مكتبة المبرّةالباحث الذكي
الإعاقة في تراث الآل والأصحابالقراءة المتصلة
صفحة 5
حجم النص28
صفحة 1 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 2 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 3 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 4 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 5 · ورقة PDF 5رابط الصفحة المنفردة

الإِعَاقَةُ

فِي تُرَاثِ الآلِ وَالأصْحَاب

نماذج وآداب وعبر

محمد فتحي النادي

مراجعة مركز البحوث والدراسات بالمبرة

مقدمة مبرة الآل والأصحاب

صفحة مطبوعة 5 · ورقة PDF 6رابط الصفحة المنفردة

الفهرس

بسم الله الرحمن الرحيم

صفحة مطبوعة 6 · ورقة PDF 7رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
مقدمة مبرة الآل والأصحاب9
مقدمة13
مفاهيم ومصطلحات21
— مصطلح (ذوو الاحتياجات الخاصة)22
— الفئات الخاصة23
— الأفراد غير العاديين24
— ذوو الاحتياجات التربوية الخاصة24
— المعوقون24
أنواع الإعاقات26
أ — حركية27
ب — إعاقة حسّيّة28
ج — إعاقة ذهنيّة أو عقلية28
د — إعاقة مركّبة28
مؤلفات في تلك المسألة29
الإعاقة في الموروث الشعبي العربي القديم32
نظرة الأمم السابقة إلى ذوي الإعاقة39
ملوك وأشراف وعلماء وأدباء من ذوي الإعاقة42
قواعد عامة في التعامل الإنساني مع ذوي الإعاقات45
أنبياء من ذوي الاحتياجات48
نبي الله يعقوب48
نبي الله أيوب50
نبي الله موسى52
الإسلام يدعو لمخالطة ذوي الإعاقة57
المسلمون يبيحون بيوتهم وطعامهم لإخوانهم أصحاب الأعذار62
الإسلام يرفع الجهاد عن أصحاب الأعذار65
حُجّةٌ وعذرٌ يوم القيامة71
الرسول صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الآفات البدنية والقلبية79
شكر الله عند رؤية أهل البلاء82
النُّصْرة بالضعفاء84
الإنفاق على ذوي الإعاقة88
ملعون من ضلل أعمى90
عمىً وعمى92
الجنّة الجزاء الأوفى96
الإعاقة علمٌ يعرف بها أصحابها100
الكفارات وذوو الإعاقات105
الزواج بالمعاقات108
الإعاقة والإمامة112
نماذج من تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم والآل والأصحاب مع ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة115
الرسول صلى الله عليه وسلم والأعمى115
هداية الأعمى للطريق صدقة128
المنافق الضرير129
أين تحب أن أصلي من بيتك؟130
دعوة للصبر... وقبول للعذر131
النفث في العين المبيضة133
من رحمة آل البيت بالأعمى135
شهادة الأعمى136
غيرة النبي صلى الله عليه وسلم على محارمه137
الرسول صلى الله عليه وسلم والأعور138
الأعور المعتدي140
الرسول صلى الله عليه وسلم والأعشى140
الرسول صلى الله عليه وسلم والأعرج142
الأصحاب والأحنف147
الرسول صلى الله عليه وسلم ومن في عقله شيء149
زواج المجنون155
دعاء من آل البيت للمخبول156
الرسول صلى الله عليه وسلم والمصروع157
الرسول صلى الله عليه وسلم والأصم159
التصدق على الأصم166
من فقه آل البيت في الأصم167
الآل والأصحاب والأخرس168
الآل والأشل171
الرسول والآل والأصحاب والمجذوم172
12 — الآل والأصحاب والأبرص175
صحابة من ذوي الإعاقات والحاجات176
الأَقْرَعِ بْن حَابِس176
حسان بن ثابت177
أبو سفيان بن حرب178
أبو محمد طلحة بن عبيد الله180
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ [الأهتم الأعرج]183
عمار بن ياسر (مقطوع الأذن)186
المغيرة بن شُعْبَة189
نماذج من آل البيت192
عبد الله بن عباس192
أبو سعيد الأحول بن عقيل بن أبي طالب196
إسماعيل الأعرج197
الأطروش198
عبيد الله بن الحسين الأعرج200
الخلفاء يسيرون على أثر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وآله201
ذوو الإعاقة والاحتياجات الخاصة ودمجهم في المجتمع204
ذوو الإعاقة والاحتياجات الخاصة والبناء الحضاري للأمة207
خاتمة209
المصادر والمراجع211
صفحة 7 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 8 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 9 · ورقة PDF 10رابط الصفحة المنفردة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين الغر الميامين، أما بعد؛

فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه.

وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]، وقال عز وجل: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ﴾ [الممتحنة: 6]،

صفحة مطبوعة 10 · ورقة PDF 11رابط الصفحة المنفردة

وقال عقب ذكر صفوةٍ من رسله وأنبيائه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: 90]، وقال عزّ مِن قائل: ﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل.

والواجب على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغم مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخز به من تحدياتِ عظيمة. فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدى ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في جميع المجالات بأدواتها ووسائلها.

ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبيقًا وتفعيلًا؛ خيرًا مما نجده عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيار وأهل بيته الأطهار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة.

وقد أخذت مبرة الآل والأصحاب كعادتها على عاتقها مهمةَ تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛ لكونها

صفحة مطبوعة 11 · ورقة PDF 12رابط الصفحة المنفردة

مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها بفضل الله الريادة في ذلك المجال.

وقد كان أصل هذا المشروع الذي بين أيدينا فكرةً من قِبل رئيس مجلس إدارة المبرة د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي تتضمن توسيع نطاق الأبحاث المتعلقة بالآل والأصحاب لتضمّ مجالات جديدة ورحابًا أوسع ولا تقتصر على الموضوعات الدينية المألوفة، ثم أوعز بهذه الفكرة وبعض عناصرها إلى مركز البحوث والدراسات بالمبرة؛ فقام المركز مشكورًا مأجورًا بوضع خطة طموحة تتضمن العديد من الموضوعات الهادفة، العلمية والعملية؛ التي نستهدف أن نستضيء فيها بتراث الآل والأصحاب، ونكشف عن ملامح تطبيقهم الوحي على جميع الأصعدة والأنحاء، بشكل يتجلّى فيه الجانب الإبداعي من تخصص المبرة في خدمة تراث الآل والأصحاب، و«التخصص يقود إلى الإبداع» بحمد الله وتوفيقه، بحيث نقدم للمكتبة العلمية والدعوية تجميعًا غير مسبوق لبعض الجوانب الدقيقة في تراث الآل والأصحاب؛ ومِن ثَمَّ نسَّق المركز مع مجموعة من الباحثين ليقدموا جهودهم في تحويل تلك الأفكار والموضوعات إلى أبحاث علمية وفق منهجية مركز البحوث والدراسات المنضبطة، القائمة على التحقيق العلمي، والاستدلال الصحيح، والاسترشاد بكتب أهل العلم السابقين والمعاصرين، واستمر جهد المركز في متابعة الأبحاث ومراجعتها وتعديل ما يحتاج منها إلى تعديل، عبر خلية عمل تفرغت للمشروع تحت إشراف رئيس مركز

صفحة مطبوعة 12 · ورقة PDF 13رابط الصفحة المنفردة

البحوث والدراسات الشيخ محمد سالم الخضر مباشرة، فالشكر موصول لجميع الباحثين الكرام في المركز.

ثم تضافرت جهود أقسام المبرة الأخرى كقسم الإعلام في إتمام العمل بتنسيق الكتب وإخراجها؛ فكانت هذه السلسلة من الموضوعات، التي تندرج في سلسلة (تراث الآل والأصحاب)؛ ثمرةً لهذا التعاون المبارك.

وقد أرفقنا في ذيل هذا الكتاب قائمةً بعناوين هذه المجموعة المتكاملة من الموضوعات الدقيقة والمهمة في تراث الآل والأصحاب.

نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجمع لنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مبرة الآل والأصحاب

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب

صفحة مطبوعة 13 · ورقة PDF 14رابط الصفحة المنفردة

العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...

وبعد،

فإن الله — جل جلاله — من إكرامه للإنسان أن خلقه بيديه الكريمتين فقال مخاطبًا إبليس عندما رفض الإذعان لأمره بالسجود لآدم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ﴾ [سورة ص، 75].

وجمّل ربنا — جل وعلا — صورة الإنسان وشكله عن سائر المخلوقات، وأحسن هيأته، فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ٦ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ٧ فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ [سورة الانفطار، 6 — 8].

«والمعنى: في صورة أيّ صورة، أي: في صورة كاملة بديعة»(1) ، و«لو شاء ركبك على غير هذه الصورة»(2) .

صفحة مطبوعة 14 · ورقة PDF 15رابط الصفحة المنفردة

«قال بعض العلماء: إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة، الكاملة الشكل والوظيفة؛ أمر يستحق التدبر الطويل، والشكر العميق، والأدب الجم لربّه الكريم الذي أكرمه بهذه الخلقة»(3) .

وقال: ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ﴾ [سورة التين: 4].

قال جعفر الصادق عليه السلام: «أحسن صورة»(4) .

وقال البغوي: «أي: أعدل قامة، وأحسن صورة؛ وذلك أنه خلق كل حيوان منكبًّا على وجهه إلا الإنسان خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده، مُزَيّنًا بالعقل والتمييز»(5) .

ومن كمال طلاقة قدرة ربنا — سبحانه وتعالى — أنه لم يخلق البشر على هيئة وشكل واحد، فكان منهم الطويل والقصير.

حتى ألوانهم قد اختلفت فمنهم الأحمر والأبيض والأسود، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ﴾ [سورة الروم: 22].

وقد قرن سبحانه وتعالى اختلاف ألوان البشر وألسنتهم — أي: لغاتهم ولهجاتهم — بخلق السموات والأرض، تلك التي قال الله عنها: ﴿لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [سورة غافر: 57].

صفحة مطبوعة 15 · ورقة PDF 16رابط الصفحة المنفردة

والخلق ليس عملاً آليًّا، ولكنه إبداع وتصوير راجعٌ لمشيئة الله — سبحانه وتعالى —، ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: 6]، وقال: ﴿لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ﴾ [سورة الشورى: 49].

فالله إذًا خلق إنسانًا سويًّا كامل الخلقة والأعضاء، فمن مطلق مشيئته وقدرته أن يخلق إنسانًا مُخدَجًا(6) ، وما ذلك إلا ابتلاءٌ للإنسان، قال تعالى: ﴿وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 35]، قال ابن عباس: «نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة»(7) .

وقال: ﴿إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا﴾ [سورة الإنسان: 2]، «أي: لنختبره بالأمر والنهي. ﴿فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: فجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه؛ لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة.

وقيل: معناه: إنا خلقنا الإنسان من هذه الأمشاج للابتلاء والامتحان، ثم ذكر

صفحة مطبوعة 16 · ورقة PDF 17رابط الصفحة المنفردة

أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء، وهو السمع والبصر، وهما كنايتان عن الفهم والتمييز.

وقيل: المراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان، وإنما خصهما بالذكر؛ لأنهما أعظم الحواس وأشرفها»(8) .

والله — جل جلاله — لم يمنع إلا ليعطي، ولم يحرم إلا ليهب، وكما قيل: «ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك.

ومتى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء»(9) .

وقال أبو جعفر محمّد بن علي الباقر عليهما السلام: «إنّ الله تبارك وتعالى هو الخالق والمالك، فمن منعه التعمير فإنّما منعه ما ليس له، ومن عَمّرَهُ فإنّما أعطاه ما ليس له، فهو المتفضل بما أعطاه، وعادل فيما منع، ولا يُسأل عمّا يفعل وهم يسألون»(10) .

والله يعوّض من ابتلاهم بالعجز والمرض والآفات بالجزاء الأوفى في الآخرة، ولا يحرمهم من أنسهم به في الدنيا؛ فالله أنيس المرضى قال جل وعلا مناديًا ابن آدم: « يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني؟

قال: أي ربّ، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟

صفحة مطبوعة 17 · ورقة PDF 18رابط الصفحة المنفردة

فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته وجدتني عنده؟»(11) .

ولم يكن النقص الذي يصيب الإنسان من آفة أو عجز أو إعاقة لخلل في قدرة الله، أو لعيب في الخالق — حاشاه جل جلاله ؛ فالله سبحانه وتعالى منح سيدنا عيسى المسيح معجزة إبراء المرضى؛ فكان عليه السلام يستطيع أن يشفيَ من وُلد أعمى وهو الأكمه(12) ، فقال مذكِّرًا المسيح بمنّته عليه: ﴿وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ﴾ [سورة المائدة: 110]، ولكنها طلاقة القدرة والمشيئة، وسُنّة الابتلاء والاختبار التي كتبها الله على بني آدم.

وبعض النفوس البشرية تنفر وتتشاءم من ذوي الآفات والأمراض، وتتجنّب مخالطتهم أو الحديث معهم.

ففي الحديث أن أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا.

فَأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟

قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ،

صفحة مطبوعة 18 · ورقة PDF 19رابط الصفحة المنفردة

وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ.

قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا، وَجِلْدًا حَسَنًا.

قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟

قَالَ: الإِبِلُ — أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ شَكَّ إِسْحَاقُ — إِلَّا أَنَّ الأَبْرَصَ أو الأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الإِبِلُ، وَقَالَ الآخَرُ: الْبَقَرُ.

قَالَ: فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا.

قَالَ: فَأَتَى الأَقْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟

قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذِرَنِي النَّاسُ...»(13) .

