أبي الوليد
عُبادة بن الصامت الأنصاري
بقلم
وليد محمود الدقدوسي
فهرس
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| مقدمة مبرة الآل والأصحاب | 7 |
|---|---|
| مقدمة | 9 |
| نُبذة عن الأنصار | 11 |
| المبحث الأول: من هو؟ | 15 |
| المبحث الثاني: ملامح مميِّزة، ومناقبُ عظيمة | 33 |
| المبحث الثالث: جهاد بالسيف والكلمة | 50 |
| المبحث الرابع: عُبادة العالم الفقيه | 76 |
| المبحث الخامس: نظرة في عبقريته | 91 |
| المبحث السادس: خلافات، وأخبار فيها نظر | 96 |
| المبحث السابع: شبهة وردّ | 109 |
| الخاتمة | 115 |
| المراجع والمصادر | 116 |
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أسعد أولياءه بطاعته والصلاة والسلام على خير المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحابته.
فإن من فضل الله علينا بمبرة (الآل والأصحاب) أن نخدم تراثهم ونذب الأذى عن مشاربهم، رعاية لوصف الله لهم بالحسنى ورفقة النبي لهم وحسبك بها رفعة في الدنيا والأخرى.
ومن هذه الخدمة إبراز سيرهم العاطرة بكل منقبة عالية وخِلةٍ سامية.
ومن هنا كان من الضروري أن تُفرد المبرةُ سلسلةً تتناول فيها بالسرد والشرح والتعليل سِيَر هؤلاء الصحب والآل، متوخّين فيها الأمانة العلمية، والدقة المنهجية، التي تبيِّن الأصيل من الدخيل، وتجيب عما يشتبه في الفهم أو تزل فيه العقول، وتستخرج العبرات والعظات والفوائد من تلك السِّير العطرة، وهو المقصود الأساسي من دراسة هذه السير، الذي يحقق التأسِّي والاقتداء بهذه الشخصيات الفريدة.
ونحن هنا في هذا الكتاب ننثر ورداً وننشر عبقاً عن أنصاري من قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم استعمله النبي ثقةً به وتدبجت أسانيد الروايات الحديثية باسمه
في كتب الحديث الكبرى ألا وهو الصحابي الجليل (عبادة بن الصامت رضي الله عنه) الضارب بالفضائل بأعلى الكعاب وأوفى المكاييل.
وقد قام الأخ الباحث/ وليد محمود الدقدوسي بجمع المادة المتعلقة بهذا الصحابي الجليل وتحليلها بأسلوب رشيق بين الاختصار المخل والإطالة المملة، جمع فيه بين الجانب العلمي التوثيقي، وبين الجانب الوعظي الذي يستلهم من المعلومات ما ينفع المسلمَ في عمله وسلوكه، فشكر الله سعيه ونفع بهذا الكتاب وأمثاله.
فالمأمول من هذا الكتاب، وإخوته في تلك السلسلة وغيرها من السلاسل التي تُصدرها المبرة أن تنتشر معرفة هؤلاء الأعلام في الثقافة العامة والإسلامية في مجتمعاتنا، وأن تُثرَى الساحةُ البحثية بالأبحاث الجادة المنهجية حول سير الصحابة وأهل البيت.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
مبرة الآل والأصحاب
مقدمة
الحمد
لله على تمام نعمته، وسعة عافيته، وظهور آلائه، له الحمد أن هدانا للإسلام، وجعلنا خير أمة أخرجت للأنام، وأصلّي وأسلم على الهادي البشير، مُخرج العباد بإذن ربهم من الظلمات إلى النور، وعلى أصحابه السادات الأعلام، وعلى التابعين بإحسان.
أما بعد،،،
فهذا كتاب لا أدّعي أنِّي سُبقت إليه، ولكنّي التفت إلى كنز نملكه، ونغفل عنه: كنز التراث، وما فيه من مفاتيح الرّضا، ومصابيح الهدى، من الأعلام الأئمة من سلف هذه الأمة، فكان أن هداني الله تعالى وله الفضل والمنّة، إلى شخصية كريمة فاض عليّ من عبقِها، ورأيت من أنوارها، هي شخصية: عُبادة بن الصامت الأنصاري رضي الله عنه، وقد اخترت في عرض هذه الشخصية، طريقا وسطا بين السرد، والنقد، خشية الوقوع في التكرار، ولكي تحصُل الفائدة، فحاولت إزاحة الستار عن عبقريتها، وفض بعض الخلاف حولها، مُستجلياً جانب القدوة والإمامة فيها، من سبق، وجهاد، وصدق، وفقه، وقوة في الحق، كما حاولت درء شُبهةٍ نالَتْه رضي الله عنه، وقد اعتمدت في ذلك على أمهات الكتب التي
أتيحت لي، كما أفدت من كتاب الدكتور وهبة الزحيلي: «عبادة بن الصامت صحابي كبير وفاتح مجاهد»، في قراءة شخصيته، والوقوف على مكمن عبقريتها، كما اعتمدت عليه كمرجع في حسم بعض الأمور، وحاولت ترك بصمة خاصة، راجياً من الله تعالى أن تحصل بعملي المتواضع هذا فائدة، معتذراً عمّا يكون قد وقع من خطأ، فهو منّي ومن الشيطان، أمّا التوفيق فمن الله وحده.
نُبذة عن الأنصار
غلبت على الأنصار صفة النُّصْرة وهي: حسن المعونة، فجرى لفظ (الأنصار): مجرى الأسماء وصار كأنه اسم الحيّ، ولذلك أضيف إليه بلفظ الجمع فقيل أنصارِيّ(1) .
وهو اسم سمّاهم الله تعالى به:
ففي صحيح البخاري:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَرَأَيْتَ اسْمَ الأَنْصَارِ، كُنْتُمْ تُسَمَّوْنَ بِهِ، أَمْ سَمَّاكُمُ اللهُ؟ قَالَ: «بَلْ سَمَّانَا اللهُ عز وجل»(2) .
ويرجع نسب الأنصار إلى رجلين: أوس والخزرج ابني حارثة، وجدهم الأكبر هو: حَارِثَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وهم يمنيّون، هاجر أجدادهم إلى يثرب بعد انهيار سد مأرِب، واستقروا بها(3) .
وقد دارت بين الأوس والخزرج وقائع مشهورة، كان
آخرها يوم بُعاث(4) قبل الهجرة بست سنين(5) فكان مَقْدِمه صلى الله عليه وآله وسلم إيذانا بانتهاء العداوة بينهم، وبدايةً لعهد الإخاء والمحبة.
روى البخاري بسنده عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ: «رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي(6) إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ.... الحديث»(7) ، فتحولت يثرب إلى المدينة المنورة، وتحول أهلها إلى الأنصار، في مولد جديد.
فكان الأنصار رضوان الله عليهم أهل دار الإيمان والهجرة، وأهل المَعونة، والنُّصرة، احتضنوا الدعوة بحب، وبذلوا النفس والنفيس، وأفسحوا لإخوانهم من المهاجرين وقد قدِموا المدينة لا يملكون شيئا، ليقوم مُجتمع المحبة والإيثار في أجمل أيام الدنيا قاطبة، قال تعالى يُزكّيهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(8) .
وقال فيهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لم يقله في غيرهم:
فعظّم قدرهم، وجعلهم في المحبة فوق الأهل والعشيرة.
روى البخاري بسنده عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَوْ أَنَّ الأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا، أَوْ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ فِي وَادِي الأَنْصَارِ، وَلَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ(9) .
وكان مجتمع المحبة بالمدينة بسيطا، تعلو فيه كلمة الحب، ويعبر فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو جميل الخلْق والخلُق، عن امتنانه للأنصار في كل موقف.
روى البخاري بسنده: عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ مُقْبِلِينَ - قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - مِنْ عُرُسٍ، فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مُمْثِلًا(10) فَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ»(11) قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ.
ودعا لهم صلى الله عليه وآله وسلم بمغفرة توارثوها، وامتدت كالظل الوارف أجيالا بعد أجيال.
فقال: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيِّ(12) الأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيِّ ذَرَارِيهِمْ»(13) .
وللأنصار فضل لا ينكره إلا جاحد، وهل يُنكر سَوِيٌّ نقيٌّ خُلُق قوم امتدحهم الله ورسوله.
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «الأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ»(14) .
وأيُّ دليل على إيمان المسلم إن هو لم يحبّ الأنصار، أو وقع في نفسه شك في عدالتهم، وقد قال النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ»(15) .
وقَالَ أيضا: «حُبُّ الْأَنْصَارِ آيَةُ الْإِيمَانِ، وَبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ»(16) .
فاللهمّ اجعلنا ممن يحب الأنصار، ويعرف الأنصار، ويُحشر في زمرة الأنصار.
المبحث الأول: من هو؟
عندما نُعرّف شخصا، أو نُقدّمُه، فإننا نذكر نسبه، باعتباره جذرًا نمت منه الفروع، وبامتداد العُمر تصبح الفروع جذورًا في شجرة الحياة النامية المُتجددة، وحينئذ نتحدث عن أبناء، وأحفاد، هُم في الحقيقة جزءٌ من حياة الشخص، وصورةٌ لأسلوب تربيته.
نَسَبُه:
ترجم له ابن سعد في الطبقات فقال: «عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: بْنِ قَيْسِ ابْن أصرم بْن فهر بْن ثعلبة بْن غنم بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الخزرج. ويكنى أبا الوليد»(17) .
ووافقه ابن الأثير في أسد الغابة، وابن حبان في الثقات، والذهبي في سير أعلام النبلاء(18) .
وفي طبقات ابن خياط: «عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن
فهر بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج»(19)
وفي معجم الصحابة لابن قانع: «عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَصْرَمَ ابْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ»(20) .
وفي الاستيعاب: «عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف ابن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري السالمي»، وانفرد بذكر: (السالميّ)، ووافقه أبو نعيم في معرفة الصحابة(21) .
وقد لا يستوقفك هذا الخلاف، وقد لا تُلقي له بالا، لكنّ خِلافا في النسب قد ينقل المرء من انتماء إلى آخر.
والسؤال: لم حصل الخلاف؟
حصل الخلاف، لظن البعض ممن ترجم لعبادة رضي الله عنه، أن كونه من القواقلة(22) يعني أنه من نسل غَنْم بن عوف، باعتبار أن (قَوْقَلًا) هو غنْم ابن عوف، يظهر ذلك جليّا في ترجمة ابن الأثير حيث يقول: «عبادة بْن الصامت بْن قيس بن أصرم بْن فهر بْن ثعلبة بْن قوقل، واسمه غنم بْن عوف بْن عمرو بْن عوف بْن الخزرج الأنصاري
الخزرجي»(23)
أمّا ابن سعد (وهو الأقدم) فقد تردّد في تعريف القواقلة، فتارة يقول: «الْقَوَاقِلَة وَهُمْ بَنُو غَنْمٍ وَبَنُو سَالِمٍ ابْنَيْ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْن عَوْف ابْن الخزرج»(24) .
وتارة أخرى: «الْقَوَاقِلَة وَهُمْ بَنُو عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْكَبِيرِ»(25) .
ورغم أنه ينسبه لغنم بن عوف في ترجمته، فإنه يذكره في بني سالم «يُقَالُ: أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ نُزُولٍ بِمِنًى ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ. مِنْهُمْ: مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ. وَمِنْ بَنِي زُرَيْقٍ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ . وَمِنْ بَنِي سَالِمٍ عُبَادَةُ(26) بْنُ الصَّامِتِ » .
وكذلك ابن حبّان يذكره فيمن شهد بدرا فيقول « وَمن بني أَصْرَم بْن فهر بْن ثَعْلَبَة بْن غنم بْن سَالم بْن عَوْف، عبَادَة بْن الصَّامِت بْن قيس بْن أَصْرَم وَأَخُوهُ أَوْس بْن الصَّامِت»(27) ، خلافا لترجمته له.
وعلى ذلك يمكننا القول: أن كَوْنَ عبادة رضي الله عنه من القواقلة لا يعني نسبته إلى غنم بن عوف، بل يعني انتماءه إلى رأس من رءوس الخزرج هو: عوف بن الخزرج الذي تتفرع منه بطون شتى.
فإذا أردنا نسبته إلى بطن من البطون لقلنا أنه: سالمِيّ كما في ترجمة الاستيعاب، وقولنا سالمِيّ، كقولنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه هاشميّ لأن بني هاشم بطن من بطون قريش.
فإذا أردنا الارتفاع بنسبه قلنا: السالمِيّ - القَوْقَلِيّ - الخزرجيّ - الأنصاريّ.
وبناءً على ما سبق يتبين نسبتُه إلى غَنْم بن سالم، لا إلى غَنْم بن عوف. والله تعالى أعلم.
مولده:
بالنظر إلى وفاته في سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِيْنَ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ سَنَةً(28) ، وهو أرجح الأقوال، يكون قد وُلِد (رضي الله عنه) حوالي سنة ثمان وثلاثين قبل الهجرة النبوية، بيثرب.
نشأته:
نشأ بيثرب في بيت عز قديم، في قوم ذوي مَنعَة، يُحسنون الجوار، ويجيرون المستغيث، ويؤمّنون الخائف، وهو ما يُفهم من انتسابه للقواقلة، وهم قوم كرام كانوا إذا وفد عليهم وافد جعلوا له نصيباً في عِيشتهم، وأنزلوه على الرُحب والسّعة، يقيم ما شاء آمنا(29) .
صفته:
ورد في صفته أنه: كان رَجُلاً طُوَالاً(30) ، جَسِيْماً، جَمِيْلاً(31) ، أسود اللون(32) ، وفي الجمع بين جمال عبادة وسواده يقول د. وهبة الزحيلي رحمه الله:
«عبادة كان جميلا كما عرفنا في هيئته، وأما سواده فهو من عروبته، ولا يعد ذلك بين العرب قبحاً»(33) .
فإنّ الأسود قد يكون جميل الملامح، والأبيض قبيحها، كما أن الخزرج ينتمون إلى الأزد، وفيهم السواد، وقد جاء في وصف نبي الله موسى عليه السلام: «كأنه من أزد شنوءة»(34) ، وأنبياء الله ليس فيهم قُبح.
أسرته:
قد يعذرني القارئ الكريم في ما سآخذ فيه من الاستفاضة في الترجمة لأسرة عبادة رضي الله عنه، لأننا حين نترجم لأحد منهم، فإنما نترجم فيما دون أبيه لصحابيّ أو صحابية، أو تابعيّ من الثقات، كما لزم التدقيق لوجود خلاف، واختلاط في بعض الأمور، كنسبة إخوة إليه، أو أبناء: وهْمًا أو غلطًا، ولسبب آخر هو أنني أعُدُ أسرته رضي الله عنه تكملة لازمة
لنشأته، ومحطات حياته، التي تبدأ عند كل إنسان بأب وأم، ثم إخوة، ثم إنه يتزوج بعد ذلك، فيكون له عقِبٌ من الأولاد، والأحفاد، وقد وقفت وقفة عند كل فرد ما وسعتني المادة البحثية، لما في أحوال هذه الأسرة من دلالات، وفوائد.
أبوه:
الصامت بْنِ قَيْسِ بنِ أَصْرَمَ بنِ فِهْرِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ غَنْمِ بنِ سالم بن عَوْفِ بنِ عَمْرِو بنِ عَوْفِ بنِ الخَزْرَجِ(35) .
ليس بصحابيّ، ويبدو أنه قد مات في الجاهلية(36) قبل ظهور الدعوة، إذ لا يُعقل أن يُسلم أبناؤه وزوجته دونه، كما يشير قلة أولاده - على غير عادة العرب - إلى موته المبكر هذا، وكذلك مجيء ابنه عبادة نقيبا لقومه في العقبة الثانية.
أمه:
هي: قُرّة العين بنت عُبادة بن نَضْلة بن مالك بن العَجْلان بن زيد ابن غَنم بن سالم بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الخزرج. وأسلمت قرة العين وبايعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(37) .
ويظهر من نسب الأم أنها من أبناء عمومة الأب، فهما يلتقيان في غَنْم بن سالم، وهذا يُرجّح ما ذكرته في نسب عبادة رضي الله عنه، كما نلاحظ أنّها سمّت عُبادة باسم أبيها.
خالُه:
عبّاس بْن عُبادة بْن نَضْلة بْن مَالِك بْن العجلان بْن زَيْد بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عمرو بْن عوف بْن الخزرج بْن ثعلبة، الأنصاريّ الخزرجيّ(38) ، صحابي جليل، قيل أنه من النفر الستة الذين لقوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأسلموا قبل جميع الأنصار(39) ، شهد العقبة: الأولى، والثانية(40) ، وقام خطيبا في الخزرج قبل المُبايَعة يشُدّ العقْدَ في أعناقهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(41) ، ثم أقام معه بمكة، حتّى هاجر معه، فهو أنصاريٌّ مُهاجريُّ(42) ، لم يشهد بدرا، قُتل يوم أُحُد شهيدا(43) ، وذكر الواقدي ما يدل على حسن بلائه فيها(44) .
وللعباس أثر كبير في حياة عُبادة، ويبدو أنه قد تولّى تربيته بعد
موت أبيه، فأخذ عنه روح القوّة، والمُبادرة، والحماسة.
إخوته:
له من الإخوة بالنسب:
لأبيه وأمه: أَوْس، وخَوْلَة، ولأبيه: أُمَامة بنت الصامت وبالإيخاء: أبو مَرْثَدْ الغَنَوِيّ.
