدها :

وفي المقابل أسوق لك توسعة الخطيب البغدادي رحمه الله على المناظرين واستعراضه ذات المسألة ولكن مع ملاحظة الفوائد المترتبة عليها، فقال رحمه الله:

«فنظرنا في كتاب الله تعالى وإذا فيه ما يدل على الجدال والحجاج، فمن ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: 125]، فأمر الله رسوله في هذه الآية بالجدال، وعلمه فيها جميع آدابه من الرفق والبيان والتزام الحق والرجوع إلى ما أوجبته الحجة.

وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]، وقال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ﴾ [البقرة: 258] الآية، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ [النحل: 123]، وكتاب الله تعالى لا يتعارض ولا يختلف، فتضمن الكتاب: ذم الجدال، والأمر به، فعلمنا علمًا يقينًا أن الذي ذمَّه غير الذي أمر به، وأن من الجدال

صفحة مطبوعة 25 · ورقة PDF 25رابط الصفحة المنفردة

ما هو محمود مأمور به، ومنه مذموم منهي عنه، فطلبنا البيان لكل واحد من الأمرين فوجدناه تعالى قد قال: ﴿وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَق﴾ [غافر: 5]، وقال: ﴿ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ﴾ [غافر: 35]، فبين الله في هاتين الآيتين الجدال المذموم، وأعلمنا أنه: الجدال بغير حجة، والجدال في الباطل فالجدال المذموم وجهان: أحدهما: الجدال بغير علم، الثاني: الجدال بالشغب والتمويه نصرة للباطل بعد ظهور الحق وبيانه، قال الله تعالى: ﴿وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: 5].

وأما جدال المحقين، فمن النصيحة في الدين، ألا ترى إلى قوم نوح عليه السلام حيث قالوا: ﴿يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا﴾ [هود: 32] وجوابه لهم: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ﴾ [هود: 34]، وعلى هذا جرت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»؛ فأوجب المناظرة للمشركين، كما أوجب النفقة والجهاد في سبيل الله، وعلَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع السؤال موضعه، وكيفية المحاجة في الحديث الذي ذكر فيه محاجة آدم موسى عليهما السلام: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: يا موسى اصطفاك الله برسالته، وكتب لك التوراة بيده، لمَ تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟!» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فحج آدم موسى» يعني أن آدم هو حج موسى، قلت: وضع موسى الملامة في غير موضعها فصار محجوجًا، وذلك أنه لام آدم على أمر لم يفعله، وهو خروج الناس من الجنة، وإنما هو فعل الله تعالى،

صفحة مطبوعة 26 · ورقة PDF 26رابط الصفحة المنفردة

ولو أن موسى لام آدم على خطيئته الموجبة لذلك لكان واضعًا للملامة موضعها، ولكان آدم محجوجًا وليس أحد ملومًا إلا على ما يفعله، لا على ما تولَّد من فعله مما فعله غيره، والكافر إنما يلام على فعل الكفر لا على دخول النار، والقاتل إنما يلام على فعله لا على موت مقتوله، ولا على أخذ القصاص منه فعلَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كيف نسأل عند المحاجة، وبيَّن لنا أن المحاجة جائزة، وأن من أخطأ موضع السؤال كان محجوجًا، وظهر بذلك قول الله تعالى: ﴿كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 151] وليس هذا الحديث الذي ذكرناه من باب إثبات القدر في شيء، وإنما هو وارد فيما وصفناه من محاجة آدم وموسى، وإثبات القدر إنما صح في آيات وأحاديث أخر.

وقد تحاج المهاجرون والأنصار، وحاج عبد الله بن عباس الخوارج بأمر علي بن أبي طالب، وما أنكر أحد من الصحابة قط الجدال في طلب الحق، وأما التابعون ومن بعدهم فتوسعوا في ذلك، فثبت أن الجدال المحمود هو طلب الحق ونصره، وإظهار الباطل وبيان فساده، وأن الخصام بالباطل هو اللدد، الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم».

وجميع ما حكينا أنه تعلق به من أنكر المجادلة، محمول على أنه أريد به الجدال المذموم الذي وصفناه، على أن مالك بن أنس قد بيَّنه، وأنه الجدل الذي يقصد به رد ما جاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك قول الخليل: «ما كان جدل قط إلا أتى بعده جدل يبطله»، أراد به الجدال

صفحة مطبوعة 27 · ورقة PDF 27رابط الصفحة المنفردة

الذي ينصر به الباطل، لأن ما تقدم وكان حقًّا لا يأتي بعده شيء يبطله.

ويقال لمن أنكر ما ذكرناه: خبِّرنا عن نفيك المحاجة، ودعائك إلى ترك المناظرة: أقلت ذلك بدليل وبرهان، أم بغير حجة ولا بيان؟ فإن قال: قلته بحجة، فقد التزم ما نفى، وكفى به حاكمًا على نفسه لخصمه، وإن قال: قلته بغير برهان ولا حجة، كفى الخصم مؤنته بتحكيمه الهوى على نفسه، وكان له عليه إثبات ما نفى من المناظرة بمثل دعواه من غير حجة ولا برهان: ﴿وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ﴾ [القصص: 50]، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ﴾ [المؤمنون: 71] وكفى بقول يقود إلى هذا قبحا»(20) .

ثم قال: «قال بعض المتأخرين في ابتداء علم النظر: «وما زال هذا العلم إذا وقف الإنسان منه على بعضه انفتح له ما وراء ذلك كالإنسان الذي يرى قصرًا على بعد، فيأتيه، فيرى من قربه ما لم يكن يرى من بعده، وكذلك إن تهيأ له الدخول إليه، وكالإنسان الذي يكون على الأرض المستوية، لا يرى شيئا إلا ما قاربه، وما هو حذاءه، غير بعيد منه، خاصة إذا كان بين يديه نشز من الأرض أو جبل، فإذا علا على ذلك كان كلما ارتفع وارتقى أشرف على ما لم يكن مشرفًا عليه طولًا وعرضًا، فإذا تكلف الصعود إلى أعلى رأس الجبل، انكشفت له الأرض والمواضع التي لم يكن يراها قبل ذلك، ولم يكن يقدر على رؤيتها إلا بهذا التعب والتكلف الذي صار إليه، فيبدو له في كل خطوة من الأشياء ما لم يكن يبدو له قبل

صفحة مطبوعة 28 · ورقة PDF 28رابط الصفحة المنفردة

ذلك، فكلما زاد ارتقاء، ازداد معرفة بما لم يكن قبل ذلك رآه، وكذلك العلم، كلما تعلم المرء منه أصلًا انكشف له ما فيه وشاكله وما في بابه وطريقه، واستدل به على ما سواه، إذا كان فهمًا ووفقه الله، وقد شُبِّه صاحب أدب الجدل قبل هذا النظر والكلام بالنخل يُؤبِّره ويقوم عليه، فينال من ثمرته ما لا ينال عند ترك ذلك، وكذلك الحديد والحجر، ما لم يستعملهما لم تخرج النار، ولم يوجد ما ينفع لما احتيج إلى طبخ وتسخين، فإذا أوري خرجت النار، فإذا وقعت في الحراق وتركت انطفأت، وإن أُمِدَّت بنفخ وكبريت وحطب، وغير ذلك، كثرت وكثر نفعها، والعلم إذا لم يُستعمل ولم يُذاكر به كالمسك إذا طال مكثه في الوعاء ذهب ريحه، وكالماء الصافي إذا طال مكثه نشفته الأوعية والهواء وغيرته، وذهبت بأكثره أو بكلِّه، وتغير ريحه وطعمه، وكالبئر تُحفر فتجري فيها عين، فإن حصل له طريق حتى ينتشر صار نهرًا وكثر ونفع وعاش به الحيوان، وإن حُبس وتُرك قل نفعه وربما غار، فكذلك العلم، إذا لم يُذاكر به، ولم يُبحث عنه، وإذا ذاكرتَ بالعلم ونشرته صار كالنهر الجاري دائم النفع، غزير الماء، إن قل مرة لعارض زاد أخرى، وإن تكدر وقتًا لعلة صفا في ثانٍ وتحيا به الأرض والزرع والحيوان»(21)

وقد استنبط القرطبي رحمه الله من قول الله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ﴾ [البقرة: 258] حسن المناظرة والحث عليها، فقال: «وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة. وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله، قال الله تعالى: ﴿قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]، ﴿إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۢ﴾

صفحة مطبوعة 29 · ورقة PDF 29رابط الصفحة المنفردة

[يونس: 68] أي من حجة. وقد وصف خصومة إبراهيم عليه السلام قومه ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة (الأنبياء) وغيرها. وقال في قصة نوح عليه السلام: ﴿قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا﴾ [هود: 32] الآيات إلى قوله: ﴿وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ﴾ [هود: 35]. وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي. فهو كله تعليم من الله عز وجل السؤال والجواب والمجادلة في الدين، لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل. وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهلهم بعد الحجة، على ما يأتي بيانه في (آل عمران). وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة. وتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صدر الحق في أهله، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده. وفي قول الله عز وجل: ﴿فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ﴾ [آل عمران: 66] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر.

قال المزني صاحب الشافعي: ومن حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل، وأن يقبل منها ما تبين. وقالوا: لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف، وإلا فهو مراء ومكابرة»(22) .

فنرى ميل الخطيب والقرطبي رحمهما الله إلى التوسعة في باب المناظرة والجدل ملاحظة منهما للفوائد المترتبة، وإن كان قد اجتمع قولهما وقول الآجري

صفحة مطبوعة 30 · ورقة PDF 30رابط الصفحة المنفردة

المائل إلى المنع المتشدد والغزالي المائل إلى المنع اللين في كراهية بعض صورها، ولكن تلمح أن الخطيب والقرطبي إلى الحث عليها والنصح بها والدفاع عن المنتهضين لها أقرب، بينما ترى المنع والتحذير في كلام الآجري والغزالي، ولكل منهم حظ في النظر وإصابة الحق.

وجماع هذا الباب وإن كان إلى كراهية الجدال أمْيَل نراه في كلام الراغب الأصفهاني رحمه الله، الذي قال: «إباحة تعاطي الجدال للعامة الذين لم يتدربوا في تحصيل القوانين، ولم يتهذبوا في سبيل البراهين، يجري مجرى حل قيد الشياطين ورفع سد يأجوج ومأجوج، فإنه يثير سلطان قوتهم السبعية منخلعة من يد قائد العقل وقيد الشرع، فالجدال مكروه للعلماء الألباء فكيف للجهال الأغبياء؟! ألا ترى أنه تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: 125].

فلم يطلق له جدال مخالفيه حتى قيده بالأحسن هنا مع وصفه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ [القلم: 4].

وقال تعالى في ذم الجدال: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ﴾ [الزخرف: 58].

وقال: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ﴾ [الحج: 8].

وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ﴾ [الأنعام: 68].

وللجدال مع كونه مكروهًا شرائط وقوانين، فمن تعطَّاه ولم يكن

صفحة مطبوعة 31 · ورقة PDF 31رابط الصفحة المنفردة

متدربًا فيها؛ كان خصيمًا جدلًا، والخصومة عديمة الفائدة قليلة العائدة، فإن الجدال مع ما فيه قد يوقظ الفهم ويثير الأنفة لاقتباس العلم، والخصومة لا تثمر إلا العداوة وإنكار الحق؛ فلهذا جعلها الله تعالى شرًّا من الجدال فقال تعالى: ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58]، وقال: ﴿خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ [النحل: 4] أي: جيد الخصومة مبين، ولم يذكر الخصام في موضع إلا عابه، وأيضًا فالمتجادلان يجريان مجرى فحلين تعاديا، وكبشين تناطحا، ورئيسين تحاربا، وكل واحد منهما يجتهد أن يكون هو الفاعل وصاحبه هو المنفعل، وأن يكون هو الطابع وصاحبه المنطبع، والقائل كالمؤثر، والسامع كالمتأثر، ومتى لم يخضع المتأثر لقبول أثر المؤثر لم يتولد منهما خير بوجه، وقال حكيم: المجادل المدافع يجعل في نفسه عند الخوض في الجدال أن لا يقنع بشيء، ومن لا يقنعه إلا أن لا يقنع فما إلى إقناعه سبيل، ولو اتفق عليه الحكماء بكل بينة، بل لو اجتمع عليه الأنبياء بكل معجزة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ [الأنعام: 111]».

ثم قال: «إذا ابتليت بمجادل مهاوش ومساجل مناوش قصده اللجاج لا الحجاج، ومراده مباهاة العلماء ومماراة السفهاء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء..»، وقد قال الشاعر في مثله:

تراه معدًا للخلاف كأنهبردٍّ على أهل الصواب موكل
صفحة مطبوعة 32 · ورقة PDF 32رابط الصفحة المنفردة

فحقك أن تفر منه فرارك من الأسود والأساود، فإن لم تجد من مزاولته بدًّا؛ فقابل إنكاره الحق بإنكارك الباطل، ودفاعه الصدق بدفاعك الكذب معتبرًا في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ٥٠

فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ﴾ [النمل: 50].

وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِين﴾ [آل عمران: 54].

وقوله حكاية عن المنافقين: ﴿قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ١٤ ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ﴾ [البقرة: 15].

وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ﴾ [الصف: 5].

وتتبلغ معه بذلك، وإياك وأن تعرج معه إلى بث الحكمة وأن تذكر له شيئًا من الحقائق ما لم تتحقق أن له قلبًا طاهرًا لا تعافه الحكمة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب». وإن لكل تربة غرسًا، ولكل بناء أسًّا، وما كل رأس تستحق التيجان، ولا كل طبيعة تستحق إفادة البيان.

وإن كان لا بد فاقتصر معه على إقناع يبلغه فهمه، فقد قيل: كما أن لب الثمار مُعدٌّ للأنام فالتبن مباح للأنعام، كذلك لب الحكمة مُعدٌّ لذوي الألباب، وقشورها مبذولة للأنعام، وكما أنه من المحال أن يشم الأخشم ريحانًا؛ فمحال أن يفيد الحمار بيانًا، واعلم أن سبيل إنكار الحجة والسعي في إفسادها أسهل من سبيل المعارضة بمثلها والمقابلة لها، ولهذا يتحرى الجدل الخصيم أبدًا بالدفاع لا المعارضة بمثلها، وذلك أن الإفساد هدم

صفحة مطبوعة 33 · ورقة PDF 33رابط الصفحة المنفردة

وهو سهل، والإتيان بمثله بناء وهو صعب، فإن الإنسان كما يمكنه قتل النفس الزكية وذبح الحيوانات وإحراق النبات، ولا يقدر على إيجاد شيء منها؛ يمكنه إفساد حجة قوية بضرب من الشبه المزخرفة ولا يمكنه الإتيان بمثلها، ولأجل ما قلنا دعا الله عز وجل الناس في الحجج إلى الإتيان بمثلها لا إلى السعي في إفسادها، فقال تعالى: ﴿فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ﴾ [البقرة: 23].

وقال: ﴿فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ﴾ [هود: 13].

فرضي أن يأتوا بما فيه مشابهة له وإن كان ذلك مفترى، وقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ﴾ [البقرة: 258]، والله الموفق»(23) .

دواعي الاختلاف :

وما دمنا في صدد ذكر الحوار وآدابه وقد سبق وقدمنا موقف العلماء منه فينبغي لنا أن نبين السبب الداعي إليه أي الخلاف والوجوه الموجبة للوقوع في الشبهة المولدة له:

«السبب الموقع للشبه والمولد للخلاف على القول المجمل سببان: المعنى واللفظ.

* فأما ما كان من جهة المعنى:

فإما أن يكون من جهة الناظر

صفحة مطبوعة 34 · ورقة PDF 34رابط الصفحة المنفردة

أو من جهة المنظور فيه وهو الحجة، أو من جهة الآلة التي تستعمل في النظر، فإن الناظر في الشيء المعتبر له جارٍ مجرى وزَّان وحججه كالميزان والمنظور فيه كالموزون، فمتى كان الناظر غير تام العقل كان أعمى البصيرة فيجري مجرى وزَّان أعمى البصر فلا سبيل له إلى الوزن، ومتى لم يكن أعمى البصيرة لكنه غير عارف بقوانين البراهين والحجج والأدلة كان جاريًا مجرى وزَّان عدم الميزان فأخذ يخمِّن، والمخمِّن قلما ينفك من غلط، بل ما وقع منه من الصواب فغير معتدٍّ به، إذ لا أصل له تسكن إليه النفس، ومتى لم يكن أعمى البصيرة ولكنه لا يعرف أي حجة يستعمل فيما هو بصدده فيطلب المعقول من جهة المحسوس، والمحسوس من جهة المعقول كان جاريًا مجرى وزان بصير لكنه يزن الدنانير بصنج الدراهم والدراهم بصنج الدنانير.

* وأما ما كان من جهة اللفظ:

فإما أن يكون واقعًا من جهة مفردات اللفظ، أو من جهة مركباته، فإن كان من مفردات اللفظ فإما أن يكون من حيث إن اللفظ مشترك بين معنيين كالعين واليد ونحوهما، أو يكون اللفظ عامًّا موضوعًا موضع خاص أو خاصًّا موضوعًا موضع عام، أو يكون اللفظ مستعملًا على سبيل المثل والإشارة والرمز، أو يكون اللفظ مستعملًا لشيء لم تتقرر صورة ذلك الشيء في نفس السامع فيخيل إليه وهمٌ فاسد كاعتقاد كثير من الناس اعتقادات فاسدة في الملائكة والجن والشياطين والجنة والنار والميزان والصراط والكرسي.

وأما ما كان من جهة التركيب فإما أن يكون من جهة الكمية، وذلك

صفحة مطبوعة 35 · ورقة PDF 35رابط الصفحة المنفردة

بأن يكون اللفظ أكثر مما يجب أو أقل مما يجب أن يكون، وإما من جهة الكيفية وذلك أن يقدم ما حقه أن يؤخر، أو يؤخر ما حقه أن يقدم، كقول الشاعر الفرزدق:

وما مثله في النفس إلا مُمَلَّكًاأبو أمه حي أبوه يقاربه(24) ( 24 )

ومن أجل ما وقع في الألفاظ من الشبه قال الحكماء: يجب أن يكون نظر الإنسان في المعنى إلى اللفظ أكثر من نظره من اللفظ إلى المعنى، فإن اللفظ في الحقيقة لا يدل على المعنى إلا بواسطة صورة ذلك المعنى في القلب، ومتى لم تثبت صورة المعنى في القلب لم يفهم من اللفظ المعنى ألبتة»(25) .

وهذا الذي ذكره الراغب رحمه الله من الاختلاف بداعي الاشتباه في اللفظ كثير واقع، وربما كان اللفظ المجمل مع عدم تحرير محل النزاع يشكل قسمًا لا بأس به من الاختلاف الإسلامي الإسلامي، «فهذه المواضع يجب أن تفسر الألفاظ المجملة بالألفاظ المفسرة المبينة، وكل لفظ يحتمل حقًّا وباطلًا فلا يطلق إلا مبينًا به المراد الحق دون الباطل، فقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء. وكثيرٌ من نزاع الناس

صفحة مطبوعة 36 · ورقة PDF 36رابط الصفحة المنفردة

في هذا الباب هو من جهة الألفاظ المجملة التي يفهم منها هذا معنى يثبته، ويفهم منها الآخر معنى ينفيه. ثم النفاة يجمعون بين حق وباطل، والمثبتة يجمعون بين حق وباطل»(26)

ومع كوننا ندرك أن الاشتباه بعلة الألفاظ المجملة كثير؛ ولكننا لا نغفل أن لولا ما يقارن تلك الخلافات من بغي لما كان للخلاف أن يورث مشاقة وتشظيًّا كالذي عرض للمسلمين على مر تاريخهم.

بغيًا بينهم :

في سياق ذكره لاختلاف الناس بعد ورود العلم الذي بلغهم إياهم أنبياؤهم كرَّر الله تعالى ذكر «البغي» في أربعة مواضع، لا لنفي وقوع الاختلاف بغير البغي، وإنما لبيان أن التعادي والتباغض والتناحر لا يكون بغير بغي، إذ الخلاف الذي يتحرى فيه طرفاه العدل والقسط والتقوى لا يؤدي إلى ذلك، ويبقى في إطار الحوار المحمود المثمر، أما مع البغي فإنه مُنبت الأصل مقطوع الثمرة.

وقد أجاد ابن تيمية رحمه الله في بيان ذلك فقال: «ثم إنه من مسائل الخلاف ما يتضمن أن اعتقاد أحدهما يوجب عليه بغض الآخر ولعنه أو تفسيقه أو تكفيره أو قتاله، فإذا فعل ذلك مجتهدًا مخطئًا كان خطؤه مغفورًا له، وكان ذلك في حق الآخر محنة في حقه وفتنة وبلاء ابتلاه به.

وهذه حال البغاة المتأولين مع أهل العدل سواء كان ذلك بين أهل اليد والقتال من الأمراء ونحوهم، أو بين أهل اللسان والعمل من العلماء

صفحة مطبوعة 37 · ورقة PDF 37رابط الصفحة المنفردة

والعباد ونحوهم، وبين من يجمع الأمرين.

ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغي لا لمجرد الاجتهاد كما قال تعالى: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ﴾ [آل عمران: 19] وقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ﴾ [الأنعام: 159] وقال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ﴾ [آل عمران: 105].

فلا يكون فتنة وفرقة مع وجود الاجتهاد السائغ بل مع نوع بغي»(27) .

والمفارقة أن المفترض في الخائض في الخلافات الدينية أن يتحلى بالورع والعدل والإنصاف، إذ لولا إرادة الله تعالى واليوم الآخر لما كان للخوض في ذلك معنى؛ فليس الخلاف خلافا متمحضًا في شؤون الدنيا التي قد يتفهم الإنسان خلو الطرفين أو أحدهما من الورع الواجب؛ بل هو خلاف في الدين، وغرضه إظهار الحق وبيانه؛ فغريب مع ذلك أن يتورط المختلفان في أمور تتنافى وتتمانع مع القصد الإيماني أصالة، بل والعجب أن يتردى حالهما في خلافهما دون حال كثير من المختلفين في شأن الدنيا، وقد تناول ابن تيمية رحمه الله هذه الجزئية في نظره وتحليله للخلاف الإسلامي فقال: «والغالب أن الظلم في الدين يدعو إلى الظلم في الدنيا، وقد لا ينعكس، ولهذا كان المبتدع في دينه أشدَّ من الفاجر في دنياه، وعقوبات الخوارج أعظم من عقوبات أئمة الجور، ثم مع هذا لا يجوز أن يعاقب هذا الظالم ولا هذا الظالم إلا بالعدل بالقسط، لا يجوز ظلمه.

فهذا موضع

صفحة مطبوعة 38 · ورقة PDF 38رابط الصفحة المنفردة

يجب النظر فيه، والعمل بالحق، فإن كثيرًا من أهل العلم والدين والزهد والورع والإمارة والسياسة والعامة وغيرهم، إما في نظرائهم أو غير نظرائهم من نوع الظلم والسيئات، إما بدعة، وإما فجور، وإما مركّبٌ منهما، فأخذوا يعاقبونهم بغير القسط، إما في أعراضهم، وإما في حقوقهم، وإما في دمائهم وأموالهم، وإما في غير ذلك، مثل أن ينكروا لهم حقاً واجبًا، أو يعتدوا عليهم بفعل محرم، مع أن الفاعلين لذلك متأولون، معتقدون أن عملهم هذا عمل صالح، وأنهم مثابون على ذلك، ويتعلقون بباب قتال أهل العدل والبغي، وهم الخارجون بتأويل سائغ، فقد تكون الطائفتان جميعاً باغيتين بتأويل أو بغير تأويل، فتدبر هذا الموضع، ففيه يدخل جمهور الفتن الواقعة بين الأمة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ﴾ [الشورى: 14]، فأخبر أن التفرق بينهم كان بغيًا، والبغي: الظلم.

وهكذا التفرق الموجود في هذه الأمة، مثل الفتن الواقعة بينها في المذاهب والاعتقادات والطرائق والعبادات والممالك والسياسات والأموال، فإنما تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم، والباغي قد يكون متأولاً وقد لا يكون متأولاً، فأهل الصلاح منهم هم المتأولون في بغيهم، وذلك يوجب عذرهم لا اتباعهم.

فتدبَّرْ العدل والبغي، واعلم أن عامة الفساد من جهة البغي، ولو كان كل باغٍ يعلم أنه باغٍ لهانت القضيةُ، بل كثير منهم أو أكثرهم لا يعلمون أنهم بُغاة، بل يعتقدون أن العدل منهم، أو يُعرِضون عن تصور بَغْيِهم،

صفحة مطبوعة 39 · ورقة PDF 39رابط الصفحة المنفردة

ولولا هذا لم تكن البغاة متأولين، بل كانوا ظلمةً ظلمًا صريحًا، وهم البغاة الذين لا تأويل معهم.

وهذا القدر من البغي بتأويل، وأحيانًا بغير تأويل يقع فيه الأكابر من أهل العلم ومن أهل الدين، فإنهم ليسوا أفضل من السابقين الأولين، ولما وقعت الفتنة الكبرى كانوا فيها ثلاثة أحزاب، قوم يقاتلون مع أَولى الطائفتين بالحق، وقوم يقاتلون مع الأخرى، وقوم قعدوا اتباعًا لما جاء من النصوص في الإمساك في الفتنة.

والفتن التي يقع فيها التهاجر والتباغض والتطاعن والتلاعن ونحو ذلك هي فتنٌ، وإن لم تَبلُغِ السيفَ، وكل ذلك تفرق بغيًا، فعليك بالعدل والاعتدال والاقتصاد في جميع الأمور، ومتابعة الكتاب والسنة، وردّ ما تنازعت فيه الأمة إلى الله والرسول، وإن كان المتنازعون أهل فضائل عظيمة ومقامات كريمة، والله يوفقنا لما يحبه ويرضاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله»(28) .

وفي إطار التعاطي مع المسلم المعتقد غير الحق المجادل فيه؛ يذكر الشيخ رحمه الله فلسفته في ذلك: «فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد متى ذكرتَ له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه؛ لما قام في نفسه من الشبهة، فينبغي إذا كان المناظر مدِّعيًا أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه، وإلا فما دام معتقدًا نقيض الحق لم يدخل الحق إلى قلبه، كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل امحه أولًا

صفحة مطبوعة 40 · ورقة PDF 40رابط الصفحة المنفردة

ثم اكتب فيه الحق»(29)

وكيفما كان الأمر؛ فإن الخلافات العلمية ينبغي أن ترفع بالعلم لا بغيره، وللإنسان أن يتخذ تدابيره ويعمل في ذلك أساليبه لبلوغ المراد وتحقيق النجاعة في بيان الحجة، أما الانتحاء في رفع الخلافات إلى غير طريق الحوار؛ فالغالب أن ذلك مؤذن بضعف الحجة وقصور صاحبها، ومما ينسب إلى ابن عباس رضي الله عنه قوله: «عجبًا لمن يطلب أمرًا بالغلبة، وهو يقدر عليه بالحجّة، فالحجّة دين يعقد به الطاعة، وسلطان الغلبة يزول بزوال القدرة»(30) .

وقبل الشروع بتعداد آداب الحوار وشروطه أقدم أنني قد استقرأت عددًا من الكتب التي صنفت في آداب الحوار واستخلصت بعض الآداب منها وإن كنت قد خالفت جلَّها في التقسيم والترتيب؛ كما أنني قد زدت وأنقصت بحسب المقتضى وباعتبار ما عايشته في عمري من حوارات مباشرة أو عبر المنتديات الحوارية ومواقع التواصل؛ وقد حصرت الشواهد ضمن نطاق الآل والأصحاب إذ هو غرض التأليف؛ فنحن في المبرة معنيون بالتركيز على تراثهم حصرًا، وهذا قد ضيق عليَّ مجال الانتقاء، ولكن قد منحني فرصة التأمل في صنائع القوم؛ وإن رمت أسوة تهديك إلى سواء السبيل فهُمُ.

وقبل الشروع في تعداد الآداب، أسأل القارئ ما سأله

صفحة مطبوعة 41 · ورقة PDF 41رابط الصفحة المنفردة

أبو حيان قرائَه: «أسأل المنصفين من الأدباء، والمبقين على الإخوان، أن يذكروني بصواب ما أصبت فيه منه قبل أن يذكروني بخطأ ما أخطأت فيه. ولعلهم إذا افتحوا هذا الباب، وتتبعوا هذه المعاملة، أن يشغلهم الأول عن الثاني، ويحملهم على حسن الضمير، وجميل القول، ولسان الصدق، ومحمود الثناء»(31)

والله الموفق والمستعان.