وهذا النفور والاشمئزاز يؤذي نفسية صاحب هذا البلاء، ونجد في الحديث أن الثلاثة طلبوا من الملَك أن يُذهب عنهم ما قذرهم منه الناس، فكانت الإجابة بإذهاب البلاء وبتوسعة الرزق.

وهناك من يسخر منهم ويجعلهم مادة دسمة للتندر والتفكّه في المجالس وفي غيرها.

وقد هجا أحد الشعراء رجلاً أحدب بقوله:

قَصُرَتْ أَخادِعُهُ(14) 14
صفحة مطبوعة 19 · ورقة PDF 20رابط الصفحة المنفردة
وغَابَ(15)فكأَنَّهُ مُتَرَقِّبٌ أَنْ يُصْفَعَا
وكأنَّه قد ذاقَ أَوَّلَ صَفْعَةٍوأَحَسَّ ثانيةً لها فتَجَمّعَا

وما ذنب هذا الأحدب في خلقته أن استقرت رأسه على كتفه، وقصرت رقبته أو تكاد تكون غير موجودة، وتكوّر ظهره وتشوّه، ثم يأتي هذا الشاعر ليتهكم عليه ويصفه بإنسان مترقب أن يُصفع على قفاه، فانحنى ليتفادى الضربة، وأدخل رأسه في كتفه.

فهم بذلك لا يعيبون الصنعة بقدر ما أنهم يعيبون الصانع، فبدلاً من أن يتعجبوا من قدرة ربهم، أو يسألوه المعافاة مما ابتلى به غيرهم، فإنهم يتندرون على أشخاص لا دخل لهم فيما هم فيه، ولم يختاروا أن يكونوا كذلك.

والإسلام ونبيه وآل بيته وأصحابه الكرام قد تساموا في التعامل مع هؤلاء الأشخاص، وبشّروهم بالخير إن صبروا، واستخدموهم وقدّموهم ولم يهملوهم أو يؤخروهم، على النحو الذي سنبينه فيما سيأتي.

ويمثل (المعوقون) ذوو الاحتياجات الخاصة 10٪ من سكان العالم،

صفحة مطبوعة 20 · ورقة PDF 21رابط الصفحة المنفردة

وترتفع النسبة في العالم العربي إلى 12٪، بناء على الإحصاءات الصادرة عن الأمم المتحدة، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم(16)

ويصادف يوم 3 ديسمبر من كل عام اليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة، وهو قد خُصّص من قِبل الأمم المتحدة منذ عام 1992م.

وقد صدرت عن هيئة الأمم المتحدة العديد من المواثيق، وكانوا قد أعلنوا عام 1981م عامًا دوليًّا للمعوقين.

ولعل هذه الدراسة تكشف جانبًا لم ينل حظه من الاهتمام الكافي بدراسة الإعاقة في تراث الآل والأصحاب، ومعرفة النماذج التي اختارها الله — تعالى — لتكون قدوة للعالمين في الصبر على البلاء، وتجاوز المحن، وضرب أروع الأمثلة في إفادة المجتمع رغم محنة الإعاقة.

ولتبين هذه الدراسة كيف كانت نظرة نبي الإسلام وآله وصحبه للإعاقة، وكيف استوعبوا المعاقين، ولم يشعروهم بأنهم عالة على المجتمع.

والله من وراء القصد

وكتبه

محمد فتحي النادي

صبيحة يوم الاثنين

22 جمادى الأولى 1438ه

الموافق 20 فبراير 2017م

صفحة مطبوعة 21 · ورقة PDF 22رابط الصفحة المنفردة

مفاهيم ومصطلحات

استُخدِمت مصطلحات ودلالات كثيرة للتعريف بهؤلاء الأشخاص.

وبعض هذه المصطلحات كانت تحمل دلالات سلبية تؤثر على نفسيات المعنيين بهذا الأمر، ولذا يحاول التربويون وعلماء النفس والاجتماع أن يستخدموا مصطلحات تحمل مدلولات إيجابية، أو على الأقل لا تؤثر في نفسيات هؤلاء الأشخاص بالسلب.

وقد كان عمر بن الخطاب فطنًا ومتعمقًا في النفس البشرية، ويملك بعض المفاتيح التي من خلالها يمكن أن يتعامل مع الآخرين بيسر وسلاسة، فكان يقول: «من أراد أن يصفو له ود أخيه فليوسع له في مجلسه، وليدعه بأحب الأسماء إليه، وليسلم عليه إذا لقيه»(17) .

فإذا ناديت الإنسان بما يكره فقد أغلقت بينك وبينه باب المودة، وجلبت العداوة بينكما ظاهرًا أو باطنًا.

فقد ورد أنه طلب أحدهم الوصية من أبي عبد الله عليه السلام، فقال له: «أوصيك بتقوى الله، وبرّ أخيك المسلم، وأحبّ له ما تحبّ لنفسك،

صفحة مطبوعة 22 · ورقة PDF 23رابط الصفحة المنفردة

واكره له ما تكره لنفسك، وإن وجد عليك فلا تفارقه حتى تسلّ سخيمته»(18)

* ومن هذه المصطلحات:

* مصطلح (ذوو الاحتياجات الخاصة)، وهو كل فرد لديه قصور في القيام بدوره ومهامّه بالنسبة لنظرائه من نفس السن والبيئة الاجتماعية والاقتصادية والطبية.

تلك الأدوار والمهام قد تكون في مجال التعليم، أو اللعب، أو التكوين المهني، أو العلمي، أو العلاقات العائلية، وغيرها(19) .

وهذا المصطلح تذهب إليه اتجاهات تربوية حديثة لاستخدامه بدلاً من مصطلح (المعوقين)؛ لأن المصطلح الثاني يعبر عن الوصم بالإعاقة، وما لها من آثار نفسية سلبية على الفرد والمحيطين به من أقاربه وأهله.

وهذا التعريف ركّز على القصور الذي يصاحب هؤلاء الأشخاص.

ولكن هناك من نظر إلى التعريف من زاوية أخرى؛ حيث رأى أن في المجتمع أفرادًا لهم احتياجات خاصّة تختلف عن احتياجات باقي أفراد المجتمع، وتتمثل هذه الاحتياجات في: برامج، أو خدمات، أو أجهزة، أو تعديلات، وتحدد طبيعة هذه الاحتياجات الخصائص التي

صفحة مطبوعة 23 · ورقة PDF 24رابط الصفحة المنفردة

يتسم بها كل فرد منهم.

وذلك يعني أنها تشمل: المعوقين، والموهوبين، والمرضى، والحوامل، والمسنين... إلخ.

وهناك من يرفض مصطلح «أصحاب الاحتياجات الخاصة»، باعتبار أن الناس كلهم لديهم حاجات، ويرى أن هذه الكلمة تشعر بالدونية وعدم المساواة.

وترى الدكتورة نعمت الشعباني — استشاري التدخل المبكر بمؤسسة ويانا الدولية(20) — أنها كلمة تُحدث تأثيرات سيئة على نفسية متلقيها.

بينما يرجح د. سيد هاشم — الأستاذ بكلية التربية الرياضية بالجيزة، وأحد أصحاب الإعاقة الحركية — مصطلح «أصحاب القدرات الخاصة»؛ لأنه يشير إلى الجهد الذي بذلوه في التكيف مع ظروفهم، والتفوق في مجالات الحياة المختلفة(21) .

الفئات الخاصة: ويدل هذا المصطلح على أن المجتمع يتكون من عدة فئات، ومن بينها فئات تتفرد بخصوصية

صفحة مطبوعة 24 · ورقة PDF 25رابط الصفحة المنفردة

معينة.

وهذا المصطلح ليس وقفًا على المعاقين، بل ينسحب على الموهوبين؛ إذ يعتبرون من الفئات الخاصة.

* الأفراد غير العاديين: غالبًا ما يطلق هذا المصطلح على الأطفال الذين يختلفون عن أقرانهم، إما في قدراتهم العقلية أو الحسية أو الجسمية أو التواصلية... إلخ.

وهذا الاختلاف يتطلب برامج لسدّ احتياجاتهم.

ولا يخفى القرب في الدلالة بين تلك المصطلحات السابقة، إلا أن الأخير يُستخدم غالبًا مع الأطفال.

* ذوو الاحتياجات التربوية الخاصة: ويطلق هذا المصطلح على الفئة العمرية لتلاميذ المدارس، أو ما قبل مرحلة الدخول إلى المدرسة، كما أن طبيعة احتياجاتهم تربوية.

* المعوقون: وهم فئة من الفئات الخاصة، أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتندرج تحت هذا المصطلح جميع فئات ذوي العوق مثل:

المعوقين بصريًّا... المعوقين سمعيًّا... المعوقين عقليًّا... المعوقين جسديًّا... المعوقين تواصليًّا... المعوقين نفسيًا... ومتعددي الإعاقة، إلى غير ذلك من أنواع الإعاقات(22) .

والإعاقة: هي الحالة التي تحدّ من قدرة الفرد على القيام بوظيفة واحدة أو

صفحة مطبوعة 25 · ورقة PDF 26رابط الصفحة المنفردة

أكثر من الوظائف التي تعدّ أساسية في الحياة اليومية، التي تنشأ عن إصابة نفسية أو عقلية أو بدنية(23)

وهذا المصطلح الأخير هو الذي تبنته الاتفاقية الدولية لحقوق ذوي الإعاقة لسنة 2006 الموسوم بذوي الإعاقة، حيث جاء في ديباجة الاتفاقية: إن الأشخاص ذوي الإعاقة هم كل الأشخاص الذين يعانون من عاهات طويلة الأجل بدنية أو عقلية أو ذهنية أو حسية، قد تمنعهم لدى التعامل مع مختلف الحواجز من المشاركة بصورة كاملة وفعالة في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين(24) .

وقد حصر العلماء أسباب الإعاقات والعاهات في ثلاثة أسباب: وراثية أو صحية أو جنائية.

صفحة مطبوعة 26 · ورقة PDF 27رابط الصفحة المنفردة

أنواع الإعاقات

تحديدنا لأنواع الإعاقات هو الذي سيساعدنا على تلمّس الأنماط التي تعامل معها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإبراز هذه الشخصيات وتسليط الضوء عليها.

وقد ذهب المختصون إلى أن أنواع الإعاقات يمكن إبرازها في الآتي:

— إعاقة تخاطب جزئية.

— إعاقة تخاطب كلية.

— صمم.

— ضعف السمع.

— الاضطرابات الانفعالية والوجدانية.

— التوحد.

— صعوبات التعلم.

— المشكلات الصحية الخاصة والصرع.

— التخلف العقلي البسيط.

التخلف العقلي

صفحة مطبوعة 27 · ورقة PDF 28رابط الصفحة المنفردة

الشديد.

— إعاقة حركية.

— كف البصر.

— اضطرابات النطق أو اللغة.

وهذه الإعاقات قد يولد بها الإنسان، وتكون ملازمة له طول حياته، مثل الذي يولد مقعدًا، أو كفيفًا، أو أخرس، أو أصم... إلخ.

وقد تحدث له هذه الإعاقات نتيجة حادثة تلمّ به، أو مرض يصيبه، «يتسبب عنها قصور وظيفي جسمي أو عقلي، وقد يكون العوق جزئيًّا Partial ، أو تامًّا Complete ، أو في نسيج أو عضو أو أكثر، وقد يكون مؤقتًا Temperoray ، أو دائمًا Continuing ، أو متناقصًا Reduced ، أو متزايدًا(25) Excess » .

وقد قسمها الدكتور عمر الأمين في مجموعات على النحو التالي:

أ حركية: ويقصد بها الإعاقة الناتجة عن خلل وظيفي في الأعصاب، أو العضلات، أو العظام، أو المفاصل؛ ممّا يؤدي إلى فقدان القدرة

صفحة مطبوعة 28 · ورقة PDF 29رابط الصفحة المنفردة

الحركية للجسم.

ب — إعاقة حسّيّة: ويقصد بها الإعاقة الناتجة عن إصابة الأعضاء الحسّية مثل: العين، أو الأذن، أو اللسان.

ج — إعاقة ذهنيّة أو عقلية: ويقصد بها الإعاقة النّاتجة عن خلل في وظائف الدّماغ، وتكون ناتجة عن بعض الأمراض النفسيّة، أو الإصابات العضوية للدماغ، كما هو الحال في بعض الأمراض الوراثية، أو نتيجة لنقص الأكسجين أثناء الولادة أو بعدها.

د — إعاقة مركّبة: ويقصد بها وجود عدّة أنواع من الإعاقات السابقة في الشخص الواحد(26) .

صفحة مطبوعة 29 · ورقة PDF 30رابط الصفحة المنفردة

مؤلفات في تلك المسألة

إن الكتابة والتأليف عن ذوي الإعاقات لم يفت المتقدمين، بل إننا نلحظ أن الكتابة عنهم بدأت مبكرة في العصور الإسلامية الأولى، ولا يحتاج الأمر للتنقيب والبحث؛ إذ إن العناوين كانت واضحة، ولعل (الجاحظ) هو أول من ألف فيهم، وذكر أخبارهم وقصصهم، وذلك في كتابه: (البرصان والعرجان والحولان والعميان).

ثم تلاه الزمخشري في كتابه (تسلية الضرير).

ثم يأتي الصفدي والذي ألّف كتابين كبيرين: الأول هو (نكت الهميان(27) في نكت العميان)، والثاني: (الشعور بالعور).

وقد خصص الدكتور عبد الرزاق حسين بحثًا شاملاً في أدب الإعاقة، وذلك في كتابه الشامل: (الإعاقة في الأدب العربي).