1 - إخوته لأبيه وأمه:
أ - أَوْس بن الصامت:
صحابيٌّ جليل، شهد العقبة الثانية مع أخيه عبادة(45) وشهد بدرًا، والمشاهد كلها، وكان شاعرا شريفا(46) ارتبط اسمه بقصة مشهورة عُرِف بها فهو الذي ظاهر(47) من امرأته: خولة بنت ثعلبة(48) فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم تشتكيه، فأنزل الله تعالى قوله في أول المجادلة {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}، وقد عمّر أوسٌ طويلا(49) جاء في ترجمته في أسد الغابة أنه: «سكن هو وشداد ابْن أوس الأنصاري البيت المقدس، وتوفي بالرملة من أرض فلسطين سنة أربع وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، ومات أخوه عبادة بالرّملة، وقيل بالبيت المقدس، قاله أبو أحمد العسكري، أخرجه الثلاثة»(50) فإذا سلمنا بموت أوس رضي الله عنه سنة 34 عن 72 عاما، لاشترك مع عُبادة في السن، وسُكنى الرّملة، وصُحبة شداد بن أوس(51) وهذه الأوصاف ينبغي أن تكون لعبادة نفسه لا لأخيه، ويناقض وفاته
سنة 34 عن 72 سنة ما ورد من أنه كان شيخا كبيرا حين ظاهر امرأته(52) وبفرض أن الظِّهار كان في آخر حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكان عمره وقتئذ تسعا وأربعين سنة، وليس هذا بعمر شيخ كبير، فيكون الصحيح ما قال به ابن حبّان من أنه: «مات عن خمس وثمانين سنة في خلافة عُثمان رضي الله عنه(53) والله تعالى أعلم.
ب - خَوْلَة بنت الصامت:
صحابية، مُبايعة وهي أخت أوس وعُبادة ابني الصامت، خلط البعض بينها وبين خولة بنت ثعلبة، وصحح ذلك ابن سعد في ترجمتها، ويبدو أن هذا الخلط راجع إلى التشابه في الاسم الأول بينهما، ولاشتراكهما في النسب لكونهما ابنتي عم، لذا ألحق كثيرون ترجمتها بترجمة خَولة بنت ثعلبة، وأهمل البعض ترجمتها(54) .
وكما نقل الخلْطُ خولة بنت الصامت من أخت لأوس بن الصامت إلى زوجة له، حدث خلط آخر مع ثابت بن الصامت الأنصاري الأشهلي(55) ، جعله أخاً لعبادة بن الصامت لمجرد التشابه في اسم الأب، وهو ما فصَل فيه ابن الأثير في أسد الغابة فقال «ليس بأخ لعبادة بْن الصامت، لأن عبادة خزرجي وعبد الأشهل من الأوس»(56) .
2
أخته لأبيه:
أُمامة بنت الصامت(57) :
صحابية مُبايعة أمها: الرباب بنت مالك بن عمرو بن عزيز بن مالك ابن عوف بن عمرو بن عوف من الأوس(58) .
3 - أخوه بالمؤاخاة:
آخى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين عبادة بن الصامت وأبي مَرْثَد الغَنَوِيّ(59) ، حين آخى بين المهاجرين والأنصار.
وكانت هذه المؤاخاة التي شرعها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلا إنسانيا راقيا، قامت فيه أخوة الدين مكان أخوة النسب، وعهدا على النصيحة وحسن المواساة، وأن يرث الأخ منهم أخاه دون ذوي رحمه، وكان ذلك قبل غزوة بدر، فَلَمَّا أَنْزَلَ الله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(60) بعد غزوة بدر، انقطعت المؤاخاة في
الميراث، وبقيت في ما دون ذلك من محبة، ونصح، ومواساة(61)
زوجاته:
تزوج عبادة بن الصامت بامرأتين، الأولى:
جميلة بنت أبي صَعْصَعَة: واسمه عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول ابن عمرو بن غَنْم بن مازن بن النجار، صحابية مُبايعة، وهي أم: الوليد أكبر أبناء عُبادة، وكان مولده في أواخر أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم(62) ، ثم فارقها عُبادة بعد ذلك فراقا مُبكراً، فخلف عليها الربيع بن سراقة بن عمرو(63) .
زوجته الثانية:
أم حَرام بنت مِلْحان بْن خَالِد بْن زيد بْن حرام بْن جُندُب بن عامر ابن غَنْم بن عَدِيّ بن النجار الأنصارية الخزرجية(64) خالة أنس بن مالك الصحابيّ الجليل، وخادم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم(65) كانت من فضليات النساء،
لها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قرابة، فكان يصلها، ويُكرمها، ويزورها، ويدخل عليها لكونها من محارمه(66) وهي آخر زوجاته على الأغلب.
روى البخاري بشرى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لها بأنها أول أُمّتِه ركوبا للبحر في سبيل الله، وهو من دلائل النبوة:
عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ: مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» - شَكَّ إِسْحَاقُ - قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ» كَمَا قَالَ فِي الأُولَى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ»، فَرَكِبَتْ البَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ، فَهَلَكَتْ(67) .
أولاده:
تجدر الإشارة إلى
أنه قد وقع خلط كبير بين أبناء عبادة بن الصامت وأحفاده، فعلى سبيل المثال: ذكر صاحب تهذيب الكمال في ترجمة الوليد بن عبادة بن الصامت: يحيى بن عبادة بن الصامت وقال بأنه أخوه(68) ووهِم في ذلك، فظن أنه أخو الوليد، والصواب، ما جاء في إكمال التهذيب من أن «يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي المدني، أخو عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت»(69)
والثابت أن لعبادة من الأبناء: الوليد، وآخر يدعى: محمداً.
وأكبر أبناء عبادة بن الصامت وأشهرهم:
الوليد بن عبادة أمه كما سبق: جميلة بنت أبي صعصعة، أدرك الوليد آخر زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ثقة كثير الحديث، روى عن أبيه أحاديث عدّة، توفي في خلافة عبد الملك بن مروان بالشام(70) ذكره ابن عبد البر في الصحابة وتعقبه العلائي فقال: «وقطع ابن عبد البر بصحبته اعتماداً على ما
روى هشام بن عمار عن حنظلة عن أبي حرزة يعقوب بن مجاهد عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: كنت أخرج مع أبي وله صحبة، فذكر الحديث والأصح أنه لا رؤية له، ذكره بن أبي حاتم وابن حبان والجمهور في التابعين»(71)
والأصغر الأقل شهرة هو:
محمد بن عبادة بن الصامت ، وقد ذكر ابن سعد في الطبقات، وابن حجر في فتح الباري أنّ محمداً بن عبادة هو ابن عبادة بن الصامت من زوجته أم حرام، وقيل إنّ: محمداً بن عبادة بن الصامت ليست له رواية عن أبيه، وقيل: له رواية(72) .
أحفاده:
أشهرهم: عُبَادَةُ بنُ الوَلِيْدِ بنِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيُّ، وهو حفيد عبادة بن الصامت وسمِيُّه، قال عنه الذهبي: «الفَقِيْهُ، أَبُو الصَّامِتِ الأَنْصَارِيُّ، مَدَنِيٌّ، حُجَّةٌ، وَهُوَ أَخُو
يَحْيَى، يَرْوِي عَنْ: جَدِّهِ، وَأَبِي أَيُّوْبَ، وَعَائِشَةَ، وَجَمَاعَةٍ»(73)
وذكر ابن حبان في الثقات من أحفاد عُبادة بن الصامت: مُحَمَّد بن الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْأنْصَارِيّ، يروي عَن عبَادَة بن الصَّامِت، عِداده فِي أهل الشَّام، رَوَى عَنْهُ عِيسَى بْن سِنَان(74) .
و«يحيى بن الْوَلِيد بْن الصَّامِت يروي عَن عبَادَة بن الصَّامِت روى عَنهُ جبلة بن عَطِيَّة»(75) .
وثمة حفيد آخر لعبادة بن الصامت يُدعى: عبادة بن محمد بن عبادة ابن الصامت، وهو غير عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وله رواية عن جده(76) .
وامتدت هذه الشجرة المباركة وبقي فيها العلم والورع، فكان منها في القرن الثالث الهجري: «إبراهيم بن الحارث الأنصاري، أبو إسحاق العبادي من ولد عُباده بن الصّامت، كان الإمام أحمد بن حنبل يحترمه ويعظّمه»(77) ، روى عن أحمد بن حنبل وأحمد بن عمر الوكيعي ويحيى ابن معين وعليّ بن المديني وغيرهم، وعنه أبو داود في كتاب المسائل وأبو بكر الأثرم وأبو حاتم الرازي وابن أبي داود، قال الخلال: «من كبار أصحاب أحمد بن حنبل»(78) .
وفاته رضي الله عنه:
من المُجمع عليه وفاته رضي الله عنه سنة 34هـ، عن اثنتين وسبعين سنة بالرّمْلة(79) ، وقيل: ببيت المقدس وقيل: سكن بيت المقدس(80) ، وتوفيقاً بين ذلك، فإنه يجوز أن يكون قد سكن بيت المقدس زمناً، ثم انتقل إلى الرملة فمات بها، ثم حُمل فدفن ببيت المقدس استحباباً، فإن قبره بالقدس الشريف معروف يزار أسفل السور الشرقي لبيت المقدس والله تعالى أعلم.
وقد اختار الله تعالى لعُبادة ما لم يكن ليختاره لنفسه، فأمّنه الفتنة، فمات قبل استشهاد عثمان رضي الله عنه، بسنة أو سنتين، وأدناه من البيت المقدس، وهي منزلة سألها نبي الله موسى ربَّه، روى الشيخان عن أبي هريرة قال: «أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إِلَى مُوسَى عليهما السلام، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ المَوْتَ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ
بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ المَوْتُ، قَالَ: فَالْآنَ، فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ...»(81)
المبحث الثاني: ملامح مميِّزة، ومناقبُ عظيمة
الصحابة رضوان الله عليهم أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا هم الأطهرَ قلوبا، والأصدقَ نيةً، والأعلى همة، وهم وإن اجتمعوا في فضيلة الصحبة، وحازوا قصبَ السّبْق، ومنزلةً لا تُبارى، يبرزها حديثه صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ(82) فإنهم قد تمايزوا بفضائل، قامت مقام الخصيصة المميِّزة، فمنهم السابقون ممن أسلموا قبل الفتح، وأولئك فضلهم الله على غيرهم فقال: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا}(83) .
هذا، ولا يخلو كتاب من كتب السنة الستة من باب في فضائل الصحابة، على اختلاف في المنهج والطريقة، كما أفرد كثير من العلماء مصنفات مستقلة في فضائل الصحابة كأحمد بن حنبل، والترمذي، والدارقطني وغيرهم، فالحديث عن فضائل الصحابة حديث قديم، جديد.
وفي سيرة عبادة بن الصامت رضي الله عنه ملامح مميزة صنعت له خصوصية لا يشاركه فيها كثير من الصحابة:
أولها : نزول القرآن في حقه وهذا غاية الشرف وتمام الذكر.
وثانيها : قرابته بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة امرأته أم حرام بنت ملحان، وما ورد عن تقدير النبي صلى الله عليه وآله وسلم له، ودعوته إياه بكنيته، واستعماله على الصدقة.
وثالثها : سابقته التي أتاحت له شهود المواقف الفاصلة في تاريخ الدعوة، فهو مذكور مشهور، رفيع الطبقة، عظيم المناقب.
وثمة أمور أخرى صنعت له الخصوصية، منها: أنه كان من الرعيل الأول من المسلمين الذين ركبوا البحر غازِين في سبيل الله، في غزوة قبرص، مع زوجته أم حرام التي سبقت لها بشرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك في الحديث المشهور.
أولاً: نزول القرآن فيه:
نزل القرآن الكريم في صفة الصحابة، ومواقفهم، فرادى وجماعات، وانفرد منهم بذكر اسمه نصاً: زيد بن حارثة رضي الله عنه في قوله تعالى {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا}(84) .
أما ما كان من ذكر الصفة دون الاسم فمنه:
قوله تعالى {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}(85) : في صحبة أبي بكر رضي الله عنه في الهجرة.
وقوله سبحانه {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18)}(86) : في امتداح تقواه، والبشرى له بالنجاة من النار(87) .
كما نزل قوله تعالى {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)}(88) : فيما كان من قتل أبي عبيدة بن الجراح لأبيه في بدر(89) .
وما نزل في عبادة رضي الله عنه، وقال به غير واحد من أعلام المفسرين:
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}(90) .
«أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ»(91) .
وقال القرطبي في تفسيره: «نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَبْدِ اللهِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، فَتَبَرَّأَ عُبَادَةُ رضي الله عنه مِنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ، وَتَمَسَّكَ بِهَا ابْنُ أُبَيٍّ وَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَدُورَ الدَّوَائِرُ»، وقال غيره مثله(92) .
وتفصيل ذلك: أنه تبرأ رضوان الله عليه من حلف بني قينقاع(93) ، وخلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: «لَمّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم تَشَبّثَ بِأَمْرِهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ وَقَامَ دُونَهُمْ قَالَ: وَمَشَى عُبَادَةُ بْنُ الصّامِتِ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَوْفٍ لَهُ مِنْ حِلْفِهِ مِثْلَ الّذِي لَهُمْ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ، فَخَلَعَهُمْ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَتَبَرّأَ إلَى اللهِ عز وجل وَإِلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ حِلْفِهِمْ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَتَوَلّى اللهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وآله وسلم وَالْمُؤْمِنِينَ وَأَبْرَأُ مِنْ حِلْفِ هَؤُلَاءِ الْكُفّارِ وَوِلَايَتِهِمْ(94) .
وقد كانت بين أهل المدينة من العرب ومن خالطهم من اليهود أحلاف، يحفظونها، أشبه باتفاقيات الدفاع المشترك في عصرنا.
وما نفهمه أن الآية نزلت في موقف عبادة، من نزع حلفه مع اليهود، وبقاء ابن سلول على حلفهم، وفيه شاهد على إخلاصه، ومبادرته إلى الحق، وبراءته رضي الله عنه من النفاق، وأنه كان صادقاً في إيمانه، مؤثرا لأُخراه، لا يرى عهداً، لمن نقض عهد الله ورسوله، ولا ركناً غير ركن الله، أمّا المنافقون فيذهبون مذهب الهوى، ويتخوفون أن تدور الدائرة على أهل الحق، وهم بذلك إنما يُهلكون أنفسهم، ويركنون إلى الفئة الخاسرة.
وفوقَ نَزْعِ الحِلْف كان عبادة رضي الله عنه هو المأمور بإجلاء بني قينقاع عن المدينة، وهم بما عُرفوا به من مكر قد حاولوا استمالته بحلفهم القديم، فلم يُجبهم، وطلبوا النّظِرة، فأعجلهم، تنفيذاً لأمره صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يزل بهم حتى خرجوا إلى الشام(95) .
ثانياً: قرابته بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتقديره له واستعماله إياه:
أ - قرابته بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم
لا شك أن القرابة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، شرف لا يدانيه شرف، سواء بعدت
القرابة أم دنت، وقرابة عبادة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إن صحّت فهي من جهة زوجته أم حرام، قال ابن حجر في فتح الباري: أُمَّ حَرَامٍ أَرْضَعَتْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَصَارَتْ أُمَّهُ أَوْ خَالَتَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ»(96)
وعلى هذا القول ومن وافقه: يكون عبادة رضي الله عنه زوج خالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الرضاعة.
وفي قرابته صلى الله عليه وآله وسلم بأم حرام خلاف.
وقد نقل الخلاف صاحب: غاية السُّول في خصائص الرسول فقال:
«قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم فِي بَاب فضل الْغَزْو فِي الْبَحْر اتّفق الْعلمَاء على أَنَّهَا (يعني: أم حرام) كَانَت محرماً لَهُ صلى الله عليه وآله وسلم وَاخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة ذَلِك، فَقَالَ ابْن عبد الْبر وَغَيره كَانَت إِحْدَى خالاته من الرضَاعَة، وَقَالَ آخَرُونَ بل كَانَت خَالَته لِأَبِيهِ أَو لجده لِأَن عبد الْمطلب كَانَت أمه من بني النجار هَذَا كَلَامه، وَمَا ذكره من الِاتِّفَاق على أَنَّهَا كَانَت محرماً لَهُ فِيهِ نظر وَمن أحَاط علما بِنسَب النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم وَنسب أم حرَام علم أَنه لَا محرمية بَينهمَا،.... وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم مَعْصُوم - فَيُقَال كَانَ من خَصَائِصه الْخلْوَة بالأجنبية وَقد ادَّعَاهُ بعض شُيُوخنَا»(97) .
وبالنظر لمجمل الآراء فإن النووي رحمه الله نقل الإجماع على ثبوت هذه القرابة، وانحصر
الخلاف في كيفيتها، وأمّا من أنكر القرابة فبعض المتأخرين ممّن لم يثبت لهم طريق القرابة، والناظر في نسب أم حرام يرى أنها نجاريّة، وبنو النجار أخوال عبد الله أبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو أخوال جده عبد المطلب(98) فإذا كانت لأم حرام صلة بأبيه أو بجده، فمحتملٌ أن تكون قد أرضعته صغيراً، وأمّا قَوْل من قال بأن دخوله صلى الله عليه وآله وسلم على النساء كان من خصائصه لأمنة الفتنة، فلا شيء فيه، لكنه داخل في باب آخر، وحديث أم حرام في صحيح البخاري دال بلفظه ومعناه على القرابة بينها وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ»(99)
فلا يمكن أن يُعَدّ فعلها من تفلية رأسه الشريف، وما يستلزمه من القرب، ورفع الحشمة، داخلاً في خصوصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الدخول على النساء لأمنة الفتنة، بل الأقرب أنه من فعل المرأة مع ذوي رحمها، وما يدريك وقد سبق القول بأن عبادة تزوج بأم ملحان بعد زواج سابق بغيره، وكان لها من هذا الزواج ولد، فيحتمل أن يكون السبب في الزيجة تلك القرابة، أما من يبحثون عن الدليل على القرابة فلهم أن ينظروا في الحديث فإنه دالٌ لا لبس فيه، وإلا فليأتوا بفعل كهذا فعلته امرأة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليست من محارمه.