صفحة مطبوعة 42 · ورقة PDF 42رابط الصفحة المنفردة

تعريف الحوار :

قال ابن فارس رحمه الله: (حور) الحاء والواو والراء ثلاثة أصول: أحدها: لون، والآخر: الرجوع، والثالث: أن يدور الشيء دورًا.

وقال عن الأصل الثاني وهو الذي يعنينا هنا: وأما الرجوع، فيقال حار، إذا رجع. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ١٤بَلَىٰٓۚ﴾ [الانشقاق: 14] والعرب تقول: «الباطل في حُور» أي رجع ونقص، وكل نقص ورجوع حُور. قال:

والذم يبقى وزاد القوم في حُور

والحَوْر: مصدر حار حورا رجع. ويقال: «نعوذ بالله من الحور بعد الكور». وهو النقصان بعد الزيادة.

ويقال: «حار بعد ما كار». وتقول: كلمته فما رجع إليَّ حَوارًا وحِوارًا ومَحُورة وحَوِيرًا»(32) .

وفي تهذيب اللغة: «والمحاورة: مراجعة الكلام في المخاطبة، تقول حاورته فِي المنطق، وأحرت له جوابًا، وما أحار بكلمة، والاسم من المحاورة الحَوِير، تقول: سمعت حَوِيرهما وحِوارهما»(33) .

لفظ حوار ومشتقاته في القرآن الكريم :

﴿وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا﴾ [الكهف: 34]. ﴿قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا﴾ [الكهف: 37]. ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: 1].

صفحة مطبوعة 43 · ورقة PDF 43رابط الصفحة المنفردة

تعريف الجدل :

قال ابن فارس رحمه الله: «(جدل) الجيم والدال واللام أصل واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه، وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام»(34) .

وقال ابن منظور رحمه الله: «والجدل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها، وقد جادله مجادلة وجدالا. ورجل جَدِل ومِجدَل ومِجْدال: شديد الجدل. ويقال: جادلت الرجل فجدلته جَدْلًا أي غلبته. ورجل جدل إذا كان أقوى في الخصام. وجادله أي خاصمه مجادلة وجدالا، والاسم الجدل، وهو شدة الخصومة. وفي الحديث: «ما أوتي الجَدَلَ قومٌ إلا ضلوا».

الجدل: مقابلة الحجة بالحجة؛ والمجادلة: المناظرة والمخاصمة، والمراد به في الحديث الجدل على الباطل وطلب المغالبة به لا إظهار الحق فإن ذلك محمود لقوله عز وجل: ﴿وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: 125].

صفحة مطبوعة 44 · ورقة PDF 44رابط الصفحة المنفردة

ويقال: إنه لجَدِل إذا كان شديد الخصام، وإنه لمجدول وقد جادل. وسورة المجادلة: سورة قد سمع الله لقوله: ﴿ قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ [المجادلة: 1]؛ وهما يتجادلان في ذلك الأمر.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ﴾ [البقرة: 197]؛ قال أبو إسحاق: قالوا معناه لا ينبغي للرجل أن يجادل أخاه فيخرجه إلى ما لا ينبغي. والمَجْدَل: الجماعة من الناس؛ قال ابن سيده: أراه، لأن الغالب عليهم إذا اجتمعوا أن يتجادلوا؛ قال العجاج:

فانْقَضَّ بالسَّيْر وَلَا تَعَلَّلِبِمَجْدَل، ونِعْم رأْسُ المَجْدَلِ»(35) ( 35 )

لفظ الجدل ومشتقاته في القرآن الكريم :

﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا﴾ [الكهف: 54]. ﴿وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58]. ﴿وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا﴾ [النساء: 107]. ﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا﴾ [النساء: 109].

صفحة مطبوعة 45 · ورقة PDF 45رابط الصفحة المنفردة

﴿وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: 25]. ﴿وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121]. ﴿قَالَ قَدۡ وَقَعَ عَلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ رِجۡسٞ وَغَضَبٌۖ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ أَسۡمَآءٖ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٖۚ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: 71]. ﴿يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال: 6]. ﴿قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [هود: 32]. ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74]. ﴿وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ﴾ [الرعد: 13]. ﴿۞يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [النحل: 111].

صفحة مطبوعة 46 · ورقة PDF 46رابط الصفحة المنفردة

﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ [النحل: 125]. ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا﴾ [الكهف: 56]. ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ﴾ [الحج: 3]. ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ﴾ [الحج: 8] ﴿وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحج: 68]. ﴿۞وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46]. ﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ﴾ [لقمان: 20]. ﴿مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ﴾ [غافر: 4]. ﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۢ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: 5].

صفحة مطبوعة 47 · ورقة PDF 47رابط الصفحة المنفردة

﴿ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ﴾ [غافر: 35]. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [غافر: 56]. ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصۡرَفُونَ﴾ [غافر: 69]. ﴿وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ﴾ [الشورى: 35]. ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: 1].

تعريف المناظرة :

قال ابن فارس رحمه الله: «(نظر) النون والظاء والراء أصل صحيح يرجع فروعه إلى معنى واحد وهو تأمل الشيء ومعاينته، ثم يستعار ويتسع فيه»(36) .

وقال الأزهري رحمه الله: «والمناظرة أن تناظر أخاك في أمر إذا نظرتما فيه معا كيف تأتيانه»(37) .

أما النظر فلم يرد في الكتاب بمعنى تبادل الحجج، وإنما بمعاني الإبصار والانتظار والتمهل والتأخير والتفكر ونحوها.

صفحة مطبوعة 48 · ورقة PDF 48رابط الصفحة المنفردة

تعريف المراء :

قال ابن فارس رحمه الله: «(مَرِيَ) الميم والراء والحرف المعتل أصلان صحيحان يدل أحدهما على مسح شيء واستدرار، والآخر على صلابة في شيء».

والأصل الثاني هو ما يعنينا هنا، قال فيه: «والأصل الآخر المَرْوُ: جمع مَرْوَة، وهي حجارة تبرق. قال:

حتى كأني للحوادث مَرْوةٌبصفا المُشَرَّق كل حين تقرَعُ

وعندنا أن المراء مما يتمارى فيه الرجلان من هذا، لأنه كلام فيه بعض الشدة. ويقال: ماراه مِراء ومُماراة. ومما شذ منهما المِرْية: الشك»(38) .

ويمكن أن يرجع إلى الأصل الأول كقول ابن منظور رحمه الله: «وأصله في اللغة الجدال وأن يستخرج الرجل من مناظره كلاما ومعاني الخصومة وغيرها من مريت الشاة إذا حلبتها واستخرجت لبنها»(39) .

لفظ المراء ومشتقاته في القرآن الكريم :

صفحة مطبوعة 49 · ورقة PDF 49رابط الصفحة المنفردة

﴿ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾ [البقرة: 147]. ﴿ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾ [آل عمران: 60]. ﴿أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾ [الأنعام: 114]. ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡ‍َٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ٩٤﴾ [يونس: 94]. ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ٢﴾ [الأنعام: 2]. ﴿إِنَّ هَٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمۡتَرُونَ٥٠﴾ [الدخان: 50]. ﴿قَالُواْ بَلۡ جِئۡنَٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمۡتَرُونَ٦٣﴾ [الحجر: 63]. ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ٣٤﴾ [مريم: 34]. ﴿ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا٢٢﴾ [الكهف: 22]. ﴿أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ١٢﴾ [النجم: 12]. ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ٥٥﴾ [النجم: 55]. ﴿وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ٣٦﴾ [القمر: 36].

تعريف المحاجة :

قال ابن فارس رحمه الله: «الحاء والجيم أصول أربعة.

فالأول القصد، وكل قصد حج.. وممكن أن يكون الحجة مشتقة من هذا، لأنها

صفحة مطبوعة 50 · ورقة PDF 50رابط الصفحة المنفردة

تقصد، أو بها يقصد الحق المطلوب. يقال حاججت فلانا فحججته أي غلبته بالحجة، وذلك الظفر يكون عند الخصومة، والجمع حجج. والمصدر الحِجاج»(40)

لفظ المحاجة ومشتقاته في القرآن الكريم :

﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ﴾ [البقرة: 258]. ﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ٦٦﴾ [آل عمران: 66]. ﴿فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ٦١﴾ [آل عمران: 61]. ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡ‍ٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ٨٠﴾ [الأنعام: 80] ﴿فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ﴾ [آل عمران: 20]. ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [آل عمران: 65]. ﴿قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ١٣٩﴾ [البقرة: 139]. ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ٧٦﴾

صفحة مطبوعة 51 · ورقة PDF 51رابط الصفحة المنفردة

[البقرة: 76]. ﴿وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ١٦﴾ [الشورى: 16]. ﴿وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ٤٧﴾ [غافر: 47]. ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ﴾ [البقرة: 150]. ﴿لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡۖ لَا حُجَّةَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [الشورى: 15]. ﴿قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ١٤٩﴾ [الأنعام: 149]. ﴿وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ٨٣﴾ [الأنعام: 83]. ﴿وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ١٦﴾ [الشورى: 16].

تعريف الاختلاف :

قال ابن فارس رحمه الله: «(خلف) الخاء واللام والفاء أصول ثلاثة: أحدها أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه، والثاني خلاف قدام، والثالث التغير»(41) .

صفحة مطبوعة 52 · ورقة PDF 52رابط الصفحة المنفردة

الفرق بين الخلاف والاختلاف :

قال البدر العيني رحمه الله: «والفرق بين الخلاف والاختلاف، أن الاختلاف مستعمل في قولٍ بُنِيَ على دليل، والخلاف فيما لا دليل عليه»(42) .

وقال الكفوي في الكليات: «والاختلاف: هو أن يكون الطريق مختلفًا والمقصود واحدًا، والخلاف: هو أن يكون كلاهما مختلفًا.

والاختلاف: ما يستند إلى دليل، والخلاف: ما لا يستند إلى دليل.

والاختلاف من آثار الرحمة، كما في الحديث المشهور والمراد فيه الاجتهاد لا اختلاف الناس في الهمم بدليل «أمتي»، والخلاف من آثار البدعة.

ولو حكم القاضي بالخلاف ورفع لغيره يجوز فسخه، بخلاف الاختلاف، فإن الخلاف هو ما وقع في محل لا يجوز فيه الاجتهاد، وهو ما كان مخالفًا للكتاب والسنة والإجماع»(43) .

وفي مجلة مجمع الفقه الإسلامي: «بعض العلماء يسمي الخلاف الحقيقي (خلافًا)، ويسمي الخلاف اللفظي (اختلافًا). ومن ذلك قول الكفوي: (الاختلاف هو أن يكون الطريق مختلفًا

صفحة مطبوعة 53 · ورقة PDF 53رابط الصفحة المنفردة

والمقصود واحد، والخلاف هو أن يكون كلاهما مختلفًا). والغالب استعمال لفظي الخلاف والاختلاف على لسان الأصوليين والفقهاء بمعنى واحد.

غير أن الشاطبي وبعض المؤلفين في الفقه والأصول فرقوا بين الخلاف والاختلاف على نحو آخر هو أن الخلاف ما نشأ عن متابعة الهوى، وهو الاجتهاد غير المعتبر شرعًا، لصدوره عمن ليس بعارف بما يفتقر إليه الاجتهاد، أو هو قول بلا دليل. أما (الاختلاف) فهو عند هؤلاء: ما يقع من آراء للمجتهدين في المسائل الدائرة بين طرفين واضحين يتعارضان في أنظارهم، أو بسبب خفاء بعض الأدلة أو عدم الاطلاع عليها.

فالاختلاف هو نتيجة لتحري المجتهد قصد الشارع، وذلك باتباعه الأدلة على الجملة والتفصيل والبحث عنها، أي هو قول بني على دليل»(44) .

وفيما يظهر من استعمالات أهل العلم؛ أن كل ما ذكر لأجل التفريق بين الخلاف والاختلاف إنما هو اصطلاح لبعضِ مَن آثر التفريق، وإلا فالاستعمال الأغلبي يأباه، والغالب أن المتكلم لا يعتني بالتفريق الدقيق للألفاظ على ما يحاول تصويره المتأخرون، بل يتكلم مراعيًا بلوغ المعنى للسامع، والمستقرئ لكلام الأولين يلحظ ذلك بجلاء، فنخلص إلى حقيقة أن لا فرق جلي بين اللفظتين، وأنهما يستعملان للتعبير عن التغاير بلا فرق، فهو كما قال الراغب رحمه الله: «الخلاف والاختلاف والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الأول في

صفحة مطبوعة 54 · ورقة PDF 54رابط الصفحة المنفردة

فعله أو حاله. والخلاف أعم من الضد، لأن كل ضدين مختلفان ولا عكس. ولما كان الاختلاف بين الناس في القول يقتضي التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة»(45)

أنواع الاختلاف :

باعتبار حقيقته ، ينقسم إلى حقيقي ولفظي:

* الخلاف الحقيقي (المعنوي):

هو ما يترتب عليه أثر وتحصل منه ثمرة.

* الخلاف اللفظي:

هو الخلاف في الألفاظ لا المعاني، ومن ثم فلا ثمرة حقيقية له ولا أثر إن حرر محل الخلاف.

وباعتبار جهته ، ينقسم إلى تنوع وتضاد :

وهذا القسم كسابقه من حيث ترتب الثمرة وعدمها، فالتنوع لا ثمرة تحته بخلاف التضاد إلا أنه يخالف ما سبقه بأن:

* خلاف التنوع:

هو أن تتحد غاية المختلفين وتتباين وسيلة التعبير عن ذلك المقصد، بأن يتقيد كل منهم بوصف أو العناية بجانب مخالف للآخر.

صفحة مطبوعة 55 · ورقة PDF 55رابط الصفحة المنفردة

* خلاف التضاد:

أما التضاد فهو افتراق الغاية والقصد.

وباعتبار قوته ، ينقسم إلى قوي وضعيف:

* الخلاف القوي:

هو الخلاف الذي له حظ من النظر وتتجاذبه الأدلة بحيث يعسر الترجيح على الناظر، أو إن أردنا أن نجعل التعريف باعتبار المختلِفِين، فالقوي هو الذي يعلو صوت أصحابه وذلك إما للتفوق في علم أو السمعة أو الأتباع ونحو ذلك.

* الخلاف الضعيف:

بعكس ما سبق، هو خلاف يتميز فيه المحق من المبطل بيسر وذلك للثقل الدلالي في كفة المحق.

وأما باعتبار السواغ ؛ فينقسم الخلاف إلى سائغ وغير سائغ:

وهذا القسم يسعنا إدراجه في سابقه، فسواغه نتيجة قوة الأدلة وعسر التمييز، والعدم لظهورها، وإن كان يفترق عما سبقه بأنه يلاحظ فيه السواغ الشرعي وأنه إن كان سائغًا اختص بأحكام ليست لقسيمه، وفيما يلي بيان ذلك:

* الخلاف السائغ:

في رسالة الشافعي يتساءل محاوره قائلا: «فإني أجد أهل العلم قديماً وحديثاً مختلفين في بعض أمورهم، فهل يسعهم ذلك؟».

صفحة مطبوعة 56 · ورقة PDF 56رابط الصفحة المنفردة

فقال الشافعي رحمه الله: «الاختلاف من وجهين: أحدهما: محرم، ولا أقول ذلك في الآخر».

وفي سياق بيان ضابط التفريق بين الاختلافين يقول الشافعي: «كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصًا بينًا: لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه.

وما كان من ذلك يحتمل التأويل، ويُدرك قياسًا، فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس، وإن خالفه فيه غيره: لم أقل إنه يُضَيَّق عليه ضِيقَ الخلاف في المنصوص»(46) .

فأشار رحمه الله إلى أن الخلاف المحرم هو ما كان مخالفة للنص قطعي الثبوت والدلالة، سواء كان في الكتاب أو السنة، وبقدر تباعد النص عن القطعية الثبوتية أو الدلالية يكون الإعذار.

وزاد في الأم «الإجماع»، فجعل مخالفته داخلة في عدم السواغ، فقال رحمه الله: «الاختلاف وجهان: فما كان لله فيه نص حكم أو لرسوله سنة أو للمسلمين فيه إجماع؛ لم يسعْ أحدًا علم من هذا واحدًا أن يخالفه.

وما لم يكن فيه من هذا واحد؛ كان لأهل العلم الاجتهاد فيه بطلب الشبهة بأحد هذه الوجوه الثلاثة، فإذا اجتهد من له أن يجتهد وَسِعَه أن يقول بما وجد الدلالة عليه بأن يكون في معنى كتاب أو سنة أو إجماع، فإن ورد أمر مشتبه يحتمل حكمين مختلفين فاجتهد فخالف

صفحة مطبوعة 57 · ورقة PDF 57رابط الصفحة المنفردة

اجتهاده اجتهاد غيره وَسِعَه أن يقول بشيء وغيره بخلافه وهذا قليل إذا نظر فيه»(47)

واستدل على التفريق بين السواغ وعدمه بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ﴾ [آل عمران: 105]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ٤﴾ [البينة: 4].

فقال رحمه الله: «فإنما رأيت الله ذم الاختلاف في الموضع الذي أقام عليهم الحجة ولم يأذن لهم فيه»(48) .

والتأثيم في الخلاف غير السائغ هو لأجل البغي، فظهور الحجة يتناسب طردًا وعدم الإعذار، فكلما كانت أظهر كان مجال الإعذار أضيق، إذ كانت المخالفة مع ظهور الحجة علامة على اتباع الهوى، وفي ذلك يقول الراغب رحمه الله: «وأنهم لم يختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات ذمًّا للمختلفين، فإن من شأن البينات أن ترفع الخلاف»(49) .

وفي تأويل قول الله تعالى: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ﴾ [البقرة: 213] قال الطبري رحمه الله: «يقول: لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتابي الذي أنزلته مع نبيي عن جهل منهم به، بل كان اختلافهم فيه، وخلافُ حكمه، من بعد ما ثبتت حجته عليهم، بغيًا بينهم، طلبَ الرياسة من بعضهم على بعض، واستذلالًا من بعضهم لبعض»(50) .

صفحة مطبوعة 58 · ورقة PDF 58رابط الصفحة المنفردة

* الخلاف غير السائغ:

يستفاد مما سبق أن الخلاف غير السائغ هو ما كان مخالفًا للكتاب والسنة والإجماع، وفي هذا الباب يحسن أن نذكر موقف المسلم من خلافات الأمة عمومًا، ويتلخص ذلك في تلك الكلمات الرائقة التي جرى بها قلم ابن تيمية رحمه الله: «فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه: إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل؛ وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع وأعرض عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، فإن مواضع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى»(51) .

صفحة مطبوعة 59 · ورقة PDF 59رابط الصفحة المنفردة

آداب الحوار:

اعتنى الباحثون في معرض بيانهم لتلك الآداب بتقسيمها طلبا لسهولة دركها وفهمها بغرض إحرازها والاتصاف بها، ولهم في ذلك مسالك، فمنهم من يقسمها باعتبار وقوع الحوار فيجعل منها الآداب السابقة للحوار، والآداب أثناءه، وآدابًا بعد الانتهاء منه، ومنهم من يعتني في تقسيمه باعتبار الأدب فيقسمها إلى آداب نفسية وعلمية ولفظية، ومنهم من لم يعتنِ في بيانه للآداب بتقسيم، وإنما سردها سردًا بغير نظام جامع.

وأيًّا كان فالتقسيمات تبقى فنية اصطلاحية، وقد تتداخل فيما بينها في كثير من الأحيان، وإنما يراد منها الترتيب والتنظيم، وسنقسمها هنا إلى:

آداب ذاتية في المحاور ينبغي أن يحرص على إحرازها في نفسه :

إخلاص النية. التجرد في إرادة الحق. العلم. العدل والإنصاف. الحلم والصبر. الرحمة والشفقة. العزة والثبات على الحق حسن الإنصات والاستماع للمحاور.

صفحة مطبوعة 60 · ورقة PDF 60رابط الصفحة المنفردة

الهدوء واعتدال النفس والمزاج. التواضع ونبذ الاستعلاء. التلطف وحسن الخطاب. نبذ التصورات المسبقة ومحاكمة الخصم إلى كلامه. الرجوع إلى الحق والتسليم بالخطأ.

وآداب منهجية ينبغي أن يتسم بها الحوار وبقدر التزامها تكون الفائدة ويتحقق النفع :

الابتعاد عن الشخصنة والتركيز على الفكرة. تحرير محل الخلاف. تحرير مصطلحات الحوار. ضرب الأمثلة وتقريب الصورة. التعريض وعدم استفزاز الخصم. إصلاح المنطق وتجنب اللحن. البعد عن التقعر والتنطع. مراعاة مقتضى الحال في طول الخطاب ولهجته. عدم رفع الصوت بلا حاجة. إنزال الناس منازلهم.

صفحة مطبوعة 61 · ورقة PDF 61رابط الصفحة المنفردة

فهم منطلقات المخالف. توخي الدقة في العبارة. الابتعاد عن التشنيع وإظهار الظفر. احترام المخالف. الصدق ولو على نفسك. حسن التثبت. التذكير بالله والوعظ. توقي الفضول.

والآن مع ذكر هذه الآداب:

الآداب الذاتية

صفحة مطبوعة 62 · ورقة PDF 62رابط الصفحة المنفردة

إخلاص النية :

«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»(52) ، لفظ نبوي جليل القدر عظيم الشأن، من تأمله وَرَدَّ المبصَرات إليه تكشفت له الدقائق وانجلت عنه كثير من الإشكالات، إذ قد تتشابه الصور ويتباين المستقر في القلوب فيرقى الرجل بالعمل الدرجات، ويسفل آخر بذات الفعل إلى أدنى الدركات فإنما على القلوب المعوَّل.

وكل متكلم «لا بد له من حسن النية فلو تكلم بحق لقصد العلو في الأرض أو الفساد كان بمنزلة الذي يقاتل حمية ورياء، وإن تكلم لأجل الله تعالى مخلصًا له الدين كان من المجاهدين في سبيل الله، من ورثة الأنبياء خلفاء الرسل»(53) .

«وقد تختلف النيات لاختلاف المقاصد فيصير ما كان بعدًا قربًا بحسن النية، وما كان حسنًا سيئًا لسوء النية به»(54) .

وإن الكلام في الدين وبيان الحق ومراد الله تعالى من عباده هو خير الدنيا والآخرة، ولكن يعرض للقلوب في أثناء ذلك ما يحيل جلال العمل سوءًا وشرًا يشقى به صاحبه، إذ ربما تكلم المتكلم قاصدًا بكلامه الجاه

صفحة مطبوعة 63 · ورقة PDF 63رابط الصفحة المنفردة

والدنيا واستمالة قلوب الناس إليه للحظوة والمباهاة، و«إن أقبح ما طُلب به الدنيا؛ عمل الآخرة»(55) «فطالب الرياسة في نفسه هالك، وقد يصلح بسببه غيره إن كان يدعو إلى ترك الدنيا، وذلك فيمن كان ظاهرُ حاله في ظاهر الأمر ظاهرَ حال علماء السلف، ولكنه يضمر قصد الجاه، فمثاله مثال الشمع الذي يحترق في نفسه ويستضيء به غيره فصلاح غيره في هلاكه، فأما إذا كان يدعو إلى طلب الدنيا فمثاله مثال النار المحرقة التي تأكل نفسها وغيرها.

فالعلماء ثلاثة إما مُهلِكٌ نفسَه وغيرَه وهم المصرحون بطلب الدنيا والمقبلون عليها، وإما مُسعِدٌ نفسَه وغيرَه وهم الداعون الخلق إلى الله سبحانه ظاهرًا وباطنًا، وإما مُهلِكٌ نفسَه مُسعِدٌ غيره وهو الذي يدعو إلى الآخرة وقد رفض الدنيا في ظاهره وقصده في الباطن قبول الخلق وإقامة الجاه، فانظر من أي الأقسام أنت ومن الذي اشتغلت بالاعتداد له، فلا تظنن أن الله تعالى يقبل غير الخالص لوجهه تعالى من العلم والعمل»(56) .

كتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما: «من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تزيَّن للناس بغير ما يعلم الله من قلبه شانه الله عز وجل، فما ظنك في ثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام»(57) ، وقال ابن عباس رضي الله عنه: «إنما يحفظ الرجل على قدر نيته»(58) .

صفحة مطبوعة 64 · ورقة PDF 64رابط الصفحة المنفردة

التجرد في إرادة الحق :

اتفاق جزئية التجرد مع جزئية الإخلاص لا يخفى، والتداخل بينهما ملاحظ، ومع ذلك فقد آثرت التفريق بينهما وإفراد كل منهما بعنوان مستقل، وإن كانا بمثابة المتلازمين، فوجود أحدهما مستلزم لوجود الآخر، فإخلاص النية يلزم منه التجرد، والتجرد لا يتحقق بغير إخلاص.

وإن من ثمرات التجرد إذابة كل انتماء بين الإنسان وبين غير الحق، فلا يقيم عليه عصبية لشخص أو طائفة أو حزب إلخ، بل يكون هواه تابعًا للحق، منقادًا لا قائدًا، فإن رأى الإنسان الحق في طريق؛ سلكه لا يبالي بما سواه من طرائق، ولا يلفته عن ذلك هواه في سالكيها.

وإن من أجلى الأمثلة على التجرد وإرادة الحق ما نراه في موقف الصديق رضي الله عنه من قتال مانعي الزكاة، في خضم تلك الأجواء المشحونة بعد فقد أمة الإسلام لقائدها وهاديها صلاة الله وسلامه عليه وآله، يقف أبو بكر وحده في مقابل مخالفيه من كبار الصحابة والذين كانوا يرون وجوب التهدئة والمهادنة إلى حين استقرار الأوضاع واستتباب الأمن، ويرون خطأ توسيع رقعة الصراع وفتح جبهات جديدة، فتربص القوى العظمى فارس والروم من جهة، والمستعلنين بالردة من العرب من أخرى، فليس من المناسب إشعال حرب مع من لم يستعلن بحرب الإسلام بل كانوا يظهرون انقيادهم له سوى بعض أحكامه كالزكاة، وهو رأي حكيم بموازين السياسة وجاهته لا تخفى على أحد، فما كان من الصديق رضي الله عنه إلا أن تمسك بالحق الذي يراه فقال: «والله لأقاتلن من فرق

صفحة مطبوعة 65 · ورقة PDF 65رابط الصفحة المنفردة

بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق»(59)

قال الحافظ رحمه الله: «وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة ويطلع عليها آحادهم، ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال كيف خفي ذا على فلان. والله الموفق»(60) .

ونلحظ في القصة التجرد والذي أدى في النهاية إلى أن ينقاد عمر وهو الرجل الثاني في الدولة والمتحمس مثل غيره من كبار الصحابة لرأي مهادنة مانعي الزكاة؛ إلى التسليم لصحة قرار أبي بكر.

وإن أوضح علامات التجرد للحق «أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معينًا لا خصمًا، ويشكره إذا عرَّفه الخطأ وأظهر له الحق كما لو أخذ طريقًا في طلب ضالته فنبهه صاحبه على ضالته في طريق آخر، فإنه كان يشكره ولا يذمه ويكرمه ويفرح به، فهكذا كانت مشاورات الصحابة رضي الله عنهم، حتى أن امرأة ردت على عمر رضي الله عنه ونبهته على الحق وهو في خطبته على ملأ من الناس فقال: أصابت امرأة

صفحة مطبوعة 66 · ورقة PDF 66رابط الصفحة المنفردة

وأخطأ رجل(61)

وسأل رجل عليًّا رضي الله عنه فأجابه، فقال: ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن كذا كذا، فقال: أصبتَ وأخطأتُ وفوق كل ذي علم عليم(62) .

واستدرك ابن مسعود على أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم(63) .

وذلك لما سئل أبو موسى عن رجل قاتل في سبيل الله فقُتل فقال: هو في الجنة، وكان أمير الكوفة، فقام ابن مسعود فقال: أَعِدْه على الأمير فلعله لم يفهم، فأعادوا عليه فأعاد الجواب، فقال ابن مسعود: وأنا أقول إن قتل فأصاب الحق فهو في الجنة، فقال أبو موسى: الحق ما قال.

وهكذا يكون إنصاف طالب الحق ولو ذكر مثل هذا الآن لأقل فقيه لأنكره واستبعده وقال: لا يحتاج إلى أن يقال: «أصاب الحق» فإن ذلك معلوم لكل أحد.

فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسود وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذم من أفحمه طول عمره ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنهم في تعاونهم على النظر في الحق»(64) .