ومن المؤلفات في هذا الباب كتاب: «رعاية المعاقين بين الشرائع السماوية» من منشورات الجمعية النسائية بجامعة أسيوط للتنمية بالتعاون مع مركز خدمات المنظمات غير الحكومية، منتدى التجمع

صفحة مطبوعة 30 · ورقة PDF 31رابط الصفحة المنفردة

المعني بحقوق المعاق، الإصدار الأول للمنتدى.

وللدكتور موسى البسيط كتاب: «حقوق المعوّقين ورعايتهم في الشريعة الإسلامية».

ولسعدي أبي حبيب كتاب: «المعوق والمجتمع في الشريعة الإسلامية».

ولسلمان ظافر الشهري كتاب: «ذوو الصعوبات السمعية وكيفية ربطهم بالمجتمع».

وللدكتور أحمد سويلم كتاب: «مسلمون هزموا العجز».

ولزهير جمجوم: «أشهر المعوقين في العالم».

ولكارين صادر: «معجم الأدباء ذوي العاهات: أعلام الجبابرة».

ولأحمد الشنواني: «عظماء ومشاهير معاقون غيروا مجرى التاريخ».

وهناك رسائل علمية في هذا الباب، منها: رسالة ماجستير في التربية الخاصة للباحث محمد الذبياني.

أما بالنسبة للمقالات التي تناولت هذا الموضوع، فهي كثيرة، نذكر منها:

تأملات في أدب الإعاقة، وهي منشورة على الشبكة العنكبوتية، ولكن للأسف لم يكتب اسم ملقيها، ولكن نجتهد إن شاء الله للوصول

صفحة مطبوعة 31 · ورقة PDF 32رابط الصفحة المنفردة

لصاحبها؛ حتى لا نغمطه حقه. من أشعار العميان لمصطفى قاسم عباس. الصورة البصرية في شعر العميان للدكتور عبد الله الفيفي. كيف تعامل الإسلام مع المعاقين؟ لموسى بن حسن ميان. رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بذوي الاحتياجات الخاصة لمحمد مسعد ياقوت. المعوقون بين محمد وأفلاطون لكمال خطيب. أصحاب الاحتياجات الخاصة في ظل الإسلام رعاية وأحكام لعلاء الدين زعتري.

وقد قامت إدارة موقع «أطفال الخليج ذوي الاحتياجات الخاصة» بنشر مجموعة من الكتب والبرامج — ومنشورات من المجلات المتخصصة، وهي مفيدة للمهتمين بقضايا المعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة من الكبار والصغار.

صفحة مطبوعة 32 · ورقة PDF 33رابط الصفحة المنفردة

الإعاقة في الموروث الشعبي العربي القديم

لقد كانت النظرة الطبقية العنصرية مسيطرة على العرب؛ إذ إن السيد الشريف المصاب بالمرض أو الإعاقة لا يستطيع أحد أن يعيره بذلك، بل قد يتمدحون ذلك فيه.

قال الجاحظ: «وقد فخروا بالعمى، وذلك كثير، واحتجوا بالعرج وذلك غير قليل.

وإذا كان الأعرابي يعتريه البرص فيجعله زيادة في الجمال ودليلاً على المجد، فما ظنك بقوله في العرج والعمى، وهما لا يستقذران ولا يتقزز منهما ولا يعديان ولا يظن ذلك بهما، ولا ينقصان من تدبير، ولا يمنعان من سؤدد، وهذا المعنى نفسه قد ذكره شاعر قريش حين عدد أسماء من عمي من أشرافهم فقال في كلمة له:

ومطعم وعدي في سيادتهفذاك داء قريش آخر الزمن
وخير دائك داء لا تسب بهولا تبيت تمنَّى لذة الوسن
داء كريم فلا عدوى فتحذرهفالحمد لله ذي الآلاء والمنن(28) » ( 28 )

وعيرت أبا

صفحة مطبوعة 33 · ورقة PDF 34رابط الصفحة المنفردة

طالب «بعض نسائه بالعرج فقال:

قالت عرجتَ فقد عرجتُ فما الذيأنكرت من جَلَدي وحسن فعالي
وأنا ابن بجدتها وفي صيّابها(29) ( 29 )وسليل كلّ مسوّد مفضال
أدع الرقاحة(30) ( 30 ) لا أريد نماءهاكيما أفيد رغائب الأموال
وأكف سهمي عن وجوه جمةحتى تصيب مقاتل البخّال

وقال أبو طالب قولاً هو أجمل وأرجح من قول الجميع؛ وذلك أنه قال وفسر:

أنا يوم السلم مكفيويوم الحرب فارس
أنا للخمسة أنفحين ما للخمس عاطس

فزعم — كما ترى — أنه إذا كان في السلم فهو لا يحتاج مع الكفاية والأعوان إلى ابتذال نفسه في حوائجه، وإذا كان في الحرب فهو فارس يبلغ جميع إرادته.

وما ضرّ أكرمك الله هرثمة بن أعين(31) ونصر بن شبث(32)

صفحة مطبوعة 34 · ورقة PDF 35رابط الصفحة المنفردة

وغيرهما من الرؤساء المحاربين المقربين الذي

صفحة مطبوعة 35 · ورقة PDF 36رابط الصفحة المنفردة

كان يمنعهم من المشي إذا كانوا على ظهور الخيل أمثال العقبان(33)(34)

ما سبق كان في السادة والأشراف والكبراء، لكننا إذا حولنا النظر لرأينا عكس ذلك، حيث الاستحقار والتقزز من ذوي العاهات والمرض؛ فقد «كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا مريض، فقال بعضهم: إنما كان بهم التقذّر والتقزّز»(35) .

صفحة مطبوعة 36 · ورقة PDF 37رابط الصفحة المنفردة

وهذا كان نهج السابقين الذين ينظرون للخلق نظرة طبقية متعالية، وشعارهم: ﴿وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ﴾ [هود: 27]، أي: «ما نراك اتبعك إلا الذين هم سفلتنا من الناس، دون الكبراء والأشراف، فيما نرَى ويظهر لنا»(36) .

وهذا سَعْدُ بن أبي وقاص رضي الله عنه رأى أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مصححًا له وموجهًا: « هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟»(37) .

وللعرب أمثال كانوا يضربونها تعبر عن تجاربهم الحياتية ونظرتهم التي قد تتفق أو تختلف معها، وقد تناولوا من خلالها ذوي الإعاقات، ومنها:

* أعمى يقود شُجْعة.

الشُّجْعَة: الْزَّمْنى، أي: ضعيف يقود ضعيفًا ويعينه(38) .

* صَاحِبُ الحَاجَةِ أعْمَى(39) .

يَطْرُقُ أعمَى وَالبَصِيرُ جَاهِلٌ.

صفحة مطبوعة 37 · ورقة PDF 38رابط الصفحة المنفردة

الطَّرْقُ: الضربُ بالحصى، وهو نوع من الكَهَانة.

يضرب لمن يتصرَّفُ في أمرٍ ولَا يعلم مَصَالحه، فيخبره بالمصلحة غيرُه من خارج(40) .

رُبَّمَا أصَابَ الأعمى رُشْدَهُ.

أي: ربما صادف الشيء وَفْقَه من غير طلب منه وقصد(41) .

أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الورِيِدِ ومِنْ عَصَا الأعْرَج(42) . أوْهَى مِنَ الأَعْرَج(43) . أسرع من لمع(44) الأصم.

لأنه يكتفي من الإشارة باللمعة(45) .

وقال الزمخشري: «ولمع به لمع الأصم؛ لأن النذير إذا كان أصم لا يسمع بالجواب فهو يكثر اللمع بظنّ أنّ قومه لم يروه»(46) .

أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ

صفحة مطبوعة 38 · ورقة PDF 39رابط الصفحة المنفردة

سَمِيعُ.

أي: أصم عن القبيح الذي يَكْرِثُهُ (تقول: كرثه الغم — من بابي ضرب ونصر — وأكرثه: إذا اشتد عليه) ويغمه، وسميع لما يسره، أي: يسمع الحسنَ، ويتصامم عن القبيح، فعلَ الرجلِ الكريم(47) .

كم من ذي عرج في درج المعالي عرج، وكم من صحيح قدم ليس له في الخير قدم.

وقيل: إن من الصم من يسمع السر فإذا رفعت إليه الصوت لم يسمعه.

ورأيت من العمش من لا ينظر صورة الإنسان من قريب، ولكن يقرأ الخط الرقيق الحواشي(48) .

والأمثلة في كتب الحكم والأمثال كثيرة، وإنما أردنا أن نلقي نظرة سريعة عما يدور في خلد العرب تجاه المرضى وذوي الحاجات والإعاقات.

صفحة مطبوعة 39 · ورقة PDF 40رابط الصفحة المنفردة

نظرة الأمم السابقة إلى ذوي الإعاقة

كانت الأمم السابقة على أمة الإسلام ترى أن ذوي الحاجات الخاصة والمعاقين عالة على المجتمع، بل لا يرون لهم حقًّا في الحياة.

وقد شذ الفراعنة عن هذا السياق؛ إذ كانوا في أول شأنهم يتخلصون من الأطفال المعاقين، ولكنهم مع مرور الزمن اصطبغت قوانينهم بالروح الإنسانية فنجحوا في استخدام بعض العقاقير الطبية التي تستخدم في علاج بعض حالات ضعف السمع، ثم تطور الأمر بقدماء المصريين أن أصبح أحد المعاقين وزيرًا.

وقيل: إن الكهنة كانوا يدعون الناس إلى احترام ذوي الإعاقة وعدم السخرية منهم أو إهانتهم بأي شكل من الأشكال، ويتقبلونهم في المجتمع الرحب.

غير أن شعوبًا أخرى وحضارات يُنظر إليها على أنها من حملت التفلسف والتحضر والديمقراطية إلى العالم القديم، كانت تتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة والمعاقين بطريقة وحشية غير آدمية؛ حيث يتعاملون مع الإنسان على أنه آلة، لا أن فيه نفخة سماوية تميزه عن غيره من المخلوقات.

صفحة مطبوعة 40 · ورقة PDF 41رابط الصفحة المنفردة

فيذكر أنه في إسبرطة كان لديهم هيئة تنظر في الطفل المولود فترى هل هو صالح ليكون جنديًّا أم لا.

وإذا لم يكن صالحًا تخلصوا منه؛ حيث لم يكن لديهم وقت لتربية طفل معاق بدنيًّا أو عقليًّا.

حتى فلاسفة اليونان فقد رأوا أن هذه الفئة تشكل عبئًا على المجتمع.

ولم تختلف روما القديمة عن نهج هؤلاء؛ فكان نصيب المعاقين هو الاضطهاد والازدراء والإهمال.

أما فيما يسمى بعصر النهضة في أوروبا فلم يسلم المعاقون من استخدام العنف والتعذيب البدني.

وقد مارس الساسة والحكام ضدهم أساليب أقل ما توصف بأنها ضد الإنسانية؛ حيث نبذوهم وأبعدوهم؛ بدعوى حماية المجتمع من شرورهم وأخطارهم.

وقد نادى هيربرت سبنسر(49) صراحة بإبطال تقديم المساعدة عمدًا لفئات العجزة.

أما هيجل(50) فقد كان صاحب فلسفة القوة، والتي ترى أن المجتمع

صفحة مطبوعة 41 · ورقة PDF 42رابط الصفحة المنفردة

لا ينمو إلا في ظل القوة، وأن أصحاب العاهات هم فئة طفيلية وعبء على المجتمع، وإن اتسمت بالمسالمة والسلبية، ولا تبغي للمجتمع ضررًا.

وكانت القسوة والغلظة والبطش والتجرد من الإنسانية متمثلة في أدولف هتلر(51) الذي استهدف الأفراد المعاقين عقليًّا، أو المعاقين بدنيًّا، ببرنامج أسماه: «القتل الرحيم».

وقد حاول الغرب أخيرًا استدراك هذه السوأة الإنسانية، ففي عام 1962م بدأ الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي(52) في التركيز على تعليم ورعاية المعاقين، وكلف مجموعة من المختصين بوضع تقرير حول المعاقين وخاصة المعاقين ذهنيًّا(53) .

صفحة مطبوعة 42 · ورقة PDF 43رابط الصفحة المنفردة

ملوك وأشراف وعلماء وأدباء من ذوي الإعاقة

إذا كنا قد تحدثنا عن الأمم وكيف أن نظرتها في العموم كان فيها شيء من الازدراء والانتقاص من ذوي الإعاقة، بل وصل الحال في بعض الأحوال لقتلهم والتخلص منهم.

ولكن الأمر لم يسر طوال الوقت على هذه الوتيرة؛ حيث برز ملوك وأشراف ملكوا الدنيا وسادوا أقوامهم رغم ما كان بهم من إعاقة.

فقد قيل: إن الإسكندر كان أحنف، وأنو شروان كان أعور، ويزدجر كان أعرج، وهؤلاء ملوك أمم كبيرة ذات حضارات عريقة.

ومن ملوك العرب: جذيمة الوضاح الذي كان أبرص.

ومن الخلفاء: هشام بن عبد الملك الذي كان أحول.

ومن أشراف قريش وغيرهم: أبو طالب الذي كان أعرج، وأبو جهل كان أحول، وأبو لهب كذلك، وكذلك زياد، وعدي بن زيد.

والأحنف بن قيس كان أحنف متراكب الأسنان، صعل الرأس، مائل الذقن.

والربيع بن زياد كان أبرص، وكذلك الحارث بن حلزة، وأيمن بن

صفحة مطبوعة 43 · ورقة PDF 44رابط الصفحة المنفردة

خريم، والحسن بن قحطبة.

وكان عبيدة السلماني أصم، وكذلك سيرين والكميت الشاعر.

والمرقش الأكبر الشاعر كان أجدع.