ب - تقدير النبي صلى الله عليه وآله وسلم له، واستعماله إياه
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينزل الناس منازلهم، ويناديهم بأحب أسمائهم إليهم، وكان عبادة رضي الله عنه من نسل شريف، وقوم انعقدت لهم السيادة كابراً عن كابر، فكان صلى الله عليه وآله وسلم يدعوه بكنيته مقدمة على اسمه، ولا يناديه به مُجردا، كما استعمله صلى الله عليه وآله وسلم على الصدقة، ولا يُستعمل عليها إلا أمين مأمون، موضع ثقة.
«عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا الْوَلِيدِ اتَّقِ لَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ تَحْمِلُهُ لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٌ لَهَا ثُؤَاجٌ»، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ»، قَالَ: «أَيْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ» قَالَ: «فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَعْمَلُ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا أَوْ قَالَ: عَلَى اثْنَيْنِ»(100) .
ويدل الحديث على شدة خشية عُبادة رضي الله عنه - مع أمانته -، من تبِعة هذه الأمانة.
ثالثاً: سابقته:
قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(101) .
أي: «لا
يتساوى في الفضل والأجر من أنفق ماله، وبذل نفسه في سبيل الله قبل فتح مكة، أو قبل صلح الحديبية، مع من أنفق وقاتل بعد الفتح، أولئك الذين كتب الله لهم السبق في الإنفاق والقتال أرفع منزلة وأجل قدرا من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا»(102)
وفي تفسير قوله تعالى {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}(103) .
أنهم «السَّابِقُونَ إِلَى الْإِيمَانِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ»(104) .
قيل إن الحسن البصري رحمه الله أتى إلى هذه الآية {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} فقال «أمّا السَّابِقُونَ فَقَدْ مَضَوْا وَلَكِن اللهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أصحاب الْيَمِينِ» فلمّا قرأ {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13)}(105) «قال: ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ»(106) .
وقد كتب الله لعبادة رضي الله عنه ذلك السبق، مع علو الذِّكر، وكانت أولى ارتقاءاته في سلم المجد، مبايعته في العقبة الأولى ونقابته في الثانية، مع ما جاء من أقوال في سبق إسلامه للعقبة الأولى.
جاء في الاستيعاب: أن عبادة كان نقيبا(107) وشهد العقبة الأولى
والثانية والثالثة(108)
والأصل أنهما عقبتان: أُولى، وثانية، فيكون قول صاحب الاستيعاب بتقدير أن مبايعة الأنصار فرادى في أول الأمر كانت واحدة.
أو أنها كانت بيعة الثمانية الذين ذكرهم ابن كثير في البداية والنهاية (بَابُ بَدْءِ إِسْلَامِ الْأَنْصَارِ رضي الله عنهم) وَهُمْ: مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ، وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَذَكْوَانُ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ. فَأَسْلَمُوا وَوَاعَدُوهُ إِلَى قَابِلٍ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ(109) .
وذكرهم ابن سعد في الطبقات - باب ذكر دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأوس والخزرج قبل العقبة الأولى(110) ، وذكر في موضع آخر أنهم كانوا ستة نفر(111) .
وفي ذلك دليل على سبق إسلامه رضي الله عنه لبيعة العقبة الأولى، وأنه كان سادس ستة أسلموا من الأنصار في أول مَنْ أسلم.
وأورد ابن هشام في السيرة: خبر مبايعته العقبتين، ونقابته في الثانية(112) .
ولتوضيح الفرق بين بيعتي العقبة: الأولى، والثانية، أقول:
إن: الْأُولَى كانت عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ: «يَعْنِي عَلَى وَفْقِ مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَيْعَةُ النِّسَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ هَذَا مِمَّا نَزَلَ عَلَى وَفْقِ مَا بَايَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَلَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ; فَإِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِمُوَافَقَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ»(113) .
وقيل: «أَرَادَ ببيعة النِّسَاء أَنهم لم يبايعوه على الْقِتَال وَكَانَت مبايعته للنِّسَاء أَنه يَأْخُذ عليهنّ الْعَهْد والميثاق، فَإِذا أقررن بألسنتهن، قَالَ: قد بايعتكن»(114) .
«وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي الْحَرْبِ، فَلَمَّا أَذِنَ اللهُ لَهُ فِيهَا، بَايَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي الْعَقَبَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ»(115) .
وفي نص البيعة في العقبة الأولى جاء في صحيح البخاري من حديث عبادة رضي الله عنه:
عنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ ابْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَقَالَ:
«بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، وَلَا نَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ، بِالْجَنَّةِ، إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللهِ»(116)
وتجدر الإشارة إلى وجود خلاف حول كون الحديث السابق خاصا ببيعة العقبة أو ببيعة أخرى تمت بعد فتح مكة، فإمّا أن يكون عبادة رضي الله عنه قد بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة الأولى على وفق ما نزل بعد ذلك في الممتحَنَة، فهذا رأي، أو يكون حديث البخاري الذي تقدم خاصا بالبيعة التي بعد الفتح(117) .
ويكون نص البيعة في العقبة الأولى ما رواه الإمام البخاري:
عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الوَلِيدِ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ»(118) .
وما جاء عند أحمد في المسند:
عَنْ سَيَّارٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي، أَنَّهُمَا سَمِعَا عُبَادَةَ بْنَ الْوَلِيدِ ابْنِ عُبَادَةَ يُحَدِّثُ،
عَنْ أَبِيهِ، أَمَّا سَيَّارٌ فَقَالَ: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وَأَمَّا يَحْيَى فَقَالَ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي عُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَمَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَالْأَثَرَةِ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَنَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُ كَانَ، وَلَا نَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ»(119)
أما البيعة في العقبة الثانية (بيعة الحرب)، فقد كانت شروطها قسمةً بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبين البراء بن معرور(120) سيد قومه، ابتدأ صلى الله عليه وآله وسلم فقال:
«أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ. فكان أن أَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا، لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا(121) ، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَنَحْنُ وَاللهِ أَبْنَاءُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ(122) ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ»(123) .
شهوده بدرًا(124) :
لبدر من الخصوصية ما ليس لغيرها، فقد كانت أول لقاء بين الحق والباطل في ساحة الحروب، سمّاها الله تعالى: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}(125) .
«يقال لها بدر العظمى، ويقال لها بدر القتال، ويقال بدر الفرقان: لأن الله تعالى فرق فيها بين الحق والباطل»(126) .
وقد بشّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهلها بالمغفرة التامة: فقال في بعض حديثه:
«وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم»(127) .
فجُمع لعبادة بن الصامت بشهود بدر(128) منقبة: «البدريّ»، وأنعِم بها من منقبة، بعد أُختها الأولى التي حاز بها لقب: «العقبيّ».
واستكمالاً لهذه الأنواط الربانية، والارتقاءات الإيمانية، يحوز عبادة لقبا آخر هو لقب: «الشجريّ»، فقد ثبت أن عبادة رضي الله عنه كان ممن
بايع تحت الشجرة، في عمرة الحديبية:
ففي مسند أحمد:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: «أَبُو الْوَلِيدِ بَدْرِيٌّ عَقَبِيٌّ شَجَرِيٌّ وَهُوَ نَقِيبٌ»(129) .
هذا، وتعرف هذه البيعة تحت شجرة الحديبية ببيعة الرضوان، لمِا نزل فيها من قوله تعالى {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}(130) .
وخبرها أن: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج في السنة السادسة للهجرة زائرا لمكة، محرماً بالعمرة، لا ينوي حربا، وخرج معه بعض المهاجرين والأنصار، فما كان من مشركي مكة إلا أن استعدوا لقتاله، وأقسموا ألا يدخلها عليهم أبداً، فتجنبهم صلى الله عليه وآله وسلم وسلك بعض الشعاب، حتى رجعوا عنه، ثم كانت بعد ذلك مفاوضات، يُرسِل فيها المشركون رسلاً، حتى أرسل النبي عثمان رضي الله عنه رسولا، فتأخّر، وأُشِيع أنه قتل، فهنا أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم البيعة من المسلمين على الموت، أو الصبر، ثم انتهى الأمر إلى صلح الحديبية(131) .
وللنبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث في فضلها يقول فيه: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ
الشَّجَرَةِ»(132)
فيالها من بشريات متتابعة لعبادة رضي الله عنه بنعيم الجنة، وعلو الدرجة، بشريات لم تنقطع بانقطاع الوحي، فيشاء الله تعالى أن يكون لعبادة موعد مع سبق آخر، وبشرى أخرى، تتحقق بعد ستة عشر عاما من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حين بشَّر أم حرام زوجة عبادة رضي الله عنهما أن تكون في أول من يركب البحر غازيا من أمته(133) ، في غزوة عرفت بغزوة قبرس أو (قبرص)(134) وهي أول غزوة للمسلمين يركبون فيها البحر، وكان في أوائلهم عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام، وذلك في السنة السابعة والعشرين للهجرة، غزاها معاوية حين كان نائبا لعثمان بن عفان رضي الله عنهما على الشام(135) .
فهذا رجل من السابقين من الأنصار لم يُبشر بالجنة، لكنه شهد مواطن الغفران، التي بُشر أهلها بالجنة: في بدر، والحديبية، رجل كُتب له السبق في الإيمان، والسبق في البراءة من حلف الكفار، ونزل فيه القرآن، مفرّقاً بينه وبين المنافقين، ممّن يخافون الدوائر، تجمعه بالنبي صلى الله عليه
وآله وسلم محبة، وقرابة، وإعزاز، وائتمان، فلا يناديه باسمه مجرداً وإنما بيا (أبا الوليد)، ويشاء الله تعالى له أن يجاهد على فرسه، يحضر به المشاهد كلها، ثم يركب البحر غازياً، فانظر إليه وقد حاز فوق ما حاز من المناقب أن كُتِب في سجله أنّه جاهد في سبيل الله في البر والبحر.
المبحث الثالث: جهاد بالسيف والكلمة
ليس الجهاد بموقوف على إشهار السيوف، فهذا وقته المعارك، أما الجهاد بكلمة الحق، والنصيحة وإن ثقلت، فميدان واسع يمتد امتداد حياة المرء، وفيه عنوان صدقه، وبرهان شجاعته، وقد يُقوّم اللسان ما لا يقومه الحسام، ولعبادة رضي الله عنه مسيرة طويلة مع الجهاد، ومواقف مذكورة صدع فيها بكلمة الحق غير هيّاب، لذا قرنت بين جهاده بالسيف وشدته في الحق لأن منطلقهما واحد.
أولاً: جهاده بالسيف
لعبادة مسيرة طويلة مع الجهاد، تاريخه فيها، من تاريخ الفتوحات نفسها.
وهو من أولئك السابقين إلى الإسلام، الصادقين في ما عاهدوا الله عليه، خرج بنفسه وماله مجاهدا، ينشر دعوة الحق، ويمْهد السبيل للاّحقين، على علم منه بفضل فريضة الجهاد، وكونها من أعظم القُرُبات، التي خصّها الله بالذكر والإشادة، وأعظَمَ فيها الأجور، قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(136) .
وقال عزّ من قائل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}(137) .
وفي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ»(138) .
وقد وعى عُبادة (رضي الله عنه) كل ذلك، فنشط عن يقين، وحماسة: ينشر دين الله، ويُخرج الناس من عبادة العباد، إلى عبادة الله وحده، تسير به سفينة الجهاد محفوفة برياح النصر من عصر إلى عصر:
جهاده في عصر النبوة
شهد رضي الله عنه المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فشهد بدرا(139) ، وأحدًا(140) ، والخندق(141) ، وغيرها(142) .
وسوف أقف على ما ثبت من روايات أو أخبار صحيحة تفيد مشاركته في كل غزوة ما أمكن.
شهوده بدراً
المقطوع به أن عبادة رضوان الله عليه كان ممّن شهد بدراً، وليس خافياً ما لأهل بدر من عظيم المنزلة.
ولم أقف على شيء استأثر به عبادة يوم بدر، سوى ما نقله الواقدي(143) من قول عبادة رضي الله عنه: «سَلّمْنَا الْأَنْفَالَ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلَمْ يُخَمّسْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بَدْرًا».
وما جاء في مسند أحمد:
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْرًا، فَالْتَقَى النَّاسُ فَهَزَمَ اللهُ الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَتْ طَائِفَةٌ فِي آثَارِهِمْ يَهْزِمُونَ وَيَقْتُلُونَ، وَأَكَبَّتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَسْكَرِ يَحْوُونَهُ وَيَجْمَعُونَهُ، وَأَحْدَقَتْ طَائِفَةٌ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَا يُصِيبُ الْعَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً...»(144) .
وهذا الحديث، وما تقدّم عند الواقدي، فيه دلالة واضحة، على تنزُّه عبادة رضي الله عنه عن المسارعة إلى الغنائم، وحرص النفوس على عَرَض الدنيا، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الْأَنْفَالِ. فَقَالَ: «فِينَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفَلِ، وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا، فَانْتَزَعَهُ اللهُ مِنْ أَيْدِينَا، وَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ بَوَاءٍ» يَقُولُ: عَلَى السَّوَاءِ(145) .
وربما لا يكون من الإنصاف أن نطلب لعبادة رضي الله عنه موقفا فرديا يستأثر به أو يرويه عن نفسه، فهو معدود في الأنصار، حاضر في مواقفهم الجامعة، وإن كان المُتكلم غيره، وقد سبق بدرًا موقف فيه غناء، وفيه عظيم بيان، وثناء على صدق الأنصار، وحسن بلائهم، فقد حَدَثَ أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد تخوّف ألا تكون للأنصار نُصرة إلا على عدو يُداهمهم، فلا ينصاعوا لأمره (صلى الله عليه وآله وسلم)
إن هو أمرهم بالخروج إلى بدر، فكان أن أحسّ سعد بن معاذ بذلك فقال قولته الباقية «آمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَكَ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ»(146)
شهوده أُحداً:
رغم ما ثبت من إجماع على شهوده رضي الله عنه أحدا، فإني لم أعثر له على حديث يذكرُ فيه شيئا عنها، وقد أورد ابن هشام في السيرة في من استشهد يوم أحد من الأنصار من بني عوف غيرَ واحد من قرابة عبادة، فقال «وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَالِمٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ ابْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ: نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْن الْعَجْلَانِ، وَنُعْمَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ فِهْرِ ابْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ»(147) .
وفيهم من أبناء عمومته، وفيهم خاله عباس بن عبادة بن نضلة (رضي الله عنهم أجمعين).
شهوده غزوتَي بني قينقاع، والمُرَيْسيع (بني المُصْطَلِق)(148) .
سبق الحديث عن دوره رضي الله عنه في إجلاء بني قينقاع، وأورد الواقدي ما يفيد شهوده غزوة المُرَيْسِيع (بني المُصْطلِق)(149) ، وثمة حادثة - ينبغي الإشارة إليها - جرت بعد غزوة المريسيع، وكادت أن تؤدي إلى فتنة عظيمة، فقد حدثت مشادة على السّقاية بين سِنَانِ بْنِ وَبَرٍ الْجُهَنِيّ - وهو حليف لبني سالم رهط عُبادة بن الصامت، وبين جَهْجَا، ويقال (جَهْجاه) ابْنُ سَعِيدٍ الْغِفَارِيّ وكان أجيرا لعُمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلطم جهجا سنانا فسال منه الدم، وصاح كل منهما على قومه، فشهَّر الأوس والخزرج سيوفهم، وجاء نفر من المهاجرين فكلموا سنانا في أن يترك حقه درءاً للفتنة، فأبى قوم سنان ذلك حتى يرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأمر، وكلم سنان حلفاءه وكان منهم عُبادة بن الصامت رضي الله عنه، فأشار عليه أن يترك حقه(150) ، فرضي الله عن هذا الرجل الذي طهّره الإسلام من عصبية الجاهلية، ودرَأَ به الفتنة.
شهوده حُنَيْنًا(151) :
وقعت هذه الغزوة في السنة الثامنة بعد فتح مكة، واجتمع فيها للمسلمين من العدد ما لم يجتمع لهم من قبل، فبلغوا اثني عشر ألفاً، أقبل بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد هَوَازِن، فكان أن كمنوا له بحنين في مضايق الوادي، وثارت خيولهم في وجه المسلمين في عَمَاية الصبح، فانهزموا، وثبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفر من أصحابه، ثم كان تأييد الله لرسوله بإنزال الملائكة، ومناداته صلى الله عليه وآله وسلم على الأنصار، فأقبلوا إليه، وقد هزم الله المشركين ولم يضرب أحد من المسلمين بسيف أو برمح(152) .
وفي ذلك نزل قوله تَعَالَى {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(153) .