وإنك لن تجد أحدًا إلا ويدعي لنفسه التجرد وقصد الحق، ولو

صفحة مطبوعة 67 · ورقة PDF 67رابط الصفحة المنفردة

صدقت دعوى الناس في ذلك لما كان الحال هو ما ترى من التفرق والتشرذم، فإن ما يعانيه المسلمون اليوم، ليس من الاختلاف، وإنما من البغي فيه، وما يكون هذا البغي إلا مع عدم التجرد.

وإن شئت «فتِّشْ نفسَك تجدْك مبتلىً بمعصية أو نقصٍ في الدين، وتجدْ من تبغضه مبتلىً بمعصية أو نقصٍ آخر ليس في الشرع بأشدّ مما أنت مبتلىً به، فهل تجد استشناعك ما هو عليه مساويًا لاستشناعك ما أنتَ عليه، وتجد مقتَك نفسَك مساويًا لمقتك إياه؟

وبالجملة، فمسالك الهوى أكثر من أن تُحْصى، وقد جَرّبتُ نفسي أنني ربما أنظر في القضية زاعمًا أنه لا هوى لي، فيلوح لي فيها معنى، فأقرِّره تقريرًا يُعجبني، ثم يلوح لي ما يخْدِش في ذاك المعنى، فأجدني أتبرَّم بذلك الخادش، وتُنازعني نفسي إلى تكلُّف الجواب عنه، وغضِّ النظر عن مناقشة ذاك الجواب، وإنما هذا لأني لمَّا قررتُ ذاك المعنى أولاً تقريرًا أعجبني صرتُ أهوَى صحته، هذا مع أنه لم يعلم بذلك أحد من الناس، فكيف إذا كنتُ قد أذعتُه في الناس، ثم لاح لي الخدش؟ فكيف لو لم يَلُح لي الخدش، ولكنّ رجلاً آخر اعترض عليّ به؟ فكيف لو كان المعترضُ ممن أكرهه؟!

هذا ولم يكلَّف العالِمُ بأن لا يكون له هوى، فإنّ هذا خارج عن الوسع، وإنما الواجب على العالِم أن يفتِّش نفسه عن هواها حتى يعرفه، ثم يحترز منه، ويُمعِنَ النظرَ في الحق من حيث هو حق؛ فإن بان له أنه مخالف لهواه آثر الحق على هواه، وهذا والله أعلم معنى الحديث

صفحة مطبوعة 68 · ورقة PDF 68رابط الصفحة المنفردة

الذي ذكره النووي في «الأربعين» وذكر أن سنده صحيح، وهو: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به».

والعالِم قد يُقصِّر في الاحتراس من هواه، ويسامح نفسَه، فتميل إلى الباطل، فينصره وهو يتوهَّم أنه لم يخرج من الحق ولم يُعادِه، وهذا لا يكاد ينجو منه إلا المعصوم، وإنما يتفاوت العلماء، فمنهم من يَكثُر منه الاسترسال مع هواه ويفحُش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمِّد، ومنهم من يقِلُّ ذلك منه ويخِفُّ. ومن تتبَّعَ كتب المؤلفين الذين لم يُسندوا اجتهادهم إلى الكتاب والسنة رأسًا رأى فيها العجب العُجاب، ولكنه لا يتبين له ذلك إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى، أو يكون هواه مخالفًا لما في تلك الكتب، على أنه إذا استرسل مع هواه زعم أن موافقيه براء من الهوى، وأن مخالفيه كلَّهم متبعون للهوى، وقد كان من السلف من يبالغ في الاحتراس من هواه حتى يقع في الخطأ من الجانب الآخر، كالقاضي يختصم إليه أخوه وعدوّه، فيبالغ في الاحتراس حتى يظلم أخاه، وهذا كالذي يمشي في الطريق، ويكون عن يمينه مزلَّة، فيتَّقيها ويتباعد عنها، فيقع في مزِلَّة عن يساره»(65) .

وإن الحوار لا يثمر إن لم يكن كلا طرفيه متجردين للحق لا يبغون عنه حِولًا، فإن فقد أحدهما ذلك الشرط فقد وقعا في المراء المذموم، قال ابن المقفع: «واعلم أن المماري هو الذي لا يريد أن يتعلم، ولا أن يُتَعَلَّمَ منه، فإن زعم زاعم أنه مجادل في الباطل عن الحق، فإن المجادل،

صفحة مطبوعة 69 · ورقة PDF 69رابط الصفحة المنفردة

وإن كان ثابت الحجة، ظاهر البينة، حاضر الذهن، فإنه يخاصم إلى غير قاضٍ، وإنما قاضيه الذي لا يعدل بالخصومة إلا إليه عدل صاحبه وعقله، فإن آنس أو رجا عند صاحبه عدلًا يقضي به على نفسه، فقد أصاب وجه أمره، وإن تكلم على غير ذلك كان مماريًا»(66)

فإن بلغ الحوار أن يكون مراء لا يرجى خيره؛ فالواجب تركه والتحول عنه، «فينبغي للإنسان أن ينكر المنكر من القول، ويبين الصواب، فإن قبل منه وإلا ترك المماراة، هذا إذا كان الأمر معلقاً بالدين، فأما إذا كان في أمور الدنيا، فلا وجه للمجادلة فيه»(67) ، «على أن الخصم متى كان الهوى مركبه، والعناد مطلبه، فلن تفلح معه، ولو خرجت اليد بيضاء وانقلبت العصا حية»(68) .

صفحة مطبوعة 70 · ورقة PDF 70رابط الصفحة المنفردة

العلم :

إنما يكون ذكرنا لبعض الآداب من باب دفع عيب خلو الكتاب من ذكرها، لا من باب الحاجة إلى التنبيه عليها، وإلا فضرورة التزام الآداب كالإخلاص، والتجرد، والعلم، وما شاكلها من الواضح الذي لا يخفى، ولكن نفيد من التنبيه عليها؛ التذكير والتنبه إلى نقص يعرض لبني آدم في تحقيق تلك الآداب، ونغتنم بذكر تلك الآداب سياقة لطائف من كلام النوابغ في التنبيه على تلك الأخلاق.

وقد عيَّر ربنا سبحانه المشاقِّين من أهل الكتاب فقال: ﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ﴾ [آل عمران: 66].

فبيَّن عزَّ شأنه أن الكلام والمحاجة إنما تكون فيما يعلمه الإنسان، فإن غابت عنه المعرفة: استلزم ذلك سكوته وكفه، «وليسكت بحلم أَو لينطق بِعلم فَلِكُل مقَام مقَال وَلكُل نزال رجال، وَإِن من الْعلم أَن تَقول لما لَا تعلم: الله وَرَسُوله أعلم»(69) ، «وقد يقول الرجل ويحكم بغير علم فيأثم على ذلك كما يأثم إذا قال بخلاف ما يعلمه من الحق»(70) .

قال جعفر الصادق رضي الله عنه: «إن الله خص عباده بآيتين من كتابه: أن لا يقولوا حتى يعلموا، ولا يَرُدوا ما لم يعلموا وقال عز وجل: ﴿أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ﴾ [الأعراف: 169]، وقال: ﴿بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ﴾ [يونس: 39]»(71) .

صفحة مطبوعة 71 · ورقة PDF 71رابط الصفحة المنفردة

فاعلم أن الذم لاحقٌ للمتكلم بغير علم «وإن أصاب الحق فيه؛ فمخطئ فيما كان من فعله بقيله فيه برأيه، لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هو إصابة خارص وظان، والقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لا يعلم»(72) ، فإن عُلم ذلك «فحقيق على الأديب أن يخزن لسانه عن نطقه، ولا يرسله في غير حقه، وأن ينطق بعلم، وينصت بحلم، ولا يعجل في الجواب، ولا يهجم على الخطاب. وإن رأى أحداً هو أعلم منه، نصت لاستماع الفائدة عنه، وتحذر من الزلل والسقط، وتحفظ من العيوب والغلط، ولم يتكلم فيما لا يعلم، ولم يناظر فيما لا يفهم، فإنه ربما أخرجه ذلك إلى الانقطاع والاضطراب، وكان فيه نقصه عند ذوي الألباب»(73) .

وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ [النساء: 105](74) .

قال القرطبي رحمه الله: «فنهى الله عز وجل رسوله عن عضد أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة. وفي هذا دليل على أن النيابة عن المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز. فلا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق»(75) .

وليس

صفحة مطبوعة 72 · ورقة PDF 72رابط الصفحة المنفردة

الكلام عن فضل العلم مما تستطاع الإحاطة به، ويكفي لبيان خطورته؛ ارتفاع درجة العالم عن العابد إن استويا بالتقوى، قال محمد بن علي الباقر رضي الله عنه: «عالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد»(76) وقال: «والله لموت عالم أحب إلى إبليس من موت سبعين عابد»(77) وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: «تعلموا؛ فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء، ولا خير في سائر الناس بعدهما»(78)

صفحة مطبوعة 73 · ورقة PDF 73رابط الصفحة المنفردة

العدل والإنصاف :

«إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي به قامت السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات العدل وتبين وجهة بأي طريق كان فثَمَّ شرع الله ودينه»(79) .

«فالعدل قوام الدنيا والدين، وسبب صلاح المخلوقين، وله وضعت الموازين، وهو المرغوب المألوف المؤمِّن من كل مخوف، به تألفت القلوب والتأمت الشعوب، وظهر الصلاح واتصلت أسباب النجاح، وانعقلت عرى اليُمن والفلاح، وشمل الناس التناصف والتواصل والتعاطف، وهو مأخوذ من الاعتدال الذي هو القوام والاستواء المتجانبان للميل والالتواء، وهو ميزان الله في أرضه الذي يوفي به الحقوق ويرأب به الصدوع والفتوق، وحقيقته وضع الأمور في مواضعها، لا توضع الشدة مكان اللين وبضد ذلك، ولا السيف مكان السوط وبالعكس من ذلك، وإلى هذا أشار المتنبي في قوله:

ووضع الندى في موضع السيف بالعدى
مضرٌّ كوضع السيف في موضع الندى

والإنصاف هو استيفاء الحقوق واستخراجها بالأيدي العادلة والسياسات الفاضلة وهو والعدل توأمان نتيجتهما علو الهمة وبراءة الذمة باكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل، فالإنصاف استثمار والعدل

صفحة مطبوعة 74 · ورقة PDF 74رابط الصفحة المنفردة

استكثار»(80)

وقد روي عن علي رضي الله عنه في قول الله تعالى: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل: 90].

أنه قال: «العدل الإنصاف، والإحسان التفضل»(81) .

وقال الباقر رحمه الله: «لا عدل كالإنصاف»(82) .

«وقال بعض الحكماء: بالعدل والإنصاف تكون مدة الائتلاف.

وقال بعض البلغاء: إن العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق، ونصبه للحق، فلا تخالفه في ميزانه، ولا تعارضه في سلطانه، واستعن على العدل بخلتين: قلة الطمع، وكثرة الورع.

فإذا كان العدل من إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به، ولا صلاح فيها إلا معه، وجب أن نبدأ بعدل الإنسان في نفسه، ثم بعدله في غيره.

فأما عدله في نفسه فيكون بحملها على المصالح، وكفها عن القبائح، ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير، فإن التجاوز فيها جور، والتقصير فيها ظلم.

ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم، ومن جار عليها فهو على غيره أجور»(83) .

صفحة مطبوعة 75 · ورقة PDF 75رابط الصفحة المنفردة

وإنه لمن المعلوم أن عدل الإنسان في نفسه وإنصافه منها من أشد الأعمال على بني آدم، حتى قال مالك رحمه الله: «ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف»(84) ، وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: «أشد الأعمال ثلاثة: ذكر الله على كل حال، وإنصافك من نفسك، ومواساة الأخ في المال»(85) .

وعن أبي عبد الله الصادق رحمه الله قال: «من أنصف الناس من نفسه رُضي به حكمًا لغيره»(86) .

وجاء عن علي رضي الله عنه قوله: «ألا إنه من ينصف الناس من نفسه لم يزده الله إلا عزًّا»(87) .

وإن العدل والإنصاف في المتحاورين جميعًا هو من أركان الحوار، وبفقده تفتقد الثمرة المرجوة منه، قال القرطبي رحمه الله: «لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف، وإلا فهو مراء ومكابرة»(88) .

وقال تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: «ولما كانت المحاجة لا تنفع إلا مع العدل قال تعالى: ﴿إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ﴾ [العنكبوت: 46] فالظالم ليس علينا أن نجادله بالتي هي أحسن»(89) .

صفحة مطبوعة 76 · ورقة PDF 76رابط الصفحة المنفردة

وإن من أعظم أمثلة الإنصاف المضروبة هو حكم الله تعالى على أوليائه في قبالة أعدائه، فلم يحابِ أولياءه وينزههم من خطئهم إن تحقق فيهم، ونرى ذلك جليًّا في قول الله تعالى: ﴿يَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ﴾ [البقرة: 217].

فلما وقع من المسلمين قتال في شهر حرام، أثبت الله تعالى ذلك عليهم ولم ينزههم منه، وإنما بيَّن تفاوت الذنبين بين ما وقع فيه المسلمون، وبين جنايات المشركين، «والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة، لا سيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصرين نوع تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله، وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحدجاءت محاسنه بألف شفيع

فكيف يقاس ببغيض عدو جاء بكل قبيح، ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن»(90) .

وذكر العدل والإنصاف في مقام المناظرة والمحاورة لازم، إذ هي من دواعي نبذه ونسيانه وذلك في غمرة الانتصار للنفس وطلب

صفحة مطبوعة 77 · ورقة PDF 77رابط الصفحة المنفردة

مغالبة الخصم، قال الشوكاني رحمه الله: «ومن جملة الأسباب التي يتسبب عنها ترك الإنصاف وكتم الحق وغمط الصواب ما يقع بين أهل العلم من الجدال والمراء، فإن الرجل قد يكون له بصيرة وحسن إدراك ومعرفة بالحق ورغوب إليه فيخطئ في المناظرة، ويحمله الهوى ومحبة الغلب وطلب الظهور على التصميم على مقاله وتصحيح خطئه وتقويم معوجه بالجدال والمراء.

وهذه الذريعة الإبليسية والدسيسة الشيطانية قد وقع بها من وقع في مهاوي من التعصبات ومزالق من التعسفات عظيمة الخطر مخوفة العاقبة.

وقد شاهدنا من هذا الجنس ما يقضى منه العجب، فإن بعض من يسلك هذا المسلك قد يجاوز ذلك إلى الحلف بالأيمان على حقيقة ما قاله وصواب ما ذهب إليه، وكثيرًا منهم يعترف بعد أن تذهب عنه سَوْرة الغضب وتزول عنه نزوة الشيطان بأنه فعل ذلك تعمدًا مع علمه بأن الذي قاله غير صواب»(91) .

صفحة مطبوعة 78 · ورقة PDF 78رابط الصفحة المنفردة

الحلم والصبر :

جاءت هنا المزاوجة بين الحلم والصبر إذ إنهما قرينان لا يفترقان، فلا يكون حلم إلا بصبر، «قيل للأحنف بن قيس: ما الحلم؟ قال: أن تصبر على ما تكره قليلًا»(92) ، وذكْر الحلم في آداب المناظرة بيِّن، إذ لا ينتفع إلا بالحليم، وقلَّما كان انتفاع بغضوب، قال ابن عقيل رحمه الله: «قلَّ أن يصح رأي مع فورة طبع، فوجب التوقف إلى حين الاعتدال»(93) .

وصدق جعفر الصادق رحمه الله إذ قال: «الغضب مفتاح كل شر»(94) .

«فالحلم لقاح العلم فإذا اجتمعا حصلت سيادة الدنيا والآخرة، وحصل الانتفاع بعلم العالم، وإن انفرد أحدهما عن صاحبه فات النفع والانتفاع»(95) .

«والفرق بين الصبر والحلم أن الصبر ثمرة الحلم وموجبه فعلى قدر حلم العبد يكون صبره، فالحلم في صفات الرب تعالى أوسع من الصبر ولهذا جاء اسمه الحليم في القرآن في غير موضع، ولِسَعَته يقرنه سبحانه باسم العليم كقوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمٗا﴾ [الأحزاب: 51] ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٞ﴾ [النساء: 12]»(96) «ولما كان اسم الحليم أدخل في الأوصاف، واسم الصبور في الأفعال، كان الحلم أصل الصبر؛ فوقع الاستغناء بذكره في القرآن عن اسم الصبور والله

صفحة مطبوعة 79 · ورقة PDF 79رابط الصفحة المنفردة

أعلم»(97)

«فالصدق والوفاء توأمان، والصبر والحلم توأمان، فهن تمام كل دين، وصلاح كل دنيا، وأضدادهن سبب كل فرقة، وأصل كل فساد»(98) ، «وباستعمال الصبر تدرك الشجاعة والحلم»(99) .

«وقد مدح الله تعالى خليله إبراهيم عليه السلام بالحلم فقال: ﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞ﴾ [هود: 75]، فالحليم: المتجاوز، والأواه: الذي يذكر ذنوبه ويتأوه، والمنيب: الذي أقبل على طاعة الله تعالى.

وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر والحلم، وأخبره أن الأنبياء الذين كانوا قبله كانوا على ذلك، فقال تعالى: ﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، يعني اصبر على تكذيب الكفار وأذاهم، كما صبر الأنبياء الذين أمروا بالقتال مع الكفار، وأولو العزم هم ذوو الحزم، وهم الذين يثبتون على الأمر ويصبرون عليه، وقال الحسن في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا﴾ [الفرقان: 63] يعني: قالوا حلما، وإن جهل عليهم حلموا»(100) .

فالحلم ركن من أركان السيادة عند العرب وقد يقدمونه على غيره

صفحة مطبوعة 80 · ورقة PDF 80رابط الصفحة المنفردة

من أركانها كالشجاعة والسخاء، قال أبو بكر بن عياش: «إن أهل الجاهلية لم يكونوا يسوِّدون عليهم أحدًا لشجاعة ولا لسخاء، إنما كانوا يسوَّدون من إذا شُتم حلم، وإذا سئل حاجة قضاها أو قام معهم فيها»(101)

وقال أبو عمرو بن العلاء: «كانوا لا يسوِّدون إلا من تكاملت فيه ست خصال، وتمامهن في الإسلام السابعة: السخاء، والنجدة، والصبر، والحلم، والبيان، والتواضع، وتمامهن في الإسلام: الحياء»(102) .

وسئل عبد الله بن عمر عن السؤدد فقال: «الحلم السؤدد»، وقال أيضًا: «نحن معشر قريش نعدُّ الحلم والجود السؤدد، ونعدُّ العفاف وإصلاح المال المروءة»(103) .

وكلام السلف من الصحابة والتابعين وأخبارهم في فضل الحلم فوق أن يحاط بها في مثل كتابنا هذا، ولكن نقتطف من بساتينهم بعض تلك الأقوال والأخبار للاعتبار والائتساء.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أول عوض الحليم من حلمه أن الناس كلهم أعوانه على الجاهل»(104) .

وجاء رجل إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه، فقال: «يا أبا عبد الله أوصني، قال: لا تغضب، قال: أمرتني أن لا أغضب وإنه ليغشاني ما لا أملك،

صفحة مطبوعة 81 · ورقة PDF 81رابط الصفحة المنفردة

قال: فإن غضبت فاملك لسانك ويدك»(105)

وذكر ابن عائشة أن رجلًا من أهل الشام قال: «دخلت المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فرأيت رجلًا راكبًا على بغلة لم أرَ أحسن وجهًا ولا سمتًا ولا ثوبًا ولا دابة منه، فمال قلبي إليه فسألت عنه فقيل: هذا الحسن بن علي بن أبي طالب، فامتلأ قلبي له بغضًا وحسدت عليًا أن يكون له ابن مثله، فصرت إليه وقلت له: أأنت ابن علي بن أبي طالب؟ قال: أنا ابنه، قلت: فعل بك وبأبيك أسُبُّهما ؛ فلما انقضى كلامي قال لي: أحسبك غريبًا؟ قلت: أجل، قال: مل بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال آسيناك، أو إلى حاجة عاوناك؛ قال: فانصرفت عنه وما على الأرض أحب إليَّ منه، وما فكرت فيما صنع وصنعت إلا شكرته وخزيت نفسي»(106) .

وقال عيينة بن حصن يومًا لعمر: «يا ابن الخطاب، والله ما تقسم بالعدل، ولا تعطي الجزل، فغضب عمر غضبًا شديدًا حتى هم أن يوقع به، فقال له ابن أخيه: يا أمير المؤمنين، إن الله عز وجل يقول في محكم كتابه: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين، قال: فخلى عنه عمر، وكان وقَّافًا عند كتاب الله عز وجل(107) » .

وسبَّ رجل ابن عباس رضي الله عنهما فلما فرغ قال: «يا عكرمة، هل للرجل

صفحة مطبوعة 82 · ورقة PDF 82رابط الصفحة المنفردة

حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى»(108)

وشكا رجل جاره إلى جعفر الصادق رحمه الله، فقال: «اصبر عليه، فقال: ينسبنى الناس إلى الذل، فقال: إنما الذليل من ظَلم، إنما الذليل من ظَلم»(109) .

وعن سفيان قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين رحمه الله، فقال له: «إن فلانًا قد آذاك، ووقع فيك، قال: فانطلق بنا إليه، فانطلق معه، وهو يرى أنه سينتصر لنفسه فلما أتاه قال: يا هذا إن كان ما قلت فيَّ حقًّا، فغفر الله لي، وإن كان ما قلت فيَّ باطلًا، فغفر الله لك»(110) .

وقد أوصى علي بن الحسين ابنه محمد بن علي عليهم السلام، فقال: «يا بني، عليك بتجرع الغيظ من الرجال، فإن أباك لا يسره بنصيبه من تجرع الغيظ من الرجال حمر النعم، والحلم أعز ناصرًا وأكثر عددًا»(111) .

وعن عبد الغفار بن القاسم قال: كان علي بن الحسين رحمه الله خارجًا من المسجد، فلقيه رجل فسبَّه، فثارث إليه العبيد والموالي، فقال علي بن الحسين: «مهلًا على الرجل، ثم أقبل على الرجل، فقال: ما سُتر عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل، فألقى عليه خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك يقول:

صفحة مطبوعة 83 · ورقة PDF 83رابط الصفحة المنفردة

أشهد أنك من أولاد الرسول»(112)

فاعتبر بما قرأت من تلك اللطائف، «ولتكن المساهلة في أخلاقك أغلب عليك من المعاسرة، والحلم أولى بك من العجلة، والصبر الحاكم عليك دون الجزع، والعفو أسبق إليك من المجازاة بالذنوب والمكافأة بالسوء»(113) .

فإن قالت لك نفسك: إنما تلك أخبار رجال جُبلوا على الحلم فكان لهم طبعًا وملكة، فنقول: «المزاولات تعطي الملكات، ومعنى هذا أن من زاول شيئًا واعتاده وتمرَّن عليه صار ملكةً له وسجيَّةً وطبيعة، والعوائد تنقل الطبائع، فلا يزال العبد يتكلف التصبر حتى يصير الصبر له سجية، كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات حتى تصير له أخلاقًا بمنزلة الطبائع، قالوا: وقد جعل الله سبحانه في الإنسان قوة القبول والتعلم، فنقل الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل، غير أن هذا الانتقال قد يكون ضعيفًا فيعود العبد إلى طبعه بأدنى باعث، وقد يكون قويا ولكن لم ينقل الطبع فقد يعود إلى طبعه إذا قوي الباعث واشتد، وقد يستحكم الانتقال بحيث يستحدث صاحبه طبعًا ثانيًا؛ فهذا لا يكاد يعود إلى طبعه الذى انتقل عنه»(114) .

الرحمة والشفقة :

صفحة مطبوعة 84 · ورقة PDF 84رابط الصفحة المنفردة

قد استقر في الكتاب والسنة بيان الرحمة والرفق والشفقة بالمخالف، ونرى ذلك جليًّا في دعوة الأنبياء أقوامهم، فالرحمة والشفقة عليهم والرغبة في هدايتهم هي السمة البارزة في دعوة الأنبياء، وهؤلاء المخالفون لم يكونوا مباينين للأنبياء بأمور فرعية، بل كانت مباينتهم لهم في أصل الأصول؛ توحيد الله عز وجل، فإن علمت ذلك علمت وجوب أن تكون الرحمة والشفقة والرأفة وإرادة هداية المخالف للحق هي السمة البارزة في الحوار الإسلامي/ الإسلامي، فمهما بلغ الخلاف؛ فهو دون خلاف المشركين لأنبيائهم، فإن كانت الرحمة قدمت في سيرة الأنبياء وسنتهم؛ فينبغي أن تكون المقدمة في حوار المسلم للمسلم.

وكل حوار يقوم بغير غرض الهداية وظهور الحق؛ فالإثم فيه أقرب للمحاور من الثواب، وعن مسلك المحاور في حواره للمخالفين قال ابن تيمية رحمه الله: «إن لم يقصد فيه أي الرد عليهم بيان الحق وهدى الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم، لم يكن عمله صالحًا.

وإذا غلَّظ في ذم بدعة ومعصية كان قصده بيان ما فيها من الفساد ليحذرها العباد، كما في نصوص الوعيد وغيرها، وقد يُهجر الرجل عقوبة وتعزيرًا، والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله، للرحمة والإحسان، لا للتشفي

صفحة مطبوعة 85 · ورقة PDF 85رابط الصفحة المنفردة

والانتقام»(115)

فارحم مخالفك إن أخطأ، وارج ظهور الحق وإن كان على يديه، وما أقل هذا النُّبل في الناس اليوم، حتى إنه ليصدق فيهم ما قاله أحد الفضلاء: «خالطت الناس منذ سبعين سنة، فما وجدت إلا رجلًا يركب هواه، حتى لو أخطأ لأحب أن يخطئ الناس معه، ولأن يُضرب ظهري بالسياط أحب إليَّ من أن يخطئ رجل مسلم»(116) .

وإن من أجلى أمثلة الرحمة بالمخالف ماكان من عمر لهشام بن العاص، وذلك في الخبر الذي يرويه ابن عمر، عن أبيه قال: «لما اجتمعنا للهجرة اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص، قلنا: الميعاد بيننا «أضاة بني غفار»، فمن أصبح منكم لم يأتها فقد حُبس، فليمض صاحباه، فأصبحت عندها أنا وعياش، وحُبس عنا هشام بن العاص، وفُتن فافتتن.

وقدمنا المدينة، وكنا نقول: «والله ما الله بقابل من هؤلاء توبة؛ قوم عرفوا الله وآمنوا به وصدقوا رسوله، ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم من الدنيا»، كانوا يقولونه لأنفسهم، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ﴾ إلى قوله ﴿مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 53 60]، قال عمر: فكتبتها بيدي، ثم بعثت بها إلى هشام، فقال هشام: فلما قدِمت عليَّ خرجت إلى ذي طوى، فجعلت أُصَعِّد فيها وأُصَوِّب لأفهمها، فعرفت أنها أُنزلت فينا، لما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم»(117) .

صفحة مطبوعة 86 · ورقة PDF 86رابط الصفحة المنفردة

ومن جميل ما ينسب إلى ابن مسعود رضي الله عنه قوله: «إن الرجل ليظلمني فأرحمه»(118) ، وعلق الغزالي رحمه الله على تلك العبارة بقوله: «وهذا إحسان وراء العفو، لأنه يشتغل قلبه بتعرضه لمعصية الله تعالى بالظلم وأنه يطالب يوم القيامة فلا يكون له جواب»(119) .

وعن جبير بن نفير قال: «لما فتحت قبرس وفُرِّق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض، رأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره، بينا هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله عز وجل فصاروا إلى ما ترى»(120) .

وجاء في الخبر أن الناس كلموا عبد الرحمن بن عوف أن يكلم عمر بن الخطاب في أن يلين لهم فإنه قد أخافهم حتى أخاف الأبكار في خدورهن، فكلمه عبد الرحمن فالتفت عمر إلى عبد الرحمن فقال: «له يا عبد الرحمن إني لا أجد لهم إلا ذلك، والله لو أنهم يعلمون ما لهم عندي من الرأفة والرحمة والشفقة لأخذوا ثوبي من عاتقي»(121) .

وهذا وإن كان قد جاء في باب رحمة الراعي للرعية فوجوب الاتصاف به مع محاور ليس في عنقه لمحاوره من واجبات الطاعة والتوقير ما للحاكم على رعيته؛ من باب أولى، والله تعالى أعلم.