وممن كان مكفوف البصر من أشراف الناس: زهرة بن كلاب بن كعب، وعبد المطلب بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، والحكم بن العاص، وأبو سفيان بن حرب، والحارث بن العباس بن عبد المطلب، ومطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، وعتبة بن مسعود الهذلي، وعبد الله بن عبيد الله بن عتبة، وأبو أحمد بن جحش بن مسعود الأسدي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن أرقم، والبراء بن عازب، وحسان بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وقتادة بن دعامة، ودريد بن الصمة الجشمي، وعزمة بن نوفل الزهري، والفاكه بن المغيرة المخزومي، وجذيمة بن حازم النهشلي، وأبو العباس الشاعر، وعلي بن زيد بن جدعان، والمغيرة بن مقسم الضبي، والترمذي الكبير الحافظ الفقيه، ومنصور الشاعر المصري، وابن سيده اللغوي، وأبو العلاء المعري، وبشار بن برد، وأبو البقاء العكبري، وأبو العيناء هشام بن معاوية الضرير النحوي الكوفي، وأبو القاسم السهيلي صاحب الروض الأنف، وأبو القاسم الشاطبي الصرصري الشاعر، وأبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري، وأبو عبد الله بن خلصة المغربي النحوي، وأبو عبد الله بن الخياط(54) .

صفحة مطبوعة 44 · ورقة PDF 45رابط الصفحة المنفردة

هؤلاء وغيرهم كثير ممن الأدباء والعلماء والسادة والأشراف كانوا ممن أصابتهم العاهات والإعاقات، لكن نفوسهم كانت أعظم من الإعاقة، ففازوا بالشرف والعلو بين الناس، ولم يستسلموا لإعاقتهم.

صفحة مطبوعة 45 · ورقة PDF 46رابط الصفحة المنفردة

قواعد عامة في التعامل الإنساني مع ذوي الإعاقات

لقد كانت رسالة الإسلام للإنسانية جمعاء... ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158]، فلم تنزل لقوم دون آخرين، أو جنس دون غيره.

وقد كانت من أوائل الآيات التي نزلت في القرآن ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ٢ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ٣ مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2 — 4].

وقد جاء الإسلام لهدم العصبيات والاستعلاء بالأعراق والأنساب، وجعل العزة في الانتساب لله، فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [الحجرات: 13].

وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القيمة في أكثر من حديث؛ ففي حجة الوداع التي حوت جوامع الكلم وأخطر قواعد الإسلام قال صلى الله عليه وسلم: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى(55) » .

فالألوان ليست محل التفضيل، فما ألوان الأجساد إلا من أنواع

صفحة مطبوعة 46 · ورقة PDF 47رابط الصفحة المنفردة

التراب المختلفة الألوان التي قبضها جبريل عليه السلام من الأرض عند خلق آدم.

فالأجساد من التراب وإليه عودتها، ولكي ينزع رسول الله صلى الله عليه وسلم من النفوس بقايا القيم الأرضية قال: « إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ(56) » .

و«كان سيدنا عليّ رضي الله عنه يقول: ما لابن آدم والفخر؛ أوله نُطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة.

وكان يُنشد:

الناسُ من جِهة التمثيل أَكْفاءُأَبوهم آدم والأم حوّاءُ
ومَن يَرُمْ منهُم فَخْرًا بذي نَسبفإن أصْلَهُم الطِّينُ والماءُ
مَا الفَخْرُ إِلَّا لأَهْلِ العِلْمِ إِنَّهُمُعَلَى الهُدَى لَمن اهتدى أدلَّاءُ
وَقَدْرُ كل امرئ مَا كَانَ يُتْقِنُهُوالجَاهِلُون لأَهْلِ العلْمِ أَعْدَاءُ(57) » ( 57 )

وليس نقصان الأجساد بالعاهات والأمراض والإعاقات دليلاً على أن القلوب بها نفس النقص، فلربما كانت هذه القلوب فيها من العزيمة والبأس والجد ما لا يكون للأصحاء الأقوياء.

صفحة مطبوعة 47 · ورقة PDF 48رابط الصفحة المنفردة

ومن الحقوق المتعينة لذوي الإعاقات على الأسوياء عدم السخرية منهم قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ﴾ [الحجرات: 11]؛ «فالمجتمع الذي يزدري الأصحاء فيه أهل البلاء يكون مصدر شقاء وألم لهؤلاء قد يفوق ألم المصيبة وربما فاقها فعلاً، فكم من ذوي البلاء من حمل عاهته ورضي بواقعه، إلا أنه لا يمكن أن ينسى نظرة احتقار من أحد الناس، بل إننا جميعًا قد ننسى كل متاعب الحياة ومصاعبها ولا ننسى بسمة سخرية أو كلمة استخفاف تلقيناها من الآخرين، ألم يقل أبو الطيب المتنبي:

جراحات السنان لها التئامولا يلتام ما جرح اللسان

وليعلم هؤلاء الأصحاء أن ما يرفلون فيه من صحة، وما ينعمون به من ضروب النعم والخير ليس إلا من فضل الله وجوده وكرمه، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ﴾ [النحل: 53].

وأن الذي وهبهم هذه النعم قادر على سلبها منهم، وقادر — أيضًا — على إعطائها لمن كانت أعين أهل النعمة تزدريهم»(58) .

فقد أخرج البخاري في «الأدب المفرد» عن عائشة — رضي الله عنها — قالت: مر رجل مصاب على نسوة فتضاحكن به يسخرن، فأصيب بعضهن(59) .

صفحة مطبوعة 48 · ورقة PDF 49رابط الصفحة المنفردة

أنبياء من ذوي الاحتياجات(60)

ابتلى الله بعض أنبيائه بإعاقات مختلفة، لم تكن عائقًا لهم عن تبليغ الرسالة، وكانت تسرية للبشر؛ إذ إن عموم الناس ليسوا مختصين بصنوف الإعاقات، بل يشترك معهم أفضل الخلق عليهم السلام.

وبتتبعنا للقرآن الكريم وقفنا على بعض النماذج من الأنبياء والمرسلين الذين ابتلاهم الله بإعاقات لم تكن قادحة في النبوة والرسالة.

وهذه الإعاقات قد تكون عارضة، وقد تكون دائمة.

نبي الله يعقوب

فنبي الله يعقوب عليه السلام كفّ بصره، وهو كريم ابن كريم ابن كريم(61) ، فلم يكن عماه قادحًا في نبوته، أو كرامته على الله.

فقال الله — تعالى — عنه: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ﴾ [سورة يوسف: 84].

صفحة مطبوعة 49 · ورقة PDF 50رابط الصفحة المنفردة

قال القرطبي: «قيل: لم يبصر بهما ست سنين، وأنه عمي، قاله مقاتل.

وقيل: قد تبيض العين ويبقى شيء من الرؤية، والله أعلم بحال يعقوب.

وإنما ابيضت عيناه من البكاء، ولكن سبب البكاء الحزن، فلهذا قال: ﴿مِنَ ٱلۡحُزۡنِ﴾»(62) .

وقد علل الطاهر ابن عاشور حزن نبي الله يعقوب عليه السلام الشديد على ولده بقوله: «عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ مِنَ الْحُزْنِ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ فَلَا يُسْتَغْرَبُ صدوره من نبيّ.

أَوْ أَنَّ التَّصَبُّرَ عِنْدَ الْمَصَائِبِ لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّةِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ، بَلْ كَانَ مِنْ سُنَنِهِمْ إِظْهَارُ الْحُزْنِ وَالْجَزَعِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ.

وَقَدْ حَكَتِ التَّوْرَاةُ بُكَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُوسَى عليه السلام أَرْبَعِينَ يَوْمًا.

وَحَكَتْ تَمْزِيقَ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ ثِيَابَهُمْ مِنَ الْجَزَعِ.

وَإِنَّمَا التَّصَبُّرُ فِي الْمُصِيبَةِ كَمَالٌ بَلَغَتْ إِلَيْهِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ»(63) .

ثم امتن الله عليه بأن ردّ عليه بصره؛ لكي تكتحل عيناه برؤية ابنه

صفحة مطبوعة 50 · ورقة PDF 51رابط الصفحة المنفردة

الذي افتقده سنين طويلة، ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [سورة يوسف: 96].

وهنا بعض النكت العلمية ساقها الآلوسي عن عمى يعقوب عليه السلام فقال: «قال بعض العارفين: الحكمة في ذهاب بصر يعقوب وبقاء بصر آدم وداود عليهما السلام مع أنهما بكيا دهرًا طويلاً، أن بكاء يعقوب كان بكاء حزن معجون بألم الفراق؛ حيث تجلى جمال الحق من مرآة وجه يوسف، ولا كذلك بكاء آدم وداود؛ فإنه كان بكاء الندم والتوبة، وأين ذلك المقام من مقام العشق؟

وقال أبو سعيد القرشي: إنما لم يذهب بصرهما؛ لأن بكاءهما كان من خوف الله — تعالى — فحفظا، وبكاء يعقوب كان لفقد لذة فعوتب.

وقيل: يمكن أن يكون ذهاب بصره عليه السلام من غيرة الله — تعالى — عليه حين بكى لغيره، وإن كان واسطة بينه وبينه»(64) .

نبي الله أيوب

وقد ابتلي نبي الله أيوب عليه السلام ابتلاء عظيمًا في جسده، وقد لجأ إلى ربه بعد طول صبر ضُرب به المثل، ولم يزد على قوله: ﴿مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ﴾، وسجل ربنا ذلك في سورة الأنبياء فقال: ﴿وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 83].

صفحة مطبوعة 51 · ورقة PDF 52رابط الصفحة المنفردة

يقول ابن كثير: «يذكر — تعالى — عن أيوب عليه السلام ما كان أصابه من البلاء في: ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير، وأولاد كثيرة، ومنازل مرضية.

فابتلي في ذلك كله، وذهب عن آخره.

ثم ابتلي في جسده — يقال: بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله عز وجل، حتى عافه الجليس، وأفردَ في ناحية من البلد، ولم يبق من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت تقوم بأمره، ويقال: إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله.

وقد كان نبي الله أيوب عليه السلام غاية في الصبر، وبه يُضرب المثل في ذلك»(65) .

ولما كان هذا صبره أمطر الله عليه جرادًا من ذهب مكافأة عاجلة على صبره، فقد أخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادًا من ذهب، فجعل يأخذه بيده ويجعله في ثوبه.

فقيل له: يا أيوب أما تشبع؟

قال: ومن يشبع من رحمتك؟»(66) .

صفحة مطبوعة 52 · ورقة PDF 53رابط الصفحة المنفردة

نبي الله موسى

وقد كان نبي الله موسى عليه السلام عنده مشكلة في الكلام؛ حيث كانت عنده عقدة في اللسان، والسبب حكاه السُّدِّي، ورواه عنه الطبري فقال: «لما تحرّك الغلام — يعني: موسى — أُرَتْه أمُّه آسية صبيًّا، فبينما هي ترقصه وتلعب به، إذ ناولته فرعون، وقالت: خذه.

فلما أخذه إليه أخذ موسى بلحيته فنتفها، فقال فرعون: عليّ بالذباحين.

قالت آسية: ﴿لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا﴾ [القصص: 9] إنما هو صبيّ لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمتَ أنه ليس في أهل مصر أحلى مني أنا أضع له حليًّا من الياقوت، وأضع له جمرًا، فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمر فإنه هو صبيّ.

فأخرجت له ياقوتها ووضعت له طستًا من جمر، فجاء جبرائيل صلى الله عليه وسلم، فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى في فيه، فأحرقت لسانه»(67) .

لذلك عندما خوطب بالرسالة ناجى ربه قائلاً: ﴿رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي٢٥ وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي٢٦ وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي٢٧ يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي٢٨ وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي﴾ [سورة طه: 25 — 29].

فقيل:

صفحة مطبوعة 53 · ورقة PDF 54رابط الصفحة المنفردة

«فزالت عن موسى من أجل ذلك.

وقوله: ﴿يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي﴾ يقول: يفقهوا عني ما أخاطبهم وأراجعهم به من الكلام»(68) .

«قال ابن عباس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءًا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه سؤله، فحل عقدة من لسانه»(69) .

وفي موضع آخر من القرآن يذكر ربنا هذه العقدة في اللسان، وطلب نبي الله موسى عليه السلام من ربه أن يشرِك معه أخاه هارون عليه السلام في تبليغ الرسالة؛ لفصاحة أخيه عنه، فقال: ﴿وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ٣٤ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِ‍َٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [القصص: 34 — 35].

قال ابن كثير: «كان في لسانه لثغة، بسبب ما كان تناول تلك الجمرة، حين خُيّر بينها وبين التمرة أو الدرّة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فحصل فيه شدة في التعبير»(70) .

صفحة مطبوعة 54 · ورقة PDF 55رابط الصفحة المنفردة

ويبدو أن هذه القضية كانت مؤرقة لنبي الله موسى عليه السلام؛ حيث ورد الحديث عنها في أماكن مختلفة بألفاظ مختلفة، وقد حكى موسى عليه السلام تخوفه لربه فقال: ﴿رَبِّ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ١٢ وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ١٣ وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ﴾ [الشعراء: 12 — 14]

وقد رأى السيد قطب «أن خوفه ليس من مجرد التكذيب، ولكن من حصوله في وقت يضيق فيه صدره ولا ينطلق لسانه فلا يملك أن يبين، وأن يناقش هذا التكذيب ويفنده؛ إذ كانت بلسانه حبسة، ومن شأن هذه الحبسة أن تنشئ حالة من ضيق الصدر، تنشأ من عدم القدرة على تصريف الانفعال بالكلام، وتزداد كلما زاد الانفعال، فيزداد الصدر ضيقًا.. وهكذا..