ودليل شهود عبادة رضوان الله عليه حنينا هذا الحديث:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ بَعِيرٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ قَدْرُ هَذِهِ إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ»(154) .
مشاركته في سرية الخَبَط:
ورد خبر اشتراكه رضي الله عنه في سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر والمعروفة بسرية الخبط(155) من طريق ابن إسحاق: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عِبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ ابْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم سَرِيَّةً إلَى سيفِ الْبَحْرِ، عَلَيْهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَزَوَّدَهُمْ جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ يَقُوتُهُمْ إيَّاهُ، حَتَّى صَارَ إلَى أَنْ يَعُدَّهُ عَلَيْهِمْ عَدَدًا. قَالَ: ثُمَّ نَفِدَ التَّمْرُ، حَتَّى كَانَ يُعْطَي كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةً. قَالَ: فَقَسَمَهَا يَوْمًا بَيْنَنَا. قَالَ: فَنَقَصَتْ تَمْرَةٌ عَنْ رَجُلٍ، فَوَجَدْنَا فَقْدَهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ.
قَالَ: فَلَمَّا جَهَدَنَا الْجُوعُ أَخَرَجَ اللهُ لَنَا دَابَّةً مِنْ الْبَحْرِ، فَأَصَبْنَا مِنْ لَحْمِهَا وَوَدَكِهَا...»(156)
وذكره ابن حجر جمعا بين رواية البخاري عن جابر بن عبد الله، وما وقع في آخر صحيح مسلم من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت(157) .
فهذا موطن آخر من مواطن الصبر، يخرج فيه عبادة رضي الله عنه في سبيل الله ماشياً، يكابد الجوع، والمشقة، ويعاين الهلَكَة، حتى أتى الله تعالى بفرجه، وأظهر لجنده علامة تأييده، ونصره، فأخرج لهم حوتاً من البحر، وهو على ما يشاء قدير.
جهاده في عصر الراشدين رضي الله عنهم
ظل عبادة رضي الله عنه على عهده مع الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، يبذل مهجته، ويطلب الشهادة في مظانِّها، ينفِرُ في الخفة والثقل، ويتجشم المشاق ابتغاء الأجر، فلم يكن يدَعُ الكتاب ومُهمة التعليم، إلا ليمسك بالسيف، في مسيرة طويلة، امتدت بطول عمره.
جهاده في جبهة الشام
بدأت رحلة عُبادة رضي الله عنه مع الجهاد في عصر الراشدين، بمُهمة
تعليمية، وترشيح من الفاروق عُمر، بعد أن وصله كتاب «يزِيد بْن أبي سُفْيَان(158) أَن أهل الشَّام كَثُرُوا واحتاجوا إِلَى من يعلمهُمْ الْقُرْآن ويفقههم فَقَالَ عمر أعينوني بِثَلَاثَة قَالُوا هَذَا شيخ كَبِير لأبي أَيُّوب وَهَذَا سقيم لأُبَيّ فَخرج معَاذ وَعبادَة وَأَبُو الدَّرْدَاء فَقَالَ ابدؤوا بحمص فَإِذا رَضِيتُمْ مِنْهَا فَليخْرجْ وَاحِد إِلَى دمشق وَآخر إِلَى فلسطين فَأَقَامَ بهَا عبَادَة وَخرج أَبُو الدَّرْدَاء إِلَى دمشق ومعاذ إِلَى فلسطين...»(159)
وتكمن أهمية هذا الخبر في كونه مفتاحا لتحديد زمن وصول عُبادة ابن الصامت إلى الشام، ويُفهم من نصه:
أن الكتاب قد ورد من يزيد بن أبي سفيان بالشام إلى عمر بالمدينة، بعد فتح دمشق، وحمص، ولمّا كان فتح دمشق في سنة 13 - 14هـ، وفتح حمص في سنة 14 - 15هـ(160) ، يكون زمن وصول الكتاب حوالي سنة 15هـ.
يعضد ذلك ما ذكره البلاذُري «لمّا افتتح أَبُو عُبَيْدة بْن الجراح دمشق
استخلف يزيد بْن أبي سفيان على دمشق، وعَمْرا بن العاص عَلَى فلسطين، وشُرَحْبيل عَلَى الأردن، وأتى حمص فصالح أهلها، ثُمَّ خلّف بحمص عبادة بْن الصامت الأنصاري»(161) ويستخلص منه:
* أن حمص فُتحت صُلحاً، لذا رأى عمر بن الخطاب أن يبدأ بها، لأن أهلها أقرب للاستمالة.
* أن وصول عُبادة إليها كان بعد فتحها بفترة قصيرة.
* أن استخلاف أبي عبيدة بن الجراح لعُبادة على حمص، كان تمكينا له لأداء رسالته في تعليم أهلها، وتنفيذا لأمر الفاروق عمر.
وبالنظر إلى جملة القرائن التاريخية، يمكننا القول: بأن قدوم عُبادة ابن الصامت إلى حمص، واستخلافه عليها كان قُبيل موقعة اليرموك(162) بحوالي سبعة أشهر(163) ورغم أنه لا يوجد من الأدلة ما يثبت شهود عُبادة رضي الله عنه اليرموك، فإننا نجد عند البلاذري أخباراً تدل على مشاركة فاعلة لعُبادة بن الصامت على
مستوى القيادة في معارك سبقت موقعة اليرموك، حيث يقول «ورد عُبادة والمسلمون السواحل ففتحوا مدينة تعرف ببلدة...، افتتح أَبُو عُبَيْدة اللاذقية وجبلة وأنطَرْطُوس عَلَى يدَي عبادة ابْن الصامت»(164)
وهذا يدل على أن حمص كانت القاعدة لفتح اللاذِقيّة وجَبَلَة وأنطرطوس وهي بلاد ساحلية تم الاتجاه لتأمينها من غزوات الروم، كما أن فيه إشارة غير خافية إلى الروح المعنوية العالية التي بثها قدوم عُبادة رضي الله عنه إلى حمص في نفوس المجاهدين، وأنه التحق فور وصوله بركب الجهاد، رغم أنه أُرسل بالأساس مُعلما، وفي هذا دليل على الصدق، والحماسة، وعلو الهمة، ولو أن عُبادة رضي الله عنه اكتفى بصفة المُعلّم، لما استطاع أحد أن يلومه، لكنه نهض وشمّر، واستنهض المجاهدين، وكان في المُقدمة.
ورغم ما تشير إليه الأخبار من مشاركة قوية لعبادة بن الصامت في المعارك التي دارت في محيط حمص، والساحل المقابل لها، فإننا لا نعثر على خبر يدل على مشاركته في معارك فلسطين، وهذا يعني، أنه عاد ليستقر بحمص بعد معارك الساحل التي فتحت فيها: اللاذقية وأنطرطوس، وباشر مهمته الأساسية كمُعلّم.
وفي صحيح مسلم حديث يشير إلى غزوة شهدها عُبادة مع معاوية رضي الله عنهما
وقت نيابته الجزئية على الشام في عهد الفاروق عمر، قال: «غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ، فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ»(165) وهي الغزوة التي وقع فيها الخلاف بين عُبادة ومعاوية رضي الله عنهما في الصّرف، واحتكم فيها عُبادة إلى عمر بن الخطاب بالمدينة، وسيأتي تفصيل ذلك.
وقد ظل عُبادة رضي الله عنه يرتقب مع امرأته أم حرام تحقق نبوءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبشراه لها، بأنها ستكون من أول أمته ركوبا للبحر في سبيل الله:
فعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ الأَسْوَدِ العَنْسِيَّ، حَدَّثَهُ - أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَهُوَ نَازِلٌ فِي سَاحَةِ حِمْصَ وَهُوَ فِي بِنَاءٍ لَهُ، وَمَعَهُ أُمُّ حَرَامٍ - قَالَ: عُمَيْرٌ، فَحَدَّثَتْنَا أُمُّ حَرَامٍ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، يَقُولُ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا»، قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: «أَنْتِ فِيهِمْ»،.... الحديث(166) .
ويدلنا الحديث على هذا الانتظار، واليقين بوعد الله ورسوله، الذي يتحقق في السنة السابعة والعشرين للهجرة، في وقت نيابة معاوية على عموم الشام، في عهد ذي النورين عثمان رضي الله عنهما.
شهوده فتح مصر، وقصته مع المقوقس:
كان فتح مصر في سنة عشرين هجرية وقيل: واحد وعشرين،
بعد فراغ المسلمين من فتح الشام، فسار إليها عمرو بن العاص رضي الله عنه من فلسطين، ولفتحها أهمية عسكرية كبرى تتمثل في تأمين ظهر المسلمين بالشام، ولتكون بعد ذلك بوابة لفتح أفريقية، وقد شارك في فتحها كثير من كبار الصحابة.
وفي تاريخ ابن يونس: أن عبادة رضوان الله عليه قد شهد فتح مصر، وكان أميرا على ربع المدد(167) .
ولهذا المدد قصة، فقد رُوي أن عمْرًا رضي الله عنه دخل مصر في ثلاثة آلاف وخمسمائة من الجند، ويبدو أنّه لمّا رأى من اتساع رقعتها، وكثرة ما بها من الحاميات والحصون، استمد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأرسل إليه الزبير بن العوام رضي الله عنه في اثني عشر ألفا(168) .
وحكى ابن عبدالحكم في فتوح مصر والمغرب: أن عمر بن الخطاب أمدّ عمْرًا بأربعة آلاف رجل، على كلّ ألف رجل منهم رجل مقام الألف، وعدّ منهم: الزبير بين العوّام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلّد(169) .
وقد كان حصن بابليون من أمنع الحصون بمصر، وكان فتحه بمثابة
إنهاء نصف الحرب، إذ به تتم السيطرة على الوجه البحري، وتتبقى حاميات صغيرة في بعض البلاد أمرُها يسير، بينما يتمثل النصف الآخر في فتح العاصمة: الإسكندرية حينذاك وفيها كثرة من الجند، ومناعة في التحصين.
ويروي ابن عبدالحكم مواقف من شجاعة عبادة رضي الله عنه، وإقدامه عند حصار الحصن، إذ لم يكن يخلو الحصار من مناوشات بين الطرفين، يخرج فيها الروم من الحصن يلتمسون الغرّة، فيقول «حدثنا عيسى بن حمّاد. قال: لما حَصَرَ المسلمون الحصن، كان عبادة بن الصامت في ناحية يصلِّي وفرسه عنده، فرآه قوم من الروم فخرجوا إليه وعليهم حِلْية وبزّة فلما دنوا منه سلّم من صلاته، ووثب على فرسه، ثم حمل عليهم، فلما رأوه غير مكذّب عنهم ولّوا راجعين، واتّبعهم، فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم، ولا يلتفت إليه حتى دخلوا الحصن، ورمى عبادة من فوق الحصن بالحجارة، فرجع ولم يعرض لشيء مما كانوا طرحوا من متاعهم حتى رجع إلى موضعه الذي كان به، فاستقبل الصلاة، وخرج الروم إلى متاعهم يجمعونه»(170) .
وساق ابن عبد الحكم في فتوح مصر والمغرب خبراً عن حفاوة عمرو بعبادة رضي الله عنه وإكرامه له، وتبركه به، وكيف أنه كان يُكلم عبادة وهو راكب، ويأبى عليه النزول، وأنه نزع عمامته فألبسه إياها، وأنه
ولاه قتال الروم، ففتحت الإسكندرية على يديه(171)
هذا ما جاء في شأن شهود عبادة رضي الله عنه فتح مصر، اعتماداً على الرواية المصرية.
ولي عليه بعض الملاحظات:
1 - أن عبادة رضي الله عنه لم يرد في طبقات ابن خياط في من أتى مصر من الصحابة، وشهد فتحها(172) .
2 - وأما في أمر المدد:
فقد جاء في البداية والنهاية: «لَمَّا اسْتَكْمَلَ عُمَرُ وَالْمُسْلِمُونَ فَتْحَ الشَّامَ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى مِصْرَ، وَأَرْدَفَهُ بِالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَفِي صُحْبَتِهِ بُسْرُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَخَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ»(173) ، ونقله عنه ابن تَغْري بَرْدي، وقال: «قال ابن كثير: في فتح مصر وجه آخر على ما أخبرنا به شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن عمر البلقيني الشافعي مشافهة بإجازته من الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير مجموعاً من كلام ابن إسحاق وغيره»(174) ، فهذا قول ابن كثير، ووافقه عليه بعض ثقات المصريين، ولا ذكر عندهم لعبادة بن الصامت رضوان الله عليه في المدد.
قصة عُبادة بن الصامت مع المقوقس:
تدور هذه القصة حول إرسال عمرو بن العاص عبادة بن الصامت لمفاوضة المقوقِس على الصلح، وهي من القصص المشهورة، والتي يأتي فيها أن المقوقس هاب عُبَادَةَ لسواده، وطلب أن يُنحّى عنه، ويُقدّمَ غيرُه، فيجيبه «قد سمعت مقالتك، وإنّ فيمن خلّفت من أصحابي ألف رجل أسود، كلّهم أشدّ سوادا مني وأفظع منظرا ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي، وأنا قد وليت، وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوّي لو استقبلوني جميعا....»(175) ، وأصل هذه القصة عند ابن عبد الحكم في فتوح مصر ولا وجود لها عند غيره، اللهمّ إلا من نقل عنه: كالسيوطي، والمقريزي وغيرهما، ويُحتج بما نتج عنها من صلح، بأن مصر قد فتحت صلحاً، يقول السيوطي:
«فمن قال مصر فُتحت صلحا تعلق بهذا الصلح، وقال: إن الأمر لم يتم إلا بما جرى بين عبادة بن الصامت وبين المقوقس؛ وعلى ذلك أكثر العلماء من أهل مصر؛ منهم عقبة بن عامر ويزيد بن أبي حبيب والليث ابن سعد وغيرهم»(176) .
فيا لها من رحلة جهاد طويلة، ويا لها من عزيمة، تلك التي حفزت عبادة على هذا الترحال الطويل، استجابة لداعي الإيمان، ووفاء بعهد قطعه
على نشر الدين، وطلباً لأجر الشهداء، لقد كانت رحلة طويلة رسمت حدود دولة الإسلام، التي لم تبنها النوايا، دون الفعال، ولم ينهض بها إلا الرجال، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
ثانيا: جهاده بالكلمة
لا يُحسن المرء جهاد غيره بنصح أو تقويم، وهو عار من الفضيلة، واقع في ما ينهى عنه، قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}(177) ، لذا كان جهاد النفس أول المراحل لجهاد الغير.
وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أعلم الناس، وأشدهم لله تقوى، لم تغرّ أحدٌ منهم سابقته، ولا جهاده، ومنافحته، ولا رأينا أحدا ممن بُشر بالجنة، ترك العمل، أو ذهبت عنه الخشية، بل ازدادوا، وكانوا أخوف الناس من النار وعذابها، ومن المَطلع وهوله، فأخذوا أنفسهم بشدة المراقبة، والبعد عن الشبهات، مخافة أن يُبدّلوا، أو يُخالفوا، ومن دلائل هذه المراقبة، وتلك الخشية، ما نجده في سيرة عبادة رضي الله عنه من مواقف، كان غيره سيمر بها غير آبِه، يُروَى:
«أَنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ، أَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَقْطَعَ لَهُ سِوَاكاً مِنْ صَفْصَافٍ عَلَى نَهْرِ بَرَدَى، فَمَضَى لِيَفْعَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ارْجِعْ، فَإِنَّهُ إِنْ لَا يَكُنْ بِثَمَنٍ، فَإِنَّهُ يَيْبَسُ، فَيَعُوْدُ حَطَباً بِثَمَنٍ»(178) .
فما أكثر شجر الصفصاف، على ضفاف الأنهار، وهو مما لا تعود ملكيته لأحد، والرجل يريد منه عُودا يستاك به، لكنه يخاف أنْ يُعدّ العود بعد يَبَسِه مالا أُخذ بغير حق، لأنه يصير حطبا يُباع، ويُشترى، فكيف يأخذ مالا بغير حق؟، هكذا كان يرى رضي الله عنه، فيخشى ممّا لا يلتفت إليه الناس، فما بالك بمن يأكل الحرام صراحاً، ولا يأبه، إنه ولابد فرق ما بيننا وبين هؤلاء، وصدق الله القائل {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}(179) .
وموقف آخر فيه عبرة، لمن يستهين بالخلوة بالأجنبية، فهاهو عبادة وقد طعن في السن، فلم يعد يقوى على قيام، ولا يأكل إلا ما لُيّن وسُخّن، يخشى أن يخلو بامرأة لا تحل له، فيحرك الشيطان غرائزه، ويبعث مواتها(180) ، وهو الذي لم يخل بامرأة أجنبية قط، فماذا نقول لمن يبيح الخلوة للشباب.