صفحة مطبوعة 87 · ورقة PDF 87رابط الصفحة المنفردة

العزة والثبات على الحق :

مما يناسب هذا الموضع، أن نُتبع ذكر الرحمة والشفقة بذكر العزة، إذ اتصاف الإنسان بالأوليَيْن لا يناقض اتصافه بالأخرى، فإنه وإن كان رحيمًا شفيقًا؛ فإنه عزيز لا يضام جانبه، ولا يستذل ولا يهضم حقه؛ وخاصة إن كان المراد نيل الحق الذي معه وتوهينه؛ فإن الواجب عليه في تلك الحال أن يحمي دينه وذلك بإعزاز أهله الذي هو منهم وإعلاء راية الحق التي يمثلها، مع توقِّيه المبالغة التي تؤديه إلى البغي على مخالفه.

«ومن المعلوم أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، فمن كان مؤمنًا فإنه الأعلى بنص القرآن.

وقال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8] وقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ٢٠كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ﴾ [المجادلة: 20 21] والله محقق وعده لمن هو كذلك كائنًا من كان»(122) .

ومن جميل عبارات العزة ما جاء على لسان تقي الدين ابن تيمية حين بيَّن ما ينبغي عليه أن يكون حال المسلمين فقال: «فإن الكلمة الواحدة من سب النبي صلى الله عليه وسلم لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار، ولأن يظهر دين الله ظهورًا يمنع أحدًا أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان»(123) .

صفحة مطبوعة 88 · ورقة PDF 88رابط الصفحة المنفردة

وقال جعفر الصادق رحمه الله: «إن الله عز وجل فوَّض إلى المؤمن أموره كلها ولم يفوض إليه أن يُذِل نفسه، ألم تسمع لقول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8]، فالمؤمن ينبغي أن يكون عزيزًا ولا يكون ذليلًا، يعزه الله بالإيمان والإسلام»(124) .

ومن نماذج العزة ما رواه ابن المبارك قال: أخبرنا حرملة ابن عمران، حدثني كعب بن علقمة، أن غرفة بن الحارث الكندي وكانت له صحبة مرَّ به نصراني، فدعاه إلى الإسلام، فتناول النبي صلى الله عليه وسلم وذكَره، فرفع غرفة يده فدق أنفه، فرُفع إلى عمرو بن العاص، فقال عمرو: أعطيناهم العهد، فقال غرفة: معاذ الله أن نكون أعطيناهم على أن يُظهروا شتم النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما أعطيناهم على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم، يقولون فيها ما بدا لهم، وألا نحملهم ما لا يطيقون، وإن أرادهم عدو قاتلناهم من ورائهم، ونخلي بينهم وبين أحكامهم، إلا أن يأتونا راضين بأحكامنا؛ فنحكم بينهم بحكم الله وحكم رسوله، وإن غيبوا عنا لم نعرض لهم فيها، قال عمرو: صدقت»(125) .

ومنها فعل عبد الله بن حذافة السهمي حين أسره أهل قيسارية، فأمر به ملكهم، فجُرب بأشياء صبر عليها، ثم جعلوا له في بيت معه الخمر ولحم الخنزير ثلاثًا لا يأكل.

فاطلعوا عليه، فقالوا للملك: قد انثنى عنقه، فإن أخرجته، وإلا

صفحة مطبوعة 89 · ورقة PDF 89رابط الصفحة المنفردة

مات، فأخرجه، وقال: ما منعك أن تأكل وتشرب؟ قال: أما إن الضرورة كانت قد أحلتها لي، ولكن كرهت أن أشمتك بالإسلام، قال: فقبِّل رأسي، وأخلي لك مائة أسير، قال: أما هذا فنعم، فقبَّل رأسه، فخلَّى له مائة، وخلى سبيله(126)

ومنها ما كان في حوار المغيرة بن شعبة في محضر رستم قائد الفرس، والقصة ذكرها ابن الأثير رحمه الله وكان فيها: «.. فلما كان الغد أرسل رستم : ابعثوا إلينا رجلًا، فبعث المغيرة بن شعبة، فأقبل إليهم وعليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة، لا يوصل إلى صاحبهم حتى يمشى عليها، فأقبل المغيرة حتى جلس مع رستم على سريره، فوثبوا عليه وأنزلوه ومعكوه، وقال: قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قومًا أسفه منكم، إنا معشر العرب لا نستعبد بعضنا بعضا، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، فكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، فإن هذا الأمر لا يستقيم فيكم ولا يصنعه أحد، وإني لم آتكم ولكن دعوتموني، اليوم علمت أنكم مغلوبون، وأن ملكًا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول، فقالت السفلة: صدق والله العربي. وقالت الدهاقين: والله لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا ينزعون إليه، قاتل الله أولينا حين كانوا يصغرون أمر هذه الأمة!.

ثم تكلم رستم فحمد قومه وعظم أمرهم وقال: لم نزل متمكنين في البلاد، ظاهرين على الأعداء، أشرافًا في الأمم، فليس لأحد مثل عزنا وسلطاننا، نُنصَر عليهم ولا

صفحة مطبوعة 90 · ورقة PDF 90رابط الصفحة المنفردة

يُنصرون علينا، إلا اليوم واليومين والشهر للذنوب، فإذا انتقم الله منا ورضي علينا رد لنا الكرَّة على عدونا، ولم يكن في الأمم أمة أصغر عندنا أمرًا منكم، كنتم أهل قشف ومعيشة سيئة لا نراكم شيئًا، وكنتم تقصدوننا إذا قحطت بلادكم، فنأمر لكم بشيء من التمر والشعير ثم نردكم، وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلا الجهد في بلادكم، فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم، وآمر لكل منكم بوقر تمر وتنصرفون عنا، فإني أشتهي أن أقتلكم.

فتكلم المغيرة فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن الله خالق كل شيء ورازقه، فمن صنع شيئا فإنما هو يصنعه، وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك فنحن نعرفه، فالله صنعه بكم ووضعه فيكم، وهو له دونكم، وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال والضيق والاختلاف فنحن نعرفه ولسنا ننكره، والله ابتلانا به والدنيا دول، ولم يزل أهل الشدائد يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه، ولم يزل أهل الرخاء يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم، ولو شكرتم ما آتاكم الله لكان شكركم يقصر عما أوتيتم، وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال، ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر لكان عظيم ما ابتلينا به مستجلبًا من الله رحمة يرفه بها عنا، إن الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولًا، ثم ذكر مثل ما تقدم من ذكر الإسلام والجزية والقتال، وقال له: وإن عيالنا قد ذاقوا طعام بلادكم، فقالوا: لا صبر لنا عنه.

فقال رستم: إذا تموتون دونها، فقال المغيرة: يدخل من قُتل منا الجنة، ومن قُتل منكم النار، ويظفر من بقي منا بمن

صفحة مطبوعة 91 · ورقة PDF 91رابط الصفحة المنفردة

بقي منكم»(127)

وربما اشتبهت حال العزة بحال الكبر عند قليل الدراية، فيلتبس عليه الحال ويعسر عليه التمييز بين الحالين، فعلامة التفريق ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعريف الكبر فقال: «الكبر بَطَرُ الحق وغَمْط الناس»(128) ، فبطر الحق أي جحده وإنكاره ترفعًا، وغمط الناس أي احتقارهم وازدراؤهم، فمن سلِم من هذين فقد سلم من الكبر وتنزَّه عنه، وفي هذا السياق ما يروى من أنه قيل للحسين بن علي رضي الله عنهما: «إن فيك عظمة، قال: لا، بل فيَّ عزة، قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8]»(129) .

صفحة مطبوعة 92 · ورقة PDF 92رابط الصفحة المنفردة

حسن الإنصات والاستماع للمحاور :

كان أعرابي يجالس الشعبي ويطيل الصمت، فقال له الشعبي يوماً: «ألا تتكلم؟ فقال: أسكتُ فأسلَم وأسمعُ فأعلَم؛ إن حظ المرء في أذنه له، وفي لسانه لغيره»(130) .

وأنت ترى اليوم من يبادر إلى الكلام قبل أن يسمع، وأعني هنا مطلق السماع، وكم كثر هذا في مواقع التواصل، فترى من يتكلم ويفتي الناس ويأمرهم وينهاهم وهو محروم السماع، فقير الأصول، ليس له من آلة العلم حظ ولا نصيب، وقريب منه من حاز آلة ومعرفة ولكنه يتكلم في موضوع لم يضبط أطرافه، فكأن ما حصَّله في غيره من علوم قد جرأه على الكلام في ما لا يعلم بالقياس والشَّبَه، وكم زل في مثل هذا فاضل.

«فحقيق على الأديب أن يخزن لسانه عن نطقه، ولا يرسله في غير حقه، وأن ينطق بعلم، وينصت بحلم، ولا يعجل في الجواب، ولا يهجم على الخطاب، وإن رأى أحداً هو أعلم منه، نصت لاستماع الفائدة عنه، وتحذر من الزلل والسقط، وتحفظ من العيوب والغلط، ولم يتكلم فيما لا يعلم، ولم يناظر فيما لا يفهم، فإنه ربما أخرجه ذلك إلى الانقطاع والاضطراب، وكان فيه نقصه عند ذوي الألباب»(131) .

يروى أن لقمان لابنه: «يا بني إن غُلبتَ على الكلام، فلا تُغلب على الصمت، فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول. إني ندمتُ

صفحة مطبوعة 93 · ورقة PDF 93رابط الصفحة المنفردة

على الكلام مرارًا ولم أندم على الصمت مرةً واحدة»(132)

ولما قيل لعبد الله بن عباس: أنَّى لك هذا العلم؟ قال: «قلب عقول، ولسان سؤول»(133) .

وقال عبد الله بن الحسن لابنه: «يا بني! استعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك فيها نفسك إلى القول؛ فإن للقول ساعات يضر فيها الخطأ، ولا ينفع فيها الصواب»(134) .

وفضائل حسن الإنصات لا تحصى ففيه تحصيل العلم، والسلامة من ظلم الخصم عبر التثبت من مراده، وقد «روي في أدب القضاء عن علي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له: إذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء»(135) ، وعليه يقاس الحوار والمناظرة، فلا تقض بصواب ما عندك حتى تسمع ما عند خصمك فأينما ظهر لك الحق قلتَ به وقضيت، وإن على نفسك.

وقد قسَّم ابن القيم رحمه الله العلم إلى ست مراتب، جعل ثانيها حسن الإنصات والاستماع، وقال: «ومن الناس من يُحرَمُه العلم لسوء

صفحة مطبوعة 94 · ورقة PDF 94رابط الصفحة المنفردة

إنصاته، فيكون الكلام والممارات آثر عنده وأحب إليه من الإنصات، وهذه آفة كامنة في أكثر النفوس الطالبة للعلم، وهي تمنعهم علمًا كثيرًا ولو كان حَسَن الفهم.

ذكر ابن عبد البر عن بعض السلف أنه قال: من كان حسن الفهم رديء الاستماع لم يقم خيره بشره، وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب العلل له قال: كان عروة بن الزبير يحب مماراة ابن عباس فكان يخزن علمه عنه، وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يلطف له في السؤال فيعزه بالعلم عزًّا، وقال ابن جريج: لم أستخرج العلم الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به، وقال بعض السلف: إذا جالست العالم فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ﴾ [ق: 50]، فتأمَّل ما تحت هذه الألفاظ من كنوز العلم وكيف تفتح مراعاتها للعبد أبواب العلم والهدى، وكيف ينغلق باب العلم عنه من إهمالها وعدم مراعاتها، فإنه سبحانه أمر عباده أن يتدبروا آياته المتلوة المسموعة والمرئية المشهودة بما تكون تذكرة لمن كان له قلب، فإن من عدِم القلب الواعي عن الله لم ينتفع بكل آية تمر عليه ولو مرت به كل آية، ومرور الآيات عليه كطلوع الشمس والقمر والنجوم ومرورها على من لا بصر له، فإذا كان له قلب كان بمنزلة البصير إذا مرت به المرئيات فإنه يراها»(136) .

قال يزيد بن أبي حبيب: «إن من فتنة العالم الفقيه أن يكون الكلام

صفحة مطبوعة 95 · ورقة PDF 95رابط الصفحة المنفردة

أحب إليه من الاستماع وإن وجد من يكفيه، فإنه في الاستماع سلامة، وزيادة في العلم، والمستمع شريك المتكلم، وفي الكلام إلا ما عصم الله تَوَهُّقٌ وتزيُّنٌ وزيادةٌ ونقصانُ»(137)

وجاء في الزهد لوكيع رحمه الله: حدثنا مسعر، عن معن بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: «إن استطعت أن تكون أنت المحدَّث» يعني فافعل(138) .

وفي جماع هذا الأدب في الحوار ما يروى من مقالة الحسين بن علي لابنه: «يا بني، إذا جالستَ العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلَّم حسن الاستماع كما تتعلَّم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثًا وإن طال حتى يُمسك»(139) .

وإن من تمام هذا الأدب أن يتكلم المتكلم ما رأى من الناس إقبالًا عليه وإلا كفَّ، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «حدِّث الناس ما حدجوك بأسماعهم، ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم إعراضًا فأمسك»(140) .

صفحة مطبوعة 96 · ورقة PDF 96رابط الصفحة المنفردة

الهدوء واعتدال النفس والمزاج :

من توخى الفائدة في حواره كان لزامًا عليه أن يتخير ساعات هدوء باله وصفاء ذهنه واعتدال مزاجه، «ومعلوم أن الرأي لا يتحقق إلا مع اعتدال المزاج»(141) ، إذ بكثرة الصوارف والشواغل تقل الفائدة، فينبغي أن يحرص على توقي كل مُشغِل عن حصد ثمرة الحوار، فيتحين من حالاته حال السكينة والطمأنينة.

وقد جاء الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان»(142) .

والحوار قضاء وحكم، تحكم فيه على نفسك ومحاورك بصواب أو خطأ، فتنظر في الأدلة وترجح؛ فيصدق عليه ما يصدق على القضاء من النهي عن الحكم حال الغضب، ويقاس على الغضب كل ما كان مُهَيِّجًا للطبع مُحيلًا عن حال الاعتدال، كشدة الفرح أو الحزن أو الجوع أو الألم أو الفاقة أو الخوف وما شابه ذلك من الصوارف الصادة عن حسن الرأي، قال ابن القيم رحمه الله: «فالصحابة رضي الله عنهم مثَّلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبيَّنوا لهم سبيله، وهل يستريب عاقل في أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان»، إنما كان ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال

صفحة مطبوعة 97 · ورقة PDF 97رابط الصفحة المنفردة

الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد، فمن قَصَر النهي على الغضب وحده دون الهم المزعج والخوف المقلق والجوع والظمأ الشديد وشغل القلب المانع من الفهم فقد قلَّ فقهه وفهمه»(143)

وقال الشافعي: «ومعقول في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان»، أنه أراد أن يكون القاضي حين يحكم في حال لا يتغير فيها عقله، ولا خلقه، والحاكم أعلم بنفسه، فأي حال أتت عليه تغير فيها عقله، أو خلقه، ينبغي أن لا يقضي حتى تذهب، وأي حال صار إليها فيها سكون الطبيعة، واجتماع العقل حَكَم، وإن غيَّره مرض، أو حزن، أو فرح، أو جوع، أو نعاس، أو ملالة ترك»(144) .

ومما روي في ذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل عن مسألة، فدخل مبادرًا ثم خرج في حذاء ورداء وهو مبتسم، فقيل له: «يا أمير المؤمنين، إنك كنت إذا سئلت عن المسألة تكون فيها كالسكة المحماة، قال: إني كنت حاقنًا ولا رأي لحاقن»(145) .

صفحة مطبوعة 98 · ورقة PDF 98رابط الصفحة المنفردة

التواضع ونبذ الاستعلاء :

كل من عدا طَوْرَه فقد استوجب المثلبة والذم، والإنسان عبدٌ قسرًا، فوجب أن يكون عبدًا طوعًا، فيتخلق بأخلاق العبودية، ومن أبرزها التواضع، فلا يحق له الكبر بحال، بل الكبر حق خالص للخالق، وكل من هو دونه فحقيق بالذلة والانكسار.

والحوار مجلبة للكبر، وميدان للفخر والاستطالة، فينبغي أن يحرص المحاور على أن لا يقع في شَرَك الكبر، وكم من محق باغٍ، وكم من مبطل مبغي عليه، «ولا يخلو المناظر من الثناء على نفسه بالقوة والغلبة والتقدم على الأقران، ولا ينفك في أثناء المناظرة عن قوله: لست ممن يخفى عليه أمثال هذه الأمور، وأنا المتفنن في العلوم والمستقل بالأصول وحفظ الأحاديث. وغير ذلك مما يتمدح به تارة على سبيل الصلف، وتارة للحاجة إلى ترويج كلامه، ومعلوم أن الصلف والتمدح مذمومان شرعًا وعقلًا»(146) ، والعلم من أعظم دواعي الكبر، وقد قيل: «إن للعلم طغيانًا كطغيان المال»(147) .

ولذلك كانت الوصية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وإن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»(148) .

«فنهى سبحانه على لسان رسوله عن نوعي الاستطالة

صفحة مطبوعة 99 · ورقة PDF 99رابط الصفحة المنفردة

على الخلق، وهي: الفخر والبغي؛ لأن المستطيل إن استطال بحق فقد افتخر، وإن كان بغير حق فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا»(149)

«وقال بعض الحكماء: وجدنا التواضع مع الجهل والبخل أحمد عند الحكماء من الكبر مع الأدب والسخاء، فأَنْبِلْ بحسنة غطت على سيئتين، وأَقْبِحْ بسيئة غطت على حسنتين، فالكبر هو ظن الإنسان بنفسه أنه أكبر من غيره، والتكبر: إظهار لذلك وهذه صفة لا يستحقها إلا الله تعالى، ومن ادعاها من المخلوقين فهو فيها كاذب، ولذلك صار مدحًا في حق الباري عز وجل، وذمًّا في البشر، وإنما شرف المخلوق في إظهار العبودية، كما قال تعالى: ﴿لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: 172]، تنبيهًا على أن ذلك لهم رفعة لا ضعة»(150) .

وكان من كلام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قولها: «إنكم لتُغفِلون أفضل العبادة التواضع»(151) .

وأخبار السلف من الصحابة وآل البيت في التواضع من الكثرة بمكان، فعن قابوس، عن أبيه، قال: «لقيت جرير بن عبد الله وهو جاء من الشام فسار بي فقال: انتهيتُ مرة إلى شجرة تحتها رجل قائم قد استظل بنطع له وقد جاوزت الشمس النطع، فسويته عليه، ثم إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان الفارسي، فذكرت له ما صنعت فقال: «يا جرير، تواضع لله عز وجل

صفحة مطبوعة 100 · ورقة PDF 100رابط الصفحة المنفردة

في الدنيا، فإنه من تواضع لله عز وجل في الدنيا رفعه الله يوم القيامة، يا جرير، أتدري ما ظلمة النار يوم القيامة؟ قلت: لا، قال: فإنه ظلم بعضهم بعضًا في الدنيا»(152)

وقد «كان عبد الرحمن بن عوف لا يُعرف من بين عبيده، يعني من التواضع في الزي»(153) .

وعن فضيل بن عياض قال: «رئي على سلمان جبة من صوف، فقيل له: لو لبست ألين من هذا، قال: إنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد فإذا عُتقت لبست ثيابًا لا تبلى حواشيها»(154) .

وروي أن عبد الله بن مسعود قال لأصحابه: «كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في السماء، وتخفون على أهل الأرض»(155) .

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نادى بالصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس وكثروا؛ صعد المنبر؛ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «أيها الناس، لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم، فيقبضن لي القبضة من التمر أو الزبيب، فأظل يومي وأي يوم، ثم نزل، فقال له عبدالرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين

صفحة مطبوعة 101 · ورقة PDF 101رابط الصفحة المنفردة

ما زدت على أن قئمت نفسك يعني: عبت قال: فقال: ويحك يا ابن عوف، إني خلوت؛ فحدثتني نفسي؛ قالت: أنت أمير المؤمنين؛ فمن ذا أفضل منك؟! فأردت أن أعرفها نفسها»(156)

وقال رجل لابن عمر: يا خير الناس وابن خير الناس، فقال: «لست بخير الناس، ولكني من عباد الله، أرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه»(157) .

وجاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن فريضة فقال: «ائت سعيد بن جبير فإنه أعلم بالحساب مني، وهو يفرض منها ما أفرض»(158) .

قال مجاهد رحمه الله: «كنت أصحب ابن عمر رضي الله عنهما في السفر فإن أردت أن أركب يأتيني فيمسك ركابي، وإذا ركبت سوى ثيابي، قال مجاهد: فجاءني مرة فكأني كرهت ذلك فقال: يا مجاهد إنك ضيِّق الخلق»(159) .

وقال الباقر رحمه الله: «ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك قلَّ ذلك أو كثر»(160) .

وعن ابن عباس قال: «قدم علينا عمر بن الخطاب حاجًّا، فصنع له صفوان بن أميَّة طعامًا، قال: فجاءوا بجفنة يحملها أربعة، فوضعت بين

صفحة مطبوعة 102 · ورقة PDF 102رابط الصفحة المنفردة

القوم، فأخذ القوم يأكلون، وقام الخدام، فقال عمر: مالي لا أرى خدامكم يأكلون معكم، أترغبون عنهم؟ فقال سفيان بن عبد الله: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكنا نستأثر عليهم. فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: ما لقوم يستأثرون على خدامهم، فعل الله تعالى بهم وفعل. ثم قال للخدام: اجلسوا، فكلوا، فقعد الخدام يأكلون، ولم يأكل أمير المؤمنين»(161)

«ودخل عثمان رضي الله عنه على غلام له يعلف ناقته، فرأى في علفها ما كرِه، فأخذ بأذن غلامه فعركها، ثم ندم فقال: افعل بي ما فعلت بك، فأبى الغلام فلم يَدَعْهُ حتى فعل، فجعل عثمان رضي الله عنه يقول له: شُدَّ شُدَّ، حتى ظن أنه قد بلغ منه مثل ما بلغ ثم قال عثمان: واهًا لقصاص الدنيا قبل قصاص الآخرة»(162) .

والأخبار كثيرة كما سبق وبينت، وإنما ذكرنا منها طرفًا ينير درب المقتدي، وربما عرض سؤال على الذهن: جاء عن بعض الصالحين مدحهم وتزكيتهم لأنفسهم؛ فكيف يستقيم ذلك والتواضع؟

قال ابن الجوزي عن قصة يوسف عليه السلام: «فإن قيل كيف مدح نفسه بهذا القول ومن شأن الأنبياء والصالحين التواضع؟

فالجواب: أنه لما خلا مدحه لنفسه من بغي وتكبر، وكان مراده به الوصول إلى حق يقيمه، وعدل يحييه، وجور يبطله؛ كان ذلك جميلًا جائزًا.

وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «أنا أكرم ولد آدم على ربه».

صفحة مطبوعة 103 · ورقة PDF 103رابط الصفحة المنفردة

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: والله ما آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته.

فهذه الأشياء خرجت مخرج الشكر لله وتعريف المستفيد ما عند المفيد»(163) .

ونحن وإن ذكرنا ما يحسن من تواضع المرء وهضمه لنفسه، فإنا ننبه بوجوب الاقتصاد والتوسط، إذ ما من خلق حسن إلا وله طرفان يلحق الذم المتصف بهما، فطرف التواضع الأول: الكبر، والطرف الثاني: الذلة والتخاسس، وفي بيان ذلك يقول الغزالي رحمه الله: «والمحمود أن يتواضع في غير مذلة ومن غير تخاسس، فإن كلا طرفي الأمور ذميم، وأحب الأمور إلى الله تعالى أوساطها.

فمن يتقدم على أمثاله فهو متكبر، ومن يتأخر عنهم فهو متواضع، أي وضع شيئا من قدره الذي يستحقه.

والعالم إذا دخل عليه إسكاف فتنحى له عن مجلسه وأجلسه فيه ثم تقدم وسوى له نعله وعدا إلى باب الدار خلفه فقد تخاسس وتذلل، وهذا أيضًا غير محمود بل المحمود عند الله العدل وهو أن يعطي كل ذي حق حقه، فينبغي أن يتواضع بمثل هذا لأقرانه ومن يقرب من درجته، فأما تواضعه للسوقي فبالقيام والبِشْر في الكلام والرفق في السؤال وإجابة

صفحة مطبوعة 104 · ورقة PDF 104رابط الصفحة المنفردة

دعوته والسعي في حاجته وأمثال ذلك وأن لا يرى نفسه خيرًا منه، بل يكون على نفسه أخوف منه على غيره فلا يحتقره ولا يستصغره وهو لا يعرف خاتمة أمره.

فإذن سبيله في اكتساب التواضع أن يتواضع للأقران ولمن دونهم حتى يخف عليه التواضع المحمود في محاسن العادات ليزول به الكبر عنه، فإن خف عليه ذلك فقد حصل له خلق التواضع، وإن كان يثقل عليه وهو يفعل ذلك فهو متكلف لا متواضع، بل الخُلق ما يصدر عنه الفعل بسهولة من غير ثقل ومن غير روية، فإن خف ذلك وصار بحيث يثقل عليه رعاية قدره حتى أحب التملق والتخاسس، فقد خرج إلى طرف النقصان، فليرفع نفسه إذ ليس للمؤمن أن تذل نفسه إلى أن يعود إلى الوسط الذي هو الصراط المستقيم، وذلك غامض في هذا الخُلق وفي سائر الأخلاق»(164) .

صفحة مطبوعة 105 · ورقة PDF 105رابط الصفحة المنفردة

التلطُّف وحسن الخطاب :

التلطف وحسن الخطاب هو ميدان الرحمن الذي بسطه لأوليائه، «وهو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وأهله، ومع الغريب والقريب، وهي سعة الصدر، ودوام البشر، وحسن الخلق، والسلام على من لقيه، والوقوف مع من استوقفه، والمزاح بالحق مع الصغير والكبير أحيانًا، وإجابة الدعوة، ولين الجانب حتى يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه، وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبًا، أو مستحبًّا، أو مباحًا يعين عليهما»(165) .

«فالرب سبحانه بسط هؤلاء مع خلقه؛ ليقتدي بهم السالك، ويهتدي بهم الحيران، ويشفى بهم العليل، ويستضاء بنور هدايتهم ونصحهم ومعرفتهم في ظلمات دياجي الطبع والهوى، فالسالكون يقتدون بهم إذا سكتوا، وينتفعون بكلماتهم إذا نطقوا، فإن حركاتهم وسكونهم لما كانت بالله ولله وعلى أمر الله جذبت قلوب الصادقين إليهم، وهذا النور الذي أضاء على الناس منهم هو نور العلم والمعرفة»(166) .

«فمن وعظ بالجفاء والاكفهرار فقد أخطأ وتعدى طريقته صلى الله عليه وسلم، وصار في أكثر الأمر مغريًا للموعوظ بالتمادي على أمره لجاجًا وحردًا ومغايظة للواعظ الجافي، فيكون في وعظه مسيئًا لا محسنًا، ومن وعظ ببشر وتبسم ولين وكأنه مشير برأي ومخبر عن غير الموعوظ بما يستفتح

صفحة مطبوعة 106 · ورقة PDF 106رابط الصفحة المنفردة

من الموعوظ فذلك أبلغ وأنجع في الموعظة، فإن لم يتقبل فلينتقل إلى الموعظة بالتحشيم وفي الخلاء، فإن لم يقبل ففي حضرة من يستحي منه الموعوظ، فهذا أدب الله في أمره بالقول واللين، وكان صلى الله عليه وسلم لا يواجه بالموعظة لكن كان يقول ما بال أقوام يفعلون كذا، وقد أثنى عليه الصلاة والسلام على الرفق، وأمر بالتيسير ونهى عن التنفير، وكان يتخوَّل بالموعظة خوف الملل، وقال تعالى: ﴿وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: 159] وأما الغلظة والشدة فإنما تجب في حد من حدود الله تعالى، فلا لين في ذلك للقادر على إقامة الحد خاصة»(167)

وليس من شرط البِشر أن يخف على قلبك حضور من بششت إليه، وإنما يراد منه تقريبه إلى الحق وأخذه له وتحاشي نفرته منه بداعي فظاظة الداعي، وقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «إنا لنكشِّر في وجوه قوم، وإن قلوبنا لتلعنهم»(168) وربما سبقَت ببشرك مودتك إلى قلب خصمك فيكون

صفحة مطبوعة 107 · ورقة PDF 107رابط الصفحة المنفردة

ذلك مفتاحًا لقبوله منك، فالبشاشة مصيدة المودة كما قال ابن عيينة رحمه الله(169) وقال بعض الحكماء: «الكلام اللين يغسل الضغائن المستكِنَّة في الجوانح»(170)

ورحم الله إبراهيم بن العباس إذ قال: والله لو وزنت كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحاسن الناس لرجحت، وهي قوله: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم»(171) .