وهي حالة معروفة.

فمن هنا خشي موسى أن تقع له هذه الحالة وهو في موقف المواجهة بالرسالة لظالم جبار كفرعون، فشكا إلى ربه ضعفه، وما يخشاه على تبليغ رسالته، وطلب إليه أن يوحي إلى هارون أخيه، ويشركه معه في الرسالة اتقاء للتقصير في أداء التكليف، لا نكوصًا ولا اعتذارًا عن التكليف، فهارون أفصح لسانًا، ومن ثم هو أهدأ انفعالاً؛ فإذا أدركت موسى حبسة أو ضيق نهض هارون بالجدل والمحاجة والبيان.

ولقد دعا موسى ربه — كما ورد في سورة طه — ليحل هذه العقدة من لسانه، ولكنه زيادة في الاحتياط للنهوض بالتكليف طلب معه أخاه هارون وزيرًا ومعينًا..»(71) .

وكان فرعون يعيّر نبي الله موسى عليه السلام

صفحة مطبوعة 55 · ورقة PDF 56رابط الصفحة المنفردة

بهذا العيب، وكان يشنّع عليه بها أمام الناس، قال ربنا جل جلاله: ﴿وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ٥١ أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ٥٢ فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ﴾ [سورة الزخرف: 51 53].

وقد ذكر القرطبي اختلاف العلماء في موضوع العقدة واللثغة هل زالت بدعائه ربه أم لا فقال: «اختلف هل زالت تلك الرتة؟

فقيل: زالت بدليل قوله: ﴿قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 36].

وقيل: لم تزل كلها، بدليل قوله حكاية عن فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: 52].

ولأنه لم يقل: احلل كل لساني، فدل على أنه بقي في لسانه شيء من الاستمساك.

وقيل: زالت بالكلية بدليل قوله: ﴿أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ﴾، وإنما قال فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾؛ لأنه عرف منه تلك العقدة في التربية، وما ثبت عنده أن الآفة زالت.

صفحة مطبوعة 56 · ورقة PDF 57رابط الصفحة المنفردة

قلت: وهذا فيه نظر؛ لأنه لو كان ذلك لما قال فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ حين كلمه موسى بلسان ذلق فصيح.

والله أعلم.

وقيل: إن تلك العقدة حدثت بلسانه عند مناجاة ربه، حتى لا يكلم غيره إلا بإذنه»(72) .

صفحة مطبوعة 57 · ورقة PDF 58رابط الصفحة المنفردة

الإسلام يدعو لمخالطة ذوي الإعاقة

ذكرنا قبلاً أن هناك نفوسًا بشرية تأنف من مخالطة المعاقين ذوي الاحتياجات الخاصة، وتجعل بينها وبينهم حاجزًا نفسيًّا، فأراد الإسلام أن يرفع من قدر النفس الإنسانية، حتى وإن ظهرت في أعين النّاس ناقصة، فالعمى أو العرج أو غيرهما ليس قادحًا في شرف النفس، وليس سبيلاً لضعتها؛ فمقياس التفاضل هو الإيمان والتقوى ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [سورة الحجرات: 13].

وقد «كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا مريض، فقال بعضهم: إنما كان بهم التقذّر والتقزّز»(73) فأنزل الله تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾

صفحة مطبوعة 58 · ورقة PDF 59رابط الصفحة المنفردة

[سورة النور: 61]، و«معنى الكلام: ليس عليكم أيها الناس في الأعمى حرج أن تأكلوا منه ومعه، ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج»(74)

فما سبق تربية للنفس البشرية ألا تتعالى على أحد؛ فالصحيح لا يدري ما تخبئه له الأيام؛ فقد تدور الأيام ويصبح الصحيح معاقًا لمرض ألمّ به، فهل يرضى أن يتجنبه الناس؟!

ألا فاشكر لربك كل وقتعلى الآلاء والنعم الجسيمة
إذا كان الزمان زمان سوءفيوم صالح منه غنيمة(75) ( 75 )

وقد ذهب بعض المفسرين إلى أنهم لم يكونوا يستقذرون أن يأكلوا مع ذوي الإعاقات، ولكنهم كانوا يخشون أن ينالوا من الطعام أكثر مما يناله ذوو الإعاقات فيكونوا قد ظلموهم وجاروا على نصيبهم، وأكلوا أموالهم بالباطل.

لذلك ذكر الطبري هذا القول بقوله: «قال بعضهم: أنزلت هذه الآية ترخيصًا للمسلمين في الأكل مع العميان والعرجان والمرضى وأهل الزمانة من طعامهم، من أجل أنهم كانوا قد امتنعوا من أن يأكلوا معهم

صفحة مطبوعة 59 · ورقة PDF 60رابط الصفحة المنفردة

من طعامهم؛ خشية أن يكونوا قد أتوا بأكلهم معهم من طعامهم شيئًا مما نهاهم الله عنه بقوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡ﴾ [النساء: 29].

فقال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام من أفضل الأموال؛ فلا يحلّ لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكفّ الناس عن ذلك، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ﴾... إلى قوله: ﴿أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ﴾.

وقال بعضهم: المريض لا يستوفي الطعام، كما يستوفي الصحيح، والأعرج المنحبس لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والأعمى لا يبصر طيب الطعام، فأنزل الله: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ﴾ حرج في مؤاكلة المريض والأعمى والأعرج»(76) .

وقد نجمع بين الرأيين بأن هناك من العرب من كان يترفع عن مؤاكلة العميان والعرجان ويستقذر الطعام معهم تحقيرًا لشأنهم وترفعًا عنهم، وذلك كان سائدًا قبل مجيء الإسلام.

ولكن بعد أن جاء الإسلام ورفع الحدود والحواجز النفسية بين البشر، وجعل ميزان التفاضل بالتقوى والسبق للإسلام فإنهم لم يترفعوا عن الأكل مع إخوانهم العميان وأضرابهم، ولكنهم خشوا أن يظلموهم إذا واكلوهم بأن يأخذوا أطيب الطعام ويتركوا لهم أردأه، أو يأكلوا أكثر

صفحة مطبوعة 60 · ورقة PDF 61رابط الصفحة المنفردة

منهم، أو غير ذلك مما حاك في نفوسهم.

وهذا ما نراه فيما ورد عن أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام في قوله: «﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ﴾، وذلك أن أهل المدينة قبل أن يسلموا كانوا يعزلون الأعمى والأعرج والمريض، وكانوا لا يأكلون معهم، وكانت الأنصار فيهم تيه وتكرم فقالوا: إن الأعمى لا يبصر الطعام، والأعرج لا يستطيع الزحام على الطعام، والمريض لا يأكل كما يأكل الصحيح، فعزلوا لهم طعامهم على ناحية، وكانوا يرون عليهم في مواكلتهم جناحًا.

وكان الأعمى والمريض يقولون: لعلنا نؤذيهم إذا أكلنا معهم، فاعتزلوا مواكلتهم.

فلما قدم النبي — صلى الله عليه وآله — سألوه عن ذلك فأنزل الله: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ﴾»(77) .

وقد «أذن الله للأعمى والأعرج والمريض أن يدخلوا البيوت للأكل؛ لأنهم محاويج لا يستطيعون التكسب، وكان التكسب زمانئذٍ بعمل الأبدان، فرخص لهؤلاء أن يدخلوا بيوت المسلمين لشبع بطونهم»(78) .

وفي كل الأحوال فقد انطوت الآية على «مبدأ قرآني جليل، وهو رفع

صفحة مطبوعة 61 · ورقة PDF 62رابط الصفحة المنفردة

الحرج عن المسلمين في هذه الأمور وأمثالها، مع التنبيه على الرفق بالضعفاء والفقراء وأصحاب العاهات والأعذار وتطييب نفوسهم وتطييب النفوس إزاءهم»(79)

صفحة مطبوعة 62 · ورقة PDF 63رابط الصفحة المنفردة

المسلمون يبيحون بيوتهم وطعامهم لإخوانهم أصحاب الأعذار

المرء كثيرًا ما يضنّ بما يملك على الآخرين، ولا يقدر على نفسه ويروضها إلا الرجال الأشداء، وأهل المدينة كانوا ممن جاهدوا أنفسهم، وأنزلوها على حكم الله ومراده.

فهناك تأويل آخر للآية السابقة؛ حيث ذهب بعض العلماء إلى أنها «نزلت ترخيصًا لأهل الزمانة الذين وصفهم الله في هذه الآية أن يأكلوا من بيوت من خلَّفهم في بيوته من الغزاة، [فإن] المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، يقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، وكانوا يتحرّجون من ذلك، يقولون: لا ندخلها وهم غُيَّب، فأنزلت هذه الآية رخصة لهم»(80) .

وهناك رفعٌ للحرج عن ذوي الإعاقات والحاجات في أن يأكلوا من أي مكان يذهب فيه الرجل؛ فإن المرء قد يذهب إلى بيته فلا يجد طعامًا لبعض من صحبهم معه، فيذهب إلى بيوت أقاربه لكي يستطعم لهم، فكان ذوو الإعاقات والحاجات يتحرجون من ذلك، فرفع

صفحة مطبوعة 63 · ورقة PDF 64رابط الصفحة المنفردة

الله عنهم ذلك الحرج.

قال مجاهد: «كان الرجل يذهب بالأعمى والمريض والأعرج إلى بيت أبيه أو إلى بيت أخيه أو عمه أو خاله أو خالته فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم»(81) .

وذكر مجاهد في نفس المعنى أنه «كَانَ رِجَالٌ زَمْنَى عُمْيَانٌ عُرَجَاءُ أُولُو حَاجَةٍ يَسْتَتْبِعُهُمْ رِجَالٌ إِلَى بُيُوتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا لَهُمْ طَعَامًا ذَهَبُوا إِلَى آبَائِهِمْ وَمَنْ عُدَّ مَعَهُمْ مِنَ الْبُيُوتِ.

فَكَرِهَ ذَلِكَ الْمُسْتَتَبعُونَ، فَأَنْزَلَ الله فِي ذَلِكَ: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ﴾، وَأَحَلَّ لَهُمُ الطَّعَامَ حَيْثُ وَجَدُوهُ»(82) .

فهذه صورة واقعية حدثت بين المسلمين صحيحهم ومريضهم، الصحيح يبذل ماله لإخوانه أصحاب الأعذار، وهؤلاء يتحرجون من الأكل من طعام إخوانهم.

فالكل وحدة متماسكة متآلفة، الكل يحمل همّ الآخر.

وهذا هو نداء الإسلام لأبنائه، أن يحرص كل واحد على أخيه، أن يحب له مثل ما يحب لنفسه، أن يشعر به فيكون معه في أفراحه وأتراحه.

وقد شبّه الرسول صلى الله عليه وسلم علاقة المسلم بأخيه المسلم بعلاقة الأعضاء

صفحة مطبوعة 64 · ورقة PDF 65رابط الصفحة المنفردة

في الجسد؛ فهي تعمل في تناسق وتكامل ولا تختلف فيما بينها، ولا يستقل عضو بالعمل بعيدًا عن بقية الأعضاء، ولا تستطيع الأعضاء أن تتخلص من عضو هي له كارهة، وإذا مرض عضو اشتكت جميع الأعضاء ولا تستريح حتى يستريح العضو المريض، فقال: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى(83)

وفي موضع آخر شبّه الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين بالبنيان الذي لا يكون قويًّا إلا إذا كان متلاحمًا صلبًا، خاليًا من الثقوب والشقوق، والذي يكون متمكنًا وثابتًا في الأرض، فما قيمة البنيان الهش الذي لا يستر ولا يحمي من عاصف الريح أو قارس البرد أو قيظ الصيف، فقال صلى الله عليه وسلم: « الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا »، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ(84) .

وحث الرسول صلى الله عليه وسلم على إطعام الطعام، والدعوة إليه لتأليف القلوب، وإدخال السرور على النفوس، وإعانة المحتاجين، وشدد على الذين يبخلون على إخوانهم وهم يستطيعون أن ينفقوا عليهم، فعَن أَنَس، أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: « ليس المؤمن الذي يبيت شبعان وجاره طاوٍ(85) » .

صفحة مطبوعة 65 · ورقة PDF 66رابط الصفحة المنفردة

الإسلام يرفع الجهاد عن أصحاب الأعذار

إن الصراع بين الحق والباطل صراع أزلي ما دامت السموات والأرض.

ولكلٍ جنوده الذين ينتظمون تحت لوائه...

فللحق جنوده الذين يؤمنون به وينشرونه ويدافعون عنه، ويبذلون في سبيل نشره وإعلائه والذب عنه كل غالٍ ورخيص.

وكذلك للباطل جنوده الذين يجابهون الحق، ويقفون في طريقه، ويسلكون كل الطرق والوسائل في سبيل مدافعته والبغي عليه والنيل من أصحابه.

وقد صور الله طرفًا من ذلك في نهاية سورة المجادلة فقال: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ١٤ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ١٥ ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ١٦ لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡ‍ًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ١٧ يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ١٨ ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ١٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ٢٠ كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ٢١ لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ

صفحة مطبوعة 66 · ورقة PDF 67رابط الصفحة المنفردة

أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ٢٢﴾ [المجادلة: 14 22].

ولابد للأفكار من قوة تحميها وتدافع عنها وتقف لعدوها بالمرصاد؛ لذلك أمرنا الله — تعالى — بأن نستعد دائمًا وأن تكون الجاهزية على أعلى مستوى مطلوب فقال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ٦٠﴾ [الأنفال: 60].