ثم انظر معي، هذا هو على فراش موته يطلب من خدمه، وجيرانه أن يقتصوا منه، خشية أن يكون بدر منه في حياته إساءة لأحدهم باليد أو
اللسان، فيؤاخذ به أمام الله، فاسمع لصوته الواهن وهو يقول:
«أَخْرِجُوا فِرَاشِي إِلَى الصِّحْنِ - يَعْنِي إِلَى الدَّارِ - ثُمَّ قَالَ: اجْمَعُوا لِي مَوَالِيَّ، وَخَدَمِي، وَجِيرَانِي، وَمَنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ، فَجُمِعُوا لَهُ. فَقَالَ: إِنَّ يَوْمِي هَذَا لَا أَرَاهُ إِلَّا آخِرَ يَوْمٍ يَأْتِي عَلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الْآخِرَةِ، وَإِنَّهُ لَا أَدْرِي، لَعَلَّهُ قَدْ فَرَطَ مِنِّي إِلَيْكُمْ بِيَدِي أَوْ بِلِسَانِي شَيْءٌ، وَهُوَ وَالذي نَفْسُ عُبَادَةَ بِيَدِهِ الْقِصَاصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأُحَرِّجُ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا اقْتَصَّ مِنِّي قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ نَفْسِي. فَقَالُوا: بَلْ كُنْتَ وَالِدًا، وَكُنْتَ مُؤَدَّبًا قَالَ: وَمَا قَالَ لِخَادِمٍ قَطُّ سُوءًا. فَقَالَ: أَغَفَرْتُمْ لِي مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: اللهُمَّ اشْهَدْ»(181) .
إنّ هذا لما تقشعر منه القلوب، وتذرف العبرات، وإن في ذلك لذكرى لكل مُعتبر.
فهذا رجل أخذ نفسه بالتأديب والتهذيب والمراقبة، فجعل الله الحق على لسانه، وكان من علامات ذلك وأماراته:
شدته في الحق:
ليست الشدة في الحق بمعنى الحدّة، أو التشدد أو التّصلُّب، فإن ثبات المرء على ما يؤمن به، هو علامة صدقه مع نفسه، ومع غيره، وقد
يعِنُّ من الأمور ما لا يصلح فيه إلا الشدة.
وعبادة كانت في رقبته بيعة، حين بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم العقبة: ألا يخشى في الله لومة لائم، وأن يقول الحق حيث كان، فالقيم لا تتغير بتغير الأزمان، ولا الأمكنة، ومن بداية الأمر، وفي عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان عبادة رضي الله عنه، ذلك الرجل الذي لا يعرف ممالأة ولا مداهنة، ولا يرجّح حسبا، ولا قرابة، على قول الحق، فكان يدافع الباطل بلسانه ويده، ففي الوقت الذي كانت تجمعه بابن سلول (كبير المنافقين) صحبة قديمة وحِلف معقود، وبينما كان البعض من ضعاف النفوس يرون في ابن سلول، رجلا من السادات، يتوددون إليه، ويتغافلون له، لم يتردد عبادة في مكاشفته، ونهيه عن غيّه، حتى لقد أمره أن يأتي رسول الله ليستغفر له، وحين أَعرض، توعده - توعُد الواثق - بأن ينزل الله في شأنه ما يستحق، فلمّا نزلت سورة المنافقون وكان في عبادة فقه ونظر، أعرض عنه فلم يعد يسلم عليه، وأخذ يؤنبه ويُعيّره، بنزول القرآن في تكذيبه(182) ، في قوله تعالى {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}(183) .
وكان له موقف بالمدينة مع رجل تأخرّ إسلامه، «وَكَانَ لَهُ صنم فِي بَيته يُكرمهُ وَكَانَ عبَادَة بن الصَّامِت صديقا لَهُ فرصده يَوْمًا فَلَمَّا خرج من بَيته
دخل عبَادَة فَكَسرهُ بالقدوم فَلَمَّا جَاءَ وَرَآهُ خرج مغضبا يُرِيد أَن يشاتم عبَادَة ثمَّ فكر فِي نَفسه فَقَالَ لَو كَانَ عِنْد هَذَا الصَّنَم طائل لامتنع فَأسلم»(184)
هذا عن شدته مع المنافقين، والكافرين في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا كان عهد الراشدين بقيت النصيحة، والنهي عن المخالفات، فكان من ذلك:
إنكاره على معاوية رضي الله عنه في الصّرف
دار خلاف في الرأي بينه وبين معاوية رضي الله عنه، توسع فيه البعض رغم بساطة الخلاف، حتى إن البعض ليظن أنه كان خلافا شخصيا، أو عداوة، أو شقاقاً، وغالب ما ورد في أمر هذا الخلاف ضعيف لا يحتج به، وسيأتي بيانه في موضعه من هذا الكتاب.
إذ لم يكن الخلاف بين عبادة ومعاوية رضي الله عنهما سوى مراجعة في أمر كان عُبادة يرى فيه مخالفة للسنة.
ففي الاستيعاب(185) : أن سبب الخلاف كان إنكار عبادة رضي الله عنه على معاوية في الصّرف(186) ، وتفصيل ذلك في حديث مسلم قال:
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، فَجَاءَ أَبُو الْأَشْعَثِ، قَالَ: قَالُوا: أَبُو الْأَشْعَثِ، أَبُو الْأَشْعَثِ، فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ، فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقَامَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى»، فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ، فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ، ثُمَّ قَالَ: «لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ - أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ - مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ»(187) .
فالخلاف جاء في سياق غزوة، غنم فيها المسلمون أواني مَصُنوعة من فضة، لطيفة الصنع، فأمر معاوية رضي الله عنه أن تُباع، فتسابق الناس إلى شرائها بما يزيد عن وزنها من فضة، وكان معاوية رضي الله عنه «لا يرى الربا في البيع الْعَيْنِ بِالتِّبْرِ وَلَا بِالْمَصُوغِ وَكَانَ يُخَيِّرُ فِي ذَلِكَ التَّفَاضُلِ وَيَذْهَبُ إلَى أَنَّ الرِّبَا لَا يَكُونُ
فِي التَّفَاضُلِ إلَّا فِي التِّبْرِ بِالتِّبْرِ وَفِي الْمَصُوغِ بِالْمَصُوغِ وَفِي الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ»(188) في حين كان عُبادة يرى مستندا إلى الحديث الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يجوز التفاضل في ذلك وأنه من الربا.
وقد احتدّ عبادة رضي الله عنه غضبةً لله، وكره أن يسكن أرضا يُرد فيها حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرأي، رغم أن ظاهر كلام معاوية رضي الله عنه أنه لم يكن بلغه الحديث.
جاء عند ابن ماجه بسند صحيح:
عن بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيَّ النَّقِيبَ، صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: غَزَا مَعَ مُعَاوِيَةَ أَرْضَ الرُّومِ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَبَايَعُونَ كِسَرَ الذَّهَبِ بِالدَّنَانِيرِ، وَكِسَرَ الْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ الرِّبَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «لَا تَبْتَاعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، لَا زِيَادَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا نَظِرَةً» فَقَالَ: لَهُ مُعَاوِيَةُ يَا أَبَا الْوَلِيدِ، لَا أَرَى الرِّبَا فِي هَذَا، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ نَظِرَةٍ، فَقَالَ عُبَادَةُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ لَئِنْ أَخْرَجَنِي اللهُ لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمْرَةٌ، فَلَمَّا قَفَلَ لَحِقَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، وَمَا قَالَ مِنْ مُسَاكَنَتِهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ إِلَى أَرْضِكَ، فَقَبَحَ اللهُ أَرْضًا لَسْتَ فِيهَا وَأَمْثَالُكَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: لَا إِمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ،
وَاحْمِلِ النَّاسَ عَلَى مَا قَالَ، فَإِنَّهُ هُوَ الْأَمْرُ(189)
وعند الذهبي: عن بُرْدُ بنُ سِنَانٍ: عَنْ إِسْحَاقَ بنِ قَبِيْصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ أَبِيْهِ:
أَنَّ عُبَادَةَ أَنْكَرَ عَلَى مُعَاوِيَةَ شَيْئاً، فَقَالَ: لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ.
فَرَحَلَ إِلَى المَدِيْنَةِ.
قَالَ لهُ عُمَرُ: مَا أَقْدَمَكَ؟
فَأَخْبَرَهُ بِفِعْلِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ: ارْحَلْ إِلَى مَكَانِكَ، فَقَبَّحَ اللهُ أَرْضاً لَسْتَ فِيْهَا وَأَمْثَالُكَ، فَلَا إِمْرَةَ لَهُ عَلَيْكَ(190) .
ويؤيد ذلك تاريخيا قول ابن حبان في الثقات: «لَمَّا دخلت السّنة الثَّانِيَة وَالْعِشْرين فتح الْمُغيرَة بْن شُعْبَة أذربيجان صلحا على ثَمَانمِائَة ألف دِرْهَم وَدخل مُعَاوِيَة أَرض الرّوم الصائفة فِي عشرَة آلَاف ثمَّ اعْتَمر عمر وسَاق مَعَه عشر بدنات ونحرها فِي منحر رَسُول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَمَعَهُ من الصَّحَابَة عبَادَة بْن الصَّامِت وَأَبُو ذَر وَأَبُو أَيُّوب وَشَدَّاد بْن أَوْس»(191) ، فيجوز أن يكون قدوم عُبادة رضي الله عنه على عمر بالمدينة في هذه السنة، وأنه اعتمر فيها معه، فعاد بعد العمرة إلى الشام، وقد تلاشى الخلاف.
فقد ذكر ابن كثير، وابن الأثير: في أحداث سنة 23هـ «غَزَا مُعَاوِيَةُ الصَّائِفَةَ حَتَّى بَلَغَ عَمُّورِيَّةَ وَمَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ»(192) ، وهو ما يفيد عودة عبادة إلى الشام مع أصحابه الذين شهدوا العمرة مع عُمر رضي الله عنهم أجمعين، ولكأني بعُبادة كان يودع عُمر، فإنه استشهد بعد ذلك بسنة واحدة.
المبحث الرابع: عُبادة العالم الفقيه
إن حصر جهد الصحابة العلميّ في حيِّز النقل، إجحافٌ بيّن، وقصر ناظر بالغ، فهم - وإن كانوا - نَقَلَة الأحاديث، وطريق السنن، فإن دورهم لم يقتصر على ذلك، وإنما جاوزوه إلى الفتوى والقضاء، والقول بالرأي
ومن أمثلة حصول هذا الاجتهاد من جانبهم:
«عهدُ أبي بكر إلى عمر، قياسًا للعهد على العقد بالبيعة، وقياس الزكاة على الصلاة، وإلحاق السكر بالقذف لأنه مظنته»(193) .
كما كانت لهم دراية بطرق استنباط الأحكام ومداركها، فـ«كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ حُكْمٌ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِي بِهِ قَضَى بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي كِتَابِ اللهِ نَظَرَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فَإِنْ وَجَدَ فِيهَا مَا يَقْضِي بِهِ قَضَى بِهِ، فَإِنْ أَعْيَاهُ ذَلِكَ سَأَلَ النَّاسَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سُنَّةً سَنّهَا النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ جَمَعَ رُؤَسَاءَ النَّاسِ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَإِذَا اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى شَيْءٍ قَضَى بِهِ،(194) وَكَانَ عُمَرُ يَفْعَلُ ذَلِكَ» .
أما عن اجتهادهم في مسائل التفسير، فيقول ابن عطية «إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجعنا في ذلك إلى ما صح وثبت عن الصحابة ذلك: أنهم أدرى منا بالقرآن، فقد بين لهم الرسول معانيه، وأزال مشكِلَه، وشرَح مُجمله»(195) .
ومنهج التفسير بالمأثور من السنة وكلام الصحابة والتابعين معروف، وهو من أهم مدارس التفسير.
وعبادة بن الصامت معدود في كبار فقهاء الصحابة رضي الله عنهم، قال القرطبي «أَبُو الدَّرْدَاءِ وَعُبَادَةُ جَلِيلَانِ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِهِمْ»(196) .
وفي الطبقات: «لَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بِالشَّامِ أَحَدٌ كَانَ أَوْثَقَ وَلا أَفْقَهَ وَلا أَرضى مِنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَشَدَّادِ(197) بْنِ أَوْسٍ» .
ويجتمع علم عُبادة رضي الله عنه من ثلاثة طرق: علم القراءات، والحديث، والفقه.
كان رضي الله عنه ممّن جمع القرآن في زمن النبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي مسند أحمد ما يشير إلى أنه قرأ - على الأغلب - على أُبي بن كعب رضي الله عنه(198) .
فعَنْ
عُبَادَةَ، أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ»(199)
وعنه أيضاً:
أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم آيَةً، وَأَقْرَأَهَا آخَرَ غَيْرَ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَهَا؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قُلْتُ: وَاللهِ لَقَدْ أَقْرَأَنِيهَا كَذَا وَكَذَا، قَالَ أُبَيٌّ: فَمَا تَخَلَّجَ فِي نَفْسِي مِنَ الْإِسْلَامِ مَا تَخَلَّجَ يَوْمَئِذٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَمْ تُقْرِئْنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: «بَلَى» قَالَ: فَإِنَّ هَذَا يَدَّعِي أَنَّكَ أَقْرَأْتَهُ كَذَا وَكَذَا، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، فَذَهَبَ ذَاكَ، فَمَا وَجَدْتُ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «أَتَانِي جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ، قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، قَالَ: اسْتَزِدْهُ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، قَالَ: كُلٌّ شَافٍ كَافٍ»(200) .
ثم كان عبادة بعد ذلك يعلم الناس القرآن، روى أحمد بسند حسن «عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وآله وسلم يُشْغَلُ، فَإِذَا قَدِمَ رَجُلٌ مُهَاجِرٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنَّا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ...»(201)
وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اطمأن لقراءته، وأن أمانة كبيرة قد أوكلت إليه، وأنه اضطلع بدور لا يُنكر في تعليم القرآن، وتثبيت أركان الدعوة.
ورغم أن عُبادة رضي الله عنه لا يرجع إليه سند قراءة من القراءات العشرة، إلا أنه أقرأ نفرا من كبار التابعين مثل: حِطَّانُ بن عبد الله الرّقاشيِّ، وقرأ على حطان الحسن البصري(202) .
وقد نقل د. الزحيلي عن الجَهْشَيَارِي: أن عُبادة رضي الله عنه كان من كتبة الوحي(203) ، فلعله نظر إلى الحديث الذي يرويه أحمد وغيره «عَنِ الْأَسْوَدِ ابْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْكِتَابَةَ وَالْقُرْآنَ...(204) . » ، فسوّغ ذلك له ما نقله عن الجهشياري.
أما عن طبقة عبادة رضي الله عنه في الرواية، فقد عدّه ابن الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر: في أصحاب المائة، فقال: عبَادَة بن الصَّامِت مائَة حَدِيث وَوَاحِد وَثَمَانُونَ(205) ، وهو بذلك دون أصحاب المائتين، وفوق أصحاب المائة.
قال الذهبي:
«له في مسند بَقِيّ بن مَخْلَد(206) مائَةٌ وَأَحَدٌ وَثَمَانِون حَدِيْثاً، وفِي (البُخَارِيِّ) وَ(مُسْلِمٍ): سِتَّةٌ، وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ: بِحَدِيْثَيْنِ، وَمُسْلِمٌ: بِحَدِيْثَيْنِ»(207)
وذكره ابن حزم في الإحكام في المتوسطين في الفُتْيا من الصحابة(208) .
وقد كان لرواياته وآرائه أثر باقٍ في مسائل الفقه والتفسير، وإن لم يكن من المكثرين في الرواية والفتوى.
1 - بعضٌ من أثر رواياته وآرائه في الفقه:
من أحاديثه المشهورة التي يستدل بها الفقهاء:
* في العبادات:
ما جاء في الصحيحين: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»(209) .
وأخذ بظاهر عموم الحديث: الإمام البخاري، والأوزاعي والشافعي فأوجبوا قراءة المأموم للفاتحة خلف الإمام في الصلوات السرية والجهرية(210) ، والجمهور على أنه ليس بواجب.
وله حديث مشهور آخر في حكم الوتر:
عن ابن مُحيريزٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُدْعَى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ قَالَ الْمُخْدَجِيُّ: فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَاعْتَرَضْتُ لَهُ وَهُوَ رَائِحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَقَالَ عُبَادَةُ: كَذبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنَّ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ»(211) .
ويُستدل بهذا الحديث على أن الوتر ليس بحتم (فرض)، وهو رأي الجمهور، فالوتر عندهم: سنة مؤكدة، سوى أبي حنيفة فإن الوتر عنده واجب كالجمعة والعيدين(212) .
وذهب عُبادة رضي الله عنه إلى: أنه لا يُقرأ في الجنازة بشيء من القرآن(213) روى
البيهقي بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَقَالَ: «أَنَا وَاللهِ أُخْبِرُكَ تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ، ثُمَّ تُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وَتَقُولُ: اللهُمَّ إِنَّ عَبْدَكَ فُلَانًا كَانَ لَا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ اللهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ»(214)
وفي ذكر الخلاف حول الخشوع في الصلاة وهل هو من فرائضها، أم من كمالها، رجح القرطبي قول عبادة رضي الله عنه فقال «الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ»(215) .
* ومن أحاديثه التي يُستدل بها في باب المعاملات:
ما جاء عند مسلم وغيره: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»(216) .
وعند النسائي بلفظ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ،
فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى»(217)
والحديثان نص في إثبات ربا الفضل، والنسيئة(218) .
* وفي الحدود:
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ»(219) .
ويستدل بهذا الحديث على الجمع بين الجلد والنفي سنة للزاني غير المحصن رجلا كان أم امرأة(220) .
وأخذ به أحمد، وإسحق بن راهويه، وأهل الظاهر، وغيرهم، في
الجمع بين الجلد والرجم في حد المُحصن(221)
وعند الشافعية والأحناف: أنه منسوخ بِمَا رُوِيَ أن النَّبِي عليه السلام رجم ماعزًا وَلم يجلده(222) ، والجمهور على رجم المحصن دون الجلد.