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «من لانت كلمته، وجبت محبته»(172) .

وعن أم الدرداء قالت: بات أبو الدرداء ليلة يصلي، فجعل يبكي وهو يقول: «اللهم أحسنتَ خَلْقي فحسِّن خُلقي، حتى أصبح، فقلت: يا أبا الدرداء، ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حُسن الخلق، فقال: يا أم الدرداء، إن العبد المسلم يحسن خُلقه حتى يدخله حُسن الخُلق الجنة، ويسيء خُلقه حتى يدخله سوء خُلقه النار»(173) .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «من سلَّم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيا ذلك بأن الله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ﴾ [النساء: 86]»(174) .

صفحة مطبوعة 108 · ورقة PDF 108رابط الصفحة المنفردة

وعن أبي سنان قال: قلت لسعيد بن جبير: المجوسي يوليني من نفسه ويسلِّم عليَّ أفأرد عليه؟ فقال سعيد: سألت ابن عباس عن نحوٍ من ذلك فقال: «لو قال لي فرعون خيرًا لرددت عليه»(175) .

وقد كان بين علي رضي الله عنه وبين أهل الشام ما كان من اقتتال ودماء، ومع ذلك لما سمع قومًا من أصحابه يسبون أهل الشام قال: «إني أكره لكم أن تكونوا سبَّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبِّكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأَصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به»(176) .

وكان عبد الله بن عمر يقول: «بني، إن البر شيء هيِّن، وجه طليق وكلام لين»(177) .

وكان محمد بن علي الباقر رحمه الله يقول: «سلاح اللئام قبح الكلام»(178) ، ومن حَسَن كلام المأمون قوله: «الشتم عي، والبذاءة لؤم»(179) .

وروي عن علي رضي الله عنه قوله: «لِنْ لمن غالظك، فإنه يوشك أن يلين لك»، وقوله: «خذ على عدوك بالفضل فإنه أحد الظفرين»(180) .

صفحة مطبوعة 109 · ورقة PDF 109رابط الصفحة المنفردة

وفي قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا﴾ [البقرة: 83] قال أبو جعفر الباقر رحمه الله: «للناس كلهم»(181) .

وقال الصادق رحمه الله: «من كان رفيقًا في أمره نال ما يريد من الناس»(182) .

وروي عن أبي جعفر البصري قال: دخلت مع يونس بن عبد الرحمن على الرضا عليه السلام، فشكا إليه ما يلقى من أصحابه من الوقيعة، فقال الرضا عليه السلام: «دارهم فإن عقولهم لا تبلغ»(183) .

صفحة مطبوعة 110 · ورقة PDF 110رابط الصفحة المنفردة

نبذ التصورات المسبقة ومحاكمة الخصم إلى كلامه :

من مزالق الحوار ومن أعظم السدود الحاجبة لبلوغ نجاحه؛ محاكمة الخصم لما تصوَّرْتَه عنه دون ما نَطَقت به كلماته، فترى طرفي الحوار وكلًّا منهما يتكلم بما انبنى في ذهنه عن محاوره، ولا يلقي بالًا لما يصرح به من خلاف تلك التصورات، والتصورات المسبقة إما يكون بناؤها على ما استقر في ذهن المحاور عن الفرقة التي ينتمي إليها خصمه، وكثيرًا ما تكون تصورات مغلوطة، ففي كثير من الأحيان لا يكون قولًا للفرقة ككل، وإنما لشذَّاذها، فنسبة القول الشاذ لعموم الفرقة من الظلم البيِّن، قال ابن الوزير رحمه الله: «وقد ذكرت غير مرة أن في كل فرقة طوائف شاذةً تقول بمنكراتٍ من البدع، فمن أضاف بدعهم إلى عموم الفرقة التي شَذُّوا منها، فقد أساء، وتَنَزَّل منزلة الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا»(184) ، وربما بُني التصور على أكاذيب وافتراءات ألصقت بالفرقة من قِبل خصومها، وربما كان ذلك بناء على لازم قولٍ من أقوال تلك الفرقة؛ فيقع إصرار المحاور على إلصاق ذلك اللازم في خصمه، والذي لا يرى اللزوم ولا يقول بذلك اللازم، فيغني كل على ليلاه التي لا يعرفها الآخر.

فدستور الحوار الذي ينبغي أن يلتزمه المتحاورون هو قول الله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، فيتحقق كل محاور من قول خصمه ويلزمه بكلامه لا بكلام غيره، و«المؤمن وقَّاف يمضي عند الخير ويقف عند الشر» كما قال عمر

صفحة مطبوعة 111 · ورقة PDF 111رابط الصفحة المنفردة

رضي الله عنه(185)

وقال الباقر رحمه الله: «المؤمن وقاف متأنٍّ»(186) .

وعن سعيد بن المسيب، قال: «كتب إلي بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًّا وأنت تجد له في الخير محملًا، ومن عرَّض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه»(187) .

فتأنَّ وتثبَّت، وقدِّم الخير، وأضمر الحسَن، ولا تقضِ بالظِنَّة.

صفحة مطبوعة 112 · ورقة PDF 112رابط الصفحة المنفردة

الرجوع إلى الحق والتسليم بالخطأ :

الخطأ من لوازم الإنسانية، وليس من الناس أحد إلا وقد أخذ بنصيبه منه، إذ النقص من صفاته وخصاله، وليس الكمال من حظوظه ولم يقسم له منه إلا بقدر ما تحتمله طينته، فالكمال الإنساني نسبي يتفاوت فيه بنو آدم، حاز بالنصيب الأوفر منه الأنبياء، ويتحصل لمن بعدهم بقدر اقتدائهم بهم، فكل من كان من هديهم أقرب كان أكمل من غيره ممن باعد ذلك الهدي.

والسبيل الأمثل للتعاطي مع الأخطاء هو الاعتراف بها والإقرار، ثم النزوع عنها والتراجع والاستغفار، فكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»(188) ، وليس ذلك النزوع يتحصل لكل أحد، بل لا بد له من رياضة النفس ومحاسبتها وتبكيتها وزجرها للتخلص من داعية الكبر الذي يمنعها من الإقرار بالخطأ، فلا تزال تترخص وتتأول وتزين الخطأ حتى تودي بصاحبها الذي فرط في تربيتها.

وبقدر استبانة الخطأ وظهوره يكون قبح المكابرة في الاعتراف به، فيلحق الذم بالمكابر من حيث أراد أن يتجنبه ويتنزه عنه، فالأمر كما قال المأمون: «إذا وضحت الحجة ثقل عليَّ استماع المنازعة فيها»(189) .

فالمحاورة ينبغي أن تكون لنشد الحق وطلبه، فإن فقدت ذلك

صفحة مطبوعة 113 · ورقة PDF 113رابط الصفحة المنفردة

الشرط كانت مراء مذمومًا، وحري بالمحاور وقد عرف نقصه أن يفترض خطأه، وأن يتقبل دلالة محاوره له إن ظهر الحق معه، فإن لم تنشأ المحاورة على ذلك الأصل فقد ماتت قبل أن تولد، قال الآجري رحمه الله: «فإذا لم تجر المناظرة على المناصحة، فالسكوت أسلم، قد عرفت ما عندك وما عنده، وعرف ما عنده وما عندك، والسلام»(190)

وقد حذَّر العلماء من داء المكابرة وبطر الحق، وصنفوا في ذلك، ومنهم من حرص على أن يبيِّن للمحاور السبل المنجية له من الوقوع في مستنقع الكبر، فقال الغزالي رحمه الله أثناء بيانه الشروط التي بتوافرها تكون المناظرة تعاونًا على طلب الحق: «الخامس: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه وأهم من المحافل وبين أظهر الأكابر والسلاطين، فإن الخلوة أجمع للفهم وأحرى بصفاء الذهن والفكر ودرك الحق، وفي حضور الجمع ما يحرك دواعي الرياء، ويوجب الحرص على نصرة كل واحد نفسه محقا كان أو مبطلًا، وأنت تعلم أن حرصهم على المحافل والمجامع ليس لله، وأن الواحد منهم يخلو بصاحبه مدة طويلة فلا يكلمه وربما يقترح عليه فلا يجيب وإذا ظهر مقدم أو انتظم مجمع لم يغادر في قوس الاحتيال منزعًا حتى يكون هو المتخصص بالكلام.

السادس: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معينًا لا خصمًا، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق، كما لو أخذ طريقًا في طلب

صفحة مطبوعة 114 · ورقة PDF 114رابط الصفحة المنفردة

ضالته فنبَّهه صاحبه على ضالته في طريق آخر فإنه كان يشكره ولا يذمه ويكرمه ويفرح به، فهكذا كانت مشاورات الصحابة رضي الله عنهم»(191)

ومما يعين على الاعتراف بالخطأ؛ تصدير القول بصيغة الاحتمال وترك الجزم، فتقول: إني أظن كذا، وأحسب أن الحق كذا، فهو مما يعين الإنسان على عدم التشبث بالقول الباطل.

وإليك أمثلة من أقوال السلف وأفعالهم:

قال عمر رضي الله عنه: «لا يمنعك قضاء قضيتَه بالأمس راجعتَ فيه نفسك وهُديت فيه لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل»(192) .

وقال رجل عند عمر: اللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: «ما هذا الذي تدعو به؟»، فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]، فأنا أدعو أن يجعلني من أولئك القليل، قال: فقال عمر: «كل الناس أعلم من عمر»(193) .

وخطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ألا لا تغالوا في صدق النساء فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين كتاب الله عز وجل

صفحة مطبوعة 115 · ورقة PDF 115رابط الصفحة المنفردة

أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله عز وجل، فما ذلك؟ قالت: نهيتَ الناس آنفًا أن يغالوا في صدق النساء والله عز وجل يقول في كتابه ﴿وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡ‍ًٔاۚ﴾ [النساء: 20]، فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر، مرتين أو ثلاثًا، ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: «إني نهيتكم أن تغالوا في صدق النساء، ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له»(194)

وسأل رجل عليًّا رضي الله عنه عن مسألة، فقال فيها، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا، فقال علي رضي الله عنه: «أصبتَ وأخطأتُ وفوق كل ذي علم عليم»(195) .

فتأمل حال الصالحين وإقرارهم بخطئهم وتراجعهم عنه، ثم تأمل أكثر من تعرف اليوم واسبر حالهم في حواراتهم اليومية في شئونهم العادية فتدرك الفرق، ولا أقول انظر حالهم في المناظرات العلمية التي يشحن فيها المحاور نفسه ويهيِّئها بأنه على الحق الكامل ومن خالفه شيطان يبغي الغواية والإضلال؛ فالحال فيها لا يسرُّ، وتأمل ما قاله الغزالي في القرن الخامس عن مناظري زمانه وعليه قِسْ: «فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يَسْوَدُّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذم من أفحمه طول عمره، ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنهم في تعاونهم على النظر في الحق»(196) .

الآداب المنهجية

صفحة مطبوعة 116 · ورقة PDF 116رابط الصفحة المنفردة

الابتعاد عن الشخصنة والتركيز على الفكرة :

والمقصود بالشخصنة: هو كل ما يكون خادشًا لتجريد الفكرة، كاستصحاب صلاح حال حاملها أو فساده دليلًا على الصواب أو الخطأ، فليس ذلك يستقيم، وإنما يكون حال حامل الفكرة أمارة تستروح إليها النفوس، فصلاح صاحبها يلقي لها قبولًا والعكس حال فساده، وعند التحقيق والتأمل فكم من صالح قد تورط بمقالة مجانبة للصواب، وكم من فاسدِ حالٍ قد أصاب في مقالته الحق أو بعضه، فليس حامل الفكرة ميزانًا سليمًا للصواب أو الخطأ، بل يكون النظر في ذات الفكرة ودلائلها، فما وافق الحق أخذنا به وإلا رددناه.

لما ذكر الغزالي الفلاسفة وزلَّاتهم تعرض إلى خلل يعرض في طائفتين، طائفة تحسن بهم الظن وتصوب خطأهم باعتبار ما اصابوا فيه، وأخرى تدفع ما معهم من الحق باعتبار الأخطاء التي وقعوا فيها، فقال عن الأولى: «من ينظر فيها أي علوم الفلاسفة يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة، فيحسب أن جميع علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم، ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول: لو كان الدين حقاً لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم، فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجورهم استدل على

صفحة مطبوعة 117 · ورقة PDF 117رابط الصفحة المنفردة

أن الحق هو الجحد والإنكار للدين، وكم رأيت من يضل عن الحق بهذا العذر ولا مستند له سواه»(197)

وذكر الطائفة الثانية وبيَّن أنه يعرض لهم عند ردهم آفة جحد الحق الذي اشتمل عليه كلام الفلاسفة وذلك بذريعة الشخصنة فقال: «إذ ظنت طائفة من الضعفاء أن ذلك الكلام إذا كان مدونًا في كتبهم، وممزوجًا بباطلهم، ينبغي أن يهجر ولا يذكر بل ينكر على كل من يذكره إذ لم يسمعوه أولًا منهم، فسبق إلى عقولهم الضعيفة أنه باطل لأن قائله مبطل، كالذي يسمع من النصراني قوله: «لا إله إلا الله، عيسى رسول الله»، فينكره ويقول: «هذا كلام النصارى»، ولا يتوقف ربما يتأمل أن النصراني كافر باعتبار هذا القول، أو باعتبار إنكاره نبوة محمد عليه الصلاة والسلام. فإن لم يكن كافرًا إلا باعتبار إنكاره، ينبغي أن يخالف في غير ما هو به كافر مما هو حق في نفسه، وإن كان أيضًا حقًا عنده. وهذه عادة ضعفاء العقول، يعرفون الحق بالرجال، لا الرجال بالحق. والعاقل يقتدي بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث قال: «لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله»، وزعمت أن تلك الكلمات من كلام الأوائل، مع أن بعضها من مولدات الخواطر، ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر، وبعضها يوجد في الكتب الشرعية، وأكثرها موجود معناه في كتب الصوفية، وهب أنها لم توجد إلا في كتبهم، فإذا كان ذلك الكلام معقولًا في نفسه، مؤيدًا بالبرهان ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة، فلمَ ينبغي أن يهجر ويترك؟! فلو فتحنا هذا الباب، وتطرقنا إلى أن يُهجر كل حق

صفحة مطبوعة 118 · ورقة PDF 118رابط الصفحة المنفردة

سبق إليه خاطرُ مبطلٍ، للزمنا أن نهجر كثيرًا من الحق، ولزمنا أن نهجر جملة آيات من آيات القرآن وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وحكايات السلف، وكلمات الحكماء والصوفية لأن صاحب إخوان الصفا أوردها في كتابه مستشهدًا بها ومستدرجًا قلوب الحمقى بواسطتها إلى باطل، ويتداعى ذلك إلى أن يستخرج المبطلون الحق من أيدينا بإيداعهم إياه كتبهم»(198)

وآفة تقليد الرجال واعتبارهم ميزانًا قديمة قدم التاريخ فلو سبرنا شرك المشركين لوجدنا أن لتقليد الرجال نصيبًا لا يستهان به منه: ﴿وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآ﴾ [المائدة: 104]، ﴿لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]، ولم يزلْ الأنبياء ومن اقتدى بهم من أهل العلم يبيِّنون فساد ذلك المنهج، ولذلك لما عضد بعض من يجادل ابن المبارك حجته بأسماء صالحين، قال لهم: «دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال؛ فرُبَّ رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا وعسى أن يكون منه زلَّة، أفلأحدٍ أن يحتج بها؟»(199) .

وردَّ عليٌّ على الحارث بن حوط لما جاء يحتج عليه بطلحة والزبير فقال لعليّ: أتراني أظن طلحة والزبير وعائشة اجتمعوا على باطل؟! فقال له علي عليه السلام: «يا حار إنك ملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يُعرفان بأقدار الرجال، اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه»(200) وفي رواية أنه أجابه بقوله: «إنَّ الحقَّ والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال،

صفحة مطبوعة 119 · ورقة PDF 119رابط الصفحة المنفردة

وبإعمال الظنِّ، اعرف الحقَّ تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله»(201)

وقريب مما سبق ما ورد على لسان عبد الله بن الحسن المثنى فيما رواه ابن عساكر في تاريخه: «كان عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة، قال: فتذاكروا يومًا السنن، فقال رجل كان في المجلس: ليس العمل على هذا، فقال عبد الله: أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام؛ أَفَهُمُ الحجةُ على السنة؟! قال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء»(202) .

فمحصلة الكلام، نزِّه نفسك عن الخوض في حال محاورك أو من يعظمهم وجرِّد الفكرة عن الأشخاص، يصفو لك النظر ويستبين، فما كان حقا أخذت به وإلا رددته.

صفحة مطبوعة 120 · ورقة PDF 120رابط الصفحة المنفردة

تحرير محل الخلاف :

ينبغي للمتحاورين أن يفقها محز الخلاف بينهما، فيحرِّراه عن الشوائب التي قد تعلق به وتكون أجنبية عن أصله، وقد تصرف عند النظر أذهان المتحدثين إليها فيثبت أحدهما أمرًا سوى الذي ينفيه صاحبه، وكلٌّ منها يقصد أمرًا لم يخطر في بال صاحبه، «فلا بد قبل الشروع في الحجاج من تحرير محل النزاع، ليكون التوارد بالنفي والإثبات على شيء واحد»(203) .

ومما يصلح أن يكون شاهدًا لهذا الأدب في كلام السلف ما يلي:

عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى منا من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولجعلناه على أعناقنا، قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل هويًّا، ثم التفت إلينا فقال: «مَن رجلٌ يقوم فينظر لنا ما فعل القوم، يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يرجع أدخله الله الجنة»، فما قام رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويًّا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: «مَن رجلٌ يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع، يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة»، فما قام رجل من القوم مع شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لي بدٌّ من القيام حين دعاني، فقال: «يا حذيفة،

صفحة مطبوعة 121 · ورقة PDF 121رابط الصفحة المنفردة

فاذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تحدثنَّ شيئًا حتى تأتينا»، قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل ما تفعل لا تقر لهم قدرًا، ولا نارًا ولا بناءً، فقام أبو سفيان بن حرب فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسُه، فقال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تُحدِثْ شيئا حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم، قال حذيفة: ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مُرْطٍ لبعض نسائه مُرَحَّل، فلما رآني أدخلني إلى رحله، وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإنه لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا إلى بلادهم(204)

فبيَّن حذيفة لمحاوره بأن الخلاف ليس في توقير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومحبته، فهذا مشترك بين المسلمين وإن كانوا يتفاوتون في ذلك بقدر إيمانهم، ولكن الشأن في أن من أدرك النبي من الصحابة قد عرضت لهم فتنٌ عظيمة، وامتُحنوا في أنفسهم وأموالهم امتحانًا سَلِم منه الذين جاءوا بعدهم، فكان من السهل على من عافاه الله من ذلك أن يَتهم من ابتُلي بنقص

صفحة مطبوعة 122 · ورقة PDF 122رابط الصفحة المنفردة

التوقير إذ لم يُعانِ معاناتهم؛ فكان أن عرض له حذيفة شيئًا من الابتلاء ليفقه أن الحال ليس كما تصوره، وليحمد الله تعالى على سلامته من ذلك الامتحان الذي لا يعلم إن ابتلي به كيف يكون حاله.

وعن أبي العلاء، عن رجل قال: أتيت تميمًا الداري فحدثني حتى استأنست إليه، فقلت: كم جزءًا تقرأ القرآن في كل ليلة؟ فغضب، فقال: «لعلك من الذين يقرأ أحدهم القرآن في ليلة، فيصبح فيقول: قد قرأت القرآن في هذه الليلة، فوالذي نفس تميم بيده، لأن أصلي ثلاث ركعات نافلة أحب إلي من أن أقرأ القرآن في ليلة، ثم أُصبح، فأقول: قرأت القرآن في ليلة»، قال: فلما أغضبني، قلت: والله إنكم يا معشر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بقي منكم لجديرون أن تسكتوا فلا تُعلِّموا، وأن تعنِّفوا من سألكم، فلما رآني قد غضبت لان، وقال: «ألا أحدثك يا ابن أخي»، قلت: بلى، والله ما جئتك إلا لتحدثني، قال: «أرأيت إن كنتُ أنا مؤمنًا قويًّا، وأنت مؤمن ضعيف، فتحمل قوتي على ضعفك، فلا تستطيع فتنبتُّ، أو رأيت إن كنتَ مؤمنًا قويًّا، وأنا مؤمن ضعيف، أتيتك بنشاطي حتى أحمل قوتك على ضعفي ولا أستطيع فأنبت، ولكن خذ من نفسك لدينك، ومن دينك لنفسك، يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها»(205) .

فبين له تميم الداري أن ليس الخلاف على «كم» العبادة، فليس الأمر أعدادًا مجردة من ركعات وأذكار؛ من زاد فيها فَضُل على

صفحة مطبوعة 123 · ورقة PDF 123رابط الصفحة المنفردة

صاحبه، بل الشأن في الموازنة بين القدرة والعبادة بحيث تستديم فيستديم الأجر، والعبرة بسلامة القلب وصلاحه وبالمتابعة والطاعة فبها يحصل التفاوت، وإلا فقد بزَّ الخوارج الصحابة في عبادتهم حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم نبَّه أن الناظر إليهم يحقر عبادته إلى عبادتهم ومع ذلك فقد توعدهم بالنار.

وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: «كنت عند بن عباس فأتاه رجل فقال: أرأيتَ مَن حرمني الهدى وأورثني الضلالة والردى؛ أتراه أحسن إليَّ أو ظلمني؟ فقال ابن عباس: إن كان الهدى شيئًا لك عنده فمنعكه فقد ظلمك، وإن كان الهدى هدى الله يؤتيه من يشاء فما ظلمك شيئًا، ولا تجالسني بعده»(206) .

فبين ابن عباس للسائل المحتج بالقدر أن الهدى إما يكون حقًّا للمخلوق أو أنه موهبة من الخالق يهبها من يشاء من عباده فضلًا ومنَّة، فإن كان الملك ملكه والأمر أمره والحكم إليه وتصريفه لكونه خاضع لحكمته؛ فالاحتجاج بالقدر بغرض نسبة الظلم إلى الباري وتسويغ المعاصي هو ضرب من المغالطة والوهم.

وعن هشام بن عروة، عن أبيه؛ أنه قال: قلت لعائشة أم المؤمنين، وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله، تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ﴾ [البقرة: 158]، فما على الرجل شيء أن لا يطوَّف بهما؟ فقالت عائشة: كلا، لو كان كما تقول، لكانت: «فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما» إنما نزلت هذه الآية

صفحة مطبوعة 124 · ورقة PDF 124رابط الصفحة المنفردة

في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا، والمروة، فلما جاء الإسلام، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله، تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ﴾ [البقرة: 158](207)

فبيَّنت أم المؤمنين لعروة أن الخلاف في صيغة النفي، وأن النفي كان لعدم إثم المطَّوف، لا لعدم إثم غير المطَّوف، والله تعالى أعلم.

صفحة مطبوعة 125 · ورقة PDF 125رابط الصفحة المنفردة

تحرير مصطلحات الحوار :

بين هذا الأدب والذي قبله عموم وخصوص، فربما كان الخلاف في المصطلحات وربما لم يكن، فإن كان في المصطلح فربما ارتفع الخلاف بتحريره إذ يتوافق الطرفان على المعنى المراد منه، وكثير من النزاعات مردها إلى عدم تحرير المصطلحات، وقد أكثر من طرق هذه الجزئية الإمام تقي الدين ابن تيمية في ردوده على مخالفيه، وأصل لذلك قواعد تراها مبثوثة في كتبه، ومنها قوله رحمه الله: فالألفاظ المجملة التي قد يُفهم منها معنى فاسد إذا لم ترد في كلام الشارع لم نكن محتاجين إلى إطلاقها؛ كلفظ (العشق)، وإن أُريد به المحبة التامّة، وقد أطلق بعضهم على الله أنّه يَعشق، ويُعشق، وأراد به أنه يُحِبّ، ويُحَبّ محبة تامة، فالمعنى صحيح، واللفظ فيه نزاع. واللذة يُفهم منها لذة الأكل، والشرب، والجماع؛ كما يُفهم من العشق المحبة الفاسدة، والتصور الفاسد، ونحو ذلك ممّا يجب تنزيه الله عنه»(208) .

ولما تكلم عن لفظ الجسم ونسبته للباري جل وتقدس قال: «وقد قدَّمنا أن لفظ الجسم لفظ مجمل، وأن كل واحد من إطلاق القول بإثباته أو نفيه عنه بدعة لا يؤثر عن أحد من السلف والأئمة، ولا لذلك أصل في الكتاب، وأن الواجب أحد أمرين إما ترك إطلاق هذا الاسم نفياً وإثباتًا، وإما التفصيل وهو أن يقال إن أريد بالجسم كذا وكذا فهذا المعنى حق، وإن كنا لا نسميه بهذا الاسم لما فيه من الإجمال والاشتراك والإبهام والإيهام والبدعة،

صفحة مطبوعة 126 · ورقة PDF 126رابط الصفحة المنفردة

وإن أريد بالجسم كذا وكذا فهذا المعنى باطل ولا يحتاج أن ينفى مثل هذا اللفظ المجمل، بل ينفى بالألفاظ الناصة كما دل على ذلك الكتاب والسنة»(209)

وبيَّن رحمه الله منهج السلف من الصحابة وأتباعهم في شأن الألفاظ المجملة فقال: «ولهذا يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات، وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور، أو تقصير في بيان الحق، ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنع من كلا الإطلاقين، بخلف النصوص الإلهية فإنها فرقان فرق الله بها بين الحق والباطل، ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ويجعلون العبارات المحدثة المجملة المتشابهة ممنوعاً من إطلاقها: نفياً وإثباتاً، لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فإذا تبيَّن المعنى أُثبت حقه ونُفي باطله، بخلاف كلام الله ورسوله، فإنه حق يجب قبوله، وإن لم يُفهم معناه، وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يُفهم معناه»(210) .

وقرر رحمه الله وهو حق أن ترك تحرير الألفاظ مزلة تورث الخصومة والنزاع، فقال: «وأما الألفاظ المجملة فالكلام فيها بالنفي والإثبات دون

صفحة مطبوعة 127 · ورقة PDF 127رابط الصفحة المنفردة

الاستفصال يوقع في الجهل والضلال، والفتن والخبال، والقيل والقال، وقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء»(211)

ومن أمثلة تحرير المصطلحات التي وردت في السيرة ما كان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين بيَّن مراد الله تعالى بالخيط الأبيض من الخيط الأسود وذلك في الخبر الذي رواه البخاري بإسناده عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: لما نزلت: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ﴾ [البقرة: 187] عمدتُ إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرتُ له ذلك فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار»(212) .

صفحة مطبوعة 128 · ورقة PDF 128رابط الصفحة المنفردة

ضرب الأمثلة وتقريب الصورة :

من تأمل كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم يجد أن ضرب الأمثلة فيها متنوع ومتكرر، وذلك كما علله الماوردي رحمه الله: «للأمثال من الكلام موقع في الأسماع وتأثير في القلوب لا يكاد الكلام المرسل يبلغ مبلغها، ولا يؤثر تأثيرها؛ لأن المعاني بها لائحة، والشواهد بها واضحة، والنفوس بها وامقة، والقلوب بها واثقة، والعقول لها موافقة، فلذلك ضرب الله الأمثال في كتابه العزيز وجعلها من دلائل رسله وأوضح بها الحجة على خلقه؛ لأنها في العقول معقولة، وفي القلوب مقبولة.

ولها أربعة شروط:

أحدها: صحة التشبيه.

والثاني: أن يكون العلم بها سابقًا والكل عليها موافقًا.

والثالث: أن يسرع وصولها للفهم، ويعجل تصورها في الوهم، من غير ارتياء في استخراجها ولا كد في استنباطها.

والرابع: أن تناسب حال السامع لتكون أبلغ تأثيرًا وأحسن موقعًا. فإذا اجتمعت في الأمثال المضروبة هذه الشروط الأربعة كانت زينةً للكلام وجلاءً للمعاني وتدبرًا للأفهام»(213) .