والجهاد والحروب تحتاج إلى الأقوياء الأشداء الأصحاء؛ فهم لا يبذلون العرق والمجهود فحسب، ولكنهم يبذلون المُهج، ويحتاجون إلى أعضاء سليمة تساعدهم في جهادهم وتضحيتهم، وقد أشرنا آنفًا كيف أن الإسبرطيين كان يقتلون الأطفال العجزة والمرضى؛ لأنهم رأوا أنهم لا يصلحون للقتال.

إلا أن ربّنا جل جلاله قد خفف عن أصحاب الأمراض والآفات أمورًا كثيرة،

صفحة مطبوعة 67 · ورقة PDF 68رابط الصفحة المنفردة

ويأتي على رأسها الجهاد، والذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ذروة سنام الإسلام(86) فالجهاد شاق على الأصحاء فما بالك بالضعفاء ذوي الأعذار.

فالله لم يجمع عليهم مشقتين: مشقة المرض أو الإعاقة، ومشقة الجهاد... وكما تقول القاعدة الفقهية: «المشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع».

وقد أنزل الله قرآنًا يرفع الحرج عن أصحاب الأعذار فقال جل جلاله: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبۡهُ عَذَابًا أَلِيمٗا١٧﴾ [سورة الفتح: 17]، «يقول — تعالى ذكره: ليس على الأعمى منكم — أيها الناس — ضيق، ولا على الأعرج ضيق، ولا على المريض ضيق أن يتخلفوا عن الجهاد مع المؤمنين، وشهود الحرب معهم إذا هم لقوا عدوّهم، للعلل التي بهم، والأسباب التي تمنعهم من شهودها...

ومن يُطع الله ورسوله فيجيب إلى حرب أعداء الله من أهل الشرك، وإلى القتال مع المؤمنين ابتغاء وجه الله إذا دعي إلى ذلك، يُدخله الله يوم القيامة جنَّات تجري من تحتها الأنهار.

﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم﴾ يقول: ومن يعص الله ورسوله، فيتخلَّف عن قتال أهل الشرك بالله إذا دعي إليه، ولم يستجب لدعاء الله ورسوله يعذّبه عذابًا

صفحة مطبوعة 68 · ورقة PDF 69رابط الصفحة المنفردة

موجعًا، وذلك عذاب جهنم يوم القيامة»(87)

والأعذار في ترك الجهاد على نوعين:

«فمنها لازم ك: العمى والعرج المستمر.

وعارض ك: المرض الذي يطرأ أيامًا ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ»(88) .

وقد علل ابن عادل سبب رفع الحرج عن هؤلاء الأصناف الثلاثة: (الأعمى — الأعرج — المريض) فقال: «﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ﴾، أي: في التخلف عن الجهاد ﴿وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ﴾.

وذلك لأن الجهادَ عبارة عن المقاتلة والكرِّ والفَرِّ، وهؤلاء الثلاثة لا يمكنهم الإقدام على العدو والطلب، ولا يمكنهم الاحتراز والهرب.

وفي معنى الأعرج الأَقْطَعُ المُقْعَد، بل أولى أن يعذر.

ومن به عَرَجٌ لا يمنعه(89) من الكرِّ والفرِّ لا يعذر.

وكذلك المرض الذي لا يمنع من الكر والفر كالطّحال والسُّعال وبعض أوجاع المفاصل إذا لم يُضْعِفْهُ عن الكرِّ والفر.

صفحة مطبوعة 69 · ورقة PDF 70رابط الصفحة المنفردة

فهذه الأعذار في نفس المجاهد.

وتبقى أعذار خارجة، ك: الفقر الذي لا يمكن صاحبه من استصحاب ما يحتاج له، وكذا الاشتغال بمن لولاه لضاع ك: طفلٍ أو مريضٍ.

والأعذار المبيحة مذكورة في كتب الفقه.

وقدم الأعمى على الأعرج؛ لأن عذر الأعمى يستمر ولو حضر القتال، والأعرج إن حضر راكبًا أو بطريق يقدر على القتال بالرمي وغيره»(90) .

ورغم رفع الحرج من الله عن عباده الضعفاء؛ فإننا نجد نفوسًا عظيمة، نفوسًا استعذبت الألم في سبيل الله، نفوسًا تسامت على ضعفها وألمها وإعاقتها، فجاهدت في سبيل الله، ولم تأخذ بالرخصة، بل أخذت بالعزيمة على ما سنذكره لاحقًا.

هذه النفوس التي ضربت أروع الأمثلة في التضحية والفداء والإقدام، ومنهم:

ابن أم مكتوم الأعمى. عبد الرحمن بن عوف الأعرج. طلحة بن عبيد الله الأشل.

صفحة مطبوعة 70 · ورقة PDF 71رابط الصفحة المنفردة

هؤلاء كانوا يجاهدون مع رسول الله وبعد وفاته، ولا يتأخرون إن نادى داعي الجهاد.

صفحة مطبوعة 71 · ورقة PDF 72رابط الصفحة المنفردة

حُجّةٌ وعذرٌ يوم القيامة

إن الفارق بين أصحاب الديانات السماوية وغيرهم أنهم يؤمنون بيوم تقف فيه الخلائق بين يدي ربها، فيحاسبها على ما قدمت في الحياة الدنيا، فيجزي المحسنين ويثيبهم، وقد يعفو عن مسيئهم، ولكنه لا يغفر لمن أشرك معه غيره.

أما الكافر فلا يرى وراء الحياة الدنيا حياة؛ فالدنيا هي جنته وناره، ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ٢٤﴾ [الجاثية: 24].

والقرآن الكريم لا يتأخر عنا في إبراز هذه الحقيقة، فما أن نشرع في قراءة القرآن حتى نجد في أول سورة من سور القرآن (الفاتحة) قوله تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ٢ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ٣ مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ٤﴾ [الفاتحة: 2 — 4]، فهو — سبحانه — «يملك الحكمَ بينهم وفصلَ القضاء، متفرِّدًا به دون سائر خلقه...

والدين في هذا الموضع بتأويل الحساب والمجازاة بالأعمال...

[فهو] يوم حساب الخلائق، وهو يوم القيامة، يدينهم

صفحة مطبوعة 72 · ورقة PDF 73رابط الصفحة المنفردة

بأعمالهم، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، إلا من عَفا عنه، فالأمرُ أمرُه»(91)

ففي هذا اليوم العصيب تنصب الموازين ﴿وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ٨ وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ٩﴾ [الأعراف: 8 — 9].

ويُؤتى بالشهود ﴿يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ٢٤ يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ٢٥﴾ [النور: 24 — 25].

فالمحكمة قائمة، والشهود عدول، وكل إنسان يدفع عن نفسه، قال صلى الله عليه وسلم: « مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ(92) » .

وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربّه أن هناك أشخاصًا تكون حجتهم قوية على ربهم يوم القيامة.

ومن هؤلاء المعاقين الذين ابتلاهم الله في الدنيا بالإعاقة والعجز،

صفحة مطبوعة 73 · ورقة PDF 74رابط الصفحة المنفردة

وقد وقع التخصيص من بين أصحاب الإعاقة على الأصم الأبكم، والمجنون؛ لأن تواصلهم مع البيئة المحيطة كان فيه انقطاع؛ فإن كانت بيئاتهم غير مسلمة ولم يتوصلوا إلى الإسلام، جعل الله اختبارهم في الآخرة، فبدلاً من أن تكون الدنيا هي دار الاختبار والآخرة هي دار الجزاء، يجعل الله الآخرة هي دار الاختبار والجزاء.

والله لا يقبل من الكافرين الأصحاء طلبهم في العودة إلى الدنيا للعمل الصالح؛ لأن دعواهم كاذبة، فقال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِ‍َٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ٢٧ بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ٢٨﴾ [الأنعام: 27 — 28].

أما المعاقون المصابون بالبكم والصمم فالله يقبل حجتهم؛ فقد أخرج ابن أبي عاصم في «السنة»، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أربعة كلهم يدلي على الله يوم القيامة بحجة وعذر:

رجل مات في الفترة.

ورجل أدركه الإسلام هرمًا.

ورجل أصم أبكم.

ورجل معتوه.

فيبعث الله إليهم ملكًا رسولاً فيقول: اتبعوه.

صفحة مطبوعة 74 · ورقة PDF 75رابط الصفحة المنفردة

فيأتيهم الرسول فيؤجج لهم نارًا، ثم يقول: اقتحموها.

فمن اقتحمها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لا، حقّت عليه كلمة العذاب(93) » .

وفي رواية أحمد التي في «المسند»، وضّح رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجة التي احتج بها أصحاب الأعذار.

فعن الأسود بن سريع، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: « أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة.

فأما الأصم فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا.

وأما الأحمق فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر(94) .

وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا.

وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول.

فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار.

قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا(95) » .

صفحة مطبوعة 75 · ورقة PDF 76رابط الصفحة المنفردة

وقد ساق ابن كثير 10 أحاديث(96) في مسألة: الوِلْدان الذين

صفحة مطبوعة 76 · ورقة PDF 77رابط الصفحة المنفردة

ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار، ماذا حكمهم؟

وكذا المجنون، والأصم، والشيخ الخرف، ومن مات في الفَتْرة ولم تبلغه الدعوة.

وبعد أن ساقها أورد كلامًا لابن عبد البر في إنكاره أن تكون الدار الآخرة دار ابتلاء واختبار فقال: «وأحاديث هذا الباب ليست قوية، ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها؛ لأن الآخرة دار جزاء وليست دار عمل ولا ابتلاء، فكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها؟!»(97) .

صفحة مطبوعة 77 · ورقة PDF 78رابط الصفحة المنفردة

ثم أجاب عن ذلك ابن كثير فقال: «إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح، كما قد نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يقوى بالصحيح والحسن.

وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها.

وأما قوله: (إن الآخرة دار جزاء)، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة، من امتحان الأطفال، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ﴾ [القلم: 42]، وقد ثبتت السنة في الصحاح وغيرها: أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأما المنافق فلا يستطيع ذلك، ويعود ظهره طبقًا واحدًا كلما أراد السجود خَرَّ لقفاه.

وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا، ويقول الله — تعالى: يا ابن آدم، ما أغدرك! ثم يأذن له في دخول الجنة.

وأما قوله: (وكيف يكلفهم دخول النار، وليس ذلك في وسعهم؟)،

صفحة مطبوعة 78 · ورقة PDF 79رابط الصفحة المنفردة

فليس هذا بمانع من صحة الحديث؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطمّ وأعظم.

وأيضًا — فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا، فهذا نظير ذلك.

وأيضًا — فإن الله — تعالى — قد أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتلَ بعضهم بعضًا حتى قتلوا فيما قيل — في غداة واحدة: سبعين ألفًا، يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل، وهذا — أيضًا — شاق على النفوس جدًّا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم»(98) .

صفحة مطبوعة 79 · ورقة PDF 80رابط الصفحة المنفردة

الرسول صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الآفات البدنية والقلبية

المعافاة في الجسد نعمة عظيمة نغفل عنها، وننسى شكرها، ونتذكرها عندما تلمّ بنا الأمراض.

والجسد هو الآلة التي يستعين بها الإنسان على مشاق الحياة، فإذا تعطل الجسد أصبح الإنسان عالة على غيره، وإذا وجدنا من يحملنا مرة، فهل نجد من يتحملنا مرات ومرات؟

﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ٧٦﴾ [النحل: 76].

وقد قيل: «﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ﴾، أي: ثقل على وليه وقرابته، ووبال على صاحبه وابن عمه»(99) .

والشعور بالعجز ليس مرارة يجدها المرء في حلقه مرة وتنتهي، بل هي مرارة يعيشها، ومرارات تنغص عليه حياته.

والجسد تسكنه النفس ويحله القلب، والنفس لها أمراضها مثل:

صفحة مطبوعة 80 · ورقة PDF 81رابط الصفحة المنفردة

الكسل والبخل.

والقلب له أمراضه وآفاته مثل: النفاق والرياء.

والجسد له آفاته مثل: الصمم والخرس.

لذا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استعاذ من هذه الأمراض التي قد تحول بينه وبين التواصل مع ربه أو مع الناس، أو لا يكون عبدًا فاعلاً في الحياة عالة على غيره، فعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو يقول: « اللهم إني أعوذ بك من: العجز، والكسل، والبخل، والهرم، والقسوة، والغفلة، والذلة، والمسكنة.

وأعوذ بك من: الفقر، والكفر، والشرك، والنفاق، والسمعة، والرياء.

وأعوذ بك من: الصمم، والبكم، والجنون، والبرص، والجذام، وسيئ الأسقام(100) » .

وقد شرح المناوي هذا الحديث بقوله: «( وأعوذ بك من الصمم ) بطلان السمع أو ضعفه، قال القاضي: وأصله صلابة من اكتناز الأجزاء، ومنه قيل: حجر أصم، وقناة صماء، سمي به فقدان حاسة السمع؛ لأن سببه أن يكون باطن الصماخ كنزًا لا تجويف فيه يشتمل على هواء يسمع الصوت بتموجه.

والبكم بالتحريك: الخرس، أو أن يولد لا ينطق ولا يسمع،

صفحة مطبوعة 81 · ورقة PDF 82رابط الصفحة المنفردة

والخرس أن يخلق بلا نطق.

( والجنون ) زوال العقل.

( والجذام ) علة تسقط الشعر، وتفتت اللحم، وتجري الصديد منه.

( والبرص ) علة تحدث في الأعضاء بياضًا رديئًا.

( وسيئ الأسقام ) الأمراض الفاحشة الرديئة المؤدية إلى فرار الحميم، وقلة الأنيس أو فقده ك: الاستسقاء والسل والمرض المزمن، وهذا من إضافة الصفة للموصوف، أي: الأسقام السيئة.