* وفي العقيدة:
له حديث جليل في فضل شهادة «لا إله إلا الله»، نصُّه في البخاري «من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»(223) .
وبلفظ مسلم: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ»(224) .
* وفي كون الحدود كفارات للذنوب:
يُستدل بحديثه: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا،
ولا تزنوا، وقرأ هذه الآية كلها فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عاقبه»(225)
وكون الحدود كفارات للذنوب هو ما عليه مذهب الجمهور سوى الحنفيّة(226) .
* ومن آراء عبادة رضي الله عنه المذكورة في مسائل الفقه:
ما أفتى به من أنه:
«لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُ مِنْهُ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يَصْلُحُ نَسِيئَةً»(227) .
وجاء في مصنف بن أبي شيبة:
عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أَمَا عَلِمْتَ عُمَرَ حِينَ انْقَضَى أَجَلُهُ، وَابْنَ مَسْعُودٍ بِالْعِرَاقِ حِينَ انْقَضَى أَجَلُهُ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، «كَانُوا يَسْتَبْرِئُونَ الْأَمَةَ بِحَيْضَةٍ» حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةُ فَكَانَ يَقُولُ: «حَيْضَتَانِ» فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «وَأَنَا أَزِيدُكَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ»(228) .
وأهل العلم على استبراء المسبية بحيضة واحدة، سواء أكانت ذات زوج أم لا زوج لها(229) وكذلك استبراء الأمة في الزنا، والوطء يكفي فيه حيضة واحدة(230) .
كما دار خلاف فقهي بين عبادة رضي الله عنه وبين عمر بن الخطاب في حكم شرب الطِّلاء(231) :
عنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، حِينَ قَدِمَ الشَّامَ شَكَا إِلَيْهِ أَهْلُ الشَّامِ وَبَاءَ الْأَرْضِ وَثِقَلَهَا. وَقَالُوا: لَا يُصْلِحُنَا إِلَّا هَذَا الشَّرَابُ. فَقَالَ عُمَرُ: اشْرَبُوا هَذَا الْعَسَلَ. قَالُوا: لَا يُصْلِحُنَا الْعَسَلُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ: هَلْ لَكَ أَنْ نَجْعَلَ لَكَ مِنْ هَذَا الشَّرَابِ شَيْئًا لَا يُسْكِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَطَبَخُوهُ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ وَبَقِيَ الثُّلُثُ. فَأَتَوْا بِهِ عُمَرَ فَأَدْخَلَ فِيهِ عُمَرُ إِصْبَعَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ. فَتَبِعَهَا يَتَمَطَّطُ فَقَالَ: هَذَا الطِّلَاءُ هَذَا مِثْلُ طِلَاءِ الْإِبِلِ فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَشْرَبُوهُ. فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَحْلَلْتَهَا وَاللهِ (أي: الخمر)، فَقَالَ عُمَرُ: كَلَّا وَاللهِ «اللهُمَّ إِنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ شَيْئًا حَرَّمْتَهُ عَلَيْهِمْ. وَلَا أُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا أَحْلَلْتَهُ لَهُمْ»(232) .
ويُفهم من ذلك أن عُبادة رضي الله عنه
لم يكن يرى جواز شرب الطلاء، ربما ليس لحرمته، وإنما لما قد يؤدي الإكثار منه من سُكْر، أو أن يُفتح بذلك باب لشرب غيره من المسكرات.
روى النسائي عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ الْجَزَرِيِّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «أَلَا تَشْرَبُوا مِنَ الطِّلَاءِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»(233) ، وهذا يوافق رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث السابق.
وغالب أهل العلم على أن العصير يُشرب ما لم يتغير، وقبل أن يتخمر، فإذا طُبخ يمتنع شرابه إذا كان مسكرا قليلا أو كثيرا، وقال الأحناف: بأنه إذا طبخ فذهب ثلثاه فهو حلال وإن اشتد إذا كان الغرض التّقَوِّي. فإن انصرف الغرض للتلهِّي فهو حرام، والعبرة عند الجمهور بصلاحية الإسْكار(234) .
2 - بعضٌ من آرائه في التفسير
كان عبادة رضي الله عنه من حفظة القرآن، ومعلميه، وكان يتدبره، ويسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه:
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ: سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللهِ تبارك وتعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}(235) فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي، أَوْ أَحَدٌ قَبْلَكَ، قَالَ: تِلْكَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ»(236)
كما كان له علم بالناسخ والمنسوخ.
من ذلك ما ذُكر عنه من أن الإمساك في البيوت، والأذى في سورة النساء، قد نسخ بآية النور وبالرجم في الثيب(237) .
وله رضي الله عنه علم واسع حفلت به كتب التفسير، بأسباب نزول الآيات، وفيمن نزلت.
ففي تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ
يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ}(238)
ينقل القرطبي رحمه الله رأيه فيقول:
«قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ، آتَاهُمُ اللهُ آيَاتِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فَانْسَلَخُوا مِنْهَا وَلَمْ يَقْبَلُوهَا.....»(239) .
وفي تفسير قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(240) .
يورد القرطبي حديث عبادة رضي الله عنه(241) :
عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الْأَنْفَالِ. فَقَالَ: «فِينَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفَلِ، وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا، فَانْتَزَعَهُ اللهُ مِنْ أَيْدِينَا، وَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ بَوَاءٍ»(242) .
وفي تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا}(243) ، يورد ابن كثير رأي عبادة رضي الله عنه:
«قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ لِلرَّجُلِ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي ثُمَّ يَقُولُ: كُنْتُ لَاعِبًا، وَيَقُولُ: قَدْ أَعْتَقْتُ، وَيَقُولُ: كُنْتُ لَاعِبًا، فَأَنْزَلَ اللهُ {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا}»(244) .
ويستدل ابن أبي حاتم في تفسير قَوْلُهِ تَعَالَى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}(245) ، بقول عُبادة رضي الله عنه: «فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ (أي: المنافقين): الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَعْنِي: عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بن سلول»(246) .
هذا، والنماذج كثيرة تحفلُ بها كتب التفسير، وقد اكتفيت بما ذكرت تجنبا للتكرار، وتقصُّدا لما يكون عُبادة رضي الله عنه قد قال فيه برأيه، مع إظهار الجانب الفقهي فيه.
فهذا رجل قد جمع العلم من أطرافه: حفظاً، وروايةً، وفقهاً، ورأيا فكان بحق إماما يؤخذ عنه، ويقتدى به، ويُنقل عنه، ويستدل برأيه.
المبحث الخامس: نظرة في عبقريته(247)
إذا كانت العبقرية خصيصة مميِّزة، يتفرّد بها الشخص، فإن ذلك يوجب البحث، والتنقيب، والنظر المُتعمِّق، للوقوف على هذه الخصيصة، ومن البَدَهيّ ألا تكون هذه الصفة التي نصفها بالعبقرية، مُشتركا عاما، وإلا ففيم يقع التميُّز، ويشار إليه، وعندما ننظر إلى شخصية عُبادة بن الصامت رضي الله عنه، نجد أنه لم يكن فقيها مُشتهرا، كابن عباس مثلا، ولا قائدا حربيا كخالد بن الوليد، أو عمرو بن العاص، أو أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين، كما أن صَدْعَه بالحق في وجه الحُكّام، يسبقه فيه أبو ذر الغفاريّ، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمّاه باسم مميز، كما سمّى أبا عبيدة بن الجراح بأمين الأمة، والزبير بالحواريّ، وغيرهما، وقد نظرت إلى شخصية عبادة رضي الله عنه أولَ ما اخترته موضوعا لهذا الكتاب، فلمست في طَبْعِه مَيْلا إلى الفصل والقطع في الأمور، يبلغ درجة: الحِدّة أحيانا، وهي حِدّة محمودة أهّلته مع أمور أخرى، لقول الحق والثبات
عليه في وجه الأمراء، وذوي النفوذ، هذا من الناحية النفسية.
أما من ناحية العُنصر أو الوراثة: فإنه ينحدر كما سلف من سلالة القواقلة: وهم قوم كانت لهم سيادة مرعية في الخزرج، إضافة إلى مؤهلات جسدية ذات أهمية: فقد كان طُوالا، جسيما.
ولكن هل تؤهل هذه المقومات لصفة جامعة توصف بأنها: عبقرية أو متفردّة؟
هذا ما سألته لنفسي، وأجبت: نعم، يصلح مثل هذا أن يكون قاضيا، ويصلُح أن يكون مُعلّما مؤدّبا مُربيا.
ولعِلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مُربي الرجال بقدرات كل شخص ومكانه الذي يصلح فيه: فقد أوكل إلى عُبادة مُهمّة تعليم القرآن لمن هاجر حديثا، ولأهل الصفة(248) .
وكذا فعل عُمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين وجّه عبادة بن الصامت إلى الشام، قاضياً ومُعلماً، فكان عبادة بحمص ما شاء الله له، يُعلّم الناس، حتّى اطمأن لحالهم، فارتحل إلى فلسطين وأقام بالرملة فكان أول من تولى قضاء فلسطين.
هذا يريك أن تربية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرجال، وتربية الخلفاء من بعده لم تكُن تجري اتّفاقا، أو تقع مُصادفة، ولكن على علم ودراية، بقدرات كل
شخص، وإمكاناته، بحيث ينبغ في مجاله، وقد نهض عُبادة رضي الله عنه بجهد دعوي كبير، ربما بدأ من أول لقائه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة الأولى، فانطلق يفتح بيوت الأنصار للدعوة الجديدة، ويدعو قومه بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم يكون كفيلا عليهم وهو معنى نقابته في العقبة الثانية، حتى يهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيتلقى عبادة منه القرآن غضّا طريّا، فيكون من الحَفَظَة، الذين يعلّمون من أسلم، ثم هو يجالس النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيأخذ عنه، ويبلغ غيره، ويسمع ممّن سمع منه، فيحصل له من ذلك ثروة علمية، سار بها بعد ذلك إلى الشام مُعلّما، ثم قاضيا، معدودا في أكثر أهلها فقها.
ولعلّ من الملامح المميزة في شخصية عُبادة رضي الله عنه أنه كان ابن الإسلام، الذي تلقى تعاليمه صافية، ولم يشغله عن رسالته شاغل، ولم تنازعه فيه رغبة من رغبات الحياة، أو ابتغاء الجاه، وقد ظل مُحتفظا بحماسته كشاب، حتى آخر حياته، فكان صورة حية للإسلام الفتيّ، بكل ما تعنيه الفتوّة: من قوة، وعزم، يترجمه صوته العالي في الحق حين يهتف: بايعت رسول الله على كذا وكذا.
وكان يقف في وجه الحكام مُنكرا عليهم، فإنه لمّا بلغ معاوية رضي الله عنه إنكار عُبادة بن الصامت عليه في أمور قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُحَدِّثُونَ بِأَحَادِيثٍ قَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلَمْ نَسْمَعْهَا، فَقَالَ عُبَادَةُ: «نُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ مُعَاوِيَةَ»(249) بل وترك الشام آبيا أن
يسكنها، وفيها ما قد يمنعه من أداء رسالة التبليغ، والتعليم، فرجع إلى السلطة الأم في المدينة، حتى وجهه عمر رضي الله عنه إلى الشام مرة أخرى بصلاحيات كاملة.
ومن المواهب الظاهرة عند عُبادة رضي الله عنه، تلك الفصاحة، التي هي أول مقومات البلاغ، والتي كان يجادل بها مُقنعا بالحجج والأدلة، وقد سبقت مواقفه مع معاوية رضي الله عنهما، ومراجعته لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أفقه الناس، في إباحته لشرب الطِّلاء لأهل الشام، وهذه القوة في الحجة، وفي الشخصية بصفة عامة، قد انعكست على تقواه فلم تكن مشوبة بنوع من الجزع، أو طول التباكي، فقد كان وهو على فراش الموت صلبا قويًا: قوة يقين، وقوة إرادة، وقوة ثقة بالله.
عَنْ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَهْلًا، لِمَ تَبْكِي؟ فَوَاللهِ لَئِنْ اسْتُشْهِدْتُ لَأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لَأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ اسْتَطَعْتُ لَأَنْفَعَنَّكَ(250) .
وقد يرى البعض بعد كل ذلك، أن كونه معلما هو أيضا صفة مشتركة، سبقه بها، غيره من الصحابة، وهنا لابد أن تتوجه أنظارنا إلى نقطة أخرى فيها تميُّز أكبر، فالمُتأمِّل يجد أن الناس ظلوا يتذاكرون مواقفه في قول الحق أمام أصحاب السطوة والنفوذ، فيسأل سائلهم مُتعجبا: هل قال ذلك فعلا؟
وهذا في الحقيقة أعطى لشخصية عُبادة بن الصامت رضي الله عنه بُعْدا آخر، لقد أصبحت قصص إنكاره على الأمراء، سيرة اقتربت من أن تكون سيرة شعبية، ورغم أنّ هذا قد يُدخل في التاريخ ما ليس فيه، إلا أنه يمنح الشخصية ثراء، وشهرة، فإذا أضفتَ لذلك معرفة الخواص بسابقته، وعلمه، لرأيتَ كيف كُتب لهذه الشخصية الخلود عند العامة، والخاصة، فإذا ذُكرت القوة في الحق، حضرك بعد عمر بن الخطاب، عُبادة بن الصامت حتى لكأنه عُمر الأنصار، والمتأمل المدقق يرى مزية كبرى قد نالها عبادة، لقد أشبه رضي الله عنه نبي الله موسى في أمور ثلاثة: فهو أولا طوال أسمر، ثم هو قويٌ جسيم ناطق بالحق في كل موطن، والأخيرة أن الله أدناه من البيت المقدس، وهي دعوة سألها موسى عليه السلام ربَّه.
المبحث السادس: خلافات، وأخبار فيها نظر
أمام هذه المادة التراثية الضخمة، وما فيها من كثرة كاثرة من المؤلفات والمصنفات، يكون من الوارد بل من الطَّبعيّ أن تحدث أخطاء، أو مغالطات، قد ترجع إلى السهو أو الوهم، أو النقل دون تدقيق، أو عدم مراعاة الدقة في زمن الأحداث، فينقل الأحدث قبل الأقدم، وقد تتناقض الروايات، وتتدافع، فتحتاج إلى نظر وفصل لِتبيُّن الحقيقة التي هي مقصود كل بحث جاد، والواقع أن سيرة عبادة رضي الله عنه لها نصيب من هذه الأخطاء، التي بدت في نسبة أبناء وإخوة له على غير الواقع، وقد أفردت هذا المبحث للنظر في الخلاف في شهوده: بدراً، ومشاركته في سرية حمزة رضي الله عنه، وللنظر في بعض الأخبار الضعيفة: كبعثِه رسولا إلى هرقل من قِبل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكذا النظر في ما ورد في الخلاف بين عُبادة بن الصامت ومعاوية رضي الله عنهما.
الخلاف في شهوده بدراً:
قال ابن الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر:
«عبَادَة بن الصَّامِت الْأنْصَارِيّ فِي شُهُوده بَدْرًا اخْتِلَاف»(251) .
والعجيب أنه ترجم له قبلها فقال: «عبَادَة بن الصَّامِت بْن قيس بن أَصْرَم بن فهر بن ثَعْلَبَة يكنى أَبَا الْوَلِيد شهد الْعقبَة مَعَ السّبْعين وَهُوَ أحد النُّقَبَاء الاثني عشر وَشهد بَدْرًا وأحدا والمشاهد كلهَا مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم»(252) .
وما أراه أن ابن الجوزي اشتبه عليه الأمر، فإن سعدا بن عبادة هو الذي ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى ممن لم يشهد بدرا فقال:
«كَانَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو دُجَانَةَ لَمَّا أَسْلَمُوا يَكْسِرُونَ أَصْنَامَ بَنِي سَاعِدَةَ. وَشَهِدَ سَعْدٌ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ فِي روايتهم جميعا وكان أحد النقباء الأثني عشر فَكَانَ سَيِّدًا جَوَادًا وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا. وَكَانَ يَتَهَيَّأُ لِلْخُرُوجِ إِلَى بَدْرٍ وَيَأْتِي دُورَ الأَنْصَارِ يَحُضُّهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ فَنُهِشَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فأقام»(253) .
وذكر ابن حجر ما يوهم بأن عبادة بن الصامت رضي الله عنه لم يشهد بدرًا:
«قال الميموني عن أحمد عن ابن عيينة: عبادة بن الصامت عَقَبِيٌّ أُحُدِيٌّ بَدْرِيٌّ شَجَرِيٌّ وهو نقيب، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى ممن لم يشهد بدرًا وقال كان ممن يتهيأ للخروج إلى بدر فنُهِش فأقام وقال ابن سعد أيضا
كان سعد في الجاهلية يكتب بالعربية ويحسن العوم والرّمي»(254)
والواضح من السياق أن الذي تخلف هو سعد بن عبادة رضي الله عنه، والظاهر أن جملة «قال الميموني... وهو نقيب» من خلط النّسّاخ، لأن ابن حجر يذكر ذلك في ترجمة سعد بن عبادة لا عبادة بن الصامت.
وقد سبق الحديث عن إجماع علماء التراجم والسير على شهود عبادة رضي الله عنه بدرا، بما لا يدع مجالاً للشك.