ومن الأمثال المضروبة في القرآن قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41]

صفحة مطبوعة 129 · ورقة PDF 129رابط الصفحة المنفردة

فضرب الله تعالى المثل بوهن بيت العنكبوت ليدل على ضعف حيلة الذين جعلوا له الأنداد وسوء صنيعهم.

وضرب الله تعالى مثلًا للمنافقين فقال سبحانه: ﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ﴾ [البقرة: 17].

وضرب للحياة الدنيا مثلًا فقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس 24].

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما لأصحابه: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا»(214) .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبك بين أصابعه(215) .

ولما جاءه أعرابي وقال له: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت

صفحة مطبوعة 130 · ورقة PDF 130رابط الصفحة المنفردة

غلامًا أسود، قال: «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «ما ألوانها؟» قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق؟» قال: نعم، قال: «فأنى كان ذلك؟» قال: أراه عرق نزعه، قال: «فلعل ابنك هذا نزعه عرق»(216)

وما كان ضرب الأمثال من الله ورسوله للناس إلا لما للأمثال من الأثر الحسن في بيان المعنى ودركه وهو ما اتفقت عليه كلمات العقلاء، قال أبو حيان الأندلسي رحمه الله: «والمقصود من ذكر المثل أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، لأن الغرض من ضرب المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته ويصير الحس مطابقًا للعقل»(217) ، وقال النسفي رحمه الله: «بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميمًا للبيان، ولضرب الأمثال في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق تأثير ظاهر»(218) ، وقال البقاعي رحمه الله: «وكان ضرب الأمثال بالمشاهدات ألصق شيء بالبال، وأقطع للمراء والجدال، وأكشف لما يراد من الأحوال»(219) ، وقال الغزالي رحمه الله: «فالرسل أيضا إنما يكلمون الناس في الدنيا وهي بالإضافة إلى الآخرة نوم؛ فيوصلون المعاني إلى أفهامهم بالأمثلة حكمةً من الله ولطفًا بعباده وتيسيرًا لإدراك ما يعجزون عن إدراكه دون ضرب المثل»(220) ، فيحسن بالمحاور أن لا يخلي خطابه من ضرب للمثل يعين به المستمع على تصور المراد.

صفحة مطبوعة 131 · ورقة PDF 131رابط الصفحة المنفردة

التعريض وعدم استفزاز الخصم :

الأصل في الحوار البيان والوضوح، ويكون ذلك في استعراض الأدلة وسردها، ولكن في بعض الأحيان يكون التعريض من الحنكة والفقه؛ وذلك في حال كون التصريح حاطًّا من رتبة المحاور، وغاضًّا من منزلته، أو داعيًا له للتمسك برأيه الخطأ، فيحمله التصريح على الإباء والإعراض والمكابرة، فيكون التعريض في تلك الحال من نباهة المحاور وذكائه ورفقه، فكما أسلفنا الغرض من الحوار الهداية لا تبكيت الخصم، فحري بالمحاور أن يحرص على تجنب كل ما يكون سببًا في تنفير خصمه وإعراضه عن قبول الدليل، قال الغزالي رحمه الله: «إنه ينبغي أن ينهى عما يجب النهي عنه، بالتعريض لا بالتصريح، لأن التعريض يؤثر في الزجر، والتصريح بالزجر مما يغري بالمنهى عنه، قال عليه السلام: «لو نُهي الناس عن فتِّ البعر لفتُّوه، وقالوا: ما نُهينا عنه إلا وفيه شيء»، وينبه على هذا قصة آدم وحواء وما نُهيا عنه، وقد قيل: رُبَّ تعريض أبلغ من تصريح، وذلك أن النفوس الفاضلة لميلها إلى الاستنباط والتنبه للخفيات، تميل إلى التعريض شغفاً باستخراج معناه بالفكر، والتعريض لا يهتك حجاب الهيبة، والتصريح يرفعه بالكلية، فيستفيد المنهي جراءة على المخالفة إذا اضطر إلى المخالفة مرة أخرى»(221) .

وقال الماوردي رحمه الله في آداب الكلام: «ومن آدابه: أن يتجافى

صفحة مطبوعة 132 · ورقة PDF 132رابط الصفحة المنفردة

هجر القول ومستقبح الكلام، وليعدل إلى الكناية عما يستقبح صريحه ويستهجن فصيحه؛ ليبلغ الغرض ولسانُه نزِهٌ وأدبه مصون.

وقد قال محمد بن علي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا﴾ [الفرقان: 72] قال: كانوا إذا ذكروا الفروج كنوا عنها.

وكما أنه يصون لسانه عن ذلك فهكذا يصون عنه سمعه، فلا يسمع خناء ولا يصغي إلى فحش، فإن سماع الفحش داع إلى إظهاره، وذريعة إلى إنكاره»(222) .

وميدان المناظرة هو ميدان للخصومة، ومن مقتضياتها تصغير الخصم وتحقيره واستفزازه وتبكيته وزجره، وقد قيل: «ما أغضبتَ رجلًا قط فسمع منك»(223) ، وقال الغزالي رحمه الله: «وأما إظهار الفضل فهو من قبل تزكية النفس، وهي من مقتضى ما في العبد من طغيان دعوى العلو والكبرياء وهي من صفات الربوبية، وأما تنقيص الآخر فهو من مقتضى طبع السبعية، فإنه يقتضي أن يمزق غيره ويقصمه ويصدمه ويؤذيه، وهاتان صفتان مذمومتان مهلكتان وإنما قوتهما المراء والجدال، فالمواظب على المراء والجدال مُقَوٍّ لهذه الصفات المهلكة وهذا مجاوز حد الكراهة، بل هو معصية مهما حصل فيه إيذاء الغير.

ولا تنفك المماراة عن الإيذاء وتهييج الغضب وحمل المعترض عليه على أن يعود فينصر كلامه بما يمكنه من حق أو باطل ويقدح

صفحة مطبوعة 133 · ورقة PDF 133رابط الصفحة المنفردة

في قائله بكل ما يتصور له فيثور الشجار بين المتماريين كما يثور الهراش بين الكلبين يقصد كل واحد منهما أن يعض صاحبه بما هو أعظم نكاية وأقوى في إفحامه وإلجامه»(224)

سئل سلمان بن ربيعة عن فريضة، فخالفه عمرو بن شرحبيل، فغضب سلمان بن ربيعة ورفع صوته، فقال عمرو بن شرحبيل: والله لكذلك أنزلها الله تعالى، فأتيا أبا موسى الأشعري، فقال: «القول ما قال أبو ميسرة، وقال لسلمان: ما كان ينبغي لك أن تغضب إن أرشدك رجل، وقال لعمرو: قد كان ينبغي لك أن تساوره يعني تساره ولا ترد عليه والناس يسمعون»(225) .

فانظر كيف حرص أبو موسى رضي الله عنه على نصح الطرفين، فنصح الأول بوجوب الإذعان إلى الحق وترك المكابرة، ونصح الآخر بتجنب استفزاز خصمه وتحري الظروف التي تمنعه من التشبث برأيه الخطأ، وذلك بنصحه في السر لا العلن.

صفحة مطبوعة 134 · ورقة PDF 134رابط الصفحة المنفردة

إصلاح المنطق وتجنب اللحن :

من علامات عقل الإنسان أن يعد العدة لما يعتزم خوضه، فإن رام قتالًا أعد سلاحه، وإن رام بيانًا قوَّم لسانه، وإن من أمضى أسلحة البيان سلامة اللفظ وحسن العبارة، ومن لحن في كلامه استُخِفَّ به، وكان ذلك ذريعة للإعراض عنه، ومن أصلح لسانه عَظُم في أعين الناس ومهَّد له بيانه سبيل القبول منهم، قال ابن دريد رحمه الله في تعليقه على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرًا»: «يريد أن البليغ يبلغ ببيانه ما يبلغه الساحر في لطافة حيلته، وقد ذكر أن متكلمًا تكلم عند بعض الخلفاء فأفصح وبيَّن، فقال: هذا السحر الحلال»(226) .

وإنه وإن كانت سلامة المنطق والدراية بالعربية من المعينات على المناظرة والحوار، فكذلك اعتبرت من فضائل المرء ومما يقربه إلى الله ويرفع رتبته في الدنيا والآخرة، عن سالم بن قتيبة قال: «كنت عند ابن هبيرة فجرى الحديث حتى ذكروا العربية، فقال: والله ما استوى رجلان حسَبُهما واحد ومروءتُهما واحدة أحدهما يلحن والآخر لا يلحن إلا أن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن، قال: فقلت: أصلح الله الأمير، هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته، أرأيت الآخرة ما باله فضل فيها؟ قال: إنه يقرأ كتاب الله على ما أُنزل، والذي يلحن يحمله لحنه على أن يُدخل في كتاب الله ما ليس فيه ويخرج منه ما هو فيه، قال: قلت: صدق الأمير وبرَّ»(227) .

صفحة مطبوعة 135 · ورقة PDF 135رابط الصفحة المنفردة

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى الآفاق أن يتعلموا السنة والفرائض واللحن يعني النحو كما يتعلم القرآن(228) ، وكتب عمر إلى أبي موسى: «أما بعد فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية»(229) .

وعن أبي بن كعب، قال: «تعلَّموا العربية كما تعلَّمون حفظ القرآن»(230) .

وإصلاح اللسان وتقويمه من الأدب الذي حرص السلف على أن يحظى به أولادهم، روى نافع، عن ابن عمر: «أنه كان يضرب ولده على اللحن»(231) .

وإننا وإن ذكرنا الحرص على سلامة اللسان، فإنه ينبغي أن ننبه على أن من الناس من يستهويهم ذلك حتى يشغلهم طلب غريب اللغة ودقائق البيان عما هو أولى، فعلم اللغة هو من علوم الآلات، فيراد لغيره وهو فهم ما جاء به الكتاب والسنة، وما جرى به لسان العرب من الحكمة والموعظة، فالاشتغال به فوق ذلك هو اشتغال بالوسيلة عن الغاية، وكل ما صرف الإنسان عن بلوغ قصده فهو حقيق بالذم، قال ابن الجوزي رحمه الله: «قد لَبَّس على جمهورهم فشغلهم بعلوم النحو واللغة من المهمات اللازمة التي هي فرض عين عن معرفة ما يلزمهم عرفانه من العبادات وما

صفحة مطبوعة 136 · ورقة PDF 136رابط الصفحة المنفردة

هو أولى بهم من آداب النفوس وصلاح القلوب، وبما هو أفضل من علوم التفسير والحديث والفقه، فأذهبوا الزمان كله في علوم لا تراد لنفسها بل لغيرها، فإن الإنسان إذا فهم الكلمة فينبغي أن يترقى إلى العمل بها إذ هي مرادة لغيرها، فترى الإنسان منهم لا يكاد يعرف من آداب الشريعة إلا القليل، ولا من الفقه، ولا يلتفت إلى تزكية نفسه وصلاح قلبه، ومع هذا ففيهم كبر عظيم، وقد خيَّل لهم إبليس أنكم علماء الإسلام، لأن النحو واللغة من علوم الإسلام وبها يعرف معنى القرآن العزيز، ولعمري إن هذا لا ينكر، ولكن معرفة ما يلزم من النحو لإصلاح اللسان وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب، وهو أمر لازم، وما عدا ذلك فضلٌ لا يُحتاج إليه، وإنفاق الزمان في تحصيل هذا الفاضل وليس بمهم مع ترك المهم غلط، وإيثاره على ما هو أنفع وأعلى رتبة كالفقه والحديث غُبن، ولو اتسع العمر لمعرفة الكل كان حسنًا، ولكن العمر قصير فينبغي إيثار الأهم والأفضل»(232)

صفحة مطبوعة 137 · ورقة PDF 137رابط الصفحة المنفردة

البعد عن التقعر والتنطع :

ناسب وقد ذكرنا التزام أدب تقويم اللسان وإصلاحه والتزام الفصاحة وحسن البيان أن نَحذَر طرفه وهو التقعر والتنطع والسعي وراء غريب الكلام ووحشي العبارة، فهو وإن ظهر للجاهل أنه من علو الكعب والتبحر في البيان؛ ولكنه على الحقيقة في الضد من ذلك، فهو من العيِّ والفهاهة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «هلك المتنطعون»(233) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة»(234) وعلق عليه ابن الأثير رحمه الله فقال: «هو الذي يتشدق في الكلام ويفخم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفًّا»(235) وقال الغزالي رحمه الله: «ويدخل فيه كل سجع متكلَّف وكذلك التفاصح الخارج عن حد العادة»(236) «ولو كان لزوم السجع في القول، والإعراب في اللفظ هما البلاغة لكان الله عز وجل أولى باستعمالها في كلامه الذي هو أفضل الكلام، ولكان النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة المهديون، والسلف المتقدمون قد استعملوها، ولزموا سبيلها، وسلكوا طريقها، فأما ولسنا واجدين مما في أيدينا من كلامهم استعمال السجع والغريب إلا في المواضع اليسيرة، فهم أولى بأن يقتدى بهم، ويحتذى بمناهجهم ممن قد نبت في هذا الوقت من هؤلاء الذين ليس معهم من البلاغة إلا ادعاؤها، ولا من الخطابة إلا

صفحة مطبوعة 138 · ورقة PDF 138رابط الصفحة المنفردة

التحلي باسمها»(237)

«فالحجة المحمودة في الكلام إنما هي من جنس حجج القرآن من الكلمات اللطيفة المؤثرة في القلوب المقنعة للنفوس، دون التغلغل في التقسيمات والتدقيقات التي لا يفهمها أكثر الناس»(238) .

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن شقاشق الكلام من شقاشق الشيطان»(239) .

وكان لعمر بن سعد إلى أبيه حاجة، فقدَّم بين يدي حاجته كلامًا مما يحدث الناس يوصلون لم يكن يسمعه، فلما فرغ قال: يا بني قد فرغت من كلامك؟ قال: نعم. قال: ما كنت من حاجتك أبعد، ولا كنت فيك أزهد مني منذ سمعت كلامك هذا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر من الأرض»(240) .

«فالقصد في ذلك أن تجتنب السوقي والوحشي، ولا تجعل همك في تهذيب الألفاظ، وشغلك في التخلص إلى غرائب المعاني. وفي الاقتصاد بلاغ، وفي التوسط مجانبة للوعورة، وخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه.

وقد قال الشاعر:

صفحة مطبوعة 139 · ورقة PDF 139رابط الصفحة المنفردة
عليك بأوساط الأمور فإنهانجاة ولا تركب ذلولًا ولا صعبًا

وقال الآخر:

لا تذهبنَّ في الأمور فرطًالا تسألنَّ إن سألت شططًا

وكن من الناس جميعا وسطًا

وليكن كلامك ما بين المقصر والغالي، فإنك تسلم من المحنة عند العلماء، ومن فتنة الشيطان»(241) .

صفحة مطبوعة 140 · ورقة PDF 140رابط الصفحة المنفردة

مراعاة مقتضى الحال في طول الخطاب ولهجته :

قال الماوردي رحمه الله عن آداب الكلام: «ومن آدابه: أن يراعي مخارج كلامه بحسب مقاصده وأغراضه، فإن كان ترغيبًا قرنه باللين واللطف، وإن كان ترهيبًا خلطه بالخشونة والعنف، فإن لين اللفظ في الترهيب وخشونته في الترغيب خروج عن موضعهما وتعطيل للمقصود بهما، فيصير الكلام لغوًا والغرض المقصود لهوًا، وقد قال أبو الأسود الدؤلي لابنه: يا بني إن كنت في قوم فلا تتكلم بكلام مَن هو فوقك فيمقتوك، ولا بكلام مَن هو دونك فيزدروك»(242) .

فمن المتفق عليه أن موافقة مقتضى الحال هي الحكمة، فإن اقتضى الكلام إطنابًا فأوجز فقد غلِط، وبالعكس، وإن اقتضى شدةً فَلَان فقد غلط، وبالعكس، وهكذا ينبغي أن لا يخرج الخطاب عما يستدعيه حال المخاطبين، وأن لا تقصر الألفاظ أو تتجاوز قدر المعاني المراد تبليغها، «وإنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها. والمعاني المفردة، البائنة بصورها وجهاتها، تحتاج من الألفاظ إلى أقلّ مما تحتاج إليه المعاني المشتركة، والجهات الملتبسة»(243) ، «فمدار حسن الكلام وقبحه على انطباق تركيبه على مقتضى الحال وعلى لا انطباقه»(244) .

صفحة مطبوعة 141 · ورقة PDF 141رابط الصفحة المنفردة

ولما عاتب بعضهم تقيَّ الدين ابن تيمية رحمه الله على شدته في بعض حواراته قال: «ما ذكرتم من لين الكلام والمخاطبة بالتي هي أحسن: فأنتم تعلمون أنَّي من أكثر الناس استعمالًا لهذا، لكن كل شيء في موضعه حسن، وحيث أمر الله ورسوله بالإغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة فنحن مأمورون بمقابلته، لم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتي هي أحسن»(245) ، وقال في موضع آخر: «فمتى ظَلَم المخاطب لم نكن مأمورين أن نجيبه بالتي هي أحسن، بل قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لعروة بن مسعود بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: إني لأرى أوباشًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك : امصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه؟. ومعلوم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من كانوا»(246) .

وهنا لا بد من أن نشير إلى بعض الممارسات التي تقع من بعض المتحمسين في الحوارات التي نشهدها في مواقع التواصل الاجتماعي، فتراهم يُغلظون بالخطاب ويمعنون بالاستهزاء من جميع مخالفيهم، فإن أنكرت عليهم استشهدوا بأثر أبي بكر الصديق الذي ورد آنفا وما شابهه من آثار وردت على ألسنة صالحين، والجواب عنها هين، فإما أن تكون تلك الكلمات زلات لا تنبغي متابعتهم فيها، وإما أن تكون قد جاءت موافقة لمقتضى حال استدعى منهم الإغلاظ وتبكيت المخالف، والأخلاق المذمومة قد يُحتاج إليها في أحيان لدفع صائلٍ أو

صفحة مطبوعة 142 · ورقة PDF 142رابط الصفحة المنفردة

قمع معتدٍ، كما قال الجاحظ رحمه الله: «واعلم أنّه ليس من الأخلاق التي ذمّتها الحكماء خلق إلّا وقد ينفع في بعض الحالات، ويردّ به شكله، ويقام بإزاء مثله، ويدافع به نظيره»(247)

وسبيل تمييز ذلك هو مقارنة حالهم تفي ذلك الموقف بحالهم الذي ورد عنهم في حكاية سيرتهم طوال حياتهم، فستجد أن حال الشدة تلك نادرة، والحال الغالبة عليهم اللين والتورع ونبذ الإغلاظ، فمن كان على الضد من ذلك فكانت حاله الغالبة عليه هي الشدة وحال اللين والتلطف هي النادرة فقد باين هدي من يحتج بالاقتداء بهم، فتأمل.

قال ابن الوزير رحمه الله بعد أن احتج على من ينكر نسبة الفعل للفاعل: «فمن أنكر هذا فقد خرج عن حد العقل خروج عناد، فلا يُناظَرُ إلَّا بالفعل كمناظرة السُّوفِسْطائِيَّة فيُشتَم ويُلطَمُ، فإن غضب من الشتم وتألم من اللطم، وتحرك للدفع والمقابلة فقد عرف بأنه رأى من الفاعل شيئاً يوجب الجزاء والمكافأة، وإلا فما له غَضِبَ منه، وأحال الفعل عليه»(248) .

المراد فقهه مما سبق، أنه في الأحوال التي تضر بها الرحمة ويفسدها اللطف فاستعمالهما نقص في الحكمة، وكما قيل: «إذا كان العفو مفسدة كان الحلم مَعجزة»(249) وهي أحوال قليلة يميزها العالم ولذلك يقع من العالم ما قد يتعجب منه الجاهل، كفعل عمر رضي الله عنه مع صَبيغ، فإنه لما رأى منه

صفحة مطبوعة 143 · ورقة PDF 143رابط الصفحة المنفردة

تعديًا ومماراةً وجدالًا لغرض الجدال لا طلبًا للحق؛ كانت منه الشدة واعتاز إلى الدِّرة لا اللسان، فهو المقام الصالح لمن هو في مثل حاله والقصة كما رواها الآجري رحمه الله:

عن سليمان بن يسار: أن رجلًا من بني تميم يقال له: صَبيغ بن عِسْل، قدم المدينة، وكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فبعث إليه وقد أعد له عراجين النخل، فلما دخل عليه جلس، فقال له عمر: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله صَبيغ، فقال عمر: وأنا عبد الله عمر، ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجَّه، فجعل الدم يسيل على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي.

وعلق على الأثر الآجري رحمه الله بقوله: «قال محمد بن الحسين: فإن قال قائل: فمن يسأل عن تفسير ﴿وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا١فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا﴾ [الذاريات: 2] استحق الضرب، والتنكيل به والهجرة؟!

قيل له: لم يكن ضرب عمر رضي الله عنه له بسبب عن هذه المسألة، ولكن لما تأدى إلى عمر ما كان يسأل عنه من متشابه القرآن من قبل أن يراه علم أنه مفتون، قد شغل نفسه بما لا يعود عليه نفعه، وعلم أن اشتغاله بطلب علم الواجبات من علم الحلال والحرام أولى به، وتطلب علم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى به، فلما علم أنه مقبل على ما لا ينفعه، سأل عمر الله تعالى أن يمكنه منه، حتى ينكل به، وحتى يحذر غيره؛ لأنه راع يجب عليه تفقد

صفحة مطبوعة 144 · ورقة PDF 144رابط الصفحة المنفردة

رعيته في هذا وفي غيره، فأمكنه الله تعالى منه»(250)

وسأل رجل ابن عمر رضي الله عنهما عن استلام الحجر، فقال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله» قال: قلت: أرأيت إن زُحمت، أرأيت إن غُلبت، قال: «اجعل أرأيت باليمن، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله»(251) .

قال ابن رجب رحمه الله: «ومراد ابن عمر أن لا يكون لك هم إلا في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا حاجة إلى فرض العجز عن ذلك أو تعسره قبل وقوعه؛ فإنه قد يفتر العزم على التصميم عن المتابعة، فإن التفقه في الدين، والسؤال عن العلم إنما يحمد إذا كان للعمل، لا للمراء والجدال»(252) .

ومن بديع الحكمة ما روي عن عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم: «لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، وكن كالطبيب الحاذق يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع»(253) ، وقول ابن مسعود رضي الله عنه: «ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة»(254) ، ومثله قول ابن المقفع: «اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع، فإنه ليس في كل حين يحسن الصواب»(255) .

فالزم البلاغة، وهي كما عرفها الراغب رحمه الله: «وأما البلاغة: فإجادة اختيار الألفاظ والإصابة في

صفحة مطبوعة 145 · ورقة PDF 145رابط الصفحة المنفردة

تأليفها وقدرها ومعناها وتحري الصدق فيها، ولا يكون الكلام تام البلاغة ما لم يجمع هذه المعاني، فإنه متى قبح اللفظ، أو قبح التأليف، أو كان أكثر مما يجب، أو أقل مما يجب، أو لم يطابق اللفظ المعنى، إما حقيقةً أو استعارةً رائقة، أو كان المعنى محالًا أو كذبًا، خرج الكلام بقدر ما اختل منه من باب البلاغة»(256)

صفحة مطبوعة 146 · ورقة PDF 146رابط الصفحة المنفردة

عدم رفع الصوت بلا حاجة :

من وصايا لقمان الحكيم لابنه قوله: ﴿وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِير﴾ [لقمان: 19].

قال ابن كثير رحمه الله: وقوله: «﴿ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ﴾ أي: لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِير ﴾ قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير، أي: غاية مَن رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى»(257) .

فخفض الصوت من الخُلق المحمود، ورفعه بضده وذلك لمَّا كان خفضه مقرونا بالسكينة والتواضع، وضده بضده، فلذلك تواردت وصايا الحكماء على التزام خفضه، قال الماوردي رحمه الله في آداب الكلام: «ومن آدابه: أن لا يرفع بكلامه صوتًا مستنكرًا ولا ينزعج له انزعاجًا مستهجنًا، وليكف عن حركة تكون طيشًا وعن حركة تكون عيًّا، فإن نقص الطيش أكثر من فضل البلاغة. وقد حكي أن الحجاج قال لأعرابي: أخطيب أنا؟ قال: نعم لولا أنك تكثر الرد، وتشير باليد، وتقول أما بعد»(258) .

وقال ابن المقفع: «واعلم أن خفض الصوت، وسكون الريح، ومشي القصد من دواعي المودة، إذا لم يخالط ذلك بأوٌ(259) ولا

صفحة مطبوعة 147 · ورقة PDF 147رابط الصفحة المنفردة

عجب، أما العجب فهو من دواعي المقت والشنآن»(260)

وعدَّ ابن حبان رحمه الله خفض الصوت من أسباب المؤاخاة، فقال: «ولكن من أسباب المؤاخاة التي يجب على المرء لزومها مشي القصد وخفض الصوت وقلة الإعجاب ولزوم التواضع وترك الخلاف»(261) .

ونسب أبو طالب المكي رحمه الله استحباب السلف لخفض الصوت عمومًا إلا في موطنين فقال: «وقيل: كانوا يستحبون خفض الصوت في كل موطن إلا في موضعين: في الأذان وعند التلبية»(262) .

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا عليمًا سكيتًا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا، ولا غافلًا، ولا صخابًا، ولا صياحًا، ولا حديدًا»(263) .

صفحة مطبوعة 148 · ورقة PDF 148رابط الصفحة المنفردة

إنزال الناس منازلهم :

من فقه الحوار أن يحاور الناس على أقدارهم، وليس ذلك يعني احتقار قليل الشأن وامتهانه، فالأدب وحسن الخلق يُلتزم مع الجميع؛ وإنما لا يكون خطاب الملك كخطاب العامي، فللملك شأن إن لم يراعَ امتنعت إجابته، بل ربما عاد ذلك بالنفرة على رعاياه ومتبوعيه إذ لم يحترم سيدهم.

قال أبو حيان رحمه الله: «سألت القاضي أبا حامدٍ عن هذا فقال: ليس يعني في منازلهم عند الله، فإنّ تلك مطويّةٌ عن معارف الخلق، وإنما ذلك على ما ظهر من حليهم، ونطق به شاهدهم، ودلَّ عليه ما تعاطوا بينهم»(264) .

عن ميمون بن أبي شبيب: أن عائشة مرَّ بها سائل فأعطته كسرة، ومرَّ بها رجل عليه ثياب وهيئة، فأقعدته، فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزلوا الناس منازلهم»(265) .

وعن الأصبغ بن نباتة عن علي أنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فرفعتُها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله وشكرتك، وإن أنت لم تقضها حمدت الله وعذرتك، فقال علي: اكتب حاجتك على الأرض فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك، فكتب: إني محتاج، فقال علي: عليَّ بحلَّة، فأتى بها فأخذها الرجل فلبسها، ثم

صفحة مطبوعة 149 · ورقة PDF 149رابط الصفحة المنفردة

أنشأ يقول:

كسوتني حلة تبلى محاسنهافسوف أكسوك من حسن الثنا حللا
إن نلتَ حسن ثنائي نلتَ مكرمةولست أبغي بما قد قلته بدلا
إن الثناء ليحيي ذكر صاحبهكالغيث يحيي نداه السهل والجبلا
لا تزهد الدهر في خير تُواقِعهفكل عبد سيُجزى بالذي عملا

فقال علي: علي بالدنانير فأتي بمائة دينار فدفعها إليه، قال الأصبغ: فقلت: يا أمير المؤمنين حلة ومائة دينار؟ قال: نعم! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنزلوا الناس منازلهم» وهذه منزلة هذا الرجل عندي(266) .

وإنزال الناس منازلهم يقتضي أن يقدم العالم وإن صغر سنه، وأن لا يمتنع الكبير من الاستفادة عمن هو أقل منه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كنت أُقرئ رجالًا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف»(267) .

وقد كان حكيم بن حزام يقرأ على معاذ بن جبل فقيل له: تقرأ على هذا الغلام الخزرجي؟، قال: إنما أهلكنا التكبر(268) .

