وعلى ضوء الروايات السابقة فقد اتضح لنا دور العباس الذي قام به في بيعة العقبة الثانية وهو دور عظيم له مكانته وأهميته في التمكين للإسلام وتثبيت دعائم الدولة القادمة، وهذا ما عرفه له الرسول صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه فيه حيث قال يوماً وهو في مجلس بالمدينة - فيما يرويه ابن سعد - وهو يذكر ليلة العقبة فقال: أيدت تلك الليلة بعمي العباس، وكان يأخذ على القوم ويعطيهم(310) .
وكانت النتيجة أن أُيدت تلك البيعة العظيمة بالنجاح الباهر، والتوفيق الملفت للنظر والمسترعي للانتباه، وهذا يعود برمته بعد رعاية الله إلى قيادة النبي صلى الله عليه وسلم الحكيمة التي رتبت مثل هذا اللقاء وأسهمت في إنجاحه، واصطحبت معها العباس خبيرياً ومجرباً ومتحدثاً، ثم إلى المعايير الخاصة للّقاء من حيث طبيعته وزمانه ومكانه، ثم إلى المبايِعين؛ الذين كانوا في أعلى درجات الحيطة والحذر والنظام والترابط؛ فأخفوا أمرهم، ونظموا صفَّهم، وضبطوا عددهم؛ لئلا يدخل فيه من ليس من أهله؛ وكل ذلك بسرّية عجيبة تذهل العقول.
ولقد اشتهر أمر حضور العباس رضي الله عنه بيعة العقبة، وصار العباس رضي الله عنه مرجعاً لمن يريد أن يسترجع أخبارها ويعرف ما دار فيها، فقد روى ابن سعد بسنده عن سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ: تَفَاخَرَتِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فِيمَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ أَوَّلَ النَّاسِ