الخلاف في مشاركته في سرية حمزة رضي الله عنه إلَى سَيْفِ الْبَحْرِ
ذكر الواقدي في المغازي خبر مشاركة عبادة (رضي الله عنه) في سرية حمزة ابن عبد المطلب إلَى سَيْفِ الْبَحْرِ، مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ(255) فقال «أَوّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ لِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، بَعَثَهُ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا شَطْرَيْنِ، خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَكَانَ من المهاجرين: أبو عبيدة ابن الْجَرّاحِ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ ابْنِ رَبِيعَةَ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعَمْرُو بْنُ سُرَاقَةَ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَكَنّازُ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَابْنُهُ مَرْثَدُ بْنُ كَنّازٍ، وَأَنَسَةُ مَوْلَى
رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَمِنْ الْأَنْصَارِ: أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ، وَعُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَعُبَادَةُ ابْنُ الصّامِتِ، وَعُبَيْدُ بْنُ أَوْسٍ، وَأَوْسُ بْنُ خَوْلِيّ، وَأَبُو دُجَانَةَ، والمنذر ابن عمرو، ورافع ابن مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ»(256)
وهذا لا يوافق ما أورده ابن هشام في السيرة من أنه لم يكن فيها من الأنصار أحد(257) .
وما جاء في السيرة الحلبية «بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمه حمزة في ثلاثين رجلا من المهاجرين، قيل ومن الأنصار، وفيه نظر لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يبعث من الأنصار إلا بعد أن غزا بهم بدرا»(258) .
خبر: إرسال أبي بكر الصديق رضي الله عنه عُبادة رسولا إلى هرقل يدعوه للإسلام
ورد هذا الخبر في الجليس للمُعَافَى من طريق محمد بن أبي بكر الأنصاري، ونقله ابن عساكر في تاريخ دمشق(259) .
وضعّف إسناده ابن حجر رحمه الله في الإصابة(260) .
النظر في ما ورد في الخلاف بين عُبادة بن الصامت ومعاوية رضي الله عنهما
1 - ما جاء في المستدرك للحاكم
أ - من طريق مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، قَامَ قَائِمًا فِي وَسَطِ دَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مُحَمَّدًا أَبَا الْقَاسِمِ يَقُولُ: «سَيَلِي أُمُورَكُمْ مِنْ بَعْدِي رِجَالٌ يُعَرِّفُونَكُمْ مَا تُنْكِرُونَ، وَيُنْكِرُونَ عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُونَ، فَلَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى اللهَ، فَلَا تَعْتُبُوا أَنْفُسَكُمْ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مُعَاوِيَةَ مِنْ أُولَئِكَ»(261) .
مُسلم بن خالد ضعيف: قال عنه عثمان ابن سعيد الدارمي: ليس بذاك في الحديث، وذكره أبو العرب والبلخي والعقيلي في «جملة الضعفاء»، وقال ابن السمعاني: اختلف فيه، وذكره البرقي في باب «من نسب إلى الضعف في الرواية ممن يكتب حديثه»، وقال الأشبيلي: لا يحتج به(262) ، وقال الألباني: فيه ضعف من قبل حفظه(263) .
ب من طريق عَبْدُ اللهِ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «سَيَلِيكُمْ أُمَرَاءُ بَعْدِي يُعَرِّفُونَكُمْ مَا تُنْكِرُونَ، وَيُنْكِرُونَ عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُونَ،
فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى اللهَ(264)
تفرد به عبد الله بن واقد وهو ضعيف(265) .
2 - ما جاء في مسند أحمد
حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ: عُبَادَةُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّكَ لَمْ تَكُنْ مَعَنَا إِذْ بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّا بَايَعْنَاهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ فِي اللهِ تبارك وتعالى وَلَا نَخَافَ لَوْمَةَ لَائِمٍ فِيهِ، وَعَلَى أَنْ نَنْصُرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِبَ فَنَمْنَعَهُ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَزْوَاجَنَا وَأَبْنَاءَنَا، وَلَنَا الْجَنَّةُ فَهَذِهِ بَيْعَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم الَّتِي بَايَعْنَا عَلَيْهَا فَمَنْ نَكَثَ، فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفي بِمَا بَايَعَ عَلَيْهِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَفي اللهُ بِمَا بَايَعَ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم. فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ قَدْ أَفْسَدَ عَلَيَّ الشَّامَ وَأَهْلَهُ فَإِمَّا تُكِفُ إِلَيْكَ عُبَادَةَ، وَإِمَّا أُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ رَحِّلْ عُبَادَةَ حَتَّى تُرْجِعَهُ إِلَى دَارِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَبَعَثَ بِعُبَادَةَ حَتَّى
قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فِي الدَّارِ، وَلَيْسَ فِي الدَّارِ غَيْرُ رَجُلٍ مِنَ السَّابِقِينَ أَوْ مِنَ التَّابِعِينَ قَدْ أَدْرَكَ الْقَوْمَ، فَلَمْ يُفْجَأْ عُثْمَانُ إِلَّا وَهُوَ قَاعِدٌ فِي جَانِبِ الدَّارِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ مَا لَنَا وَلَكَ، فَقَامَ عُبَادَةُ بَيْنَ ظَهْرَيِ النَّاسِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَبَا الْقَاسِمِ، مُحَمَّدًا صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «إِنَّهُ سَيَلِي أُمُورَكُمْ بَعْدِي رِجَالٌ يُعَرِّفُونَكُمْ مَا تُنْكِرُونَ، وَيُنْكِرُونَ عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُونَ، فَلَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى اللهَ فَلَا تَعْتَلُّوا بِرَبِّكُمْ»(266)
فيه: إسماعيل بن عيّاش: ورواية إسماعيل عن غير الشاميين ضعيفة وهذه منها(267) .
3 - ما رواه ابن عساكر
قال ابن عساكر: أنبأنا أبو علي الحداد، أنا أبو نعيم الحافظ، نا سليمان بن أحمد الطبراني، نا موسى بن هارون الحمال، نا إسحاق بن راهويه، نا أبو أسامة، نا أبو سنان عيسى بن سنان، عن يعلى بن شداد، قال: ذكر معاوية الفرار من الطاعون في خطبته، فقال عبادة: أمك هند أعلم منك، فأتم خطبته ثم صلّى ثم أرسل إلى عبادة فنفذت رجال الأنصار معه فاحتسبهم ودخل عبادة فقال له معاوية: ألم تتق الله وتستحيي إمامك؟ فقال عبادة: أليس قد علمت أني بايعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة
العقبة أني لا أخاف في الله لومة لائم؟! ثم خرج معاوية عند العصر فصلّى العصر ثم أخذ بقائمة المنبر فقال أيها الناس إني ذكرت لكم حديثا على المنبر فدخلت البيت فإذا الحديث كما حدثني عبادة فاقْتَسِمُوا منه فهو أفقه منّي(268)
إسناده ضعيف، لضعف عيسى بن سِنان(269) ، قال يحيى بن معين «عيسى بن سنان أبو سنان ضعيف»(270) وقال أبو زرعة مخلط ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم ليس بقوي في الحديث، وقال النسائي ضعيف(271) .
قال ابن عساكر: أخبرنا أبو القاسم تميم بن أبي سعيد بن أبي العباس، أنا محمد بن عبد الله بن عمر العمري، نا أبو محمد بن أبي شريح، نا يحيى بن محمد بن صاعد، نا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، نا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبي، عن أبي منيع الوليد بن داود بن محمد بن عبادة بن الصامت، عن ابن عمه عبادة بن الوليد، ولم يذكر في الإسناد عن الوليد بن عبادة وقال: كان عبادة بن الصامت مع معاوية بن أبي سفيان في عسكره، فأذَّن يوما، فقام خطيب يمدح معاوية ويثني عليه، فقام عبادة بتراب في يده فحثاه في فيِّ الخطيب، فغضب معاوية، فقال
له عبادة مجيبا له: «إنك يا معاوية لم تكن معنا حين بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعقبة على السمع والطاعة في منشطنا ومكسلنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: احثوا في أفواه المداحين التراب»(272)
ونقله الذهبي من طريق ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: عَنْ أَبِيْهِ، عَنِ الوَلِيْدِ بنِ دَاوُدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، عَنِ ابْنِ عَمِّهِ؛ عُبَادَةَ بنِ الوَلِيْدِ، قَالَ: كَانَ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَأَذَّنَ يَوْماً، فَقَامَ خَطِيْبٌ يَمْدَحُ مُعَاوِيَةَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، فَقَامَ عُبَادَةُ بِتُرَابٍ فِي يَدِهِ، فَحَشَاهُ فِي فَمِ الخَطِيبِ، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ.
فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ: إِنَّكَ لَمْ تَكُنْ مَعَنَا حِيْنَ بَايَعْنَا رَسُوْلَ اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بِالعَقَبَةِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَمَكْسَلِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَلاَّ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُوْمَ بِالحَقِّ حَيْثُ كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (إِذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِيْنَ،(273) فَاحْثُوا فِي أَفْوَاهِهِمُ التُّرَابَ) .
فيه: الوليد بن داود بن
محمد: مجهول(274)
قال ابن عساكر: أخبرنا أبو الفضل محمد وأبو عاصم الفضيل ابنا إسماعيل المعدلان بهراة، قالا: أنا أحمد بن محمد بن محمد الخليلي، أنا علي بن أحمد بن الحسن الخزاعي، أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، نا محمد بن إسحاق الصغاني، نا محمد بن عباد، نا يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، أن عبادة بن الصامت مرت عليه قِطَارة وهو وبالشام تحمل الخمر فقال: ما هذه أزيت؟ قيل: لا بل خمر تباع لفلان، فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يَذَرْ فيها راوِيَة إلا بَقَرَها، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام، فأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال ألا تمسك عنّا أخاك عبادة بن الصامت أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم وأما بالعشي فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا، فأمسك عنا أخاك، فأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال يا عبادة ما لك ولمعاوية، ذره وما حُمِّل فإن الله يقول: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قال: يا أبا هريرة لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنة ومن وَفّى وَفّى الله له الجنة مما بايع عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، فلم يكلمه أبو هريرة بشيء فكتب فلان إلى عثمان بالمدينة،
إن عبادة بن الصامت قد أفسد عليّ الشام، وأهله فإما أن يكف عبادة وإما أن أخلي بينه وبين الشام فكتب عثمان إلى فلان أن أرْحِلْهُ إلى داره من المدينة، فبعث به فلان حتى قدم المدينة فدخل على عثمان الدار وليس فيها إلا رجل من السابقين بعَيْنِه ومن التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين، فلم يُفْجَ عثمان به إلا وهو قاعد في جانب الدار، فالتفت إليه فقال ما لنا ولك يا عبادة فقام عبادة قائما وانتصب لهم في الدار فقال: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا القاسم يقول سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى، فلا تعتلّوا بربكم، فو الذي نفس عبادة بيده إن فلانا لمن أولئك فما راجعه عثمان بحرف(275)
وحديث «سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله، فلا تعتلُّوا بربكم» قال عنه الألباني: ضعيف بهذا اللفظ(276) .
ونقله الذهبي من طريق يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ: عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيْلَ ابنِ عُبَيْدِ بنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيْهِ:
أَنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ
مَرَّتْ عَلَيْهِ قِطَارَةٌ وَهُوَ بِالشَّامِ تَحْمِلُ الخَمْرَ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ أَزَيْتٌ؟
قِيْلَ: لَا، بَلْ خَمْرٌ يُبَاعُ لِفُلَانٍ.
فَأَخَذَ شَفْرَةً مِنَ السُّوْقِ، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَذَرْ فِيْهَا رَاوِيَةً إِلاَّ بَقَرَهَا - وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِذْ ذَاكَ بِالشَّامِ - فَأَرْسَلَ فُلَانٌ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَلَا تُمْسِكُ عَنَّا أَخَاكَ عُبَادَةَ، أَمَّا بِالغَدَوَاتِ، فَيَغْدُو إِلَى السُّوْقِ يُفْسِدُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مَتَاجِرَهُمْ، وَأَمَّا بِالعَشِيِّ، فَيَقْعُدُ فِي المَسْجِدِ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ إِلاَّ شَتْمُ أَعْرَاضِنَا وَعَيْبُنَا!
قَالَ: فَأَتَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: يَا عُبَادَةُ، مَا لَكَ وَلِمُعَاوِيَةَ؟ ذَرْهُ وَمَا حُمِّلَ.
فَقَالَ: لَمْ تَكُنْ مَعَنَا إِذْ بَايَعْنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوْفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَلاَّ يَأْخُذَنَا فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ.
فَسَكَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ.
وَكَتَبَ فُلَانٌ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّ عُبَادَةَ قَدْ أَفْسَدَ عَلَيَّ الشَّامَ(277) .
قال الأرناؤوط عن إسناده: محتمل للتّحسين(278) .
وأورده الذهبي: من طريق إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَيَّاشٍ: عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ قَدْ أَفْسَدَ عَلَيَّ الشَّامَ وَأَهْلَهُ، فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ إِلَيْكَ،
وَإِمَّا أَنْ أُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنْ رَحِّلْ عُبَادَةَ حَتَّى تَرْجِعَهُ إِلَى دَارِهِ بِالمَدِيْنَةِ. قَالَ: فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَلَمْ يَفْجَأْهُ إِلاَّ بِهِ، وَهُوَ مَعَهُ فِي الدَّارِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا عُبَادَةُ، مَا لَنَا وَلَكَ؟
فَقَامَ عُبَادَةُ بَيْنَ ظَهْرَانِي النَّاسِ، فَقَالَ:
سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يَقُوْلُ: (سَيَلِي أُمُوْرَكُمْ بَعْدِي رِجَالٌ يُعَرِّفُوْنَكُمْ مَا تُنْكِرُوْنَ، وَيُنْكِرُوْنَ عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُوْنَ، فَلَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى، وَلَا(279) تَضِلُّوا بِرَبِّكُمْ) .
وفيه ذات العلة المذكورة آنفا وهى ضعف رواية إسماعيل عن غير الشاميين.
والخلاصة: أن أغلب الأحاديث الواردة في مسألة الخلاف بين عُبادة بن الصامت ومعاوية رضي الله عنهما، لا تخلو من العلل، فكيف يُبنى عليها هذا الخلاف الذي توسع فيه البعض، فأظهروا عُبادة ومعاوية رضي الله عنهما بمظهر الأعداء، ثم أليس عجيبا أن يعاديه وهو في جنده، وتحت رايته، ألم يبايع عبادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة، وألا ينازع الأمر أهله.
المبحث السابع: شبهة وردّ
لم يَسْلَم عبادة بن الصامت رضوان الله عليه من الدّس والطعن، وسهام الافتراء، والكذب، كغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وإن خفّ حِمله من الشبهات مقارنة بغيره، ولا يخفى خطر الشبهات، حين تمس عدالة الصحابة رضوان الله عليهم، لما في ذلك من زعزعة الثقة بأصول الدين، لأنهم رواة الأحاديث، والسنن، وينصرف التشكيك فيهم، إلى التشكيك في مروياتهم، فيدخل من ذلك خطر عظيم.
والمنهج الصحيح في رد الشبهات: «الخروج مِنَها بِمَا يَنْقَدِحُ للنظر مِنْ نُورِ الدَّلِيلِ لَا بِالْإِجْبَارِ وَالْإِكْرَاهِ»(280) .
هذا، وتنحصر الشبهة فيما أورَده صاحب العقد الفريد عن ائتمار عبادة رضي الله عنه مع معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما على قتال عليٍّ رضي الله عنه.
وقبل البدء في العرض والرد، لزم إلقاء الضوء على الأحداث التاريخية المُتعلقة بموضوع الشبهة:
كان مقتل عثمان رضي الله عنه جرحا بليغاً، أثار خلافا كبيرا، عُرفت آثاره بالفتنة الكبرى، وقد استُقطب
إلى الصراع بالضرورة عدد من كبار الصحابة.
إلا أنّ الصحابة الكبار من أهل بدر، وأصحاب السابقة، كانوا أخوف الناس من الفتن، ومن الوقوع في دم المسلمين.
قِيل لسعد بن وقاص رضي الله عنه:
«أَلا تُقَاتِلُ فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ غَيْرِكَ، فَقَالَ: لا أُقَاتِلُ حَتَّى تَأْتُونِي بِسَيْفٍ لَهُ عَيْنَانِ وَلِسَانٌ وَشَفَتَانِ يَعْرِفُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، فَقَدْ جَاهَدْتُ وَأَنَا أَعْرِفُ الْجِهَادَ»(281) .
وروى ابن ماجه بإسناد حسن: لَمَّا جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ هَاهُنَا، الْبَصْرَةَ، دَخَلَ عَلَى أَبِي، فَقَالَ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَلَا تُعِينُنِي عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَدَعَا جَارِيَةً لَهُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، أَخْرِجِي سَيْفِي. قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ، فَسَلَّ مِنْهُ قَدْرَ شِبْرٍ، فَإِذَا هُوَ خَشَبٌ، فَقَالَ: إِنَّ خَلِيلِي وَابْنَ عَمِّكَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عَهِدَ إِلَيَّ «إِذَا كَانَتْ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَاتَّخِذُ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ» فَإِنْ شِئْتَ خَرَجْتُ مَعَكَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيكَ، وَلَا(282) فِي سَيْفِكَ .
وكما حاول علي رضي الله عنه الاستعانة بكبار الصحابة على قتال معاوية، فعل معاوية ذلك قبله، فاستعان بعمرو بن العاص رضي الله عنه.