صفحة مطبوعة 150 · ورقة PDF 150رابط الصفحة المنفردة

فهم منطلقات المخالف :

ما من مسلم إلا وهو يرى أن أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم مقدَّم على غيرهما، وهو يرى طاعة الله تعالى لازمة، ويعتقد في الله تعالى صفات الكمال وينزهه عن كل نقص، وتلك الأصول مجمع عليها بين أهل الإسلام لا يختلفون فيها، وكلما خطا المسلم خطوة في العلم وكلما ارتفع قدره بالورع، كانت تلك الأصول عنده آكد والإيمان بها أوثق، ومخالفتها في نفسه أشنع، فإن علمت ذلك علمت أن ما كان من خلافات بيننا اليوم وكان بناؤها على خلافات وقعت بين أئمة الدين؛ فإنما ترجع إلى الاختلاف في الأدلة وثبوتها وحجيتها، لا إلى الاعتراض عليها ورفضها ومعاداتها، إذ لا يقع الاعتراض إلا من مطرود عن ساحة ربه، وليست تلك صفات العلماء الربانيين.

فإذا وقر ذلك في قلبك، كان لزامًا عليك أن تعي أن مخالفك في الغالب لا يخالفك عنادًا ولا جحودًا ولا استكبارًا، بل أكثر الناس يخالف تقليدًا لإمام يعتقد فيه الصلاح والخير والعلم، فإن أردت الحوار وجب أن تفهم ذلك وأن تفتش في أصل المخالفة وسببها والعلة وراءها، ولا تعجل باتهام المخالف ببغض الدين وترك الإذعان.

قال تقي الدين ابن تيمية: «ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه، وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:

أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.

صفحة مطبوعة 151 · ورقة PDF 151رابط الصفحة المنفردة

والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.

والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ»(269) .

فيبين هنا سبب مخالفة الأئمة للحديث، وكلها أعذار مقبولة يسقط فيها الإثم عن العالم إن بذل جهده فاستبان له عدم ثبوت الحديث إما ابتداء بعدم صدوره عن المشرع، أو انتهاء بنسخه وامتناع العمل به، أو بانعدام الدلالة على المراد، ومن ثَم فلهم عذرهم بالمخالفة، ومن الناس من يقلِّد جهلًا بالحق وإحسان ظنٍّ منه بالمخالف من العلماء فلا يستوي هذا والمنكر المعاند، «فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل الله لكل شيء قدرًا»(270) .

«ولكن وقوع مثل هذا التأويل من الأئمة المتبوعين أهل العلم والإيمان صار من أسباب المحن والفتنة، فإن الذين يعظمونهم قد يقتدون بهم في ذلك، وقد لا يقفون عند الحد الذي انتهى إليه أولئك، بل يتعدون ذلك ويزيدون زيادات لم تصدر من أولئك الأئمة السادة، والذين يعلمون تحريم جنس ذلك الفعل قد يعتدون على المتأولين بنوع من الذم فيما هو مغفور لهم، ويتبعهم آخرون فيزيدون في الذم ما يستحلون به من أعراض إخوانهم وغير أعراضهم ما حرمه الله ورسوله فهذا واقع كثير في موارد النزاع الذي وقع فيه خطأ من بعض الكبار»(271) .

صفحة مطبوعة 152 · ورقة PDF 152رابط الصفحة المنفردة

وقد يقع التأويل الخاطئ من الصالحين لغلط في النظر، وربما كان مصحوبًا بهوى خفي لا يطلع عليه صاحبه، كما وقع لقدامة بن مظعون رضي الله عنه في الخمر، وقدامة من البدريين أصحاب السابقة، فلما شهد عليه الشهود، قال: لو شربتُ كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني، فقال له عمر: «لم؟»، قال قدامة: قال الله تعالى: ﴿لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 93] الآية، فقال عمر: «أخطأتَ التأويلُ إنك إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك»(272) .

فبين له عمر رضي الله عنه خطأ التأويل وفساده ولم يدرأ عنه الحد، فإن كان وقوع مثل ذلك يصدق على السابقين وهم من هم في المنزلة والرتبة فكيف بمن هم دونهم؟!

فقدِّم العذر في حوارك وارفق بمن خالفك، فلعل جملة حاله مع مخالفته خير من جملة حالك مع موافقتك.

صفحة مطبوعة 153 · ورقة PDF 153رابط الصفحة المنفردة

توخي الدقة في العبارة :

كثير من الخلافات مردُّها إلى عدم الاحتراز في الألفاظ والاحتجاج بما يشكل منها، فيقع نتيجة لذلك سوء الفهم لدى السامع والقائل على حد سواء، إذ يتصور السامع معنى غير الذي أراده القائل، ولا يفهم القائل سبب رفض السامع للمعنى الصحيح الذي أراده، فينشأ بينهما الخلاف، وكثيرًا ما يكون ذلك لنقص علم المتكلم أو لعدم تمرسه في موضوع الحوار، فلا يتصور أن ينشأ الغلط في فهم الألفاظ.

«وأيضاً فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله، فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة، ولو كان الناس محتاجين في أصول دينهم إلى ما لم يبينه الله ورسوله لم يكن الله قد أكمل للأمة دينهم ولا أتم عليهم نعمته، فنحن نعلم أن كل حق يحتاج الناس إليه في أصول دينهم لا بد أن يكون مما بيَّنه الرسول، إذ كانت فروع الدين لا تقوم إلا بأصوله، فكيف يجوز أن يترك الرسول أصول الدين التي لا يتم الإيمان إلا بها لا يبينها للناس؟»(273) .

وقال الماوردي في تعداده لآداب الكلام: «وأما الشرط الرابع: وهو اختيار اللفظ الذي يتكلم به؛ فلأن اللسان عنوان الإنسان يترجم

صفحة مطبوعة 154 · ورقة PDF 154رابط الصفحة المنفردة

عن مجهوله، ويبرهن عن محصوله، فيلزم أن يكون بتهذيب ألفاظه حريًّا وبتقويم لسانه مليًّا»(274)

ومما حرص عليه السلف رعاية اللفظ في خطابهم، والحرص على توقِّي تطرق المعنى الباطل إليه ومن لطيف ما في هذا الباب:

قيل للعباس رضي الله عنه: أنت أكبر أم النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «هو أكبر مني وأنا ولدت قبله»(275) .

ورأى أبو بكر رضي الله عنه رجلاً بيده ثوب فقال: أهو للبيع؟ قال: لا أصلحك الله، فقال: هلا قلت: لا، وأصلحك الله لئلا يشتبه الدعاء لي بالدعاء عليَّ(276) .

وخرج عمر رضي الله عنه يعس المدينة بالليل، فرأى نارًا موقدة في خباء، فوقف وقال: السلام عليكم يا أهل الضوء، وكره أن يقول: يا أهل النار(277) .

وسأل عمر رجلًا عن شيء هل كان؟ قال: لا، أطال الله بقاءك، فقال: «قد علمتم فلم تتعلموا، هلا قلت: لا، وأطال الله بقاءك؟»(278) .

صفحة مطبوعة 155 · ورقة PDF 155رابط الصفحة المنفردة

الابتعاد عن التشنيع وإظهار الظفر :

المناظرات ميدان شدٍّ وجذب، وكثيرًا ما يقع فيها ما يوغر الصدور ويثير الأضغان، فليس من المستغرب أن يسعى الغالب فيها إلى الاشتفاء من خصمه بالتشنيع والاستعلاء وإظهار الظفر؛ ولكنها في تلك الحال تخرج عن أن تكون انتصارًا لله، وإنما هو انتصار للنفس من أثر ما وقع من تلاحي، قال أبو حامد الإسفراييني وهو من المقدمين في العلم والمناظرة: «لا تعلق كثيرًا مما تسمع مني في مجالس الجدل، فإن الكلام يجري فيها على ختل الخصم ومغالطته ودفعه ومغالبته، فلسنا نتكلم لوجه الله خالصًا، ولو أردنا ذلك لكان خطونا إلى الصمت أسرع من تطاولنا في الكلام، وإن كنا في كثير من هذا نبوء بغضب الله تعالى؛ فإنا مع ذلك نطمع في سعة رحمة الله»(279) .

وفاعل ذلك حقيق بالذم، أو على الأقل بنقص الأجر إن كان انتصاره لظلم وقع عليه، ومن قَصَد الهداية وجب أن يتلافى كل موانعها.

قال الراغب رحمه الله: «واعلم أن لذة العفو أطيب من لذة التشفي، لأن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة العقوبة يلحقها ذم الندم، والعقوبة أَلْأَمُ حالات ذوي القدرة، وهي طرف من الجزع، ومن رضي أن لا يكون بينه وبين الظالم له إلَّا ستر رقيق فلينتصف، وقد نبه الله تعالى على ذلك بلطيف من المقال، فقال تعالى: ﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ﴾ [الشورى: 40]، فسمى مجازاة المسيء بإساءته إساءة، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ﴾ [البقرة: 194]، فسمى المجازي

صفحة مطبوعة 156 · ورقة PDF 156رابط الصفحة المنفردة

على الاعتداء معتديًا؛ تنبيهًا على أنه قد كاد يكون إيَّاه»(280)

وقال الغزالي رحمه الله: «كذلك قال الله تعالى: ﴿وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ﴾ [آل عمران: 134] ولم يقل: «والفاقدين الغيظ»، وهذا لأن العادة لا تنتهي إلى أن يُجرح الإنسان فلا يتألم، بل تنتهي إلى أن يصبر عليه ويحتمل، وكما أن التألم بالجرح مقتضى طبع البدن، فالتألم بأسباب الغضب طبع القلب ولا يمكن قلعه، ولكن ضبطه وكظمه والعمل بخلاف مقتضاه، فإنه يقتضي التشفي والانتقام والمكافأة، وترك العمل بمقتضاه ممكن»(281) .

ومن لطيف المعنى ما استخرجه ابن حبان رحمه الله من الحديث النبوي الشريف الذي رواه مالك بن الحسن بن مالك بن الحويرث، عن أبيه، عن جده، قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فلما رقي عتبة، قال: «آمين» ثم رقي عتبة أخرى، فقال: «آمين» ثم رقي عتبة ثالثة، فقال: «آمين» ثم، قال: «أتاني جبريل، فقال: يا محمد، من أدرك رمضان فلم يغفر له، فأبعده الله، قلت: آمين، قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما، فدخل النار، فأبعده الله، قلت: آمين، فقال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين»

فعلق ابن حبان بقوله: في هذا الخبر دليل على أن المرء قد استُحب له ترك الانتصار لنفسه، ولا سيِّما إذا كان المرء ممن يتأسى بفعله، وذاك

صفحة مطبوعة 157 · ورقة PDF 157رابط الصفحة المنفردة

أن المصطفى صلى الله عليه وسلم، لما قال له جبريل: «من أدرك رمضان فلم يغفر له، فأبعده الله» بادر صلى الله عليه وسلم، بأن قال: آمين، وكذلك في قوله: «ومن أدرك والديه، أو أحدهما، فدخل النار، أبعده الله»، فلما قال له: «ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله» فلم يبادر إلى قوله: «آمين» عند وجود حظ النفس فيه، حتى قال جبريل قل: آمين، قال: قلت: «آمين»، أراد به صلى الله عليه وسلم، التأسي به في ترك الانتصار للنفس بالنفس، إذ الله جل وعلا هو ناصر أوليائه في الدارين، وإن كرهوا نصرة الأنفس في الدنيا(282)

صفحة مطبوعة 158 · ورقة PDF 158رابط الصفحة المنفردة

احترام المخالف :

احترام المخالف وتوقيره مما يرفع شأن المتكلم، لا سيما إن كان هذا المخالف ممن له حظوة ورياسة بين الناس، وليس يضرك إن كان على الباطل أو حتى من المقدمين فيه، فأنت بأدبك قد حفظت نفسك وتلطفت بخصمك، بل وربما استملت أتباعه المعتقدين فيه ارتفاع المكانة والقدر.

ومن بديع الأدب ولطيفه ما كان من خطاب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لعتبة بن ربيعة، رغم ما كان عليه عتبة من معاداة للإسلام وأهله، إذ كان من رؤساء المشركين ومقدميهم، والخبر طويل رواه ابن إسحاق رحمه الله في السيرة، نقتطع منه محل الشاهد وهو خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وكيف تعاطى عتبة مع الأدب النبوي والحجة الربانية:

«فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السِّطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعِبْتَ به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك أن تقبل منها بعضها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع، فقال: يا ابن أخي إن كنتَ إنما تريد بما جئت من هذا القول مالًا جمعنا من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنتَ إنما تريد شرفًا شرفناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنتَ تريد ملكًا ملكناك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه ولا تستطيع أن ترده عن نفسك طلبنا لك

صفحة مطبوعة 159 · ورقة PDF 159رابط الصفحة المنفردة

الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، ولعل هذا الذي تأتي به شِعر جاش به صدرك، فإنكم لعمري يا بني عبد المطلب تقدرون منه على ما لا يقدر عليه أحد، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرغتَ يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاستمع مني، قال: أفعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حمٓ١﴾ تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ٢كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا﴾ [فصلت: 1 3]، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت له، وألقى بيده خلف ظهره معتمداً عليها يستمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجد فيها، ثم قال: قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعتَ فأنت وذاك.

فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال: ورائي إني والله قد سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصيبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكُه ملكُكم وعزُّه عزُّكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، فقال: هذا رأي لكم فاصنعوا ما بدا لكم»(283) .

صفحة مطبوعة 160 · ورقة PDF 160رابط الصفحة المنفردة

الصدق ولو على نفسك :

إن الصدق مما ارتضاه الله تعالى لنفسه وأوجبه على عباده، وتوعد مخالفه باللعنة، وأقبح ما يكون الكذب إن جاء مدافعةً للحق وإقرارًا للباطل، وإن مقام المناظرة مقام كشف للحقائق وبيان للصواب، فإن جنح أحد المتناظرين للكذب فقد نادى على نفسه بالوبال، واستحق الإثم والعقوبة، عن محمد بن علي الكناني قال: «وجدنا دين الله تعالى مبنيًّا على ثلاثة أركان: على الحق والصدق والعدل، فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول»(284) .

ولقوة داعي الكذب في المناظرة وجب توكيد خطورته وبيان فضل التأدب بنقيضه، فإن ما في المناظرة من خصومة ومغالبة عزمة للنفس على اجتناب الإقرار بخطأ النفس، إذ فيه إعلان ظهور والخصم وعلوه، وقلما تستكين النفس لما فيها من دواعي الكبر والعلو إلى حال كتلك، وليست تصفو من ذلك الكدر إلا نفوس استخلصها الله تعالى بكرمه من حب الدنيا إلى إرادة الحق وتفضيله.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لأن يضعني الصدق وقلَّما يفعل، أحب إليَّ من أن يرفعني الكذب وقلَّما يفعل»(285) .

وعن علي رضي الله عنه قال: لما أن ضم إليه سلاحه يعني النبي صلى الله عليه وسلم

صفحة مطبوعة 161 · ورقة PDF 161رابط الصفحة المنفردة

قال: وجدت في ذؤابة أو علاقة سيفه ثلاثة أحرف: «صل من قطعك، وقل الحق ولو على نفسك، وأحسن إلى من أساء إليك»(286)

وقال مسلم بن عقيل رحمه الله في رسالته للحسين: «ليس لكاذب رأي»(287) ، إذ حال كذِبُه دون الاعتداد برأيه ومشورته.

صفحة مطبوعة 162 · ورقة PDF 162رابط الصفحة المنفردة

حسن التثبت :

والتثبت المقصود شامل لكل أقسامه، فالتثبت من الأدلة قبل سياقتها، وذلك عبر النظر في ثبوتها، وسلامة دلالتها، وحجيتها أبالظن أم القطع، والتثبت من حجة الخصم، والتثبت من القول قبل نسبته للخصم وغير ذلك، فمن تأنى وتثبت فهو أحظى بالحق ممن تعجل، «وأول منازل الإنصاف حسن التثبت»(288) .

والتثبت من سمات العاقل، قال ابن حبان رحمه الله: «والعاقل لا يبتدئ الكلام إلا أن يسأل، ولا يكثر التماري إلا عند القبول، ولا يسرع الجواب إلا عند التثبت»(289) ، وجعل تركه من علامات الحمق والسفه، فقال: «من علامات الحمق التي يجب للعاقل تفقدها ممن خفي عليه أمره: سرعة الجواب، وترك التثبت، والإفراط في الضحك، وكثرة الالتفات، والوقيعة في الأخيار والاختلاط بالأشرار»(290) .

قال الغزالي في ذكره لأبواب دخول الشيطان على الإنسان: «ومن أبوابه العظيمة العجلة وترك التثبت في الأمور، وقال صلى الله عليه وسلم: العجلة من الشيطان والتأني من الله تعالى، وقال عز وجل: ﴿خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ﴾ [الأنبياء: 37]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا﴾ [الإسراء: 11]، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ﴾ [طه: 114]، وهذا لأن

صفحة مطبوعة 163 · ورقة PDF 163رابط الصفحة المنفردة

الأعمال ينبغي أن تكون بعد التبصرة والمعرفة، والتبصرة تحتاج إلى تأمل وتمهل، والعجلة تمنع من ذلك، وعند الاستعجال يروج الشيطان شره على الإنسان من حيث لا يدري»(291)

والتثبت من الحجج يقتضي نظر الإنسان فيما توارثه من مذهب قبل محاماته عنه، فليس ينبغي أن يتدين الإنسان إلا بالدليل لا بما ألفه واعتاده من حال قومه، فأكثر الناس إنما يحامي عما اعتقده بمقتضى نشأته، وإنما هو في ذلك يحاكي حال من عارض الرسل وأعرض عنهم بدعوى مخالفة رسالتهم لمعتقدات الآباء والأجداد، وقد ذم الله تعالى ذلك الصنيع في كتابه، قال القرطبي رحمه الله: «فنهى الله عز وجل رسوله عن عضد أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة، وفي هذا دليل على أن النيابة عن المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز، فلا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق»(292) ، وقال الغزالي رحمه الله: «فاعلم أن هذا الذم يتناول الذي يخاصم بالباطل والذي يخاصم بغير علم مثل وكيل القاضي فإنه قبل أن يتعرف أن الحق في أي جانب هو يتوكل في الخصومة من أي جانب كان فيخاصم بغير علم»(293) .

قال المعلمي رحمه الله: «هذا، وما منا إلا من يعتز بآبائه وأشياخه، ويعز عليه أن يتبين أنهم كانوا على باطل؛ ولكن أقل ما يجب علينا أن نعلم أن آباءنا وأشياخنا لم يكونوا معصومين. وهَب أنه يبعد عندنا جدًّا أن يكونوا

صفحة مطبوعة 164 · ورقة PDF 164رابط الصفحة المنفردة

تعمدوا الباطل، فما الذي يُبعد أن يكونوا غلطوا وأخطأوا؟ وعلى كل حال، فليسوا إلا أفرادًا من المسلمين وقد اختلف المسلمون، وفي الفرق الأخرى أئمة وأكابر إن لم يكونوا أفضل من آبائنا وأشياخنا، فلم يكونوا دونهم، وإذا راجعت نفسك علمت أنك لست بأحق من مخالفك بالقناعة بما مضى عليه الآباء والأشياخ، وأنه كما يحتمل أن يكون آباؤه وأشياخه هم المبطلين عمدًا أو خطأً، فمن المحتمل أن يكونوا هم المحقين، بل الحق أنه لا حق لك ولا له في التضحية بالنفس والدين في سبيل التعصب الفارغ الذي يعود بالخسران المبين، وبالضرر على الآباء والأشياخ أنفسهم، فدع الآباء والأشياخ، والتمس الحق من معدنه، ثم إن شئت فاعرض عليه مقالة آبائك وأشياخك، فما وافقه حمدت الله تعالى على ذلك، وما خالفه التمست لهم العذر، برجاء أن يكونوا لم يتعمدوا الباطل، ولم يقصروا تقصيرًا لا يسعه عفو الله تبارك وتعالى(294)

فإن أديت ما عليك من نظر وتأمل فقد قدمت عذرك، وأنت محمود الحال وإن لم تصب، قال المأمون لعبد الله بن طاهر: تثبت فإن الله عز وجل قد قطع عذر العجول بما يمكنه من التثبت، وأوجب الحجة على الخلق بما بصره من فضل الأناة؛ قال ابن طاهر: أكتبه؟ قال: نعم(295) ، ورحم الله الشعبي إذ قال: أصاب متأمل أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد، وقال عمرو بن العاص: لا يزال المرء يجني من ثمرة العجلة الندامة(296) .

وقد

صفحة مطبوعة 165 · ورقة PDF 165رابط الصفحة المنفردة

كان السلف يتثبتون من الدعاوى وإن كانوا يعلمون بطلانها، وما ذلك إلا قطعًا للملام ودحضًا لشبهة التسرع والحيف، وحسبنا بسؤال عمر سعدًا عن اتهام أهل الكوفة له بأنه لا يحسن الصلاة، فليس يخفى على عمر علم سعد وسابقته وفضله، وإنما أراد قطع الحجة والتزام التوقي والورع قبل الحكم والقضاء وقصة ذلك فيما رواه جابر بن سمرة قال: «كنت جالسًا عند عمر بن الخطاب، إذ جاء أهل الكوفة يشكون سعد بن أبي وقاص فقالوا: إنه لا يحسن يصلي، فبينا هم كذلك إذ مر بهم سعد، فدعاه فقال: إن هؤلاء يشكونك، وزعموا أنك لا تحسن تصلي، قال: أما أنا فأصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصلي بهم صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأحذف في الأخريين، قال عمر: كذلك الظن يا أبا إسحاق»(297)

ومن التثبت والتأني ما وصى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليًّا رضي الله عنه عند توليته القضاء، فعن علي قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله عز وجل سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضيَن حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبيَّن لك القضاء، قال: فما زلت قاضيًا، أو ما شككت في قضاء بعد»(298) .

وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «التؤدة خير في كل شيء، إلا في أمر الآخرة»(299) .

صفحة مطبوعة 166 · ورقة PDF 166رابط الصفحة المنفردة

وعنه أيضا: «من استطاع أن يمنع نفسه من أربع خصال فهو خليق أن لا ينزل به مكروه: اللجاج، والعجلة، والتواني والعجب؛ فثمرة اللجاج: الحيرة، وثمرة العجلة: الندامة، وثمرة التواني: الذلة، وثمرة العجب: البغضة»(300) .

وقال معاوية: «ما من شيء يعدل التثبت، فقال الأحنف: إلا أن تبادر بالعمل الصالح أجلك، تعجل إخراج ميتك، وتنكح الكفء ابنتك»(301) .

«فافهموا هذا التدبير، وتعلَّموا هذه الحكم، واعرفوا مداخلها ومخارجها ومفرَّقها ومجموعها؛ فإنَّ الله عز وجل لم يردِّد في كتابه ذكر الاعتبار، والحثَّ على التفكير، والترغيب في النظر وفي التثبُّت والتعرُّف والتوقُّف، إلَّا وهو يريد أن تكونوا علماء من تلك الجهة، حكماء من هذه التعبئة»(302) .

صفحة مطبوعة 167 · ورقة PDF 167رابط الصفحة المنفردة

التذكير بالله والوعظ :

كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: «تواعظوا وتناهوا عن معصية ربكم؛ فإن الموعظة تنبيه للقلوب من سنة الغفلة، وشفاء من داء الجهالة، وفكاك من رق ملكة الهوى»(303) .

والوعظ والتذكير أسلوب قرآني نبوي، فالقرآن والسنة غنيان بالمواعظ والعبر، وما ذلك إلا لحاجة الإنسان إليها، فكما الأبدان تغتذي بالأطعمة؛ تغتذي الأرواح بالموعظة، «فإن النفس بالطبع متمردة عن الطاعات مستعصية عن العبودية ولكن الوعظ والتأديب يؤثر فيها ﴿وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]»(304) .

ورغم دَور الوعظ في إمداد الأرواح وإحياء القلوب فإنا نرى كثيرًا ممن سلك طريق المناظرة وحوار المخالفين يغفل عنه، بل ويزدري أهله، فلا تنفك تسمع قول القائل منهم إن ذكَّره مذكر: «دعنا من الوعظ»، «أسلوب وعظي لا اعتبار له في الحِجاج»، وما إلى ذلك من عبارات الاستعلاء على الوعظ، وإن هي إلا غفلة عن حاجات الإنسان، وقصور في النظر، والداء قديم قد حكى ابتلاءَ الناس به العلماءُ، ومنهم الغزالي في إحيائه فقال: «ومن هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيات، ولم يهمه إلا تعلم طريق المجادلة والإلزام وإفحام الخصوم ودفع الحق لأجل الغلبة والمباهاة، فهو طول الليل والنهار في التفتيش عن مناقضات أرباب

صفحة مطبوعة 168 · ورقة PDF 168رابط الصفحة المنفردة

المذاهب، والتفقد لعيوب الأقران، والتلقف لأنواع التسبيبات المؤذية، وهؤلاء هم سباع الإنس، طبعهم الإيذاء، وهمهم السفه، ولا يقصدون العلم إلا لضرورة ما يلزمهم لمباهاة الأقران، فكل علم لا يحتاجون إليه في المباهاة كعلم القلب وعلم سلوك الطريق إلى الله تعالى بمحو الصفات المذمومة وتبديلها بالمحمودة فإنهم يستحقرونه ويسمونه التزويق، وكلام الوعاظ، وإنما التحقيق عندهم معرفة تفاصيل العربدة التي تجري بين المتصارعين في الجدل»(305)

وقال ابن الجوزي: «ومن ذلك أن إبليس لبس عليهم بأن الفقه وحده علم الشرع ليس ثم غيره، فإن ذكر لهم محدث قالوا: ذاك لا يفهم شيئًا، وينسون أن الحديث هو الأصل، فإن ذكر لهم كلام يلين به القلب قالوا: هذا كلام الوعاظ»(306) .

وقال أيضًا: «ومن تلبيسه عليهم أن يحسِّن لهم ازدراء الوعاظ، ويمنعهم من الحضور عندهم فيقولون: من هؤلاء؟! هؤلاء قُصَّاص، ومراد الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع، والقصاص لا يُذَمُّون من حيث هذا الاسم لأن الله عز وجل قال: ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ﴾ [يوسف: 3] وقال: ﴿فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ﴾ [الأعراف: 176]، وإنما ذُم القصاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد، ثم غالبهم يخلط فيما يورده وربما اعتمد على ما أكثره محال، فأما إذا كان القَصص صدقًا ويوجب وعظًا؛

صفحة مطبوعة 169 · ورقة PDF 169رابط الصفحة المنفردة

فهو ممدوح، وقد كان أحمد بن حنبل يقول: ما أحوج الناس إلى قاص صدوق»(307)

وما ذكره ابن الجوزي رحمه الله من معايب الوعاظ واجب التوقي ليسلم الوعظ من النقص والعيب، ونذكر جملة من مواعظ السلف ليستبين النهج الأمثل فيه:

قال عمر رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزِنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية»(308) .

وقال عثمان رضي الله عنه: «إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة لم يعطكموها لتركنوا إليها، إنما الدنيا تفنى، والآخرة تبقى، لا تبطركم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية، آثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله عز وجل، اتقوا الله فإن تقواه جُنَّة مِن بأسه، ووسيلة من عنده، واحذروا من الله الغِيَر، والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابًا، ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا﴾ [آل عمران: 103] «إلى آخر الآيتين»(309) .

وقال علي رضي الله عنه: «لله امرؤ راقب ربه، وخاف ذنبه، وعمل صالحًا، وقدم خالصًا، واحتسب مذخورًا، واجتنب محذورًا، ورمى عرضًا، وأحرز عوضًا،

صفحة مطبوعة 170 · ورقة PDF 170رابط الصفحة المنفردة

كابر هواه، وكذب مناه»(310)

وقال أبي بن كعب رضي الله عنه: «اتخذ كتاب الله إمامًا، وارض به قاضيًا وحكمًا، فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيع مطاع، وشاهد لا يُتهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحكم ما بينكم، وخبركم وخبر ما بعدكم»(311) .

وقال سلمان رضي الله عنه: «أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث: ضحكت من مُؤمِّل الدنيا والموت يطلبه، وغافل لا يُغفل عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أمُسخط ربَّه أم مرضيه. وأبكاني ثلاث: فراق الأحبة محمد وحزبه، وهول المَطْلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي رب العالمين حين لا أدري إلى النار انصرافي أم إلى الجنة»(312) .