قال التوربشتي(101) : ولم يستعذ من سائر الأسقام؛ لأن منها ما إذا تحامل الإنسان فيه على نفسه بالصبر خفت مؤونته ك: حمى وصداع ورمد، وإنما استعاذ من السقم المزمن فينتهي صاحبه إلى حال يفر منه الحميم، ويقل دونه المؤانس والمداوي، مع ما يورث من الشين، وهذه الأمراض لا تجوز على الأنبياء، بل يشترط في النبي سلامته من كل منفر، وإنما ذكرها تعليمًا للأمة كيف تدعو»(102) .

صفحة مطبوعة 82 · ورقة PDF 83رابط الصفحة المنفردة

شكر الله عند رؤية أهل البلاء

إن وجود أهل الإعاقة والبلاء مدعاة للأصحاء والأسوياء أن يذكروا نعمة الله عليهم، فتلهج ألسنتهم بالحمد والثناء لله الذي عافاهم، فلو شاء لجعلهم من هؤلاء.

فمعطي الصحة قادر على أخذها.

فنعم حال العبد الشاكر عند الصحة، الصابر عند المرض والسقم.

وتوفيق الله العبد للشكر نعمة، فكم من غافل لاهٍ عن نعم الله — تعالى.

أخرج ابن أبي حاتم بسنده، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تبارك وتعالى لما أن خلق آدم مسح ظهره، فخرجت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ونزع ضلعًا من أضلاعه فخلق منه حواء، ثم أخذ عليهم العهد، ثم اختلس كل نسمة من بني آدم بنوره في وجهه، وجعل فيه البلوى الذي كتب أنه يُبتلَى بها في الدنيا من الأسقام، ثم عرضهم على آدم فقال: يا آدم، هؤلاء ذريتك، وإذا فيهم الأجذم، والأبرص، والأعمى، وأنواع الأسقام.

فقال آدم: يا رب، لم فعلت هذا بذريتي؟

صفحة مطبوعة 83 · ورقة PDF 84رابط الصفحة المنفردة

قال: كي تشكر نعمتي يا آدم»(103) .

ولذا علّم نبينا محمد أمته أن تشكر ربها إذا رأت أهل البلاء، فعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلَاءٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً؛ إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ(104) » .

ومن تمام الأدب في ذلك الموقف ألا يسمع صاحب البلاء ما يقوله من لم ينزل به البلاء؛ رفقًا بقلب المبتلى، وحرصًا على مشاعره.

وهذا الأدب دلنا عليه الباقر عليه السلام حينما قَالَ: «إِذَا رَأَى صَاحِبَ بَلَاءٍ فَتَعَوَّذَ مِنْهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُسْمِعُ صَاحِبَ الْبَلَاءِ»(105) .

صفحة مطبوعة 84 · ورقة PDF 85رابط الصفحة المنفردة

النُّصْرة بالضعفاء

في أوقات الحروب والأزمات يكون الضعفاء والمرضى وذوو الإعاقات والحاجات عالة وعبئًا على الجنود والجيوش، ولكن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم أعلى من قيمتهم، وجعلهم سببًا في النصر الذي قد ينزل على المؤمنين.

فقد رأى سعد بن أبي وقاص أنه أفضل من غيره بشجاعته وغناه، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلفت انتباهه، ويحثه على التواضع وخفض الجناح، فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ رضي الله عنه أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: « هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟»(106) .

وإذا سردنا الأحاديث التي كانت حول نفس المعنى اتضح لنا أمر في غاية الأهمية، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل دعاء الضعفاء وإخلاصهم يتساوى في نكاية الأعداء مع من ضربهم بالسيف ورماهم بالنبل.

فقد أخرج النسائي عن مصعب بن سعد، عن أبيه أنه ظنّ أن له فضلاً على من دونه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: « إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم(107) » .

وأخرج

صفحة مطبوعة 85 · ورقة PDF 86رابط الصفحة المنفردة

أيضًا عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ابغوني الضعفاء؛ فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم(108)

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فمكث ضعفاء الناس في العسكر، فأصاب أهل السرية غنائم، فقسمها رسول الله بينهم كلهم.

فقال أهل السرية: يقاسمنا هؤلاء الضعفاء وكانوا في العسكر لم يشخصوا معنا؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « وهل تنصرون إلا بضعفائكم؟» .

فأنزل الله: ﴿يَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ﴾(109) .

وأخرج أحمد في مسنده أن سعد بن مالك(110) رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، الرجل يكون حامية القوم أيكون سهمه وسهم غيره سواء؟

قال: ثكلتك أمك ابن أم سعد، وهل ترزقون وتنصرون إلا

صفحة مطبوعة 86 · ورقة PDF 87رابط الصفحة المنفردة

بضعفائكم؟»(111)

وقد قيل: إن الضعفاء أشد إخلاصًا في الدعاء وأكثر خشوعًا في العبادة؛ لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا، وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله، فجعلوا همهم واحدًا؛ فزكت أعمالهم، وأجيب دعاؤهم.

وقال الحافظ المهلب(112) : أراد صلى الله عليه وسلم بذلك حض سعد على التواضع، ونفي الزهو على غيره، وترك احتقار المسلم في كل حالة.

وفيه من الفقه: أن من زها على ما هو دونه أنه ينبغي أن يبين من فضله ما يحدث له في نفس المزهو مقدارًا أو فضلاً؛ حتى لا يحتقر أحدًا من المسلمين؛ فإن الرسول أبان من حال الضعفاء ما ليس لأهل القوة والغناء، فأخبر أن بدعائهم وصلاتهم وصومهم ينصرون.

ويبدو أن سعد بن أبي وقاص أراد بِالْفَضْلِ: الزِّيَادَة مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَأَعْلَمَهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّ سِهَامَ الْقَاتِلَةِ سَوَاءٌ، فَإِنْ كَانَ الْقَوِيّ يَتَرَجَّحُ

صفحة مطبوعة 87 · ورقة PDF 88رابط الصفحة المنفردة

بِفَضْلِ شَجَاعَتِهِ، فَإِنَّ الضَّعِيفَ يَتَرَجَّحُ بِفَضْلِ دُعَائِهِ وَإِخْلَاصِهِ(113)

صفحة مطبوعة 88 · ورقة PDF 89رابط الصفحة المنفردة

الإنفاق على ذوي الإعاقة

قد لا يستطيع بعض أصحاب الإعاقة التكسب، والسعي على أرزاقهم؛ لما أصابهم وأقعدهم عن العمل.

وهذا ليس عامًّا؛ فقد تكون الإعاقة ليست معوقًا عن العمل تمامًا.

وهؤلاء الذين قعدت بهم الإعاقة عن العمل نظر لهم الآل والأصحاب نظرة إشفاق، ووجهوا نظر الأمة إلى الاهتمام بهم.

قال الإمام أبو يوسف صاحب كتاب « الخراج »: «مرَّ عمر رضي الله عنه بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر.

فضرب عمر عضده من خلفه، وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟

فقال: يهودي.

قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟

قال: أسأل الجزية والحاجة والسن.

فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله فرضخ(114) له بشيء من المنزل، ثم أرسل

صفحة مطبوعة 89 · ورقة PDF 90رابط الصفحة المنفردة

إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه، فو الله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته، ثم نخذله عند الهرم ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾ [التوبة: 60]، والفقراء: هم الفقراء المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه»(115)

وقد بين جعفر الصادق من هم المساكين في قوله — تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾ فقال: «المساكين: هم أهل الزمانة من العميان والعرجان والمجذومين، وجميع أصناف الزمنى [من] الرجال والنساء والصبيان»(116) .

صفحة مطبوعة 90 · ورقة PDF 91رابط الصفحة المنفردة

ملعون من ضلل أعمى

المبصر قد يعثر في طريقه الذي اعتاد أن يمشي فيه صباح مساء، وقد يخطئ في اختيار الطريق الصحيحة المؤدية إلى مبتغاه... يخطئ بعد أن يسأل عنه مرات ومرات.

فكيف الحال بمن فقد حبيبتيه، ثم يأتي من لا يحترم إنسانية هذا الأعمى أو عجزه ويضلله عن طريقه التي يريدها.

إن الذي يفعل ذلك ليس بإنسان؛ حيث فقد إنسانيته ومروءته، لذلك كان تعنيف الرسول صلى الله عليه وسلم شديدًا لمن يقارف هذا الأمر؛ حتى لا يقدم عليه عابث أو لاهٍ، فكيف بمن كان متعمدًا؟

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ أَبَاهُ... مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ أُمَّهُ... مَلْعُونٌ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ... مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الأَرْضِ... مَلْعُونٌ مَنْ كَمَّهَ أَعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ... مَلْعُونٌ مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ... مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ». قَالَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِرَارًا ثَلَاثًا فِي اللُّوطِيَّةِ(117) .

صفحة مطبوعة 91 · ورقة PDF 92رابط الصفحة المنفردة

قال المناوي: «( ملعون من كمه أعمى عن طريق ) بتشديد ( كمّه )، أي: أضله عنه، أو دله على غير مقصده»(118) .

«فهذا وعيد شديد لمن اتخذ العيوب الخلقية سببًا للتندر أو التلهي أو السخرية، أو التقليل من شأن أصحابها، فصاحب الإعاقة هو أخ أو أب أو ابن امتحنه الله؛ ليكون فينا واعظًا، وشاهدًا على قدرة الله، لا أن نجعله مادة للتلهي أو التسلي»(119) .

وقريب من الرواية السابقة ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله 6 : « ملعون ملعون من عبد الدينار والدرهم، ملعون ملعون من كمه أعمى، ملعون ملعون من نكح بهيمة(120) » .

عمىً وعمى

قد يحرم

صفحة مطبوعة 92 · ورقة PDF 93رابط الصفحة المنفردة

الله جل جلاله إنسانًا من نور عينه، ولكنه لا يحرمه من نور قلبه، فيرى بنور الإيمان.

وهناك من أنار الله بصره، وأظلمت بصيرته، فهو متردد في ظلمات الضلال والحيرة والذنوب والمعاصي، فلا يهتدي لسبيل الحق والنور.

فليس العمى الظاهري هو العمى الحقيقي، وإنما العمى الحقيقي هو عمى البصيرة.

وهناك من وهبه الله السمع، ولكنه معرض عن اتباع داعي الهدى، فلم ينفعه سمعه، فهو والأصم سواء، بل شرّ منه، فالأصم له عذره، وهذا لا عذر له.

قال — تعالى: ﴿قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ١٠٤﴾ [الأنعام: 104].

وقال: ﴿۞إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ٢٢﴾ [الأنفال: 22].

وقال: ﴿أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ٤٦﴾

صفحة مطبوعة 93 · ورقة PDF 94رابط الصفحة المنفردة

[سورة الحج: 46].

وهناك من استغنى ببصيرته حينما سلبه الله بصره، فقال:

إن يجرح الدهر مني غيرَ جارحةٍففي البصائر ما يغني عن البصر

وقال عز الدين أحمد بن عبد الدائم:

إن يُذهبِ اللهُ من عَينيَّ نورَهمافإنّ قلبي بصيرٌ ما بهِ ضَررُ
أرى بقلبِيَ دُنيايَ وَآخرَتِيوَالقلبُ يُدرِكُ ما لَا يُدرِكُ البَصرُ

والشاعر الضريرُ نصر علي سعيد يرى أن كثيرًا من المبصرين يمشون في درب الحياة بلا هدف ولا هدى، ويرى كثيرًا من العميان متوهجين في بصيرتهم، ويملؤون الدنيا عطاءً، وها هو يبحث عن قلبٍ لا حرابَ فيه في زمن الذئاب البشرية يقول:

كمْ من ضَريرٍ مُبصرٍ مُتوهِّجٍيُعطِي ويُعطي، والمَدَى وهَّابُ
وَترى أُلوفَ المُبصِرينَ بِلا هُدًىلكأَنَّما فَوقَ العُيونِ حِجابُ
وأَسيرُ في دَرب الحَياةِ لَعلَّنيأحظَى بِقلْبٍ ليسَ فيهِ حِرَابُ
فَالناسُ تَنهشُ بَعضَها بِشراهةٍلكَأنَّهم — يَا وَيلَتاهُ — ذِئابُ!

ويأتينا الشاعرُ علي بن عبد الغني الحصريُّ بصورةٍ بديعة عندما جعل سوادَ العين يزيد سواد القلب، ليصبحا مجتمعين على الفهم والفطنة:

وقالُوا: قدْ عَميتَ، فقُلت: كلَّاوإنِّي اليومَ أَبصَرُ مِن بَصِيرِ
سَوادُ العَينِ زادَ سَوادَ قَلبِيليَجتَمِعا على فَهمِ
صفحة مطبوعة 94 · ورقة PDF 95رابط الصفحة المنفردة
الأُمورِ(121)

وقد سمعت عفيرة بنت الوليد البصرية العابدة رجلاً يقول: ما أشد العمى على من كان بصيرًا!

فقالت: يا عبد الله، عمى القلب عن الله أشد من عمى العين عن الدنيا، والله لوددت أن الله وهب لي كنه محبته ولم يبق مني جارحة إلا أخذها!

وهناك من رأى في العمى نعمة؛ حيث قال رجل للقاسم بن محمد، وقد ذهب بصره: لقد سلبت أحسن وجهك.

قال: صدقت غير أني مُنعت النظر إلى ما يلهي، وعوضت الفكرة في العمل فيما يجدي.

وهناك من تعامى لكي لا يجرح محبوبته في مثال نادر أظنه أنه لا يتكرر في التاريخ، فالمروءة هنا كانت في أسمى معانيها، فقد ذُكر أن رجلاً تزوج امرأة، وقبل الدخول بها، ظهر بالمرأة جدري أذهب عينها.