ومن هنا اندست روايات باطلة، تخلط الحابل بالنابل، وتناقض التاريخ، والوقائع، منها ما جاء في العقد الفريد لابن عبد ربه أنه «لمّا قدم عمرو بن العاص على معاوية وقام معه في شأن علي بعد أن جعل له مصر طعمة. قال له: إن بأرضك رجلا له شرف واسم، والله إن قام معك استهويت به قلوب الرجال؛ وهو عبادة بن الصامت. فأرسل إليه معاوية، فلما أتاه وسّع له بينه وبين عمرو بن العاص، فجلس بينهما، فحمد الله معاوية وأثنى عليه، وذكر فضل عبادة وسابقته، وذكر فضل عثمان وما ناله، وحضّه على القيام معه؛ فقال عبادة: قد سمعت ما قلت، أتدريان لم جلست بينكما في مكانكما؟ قالا: نعم، لفضلك وسابقتك وشرفك. قال: لا والله، ما جلست بينكما لذلك، وما كنت لأجلس بينكما في مكانكما؛ ولكن بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزاة تبوك، إذ نظر إليكما تسيران وأنتما تتحدّثان، فالتفت إلينا فقال: إذا رأيتموهما اجتمعا ففرّقوا بينهما؛ فإنما لا يجتمعان على خير أبدا! وأنا أنهاكما عن اجتماعكما؛ فأمّا ما دعوتماني إليه من القيام معكما، فإنّ لكما عدوّا هو أغلظ أعدائكما عليكما، وأنا كامن من ورائكم في ذلك العدو، إن اجتمعتم على شيء دخلت فيه»(283) .
وقبل أن أُعرّج على نقد الرواية، وبيان ما فيها من تناقض، أنقل ما جاء
على لسان ابن عبد ربه عن منهجه في الرواية فإنه يقول:
«حذفت الأسانيد من أكثر الأخبار طلبا للاستخفاف والإيجاز، وهربا من التثقيل والتّطويل؛ لأنها أخبار ممتعة وحكم ونوادر، لا ينفعها الإسناد باتّصاله، ولا يضرّها ما حذف منها، وقد كان بعضهم يحذف أسانيد الحديث من سنّة متّبعة، وشريعة مفروضة؛ فكيف لا نحذفه من نادرة شاردة، ومثل سائر، وخبر مستطرف»(284) .
فهل يصح ذلك؟ وهل يدخل في النوادر والظَرْف أخبار الصحابة رضوان الله عليهم؟!.
الرد على رواية ابن عبد ربه:
1 - عبادة بن الصامت رضي الله عنه قد مات على التحقيق سنة34 هـ، بإجماع علماء التراجم، والسير، قبل مقتل عثمان رضي الله عنه، فكيف له أن يجتمع بمعاوية وعمرو بن العاص في خلافة عليّ رضي الله عنه وهو ميت يومئذ. فإذا احتج أحَدٌ ببقاء عبادة إلى زمن مقتل عثمان بما أورده ابن كثير في البداية والنهاية، بقوله:
«لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَمَعَهُ قَمِيصُ عُثْمَانَ مُضَمَّخٌ بِدَمِهِ، وَمَعَهُ أَصَابِعُ نَائِلَةَ الَّتِي أُصِيبَتْ حِينَ جَاحَفَتْ عَنْهُ
بِيَدِهَا، فَقُطِعَتْ مَعَ بَعْضِ الْكَفِّ فَوَرَدَ بِهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، فَوَضَعَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَعَلَّقَ الْأَصَابِعَ فِي كُمِّ الْقَمِيصِ، وَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِ هَذَا الدَّمِ وَصَاحِبِهِ، فَتَبَاكَى النَّاسُ حَوْلَ الْمِنْبَرِ، وَجَعَلَ الْقَمِيصُ يُرْفَعُ تَارَةً وَيُوضَعُ تَارَةً، وَالنَّاسُ يَتَبَاكَوْنَ حَوْلَهُ سَنَةً، وَحَثَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِهِ، وَاعْتَزَلَ أَكْثَرُ النَّاسِ النِّسَاءَ فِي هَذَا الْعَامِ، وَقَامَ فِي النَّاسِ مُعَاوِيَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَهُ يُحَرِّضُونَ النَّاسَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِدَمِ عُثْمَانَ مِمَّنْ قَتَلَهُ مِنْ أُولَئِكَ الْخَوَارِجِ; مِنْهُمْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَعَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ التَّابِعِينَ»(285) لقلنا إن هذا الذي أورَدَه ابن كثير، مخالف لإجماع أهل السير والتراجم.
2 - الرواية التي ساقها ابن عبد ربه بلا إسناد، ولا أثر لها في كتب المتقدمين ولا المتأخرين.
3 - الحديث الذي يذكره عبادة في رواية العقد الفريد «بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزاة تبوك، إذ نظر إليكما تسيران وأنتما تتحدّثان، فالتفت إلينا فقال: إذا رأيتموهما اجتمعا ففرّقوا بينهما؛ فإنما لا يجتمعان على خير أبدا» لا وجود له في كتب السنة.
4 أن قول عبادة في رواية العقد الفريد «وأنا كامن من ورائكم
في ذلك العدو، إن اجتمعتم على شيء دخلت فيه» مجاف لطبيعته من إعلان الحق، ووضوح المسلك.
هذا، والرواية كلها لا تكاد تقوم على قدم، ويظهر تهافتها، ولكنّ خطرها يكمن في اشتهار كتاب العقد الفريد وانتشاره، وقد يقع في يد بعض الناشئة فيزعزع ثقتهم بواحد من كبار الصحابة كعبادة رضي الله عنه، ويظهرُ الصحابة أمامهم بمظهر المتآمرين، ومدبري المكائد، في جلسات تشبه جلسات اللصوص.
وغفر الله لصاحب العقد الفريد، ولعل الله تعالى أراد عصمة عبادة ابن الصامت بموته قبل مقتل عثمان رضي الله عنهما من هذه الفتنة المُردِية، ومن أن يخوض سيفه الذي قاتل أعداء الله في رقاب المسلمين.
خاتمة
أيها القارئ الكريم:
بعد كل ما استعرضناه، من سيرة هذا الرجل الجليل من الصحابة الأنصار رضي الله عنهم، لعلّه وجب أن نقف وقفة مع أنفسنا، وأن ننظر في أحوالنا، فهؤلاء مع تفضيل الله تعالى لهم لم يكونوا أبطالا خارقين، بل إنهم عانَوا أشد المعاناة في زمن صعب، لم يكن فيه ما نراه من تيسير في عصرنا، لقد قاسوا مشقة الأسفار، وتربُّص الأعداء، وكانوا في قلة من العدد والعُدّة لأوقات طوال، إلا أنهم قد صبروا، واحتسبوا، ونهضوا بالأمانة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، فهل نجد لنا في سيرتهم أُسوة، وفي حياتهم حافزا، وهل سنعقد النية على أن نتغير؟ لنلقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه بوجوه بيضاء، وقلوب سليمة، وأعمال طيبة، أولئك كانوا هم السّلف، ولم تذهب الأمانة بذهابهم، وبقيت علينا تبعة، وفي أعناقنا بيعة، فالله الله في دين الله أن يضيع، أو يُبدّل وفينا عينٌ تطرف، وهو المُستعان سبحانه وعليه التُكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ت: محمد زهير بن ناصر الناصر دار طوق النجاة بيروت لبنان ط: 1 1422هـ. صحيح مسلم تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان د. ط د. ت. المستدرك على الصحيحين الحاكم ت: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت، ط: 1، 1990 م. سنن الترمذي تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر وآخرين شركة ومكتبة ومطبعة: مصطفى البابي الحلبي مصر ط: 2 1395هـ/1975م. السنن الكبرى النسائي تحقيق: حسن عبدالمنعم شلبي مؤسسة الرسالة بيروت لبنان ط: 1 1421هـ/2001م. مسند الإمام أحمد بن حنبل تحقيق: شعيب الأرناؤوط مؤسسة الرسالة بيروت لبان ط: 1 1421هـ/2001م. السنن الكبرى البيهقي تحقيق: محمد عبدالقادر عطا دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط: 3 1424هـ/2003م. شعب الإيمان البيهقي تحقيق: عبدالعلي عبدالحميد حامد، مختار أحمد الندوي مكتبة الرشد للنشر والتوزيع الرياض بالتعاون مع الدار السلفية بومباي الهند ط: 1 1423هـ/2003م. سنن ابن ماجه تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي دار إحياء الكتب العربية مصر د. ط د. ت.
سنن أبي داود تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد المكتبة العصرية صيدا لبنان د. ط د. ت. التاريخ الأوسط البخاري ت: محمود إبراهيم زايد دار الوعي، مكتبة دار التراث حلب، القاهرة ط: 1، 1977م. المسند للشاشي أبوسعيد الشاشي البِنْكثي ت: د. محفوظ الرحمن زين الله مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة ط: 1 1410هـ. مصنف ابن أبي شيبة ت: كمال يوسف الحوت مكتبة الرشيد الرياض ط: 1 1409هـ. مسند البزّار المنشور باسم: البحر الزّخّار ت: محفوظ الرحمن زين الله وآخريْن مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة ط: 1 من 1988م إلى2009م. موطأ مالك صححه وعلق عليه: محمد فؤاد عبدالباقي دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان د. ط 1406هـ/1985م. السلسلة الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة الألباني دار المعارف الرياض السعودية ط: 1 1412هـ/19992م. المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ابن حجر العسقلاني تنسيق: د. سعد بن ناصر الشثري دار العاصمة دار الغيث للنشر والتوزيع. تفسير ابن كثير ت: محمد حسين شمس الدين دار الكتب العلمية بيروت ط: 1 1419هـ. الجامع لأحكام القرآن القرطبي ت: أحمد البردوني وآخر دار الكتب المصرية القاهرة ط: 2 1384هـ/1964م. تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) ت: د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي دار هجر للطباعة والنشر القاهرة ط: 1 1422هـ/2001م.
التفسير الوسيط للقرآن الكريم مجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية مصر ط: 1 1393هـ/1973م 1414هـ/1993م. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ابن عطية الأندلسي ت: عبدالسلام عبدالشافي محمد دار الكتب العلمية بيروت ط: 1 1422هـ. تفسير البغوي (معالم التنزيل في تفسير القرآن) ت: عبدالرزاق المهدي دار إحياء التراث العربي بيروت ط: 1 1420هـ. تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم ت: أسعد محمد الطيب مكتبة نزار مصطفي الباز السعودية ط: 3 1419هـ. الدر المنثور في التفسير بالمأثور السيوطي مركز هجر للدراسات والبحوث الإسلامية القاهرة ط: 1 2003م. تفسير المنار (تفسير القرآن الحكيم) محمد رشيد رضا الهيئة المصرية العامة للكتاب د. ط 1990م. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج د. وهبة بن مصطفي الزحيلي دار الفكر المعاصر دمشق ط: 2 1418هـ. فتح الباري شرح صحيح البخاري ابن حجر العسقلاني دار المعرفة بيروت ت: محمد فؤاد عبدالباقي 1379هـ. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجّاج النووي دار إحياء التراث العربي بيروت ط: 2 1392هـ. التوضيح لشرح الجامع الصحيح ابن الملقِّن دار النوادر دمشق سوريا ط: 1 1429هـ/2008م. المجموع شرح المهذب النووي طبعة دار الفكر.
السيرة النبوية لابن هشام ت: مصطفى السقا وآخرين شركة مكتبة ومطبعة مصطفي البابي الحلبي مصر ط: 2 1375هـ/1955م. المغازي الواقدي ت: مارسدن جونس دار الأعلمي بيروت ط: 3 1409هـ/1989م. السيرة الحلبية (إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون) علي بن إبراهيم الحلبي دار الكتب العلمية بيروت ط: 2 1427هـ. اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون موسى بن راشد العازمي المكتبة العامرية للإعلان والطباعة والنشر والتوزيع الكويت ط: 1 1432هـ/2011م. غاية السُّول في خصائص الرسول ابن الملقن ت: عبد الله بحر الدين عبد الله دار البشائر الإسلامية بيروت ط: 1 1993م. شرح الزرقاني على المواهب اللدنية شهاب الدين بن محمد الزرقاني المالكي دار الكتب العلمية بيروت ط: 1 1417هـ/1996م. الطبقات الكبرى ابن سعد ت: محمد عبدالقادر عطا دار الكتب العلمية بيروت ط: 1 1410هـ/1990م. الثقات ابن حبّان تحت مراقبة: د. محمد عبد المعيد خان دائرة المعارف العثمانية حيدرآباد الهند ط: 1 1393هـ/1973م. سير أعلام النبلاء الذهبي إشراف: شعيب الأرناؤوط مؤسسة الرسالة ط: 3 1405هـ/1985م. أسد الغابة في معرفة الصحابة ابن الأثير دار الفكر بيروت د. ط 1409هـ/1989م. الإصابة في تمييز الصحابة ابن حجر العسقلاني ت: عادل أحمد عبد الموجود دار الكتب العلمية بيروت ط: 1 1415هـ.
تهذيب الكمال في أسماء الرجال المِزِّي ت: د. بشار عواد معروف مؤسسة الرسالة بيروت ط: 1 1400هـ/1980م. تهذيب التهذيب ابن حجر العسقلاني مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند ط: 1، 1326هـ معرفة الصحابة أبو نعيم ت: عادل بن يوسف العزازي دار الوطن الرياض ط: 1 1419هـ/1998م. الاستيعاب في معرفة الأصحاب ابن عبد البر ت: على محمد البجاوي دار الجيل بيروت ط: 1 1412هـ/1992م. إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال مُغَلْطاي المصري ت: أبو عبد الرحمن عادل بن محمد الفاروق الحديثة للطباعة والنشر القاهرة ط: 1 1422هـ/ 2001م. طبقات خليفة بن خيّاط ت: د. سهيل زكار دار الفكر بيروت لبنان 1414هـ/ 1993م. معجم الصحابة لابن قانع ت: صلاح بن سالم المصراتي مكتبة الغرباء الأثرية المدينة المنورة ط: 1 1418هـ. الجرح والتعديل ابن أبي حاتم مجلس دائرة المعارف العثمانية دار إحياء التراث العربي بيروت ط: 1 1271هـ/1952م. جامع التحصيل في أحكام المراسيل العلائي ت: حمدي عبد المجيد السلفي عالم الكتب بيروت ط: 2، 1986م. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام الذهبي ت: د. بشار عوّاد معروف دار الغرب الإسلامي بيروت ط: 1 2003م.
معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار الذهبي دار الكتب العلمية بيروت ط: 1، 1997م البداية والنهاية ابن كثير ت: عبد الله بن عبد المحسن التركي دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع ط: 1 1418هـ/1997م. الكامل في التاريخ ابن الأثير ت: عمر عبدالسلام تدمري دار الكتاب العربي بيروت ط: 1 1417هـ/1997م. تاريخ دمشق ابن عساكر ت: عمر بن غرامة العمروي دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت د. ط 19995م. فتوح مصر والمغرب ابن عبد الحكم ت: على محمد عمر مكتبة الثقافة الدينية د. ط 1415هـ. تاريخ ابن يونس دار الكتب العلمية بيروت ط: 1 1421هـ. فتوح البلدان البلاذري ت: لجنة تحقيق التراث دار ومكتبة الهلال بيروت د. ط 1988م. تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير، جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم بيروت ط: 11997 م. حسن المحاضرة للسيوطي ت: محمد أبوالفضل إبراهيم دار إحياء الكتب العربية يحي البابي الحلبي مصر ط: 1، 1967م. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ابن تغري بردي وزارة الثقافة مصر 1963م. الجليس الكافي والأنيس الصالح الشافي أبو الفرج المُعافَى ت: عبدالكريم الجندي، دار الكتب العلمية بيروت ط: 1، 2005م. صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، أبو مالك كمال بن السيد سالم
المكتبة التوفيقية القاهرة 2003م. الفقه على المذاهب الأربعة عبدالرحمن بن محمد الجزيري دار الكتب العلمية بيروت ط: 2 2003م. الإحكام في أصول الأحكام ابن حزم دار الآفاق الجديدة بيروت ط: 2 1983م. إعلام الموقعين عن رب العالمين ابن القيّم ت: محمد عبد السلام إبراهيم دار الكتب العلمية بيروت ط: 1 1411هـ/1991م. الواضح في أصول الفقه أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي ت: د. عبد الله عبد المحسن التركي مؤسسة الرسالة بيروت ط: 1 1420هـ/1999م. موسوعة القواعد الفقهية محمد صدقي بن أحمد الغزي مؤسسة الرسالة بيروت ط: 1 1424هـ/2003م. الفقه الإسلامي وأدلته، أ. د. وهبة بن مصطفي الزحيلي، دار الفكر سورية دمشق ط: 4. العقد الفريد ابن عبد ربه دار الكتب العلمية بيروت ط: 1 1404هـ. عُبادة بن الصامت: صحابي كبير وفاتح مجاهد، د. وهبة الزحيلي دار القلم دمشق، ط: 3، 1988م. معجم البلدان ياقوت الحموي دار صادر بيروت ط: 1 1995م. لسان العرب ابن منظور دار صادر بيروت ط: 3 1414هـ. القاموس المحيط الفيروزآبادي مؤسسة الرسالة بيروت ط: 8 1426هـ/ 2005م. معجم اللغة العربية المعاصرة د. أحمد مختار عبدالحميد عالم الكتب القاهرة ط: 1 2008م.