صفحة مطبوعة 171 · ورقة PDF 171رابط الصفحة المنفردة

توقي الفضول :

أما وقد بلغنا ختام ما أردنا، فحق علينا أن ننبِّه إلى أن أكثر ما فيه الناس اليوم من خلافات إنما جرَّهم إليها ما أولعوا به من فضول الكلام، وإنك لو نظرت إلى غالب ما يتناحر فيه الناس لوجدت أنه لا ينبني عليه عمل، أو إن ما قام عليه من عمل قليل لا يستأهل ما يعرض له الإنسان نفسه من إثم تفرزه المشاحنة والخصومة، بل وربما كان هذا القليل مما يسع فيه الخلاف، ولا يُثَرَّب فيه على مسلم انتحاه واختاره، والغالب أنك لو تأملت لرأيته مذهبًا لسلف صالح في الدين والعلم، ولسنا نقول بالاحتجاج بمجرد عمل الصالحين، وإنما نقول: إن الصالح العالم إنما يعمل بما رأى له في الدين وجهًا، فإن علمت ذلك خفت عندك داعي الخصومة ولم يبقَ لك إلا نُصح المرشد، وتركت عنك إلزام الآمر.

فما تراه اليوم من فضول المناظرات إنما جاء من فضول الخواطر، وغالبه انشغالٌ بما لا ينفع، أو بما قلَّ نفعه عما هو أنفع للنفس والغير، قال العباس بن غالب الوراق: «قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله أكون في المجلس ليس فيه من يعرف السنة غيري، فيتكلم متكلم مبتدع أرد عليه؟ قال: لا تنصب نفسك لهذا، أخبر بالسنة ولا تخاصم، فأعدت عليه القول، فقال: ما أراك إلا مخاصمًا»(313) .

وقال الجاحظ رحمه الله: «وهم وإن كانوا يحبون البيان والطلاقة، والتحبير والبلاغة، والتخلص والرشاقة، فإنهم كانوا يكرهون السلاطة

صفحة مطبوعة 172 · ورقة PDF 172رابط الصفحة المنفردة

والهذر، والتكلف، والإسهاب والإكثار، لما في ذلك من التزيد والمباهاة، واتباع الهوى، والمنافسة في الغلو. وكانوا يكرهون الفضول في البلاغة، لأن ذلك يدعو إلى السَّلاطة، والسَّلاطة تدعو إلى البذاء، وكل مراء في الأرض فإنما هو من نتاج الفضول.

ومن حصَّل كلامه وميَّزه، وحاسب نفسه، وخاف الإثم والذم، أشفق من الضراوة وسوء العادة، وخاف ثمرة العُجب وهجنة النفج، وما في حب السمعة من الفتنة، وما في الرِّياء من مجانبة الإخلاص.

ولقد دعا عبادة بن الصامت بالطعام، بكلام ترك فيه المحاسنة، فقال شدَّاد بن أوس: إنه قد ترك فيه المحاسنة، فاسترجع ثم قال: ما تكلمت بكلمة منذ بايعت رسول الله صلّى الله عليه وآله إلا مزمومة مخطومة»(314) .

وفي سياقته لأدب المناظرة قال الغزالي رحمه الله: «أن لا يناظر إلا في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع غالبًا، فإن الصحابة رضي الله عنهم ما تشاوروا إلا فيما تجدَّد من الوقائع أو ما يغلب وقوعه كالفرائض، ولا نرى المناظرين يهتمون بانتقاد المسائل التي تعم البلوى بالفتوى فيها، بل يطلبون الطبوليات التي تُسمع فيتسع مجال الجدل فيها كيفما كان الأمر، وربما يتركون ما يكثر وقوعه ويقولون: هذه مسألة خبرية أو هي من الزوايا وليست من الطبوليات، فمن العجائب أن يكون المطلب هو الحق ثم يتركون المسألة لأنها خبرية ومدرك الحق فيها هو الإخبار أو لأنها ليست من الطبول فلا نطول فيها الكلام.

صفحة مطبوعة 173 · ورقة PDF 173رابط الصفحة المنفردة

والمقصود في الحق أن يقصر الكلام ويبلغ الغاية على القرب لا أن يطول»(315) .

وقال ابن القيم رحمه الله: «وأما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبوابًا من الشر كلها مداخل للشيطان، فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب كلها، وكم من حرب جرتها كلمة واحدة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم»، وفي الترمذي: «أن رجلًا من الأنصار توفي فقال بعض الصحابة: طوبى له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فما يدريك؟ فلعله تكلم بما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه»، وأكثر المعاصي إنما تَوَلُّدها من فضول الكلام والنظر، وهما أوسع مداخل الشيطان فإن جارحتيهما لا يملأن ولا يسأمان، بخلاف شهوة البطن فإنه إذا امتلأ لم يبق فيه إرادة للطعام، وأما العين واللسان فلو تركا لم يفترا من النظر والكلام فجنايتهما متسعة الأطراف، كثيرة الشعب، عظيمة الآفات، وكان السلف يحذرون من فضول النظر كما يحذرون من فضول الكلام»(316) .

ونسوق إليك بعض ما جاء على ألسنة السلف من ذم فضول الكلام:

قال أبو الدرداء رحمه الله: «أنصف أذنيك من فيك، فإنِّما جُعل لك أذنان اثنتان وفم واحد لتسمع أكثر ممَّا تقول»(317) .

صفحة مطبوعة 174 · ورقة PDF 174رابط الصفحة المنفردة

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «ما شيء أحق بطول سجن من اللسان»(318) ، وقال: «إياكم وفضول الكلام، بحسب الرجل أن يبلغ حاجته»(319) .

وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: «الكلام بمنزلة العطاس، قليله دواء، وكثيره داء»(320) .

ومن وصايا ابن عباس رضي الله عنه: «لا تكلَّم فيما لا يعنيك، فإنه فضل، ولا آمن عليك فيه الوزر، ودع كثيرًا من الكلام مما يعنيك حتى ترى له موضعًا، فرُبَّ متكلم بالحق تقي قد تكلم بالأمر في غير موضعه فعنت، ولا تماريَنَّ حليمًا ولا سفيهًا، فإن الحليم يغلبك، والسفيه يزدريك، واذكر أخاك إذا توارى عنك بمثل الذي تحب أن يذكرك، واعمل عمل رجل يعلم أنه مجزي بالإحسان، مأخوذ بالإجرام»(321) .

وكان علي بن الحسين رضي الله عنهما يقول: «إن المعرفة بكمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه وقلة مرائه، وحلمه وصبره وحسن خلقه»(322) .

ومن نفيس النصيحة ما قاله التاج السبكي رحمه الله: «ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى برهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل

صفحة مطبوعة 175 · ورقة PDF 175رابط الصفحة المنفردة

وتحسين الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحًا عما جرى بينهم فإنك لم تُخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك ودع ما لا يعنيك، ولا يزال طالب العلم عندي نبيلًا حتى يخوض فيما جرى بين السلف الماضين ويقضي لبعضهم على بعض»(323)

الخاتمة

وبعد..

صفحة مطبوعة 176 · ورقة PDF 176رابط الصفحة المنفردة

فهذا ما عرض للخاطر وجاد به الفكر، أقدِّمه بين يديك لعل فيه فلاحًا لناظر وفائدة لمتلمس، «على أنني معترف بقول يحيى بن خالد: لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعرًا أو يصنِّف كتابًا. وقد كتب جعفر بن يحيى إلى بعض عماله، وقد وقف على سهو في كتاب ورد منه: «اتخذ كاتبًا متصفحًا لكتبك، فإن المؤلف للكتاب تنازعه أمور وتعتوره صروف تشغل قلبه وتشعِّب فكره، من كلام ينسِّقه، وتأليف ينظِمه، ومعنى يتعلَّق به يشرحه، وحجة يوضحها. والمتصفِّح للكتاب أبصر بمواضع الخلل من مبتدي تأليفه».

وأنا فقد اعترفتُ بقصوري فيما اعتمدت عن الغاية، وتقصيري عن الانتهاء إلى النهاية، فأسأل الناظر فيه أن لا يعتمد العنت ولا يقصد قصد من إذا رأى حسنًا ستره، وعيبًا أظهره. وليتأمَّله بعين الإنصاف لا الانحراف، فمن طلب عيبًا وجدَّ وجد، ومن افتقد زلل أخيه بعين الرضى فقد فقد.

فرحم الله امرءًا قهر هواه، وأطاع الإنصاف ونواه، وعذرَنا في خطأ إن كان منَّا، وزلل إن صدر عنَّا، فالكمال محال لغير ذي الجلال، فالمرء غير معصوم، والنسيان في الإنسان غير معدوم. وإن عجز عن الاعتذار عنا والتصويب، فقد علم أن كلَّ مجتهد مصيب، فإنَّا وإن أخطأنا

صفحة مطبوعة 177 · ورقة PDF 177رابط الصفحة المنفردة

في مواضع يسيرة، فقد أصبنا في مواطن كثيرة، فما علمنا فيمن تقدَّمنا من العلماء وأمَّنا من الأئمة القدماء أحدًا إلا وقد نُظم في سلك أهل الزلل، وأخذ عليه شيء من الخطل، وهم هم، فكيف بنا مع قصورنا واقتصارنا وصرف جلِّ زماننا في نهمة الدنيا وطلب المعاش، وتنميق الرياش، الذي مرادنا منه صيانة العرض، وبقاء ماء الوجه لدى العرض.

وإنما تصديت لجمع هذا الكتاب لفرط الشَّغف والغرام، والوجد بما حوى والهيام، لا لسلطان أجتديه، ولا لصدر أرتجيه. غير أني أرغب إلى الناظر فيه أن يترحّم عليَّ، ويعطف جيد دعائه إليَّ، فذلك ما لا كلفة فيه عليه، ولا ضرر يرجع به إليه، فربما انتفعت بدعوته، وفزت بما قد أمن هو من معرَّته»(324) .

صفحة مطبوعة 178 · ورقة PDF 178رابط الصفحة المنفردة

المراجع

آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني، تحقيق: د. علي العمران، الطبعة الأولى: 1434ه، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، مكة المكرمة. إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، 1402ه، دار المعرفة، بيروت. اختيار معرفة الرجال، أبو جعفر الطوسي، تعليق: ميرداماد الاسترابادي، تحقيق: مهدي رجائي، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1404ه، مطبعة بعثت، قم. الإخنائية، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: الداني بن منير آل زهوي، الطبعة الأولى: 1423ه، المكتبة العصرية، بيروت. الآداب الشرعية والمنح المرعية، محمد بن مفلح الحنبلي، عالم الكتب. أدب الحوار في الإسلام، د. محمد سيد طنطاوي، 1979م، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، مصر. أدب الحوار في الإسلام، سيف الدين شاهين، الطبعة الأولى، 1413ه، دار الأفق، الرياض. أدب الدنيا والدين، أبو الحسن الماوردي، 1986م، دار مكتبة الحياة، بيروت. الأدب الصغير والأدب الكبير، عبد الله بن المقفع، دار صادر، بيروت. أدب الطلب ومنتهى الأدب، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: عبد الله يحيى السريحي، الطبعة الأولى: 1419ه، دار ابن حزم، بيروت. الأذكياء، أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق: بسام عبد الوهاب الجابي، الطبعة الأولى 1424ه، دار ابن حزم، بيروت. الاستذكار، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي، تحقيق:

صفحة مطبوعة 179 · ورقة PDF 179رابط الصفحة المنفردة

سالم محمد عطا، محمد علي معوض، الطبعة الأولى، 1421ه، دار الكتب العلمية، بيروت. الاستقامة، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى، 1403ه، جامعة الإمام محمد بن سعود، المدينة المنورة. أسد الغابة، أبو الحسن عز الدين ابن الأثير، 1409ه، دار الفكر، بيروت. أصول الجدل والمناظرة في الكتاب والسنة، د. محمد بن إبراهيم العثمان، الطبعة الثانية، 1425ه، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان. إعلام الموقعين عن رب العالمين، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق وتخريج: مشهور بن حسن آل سلمان، أحمد عبد الله أحمد، الطبعة الأولى، 1423ه، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: ناصر عبد الكريم العقل، الطبعة السابعة، 1419ه، دار عالم الكتب، بيروت، لبنان. الأم، أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، 1410ه، دار المعرفة، بيروت. أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، تحقيق: سهيل زكار، رياض الزركلي، الطبعة الأولى، 1417ه، دار الفكر، بيروت. بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، الطبعة الثانية مصححة، 1403ه، مؤسسة الوفاء، بيروت، لبنان. البحر المحيط في التفسير، أبو حيان محمد بن يوسف أثير الدين الأندلسي، تحقيق: صدقي محمد جميل، 1420ه، دار الفكر، بيروت. البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تحقيق: علي شيري، الطبعة الأولى: 1408ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت. البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، 1407ه، دار الفكر، بيروت.

صفحة مطبوعة 180 · ورقة PDF 180رابط الصفحة المنفردة

بدائع الفوائد، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، تحقيق: علي العمران، الطبعة الأولى، 1425ه، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة. البرهان في وجوه البيان، أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب الكاتب، تحقيق: حفني محمد شرف، 1389ه، مطبعة الرسالة، مكتبة الشباب، القاهرة. البصائر والذخائر، أبو حيان التوحيدي علي بن محمد بن العباس، تحقيق: وداد القاضي، الطبعة الأولى، 1408ه، دار صادر، بيروت. البناية شرح الهداية، أبو محمد محمود بن أحمد الغيتابي الحنفي بدر الدين العيني، الطبعة الأولى، 1420ه، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني الدمشقي، تحقيق: مجموعة من المحققين، الطبعة الأولى، 1426ه، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، مكة المكرمة. البيان والتبيين، الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني، 1423ه، دار ومكتبة الهلال، بيروت. تاريخ الجدل، محمد أبو زهرة، 1424ه، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر. تاريخ الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، الطبعة الثانية: 1387ه، دار التراث، بيروت. تاريخ دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروب بابن عساكر، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، 1415ه، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت. التبصرة، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، الطبعة الأولى 1406ه، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. تعليق من أمالي ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، تحقيق: السيد مصطفى السنوسي، الطبعة الأولى: 1401ه، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت.

صفحة مطبوعة 181 · ورقة PDF 181رابط الصفحة المنفردة

تفسير الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، تحقيق ودراسة: د. محمد عبد العزيز بسيوني، الطبعة الأولى، 1420ه، كلية الآداب جامعة طنطا. تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الطبعة الثانية، 1420ه، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض. تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، 1983م، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان. تلبيس إبليس، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، الطبعة الأولى، 1421ه، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان. تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي، تحقيق: يوسف علي بديوي، الطبعة الثالثة، 1421 ه، دار ابن كثير، دمشق بيروت. تهذيب اللغة، محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، تحقيق: محمد عوض مرعب، الطبعة الأولى، 2001م، دار إحياء التراث العربي، بيروت. التواضع والخمول، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، الطبعة الأولى، 1409ه، دار الكتب العلمية، بيروت. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى، 1422ه، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الجيزة، مصر. جامع العلوم والحكم، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن

صفحة مطبوعة 182 · ورقة PDF 182رابط الصفحة المنفردة

رجب السلامي البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، إبراهيم باجس، الطبعة السابعة، 1422ه، مؤسسة الرسالة، بيروت. جامع المسائل، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية تقي الدين، تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، الطبعة الأولى، 1437ه، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة. جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، الطبعة الأولى، 1414ه، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية. الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ، أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، تحقيق: محمد أبو الأجفان، عثمان بطيخ، الطبعة الثانية، 1403ه، مؤسسة الرسالة بيروت المكتبة العتيقة، تونس. الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني، إبراهيم أطفيش، الطبعة الثانية، 1384ه، دار الكتب المصرية، القاهرة. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي، تحقيق: د. محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض. جامع معمر بن راشد، أبو عروة معمر بن أبي عمرو راشد الأزدي البصري، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية، 1403ه، المجلس العلمي باكستان، توزيع المكتب الإسلامي، بيروت. جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، خير الدين أبو البركات نعمان بن محمود بن عبد الله الآلوسي، 1401ه، مطبعة المدني، مصر. الحلم، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي، المعروف بابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، الطبعة الأولى،

صفحة مطبوعة 183 · ورقة PDF 183رابط الصفحة المنفردة

1413ه، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت. الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسنة، يحيى بن محمد حسن بن أحمد زمزمي، 1413ه، دار التربية والتراث، مكة المكرمة رمادي للنشر، الدمام. الحوار أصوله المنهجية وآدابه السلوكية، أحمد بن عبد الرحمن الصويان، الطبعة الأولى، 1413ه، دار الوطن، الرياض. الحيوان، أبو عثمان الجاحظ عمرو بن بحر بن محبوب الكناني، الطبعة الثانية، 1424ه، دار الكتب العلمية، بيروت. درء تعارض العقل والنقل، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، الطبعة الثانية، 1411ه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية. الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد، تحقيق: د. أبو اليزيد أبو زيد العجمي، 1428ه، دار السلام، القاهرة. الرسالة، أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: أحمد شاكر، الطبعة الأولى، 1358ه، مكتبة الحلبي، مصر. رسائل الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، 1384ه، مكتبة الخانجي القاهرة. الرسائل السياسية، أبو عثمان الجاحظ عمرو بن بحر بن محبوب الكناني، تحقيق: علي أبو ملحم، الطبعة الأخيرة، 2002م، دار ومكتبة الهلال، بيروت. رفع الملام عن الأئمة الأعلام، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، 1403ه، الرئاسة العامة لإدارات البحوث

صفحة مطبوعة 184 · ورقة PDF 184رابط الصفحة المنفردة

العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، المملكة العربية السعودية. روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي الدارمي البستي، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت. زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، الطبعة السابعة والعشرون، 1415ه، مؤسسة الرسالة، بيروت مكتبة المنار الإسلامية، الكويت. الزهد الكبير، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، تحقيق: عامر أحمد حيدر، الطبعة الثالثة، 1996م، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت. الزهد والرقائق، أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت. الزهد، أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم بن محمد، أبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم، الطبعة الأولى، 1414ه، دار المشكاة للنشرة والتوزيع، حلوان، مصر. الزهد، ابو سفيان وكيع بن الجراح الرؤاسي، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، الطبعة الأولى، 1404ه مكتبة الدار، المدينة المنورة. الزهد، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، تحقيق: محمد عبد السلام شاهين، الطبعة الأولى، 1420ه، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، محمد كامل قره بللي، الطبعة الأولى، 1430ه، دار الرسالة العالمية، بيروت. سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، 1998م، دار الغرب، بيروت. سنن الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط،

صفحة مطبوعة 185 · ورقة PDF 185رابط الصفحة المنفردة

حسن عبد المنعم شلبي، عبد اللطيف حرز الله، أحمد برهوم، الطبعة الأولى، 1424ه، مؤسسة الرسالة، بيروت. السنن الكبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، تحقيق: د. عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى، 1432ه، مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية، مصر. سنن سعيد بن منصور، أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني، تحقيق: حبيب الله الأعظمي، الطبعة الأولى، 1403ه، الدار السلفية، الهند. سير أعلام النبلاء، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثالثة، 1405ه، مؤسسة الرسالة، بيروت. السير والمغازي، محمد بن إسحاق بن يسار، تحقيق: سهيل زكار، الطبعة الأولى، 1398ه، دار الفكر، بيروت. شرح السنة للبغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، محمد زهير الشاويش، الطبعة الثانية، 1403ه، المكتب الإسلامي، دمشق بيروت. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد عز الدين بن أبي حامد عبد الحميد بن هبة الله المدائني، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى، 1378ه، دار إحياء الكتب العربية، مصر. شرح نهج البلاغة، محمد عبده، الطبعة الأولى، 1412ه، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان. الشريعة، أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي، تحقيق: د. عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الطبعة الثانية، 1420ه، دار الوطن،

صفحة مطبوعة 186 · ورقة PDF 186رابط الصفحة المنفردة

الرياض. شعب الإيمان، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، تحقيق: د. عبد العلي عبد الحميد حامد، الطبعة الأولى، 1423ه، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض الدار السلفية، بومباي. الصارم المسلول على شاتم الرسول، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، الحرس الوطني السعودي، المملكة العربية السعودية. صحيح ابن حبان، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد الدارمي البستي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثانية، 1414ه، مؤسسة الرسالة، بيروت. صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الطبعة الأولى، 1422ه، دار طوق النجاة، بيروت. صحيح مسلم، أبو الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. صفة الصفوة، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، تحقيق: أحمد بن علي، 1421ه، دار الحديث، القاهرة، مصر. الصمت، أبو بكر عبد الله بن محمد الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا، تحقيق: أبو إسحاق الحويني، الطبعة الأولى، 1410ه، دار الكتاب العربي، بيروت. طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي، د. عبد الفتاح محمد الحلو، الطبعة الثانية، 1413ه، دار هجر للنشر والتوزيع، مصر. الطبقات الكبرى، أبو عبد الله محمد بن سعد، تحقيق: إحسان عباس، الطبعة الأولى، 1968م، دار صادر، بيروت. العاقبة في ذكر الموت، عبد الحق بن عبد الرحمن الأندلسي الأشبيلي المعروف بابن الخراط، تحقيق: خضر محمد خضر، الطبعة الأولى، 1406ه، مكتبة دار

صفحة مطبوعة 187 · ورقة PDF 187رابط الصفحة المنفردة

الأقصى، الكويت. عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، الطبعة الثالثة، 1409ه، دار ابن كثير دمشق بيروت مكتبة دار التراث، المدينة المنورة. العلو للعلي الغفار، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، تحقيق: أبو محمد أشرف عبد المقصود، الطبعة الأولى، 1416ه، مكتبة أضواء السلف، الرياض. العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، أبو عبد الله عز الدين محمد بن إبراهيم الحسني القاسمي المعروف بابن الوزير، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثالثة، 1415ه، مؤسسة الرسالة، بيروت. عيون الأخبار، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، 1418ه، دار الكتب العلمية، بيروت. غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائض الفاضحة، أبو إسحق برهان الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى المعروف بالوطواط، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، الطبعة الأولى، 1429ه، دار الكتب العلمية، بيروت. غريب الحديث، الخطابي أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي، تحقيق: عبد الكريم إبراهيم الغرباوي، 1402ه، دار الفكر، دمشق. الفتاوى الكبرى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، الطبعة الأولى، 1408ه، دار الكتب العلمية، بيروت. فتح الباري شرح صحيح البخاري، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، تحقيق: محب الدين الخطيب، 1379ه، دار المعرفة، بيروت. الفقيه والمتفقه، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي، الطبعة الثانية، 1421ه، دار ابن الجوزي، السعودية.

صفحة مطبوعة 188 · ورقة PDF 188رابط الصفحة المنفردة

قوت القلوب في معاملة المحبوب، أبو طالب المكي محمد بن علي بن عطية الحارثي، تحقيق: د. عاصم إبراهيم الكيالي، الطبعة الثانية، 1426ه، دار الكتب العلمية، بيروت. الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، تحقيق: علي أكبر غفاري، الطبعة الخامسة، 1363 ش، دار الكتب الإسلامية، طهران. الكامل في التاريخ، عز الدين ابن الأثير أبو الحسن علي بن محمد الشيباني الجزري، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، الطبعة الأولى، 1417ه، دار الكتاب العربي، بيروت. الكامل في اللغة والأدب، أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الثالثة، 1417ه، دار الفكر العربي، القاهرة. الكليات، أبو البقاء الحنفي أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، تحقيق: عدنان درويش محمد المصري، الطبعة الثانية، 1419ه، مؤسسة الرسالة، بيروت. لسان العرب، ابن منظور جمال الدين محمد بن مكرم بن علي الأنصاري الرويفعي الإفريقي، الطبعة الثالثة، 1414ه، دار صادر، بيروت. المجالسة وجواهر العلم، أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري المالكي، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، 1419ه، جمعية التربية الإسلامية، البحرين دارب ابن حزم، بيروت. المجتنى، أبو بكر بن محمد بن دريد الأزدي، 1382ه، دائرة المعارف العثمانية، حيدراباد، الهند. مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الحادي عشر، منظمة المؤتمر الإسلامي، جدة. مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، 1416ه، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

صفحة مطبوعة 189 · ورقة PDF 189رابط الصفحة المنفردة

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، الراغب الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد، الطبعة الأولى، 1420ه، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت. مختصر منهاج القاصدين، نجم الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي، 1398ه، مكتبة دار البيان، دمشق. مداراة الناس، ابن أبي الدنيا أبو بكر عبد الله بن محمد البغدادي الأموي القرشي، تحقيق: محمد خير رمضان، الطبعة الأولى، 1418ه، دار ابن حزم، بيروت، لبنان. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، الطبعة الثالثة، 1416ه، دار الكتاب العربي، بيروت. مدارك التنزيل وحقائق التأويل، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي، تحقيق: يوسف علي بديوي، الطبعة الأولى، 1419ه، دار الكلم الطيب، بيروت. مستدرك الوسائل، الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي، تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1408ه، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، بيروت. مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط عادل المرشد وآخرون، الطبعة الأولى، 1421ه، مؤسسة الرسالة، بيروت. مسند الفاروق، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، تحقيق: إمام بن علي بن إمام، الطبعة الأولى، 1430ه، دار الفلاح، الفيوم، مصر.

صفحة مطبوعة 190 · ورقة PDF 190رابط الصفحة المنفردة

مصنف ابن أبي شيبة، أبو بكر بن أبي شيبة عبد الله بن محمد بن إبراهيم العبسي، تحقيق: كمال يوسف الحوت، الطبعة الأولى، 1409ه، مكتبة الرشد، الرياض. مصنف عبد الرزاق الصنعاني، أبو بكر عبد الرزاق بن همام الحميري اليماني الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية، 1403ه، المجلس العلمي، الهند. معجم ابن الأعرابي، أبو سعيد بن الأعرابي أحمد بن محمد بن زياد البصري، تحقيق: عبد المحسن بن إبراهيم بن احمد الحسيني، الطبعة الأولى، 1418ه، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية. معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، 1399ه، دار الفكر، بيروت. مفتاح العلوم، أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد السكاكي، تحقيق: نعيم زرزور، الطبعة الثانية، 1407ه، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. مفتاح دار السعادة، ابن قيم الجوزية أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب، تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، الطبعة الأولى، 1432ه، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة. المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، الطبعة الأولى، 1412ه، دار القلم الدار الشامية، دمشق بيروت. مكارم الأخلاق ومعاليها ومحمود طرائقها، أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي السامري، تحقيق: أيمن عبد الجابر البحيري، الطبعة الأولى، 1419ه، دار الآفاق العربية، القاهرة. المنقذ من الضلال، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، تحقيق: د. عبد الحليم محمود، دار الكتب الحديثة، مصر. منهاج السنة النبوية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى، 1406ه، جامعة الإمام محمد بن سعود

صفحة مطبوعة 191 · ورقة PDF 191رابط الصفحة المنفردة

الإسلامية، الرياض. الموافقات، الشاطبي إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الطبعة الأولى، 1417ه، دار ابن عفان، الجيزة، مصر. الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، أبو عبيد الله بن محمد بن عمران المرزباني، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، الطبعة الأولى، 1415ه، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. الموشى، الوشاء أبو الطيب محمد بن أحمد بن إسحاق، تحقيق: كمال مصطفى، الطبعة الثانية، 1371ه، مكتبة الخانجي، مصر. الموطأ، مالك بن أنس الأصبحي المدني، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، الطبعة الأولى، 1425ه، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، أبو ظبي، الإمارات. ميزان العمل، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، تحقيق: د. سليمان دنيا، الطبعة الأولى، 1964م، دار المعارف، مصر. النبوات، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: عبد العزيز بن صالح الطويان، الطبعة الأولى، 1420ه، أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية. نثر الدر في المحاضرات، منصور بن الحسين الرازي، تحقيق: خالد عبد الغني محفوظ، الطبعة الأولى، 1424ه، دار الكتب العلمية، بيروت. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، تحقيق: عبد الرزاق غالب المهدي، الطبعة الأولى، 1415ه، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الشيباني الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي، 1399ه، المكتبة العلمية،

صفحة مطبوعة 192 · ورقة PDF 192رابط الصفحة المنفردة

بيروت. الوافي، الفيض الكاشاني، تحقيق: ضياء الدين الحسيني، الطبعة الأولى، 1406ه، مكتبة الإمام أمير المؤمنين (ع) العامة، أصفهان. وفيات الأعيان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، 1972م، دار صادر، بيروت.

الحاشية
داخل هذا الكتاب فقطالبحث في أدب الحوار والاختلاف

اكتب كلمتين أو أكثر لعرض النتائج داخل هذا الكتاب.

النسخة المصوّرة — أدب الحوار والاختلافتمرير رأسي متصل