فقال الرجل: ظهر في عيني نوع ضعف وظلمة.

ثم قال:

صفحة مطبوعة 95 · ورقة PDF 96رابط الصفحة المنفردة

عميت.

فزفت إليه المرأة.

ثم إنها ماتت بعد عشرين سنة، ففتح الرجل عينيه.

فقيل له في ذلك.

فقال: ما عميت، ولكن تعاميت حذرًا أن تحزن المرأة.

فقيل له: سبقت الفتيان(122) .

وكان عبد الله بن مسعود يقول في خطبته: «وشر العمى عمى القلب»(123) .

صفحة مطبوعة 96 · ورقة PDF 97رابط الصفحة المنفردة

الجنّة الجزاء الأوفى

«إن الإسلام لم يهمل العاهة والإعاقة ولم ينكر وجودها، ولم يتجاهل أثرها على صاحبها؛ لذلك وجّه الإنسان إلى الصبر على ما يواجهه من نكبات وكوارث تحل في جسمه أو ماله أو أهله، وليرجع كلٌّ منا إلى نفسه فإنه لا شك يجد في سيرته أو في سيرة من يعرف شدائد صنعت نعمًا، ومصائب صنعت رجالاً، قال — تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ٢٢ لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ٢٣﴾ [الحديد: 22 — 23].

فالآية الأولى تعلن حقيقة أزلية، وهي أن كل ما يجري في هذا الكون، وما يتعرض له الإنسان في حياته إنما هو بقضاء الله وقدره، وقيمة هذه الحياة أنها تسكب في النفس البشرية السكون والطمأنينة عند استقبال الحوادث والمتاعب بيقينها أن كل ذلك كان بقضاء وقدر.

وتأتي الآية الثانية لتوجه النفس البشرية إلى ما يجب أن تكون عليه عند المصيبة وعند النعمة، فلا يأس في الأولى، ولا افتخار في الثانية.

وقد قررت السنة هذا المعنى فقال صلى الله عليه وسلم: عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ

صفحة مطبوعة 97 · ورقة PDF 98رابط الصفحة المنفردة

خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ(124)

وأحاديث أخرى تحث على الصبر»(125) .

فإذا ابتلى ربّنا جل وعلا إنسانًا وحرمه — مثلاً — من نور عينه، فإنه قد خبّأ له ثوابًا عظيمًا، وأجرًا جزيلاً، إن هو صبر واحتسب، ورضي بقضاء الله له، ولم يقنط أو يجزع، أو يعترض على قضاء الله.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « قال ربكم عز وجل: من أذهبت كريمتيه، ثم صبر واحتسب كان ثوابه الجنة(126) » .

وانظر إلى وصف ربنا للعينين بالكريمتين، وقد «قيل: سماهما كريمتين؛ لكثرة منافعهما دينًا ودنيا، ولأنهما أحبّ أعضاء الإنسان إليه؛ لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوت رؤية ما يريد رؤيته من خير فيسرّ به، أو شرّ فيجتنبه»(127) .

قال القاري: «أذهب الله كريمتيه، أي: عينيه، والمراد: نورهما،

صفحة مطبوعة 98 · ورقة PDF 99رابط الصفحة المنفردة

وهو بأن خلق أكمه، أو حدث له في الصغر أو الكبر.

وفي النهاية: أي: جارحتيه الكريمتين عليه، وكل شيء يكرم عليك فهو كريمك وكريمتك، وكل جارحة شريفة كالأذن، والكريمتان العينان.

والمعنى: فصبر على فقدهما، وشكر ربه على سائر نعمه وجبت له الجنة.

والظاهر أن إيراد التثنية لإرادة كمال الثواب، وإلا فَقْدُ واحدة — أيضًا — لا يخلو عن المثوبة»(128) .

وفي رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يقول الله: من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له بثواب دون الجنّة(129) » .

قال الحافظ: «والمراد أنه يصبر مستحضرًا ما وعد الله به الصابر من الثواب، لا أن يصبر مجردًا عن ذلك؛ لأن الأعمال بالنيات، وابتلاء الله عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه، بل إما لدفع مكروه، أو لكفارة ذنوب، أو لرفع منزلة، فإذا تلقى ذلك بالرضا تم له المراد..

وهذا أعظم العوض؛ لأن الالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باق ببقائها»(130) .

صفحة مطبوعة 99 · ورقة PDF 100رابط الصفحة المنفردة

ومن الروايات حول نفس الموضوع:

عن أنس بن مالك، عن رسول الله قال: « يقول الله عز وجل: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته بهما الجنة(131) » .

عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قال الله — جلّ ذكره: من سلبته كريمتيه عوضته منهما الجنة(132) » .

وقد قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لعدي بن حاتم مطيبًا خاطره بعد ذهاب عينه: «أعلمت ما أعاض الله — تعالى — من ذهبت كريمته في طاعته؟

فقال: لا.

فقال: «نورًا يمشي به في ظلمه، وذوو العيون النجل عمي عن سلوكها.

فقال عديّ: حسبي بها عوضًا»(133) .

صفحة مطبوعة 100 · ورقة PDF 101رابط الصفحة المنفردة

الإعاقة علمٌ يعرف بها أصحابها

من الأعراف البشرية المتوارثة إطلاق بعض الألقاب لتكون علمًا على أشخاص بعينهم، وقد ينجر هذا اللقب ليكون علمًا على عائلة أو قبيلة.

وقد يشتهر اللقب فننسى الاسم الحقيقي لصاحبه.

وهذا الأمر كان موجودًا قبل الإسلام، وبعد الإسلام على حدٍّ سواء.

فمثلاً الأعشى الكبير، ذلك الشاعر الجاهلي الكبير (صناجة العرب)، ما اسمه؟

من النادر أن تجد من يعرف اسمه إلا إذا كان متخصصًا في الأدب العربي، واسمه هو ميمون بن قيس.

وصار الحال على ذلك في الإسلام؛ فالمتأمل «في تاريخنا العلمي الإسلامي يجد قبيلاً كبيرًا من العلماء الذين أصبحت إعاقتهم أو عاهتهم عَلَمًا يدل عليهم، ونذكر من بين هؤلاء العلماء:

1 الأحول: هو عاصم بن سليمان البصري (تُوفِّي 142ه) من حُفَّاظ الحديث ثقة، واشتهر

صفحة مطبوعة 101 · ورقة PDF 102رابط الصفحة المنفردة

بالزهد والعبادة.

2 — الأخفش: وقد سُمِّي بهذا الاسم من أهل العلم أربعة، هم: الأخفش الأكبر، والأوسط، والأصغر، والدمشقي.

أما الأكبر فهو عبد الحميد بن عبد المجيد (توفي 177ه) من كبار علماء اللغة العربية.

وأما الأوسط فهو سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء (توفي 215ه)، وكان عالمًا باللغة والأدب، أخذ العلم عن سيبويه، وصنف كتبًا مهمة، وزاد في العَروض بحر الخبب.

وأما الأصغر فهو علي بن سليمان بن الفضل (توفي 315ه)، أحد علماء النحو، وله تصانيف عديدة.

وأما الدمشقي فهو هارون بن موسى بن شريك التغلبي (توفي 292ه) شيخ القرَّاء بدمشق، كان عارفًا بالتفسير والمعاني والغريب والشعر.

3 — الأصم: وقد سمي بهذا الاسم من أهل العلم اثنان، هما: حاتم بن عنوان (توفي 237ه) الذي اشتهر بالورع والزهد والتقشف، وكان يقال: حاتم الأصم لقمان هذه الأمة.

والثاني: هو محمد بن يعقوب بن يوسف الأموي بالولاء، أبو العباس الأصم (توفي 346ه)، وكان من أهل الحديث، وكان ثقة أمينًا.

4 الأعرج: هو عبد الرحمن بن هرمز (توفي 117ه)، من موالي بني هاشم، حافظ، قارئ، أخذ عن أبي هريرة، وبرز في القرآن والسنن،

صفحة مطبوعة 102 · ورقة PDF 103رابط الصفحة المنفردة

وكان وافر العلم، خبيرًا بأنساب العرب.

5 — الأعمش: هو سليمان بن مهران الأسدي بالولاء (توفي 148ه) تابعي مشهور، وكان عالمًا بالقرآن والحديث والفرائض، حتى إنه قيل: لم يُرَ السلاطين والملوك في مجلس أحقر منهم في مجلس الأعمش، على الرغم من شدة حاجته وفقره.

6 — الأعمى: هو معاوية بن سفيان (توفي 220ه)، شاعر بغدادي من تلاميذ الكسائي.

7 — الأفطس: هو علي بن الحسن الهذلي (توفي 253ه) مُحدِّث نيسابور، وشيخ عصره فيها، وكان من حفَّاظ الحديث، وله مسند.

لقد بلغ هؤلاء العلماء في تاريخنا العلمي والفكري مكانة عظيمة، حسبهم فيها أن نور عبقريتهم لم يطفئه كر السنين، ولا جهل أحفادهم بهم.

وإننا لم نختر هؤلاء الأعلام إلا لأن عاهتهم وإعاقتهم أصبحت علمًا على ذواتهم.

فهؤلاء كانوا يحملون في أجسامهم من البلاء ما يثقل على غيرهم من الأصحاء ومع ذلك بلغوا الغاية في العلم والفكر فهم كثير»(134) .

صفحة مطبوعة 103 · ورقة PDF 104رابط الصفحة المنفردة

وكثير من آل البيت لُقِّبوا بإعاقتهم، مثل: الأحول والأعور والأعمى والضرير والأعرج والمقعد والمفلوج والأصم والأطروش والأخرس والأقطع والأحدب.. إلخ.

وبمراجعة كتب الأنساب وجدنا أسماء خارجة عن الحصر، فانتقينا بعضًا منها للتأكيد على ما ذهبنا إليه.

فمنهم:

أبو العباس الأحول أحمد بن علي بن الحسن بن الحسن التج(135) .

أبو القاسم الأحول علي بن محمد بن عبيد الله الأمير.

ومن ولد علي الأحول أبو القاسم الزاهد المتكلم علي بن محمد بن عبد الله بن محمد الأعرج ابن علي الأحول(136) .

هارون الأقطع بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمد البطحاني.

ولهارون الأقطع ابنان معقبان: الحسين الأحول أبو القاسم الزاهد الفاضل بطبرستان، وعلي بآمل له عقب بالأهواز وهمدان(137) .

أبو علي الأعور المفلوج الحسن بن محمد بن الحسين بن الحسين بن

صفحة مطبوعة 104 · ورقة PDF 105رابط الصفحة المنفردة

زيد الشهيد(138)

أما حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد الشهيد، فعقبه الصحيح من رجل واحد علي بن عقيلية، عقبه من ثلاثة بنين: الحسين، ومحمد الأوقص الأحدب، وزيد أبو الحسين الأحول(139) .

أبو علي إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق(140) .

صفحة مطبوعة 105 · ورقة PDF 106رابط الصفحة المنفردة

الكفارات وذوو الإعاقات

وقوع الإنسان في الذنوب والمعاصي — عمدًا أو جهلاً — مما لا ينفك عنه، وعدم إتيان بعض المأمورات على الوجه الأكمل والتقصير فيها، أو الوقوع في بعض المنهيات؛ مما يقع فيه الكثيرون.

وقد شرع الإسلام لذلك كفارات تذهب بتلك الآثام، بعد تقويم نفس الإنسان وتهذيبه.

والكفارات قد تكون إطعامًا أو كسوة أو صيامًا أو إعتاقًا أو صدقة أو ذبحًا.

وكان الإعتاق مما شرعه الله للتضييق على أبواب العبودية والرق، وفتح أبواب الحرية.

والحرية أن يتحمل الإنسان مسؤولية نفسه، وألا يكون أحد متحكمًا فيه، فهل أصحاب الإعاقات ممن تتم بهم الكفارات؟

قال محمد المختار الشنقيطي: «ذهب أكثر أهل العلم إلى اشتراط السلامة من العيوب القوية، مع اختلافهم في بعض العيوب.

قالوا: يشترط سلامتها من العيوب المضرة بالعمل ضررًا بينًا؛ لأن

صفحة مطبوعة 106 · ورقة PDF 107رابط الصفحة المنفردة

المقصود تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررًا بينًا، فلا يجزئ الأعمى؛ لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع، ولا المقعد، ولا المقطوع اليدين أو الرجلين؛ لأن اليدين آلة البطش، فلا يمكنه العمل مع فقدهما، والرجلان آلة المشي فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما، والشلل كالقطع في هذا.

قالوا: ولا يجوز المجنون جنونًا مطبقًا؛ لأنه وجد فيه المعنيان: ذهاب منفعة الجنس، وحصول الضرر بالعمل.

وبه تعلم إجماع الأئمة الأربعة على اشتراط السلامة من مثل العيوب المذكورة.

وقال ابن قدامة في «المغني»: ولا يجزئ مقطوع اليد أو الرجل، ولا أشلهما، ولا مقطوع إبهام اليد أو سبابتها أو الوسطى؛ لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء.

وقال أبو حنيفة: يجزئ مقطوع إحدى الرجلين أو إحدى اليدين، ولو قطعت رجله ويده جميعًا من خلاف أجزأت؛ لأن منفعة الجنس باقية.

ويخالف العور؛ فإنه لا يضر ضررًا بينًا.

ولا يجزئ الأعرج إذا كان عرجًا كثيرًا فاحشًا؛ لأنه يضر بالعمل.

فإن المقصود تكميل الأحكام وتمليك العبد المنافع، والعور لا يمنع ذلك؛

صفحة مطبوعة 107 · ورقة PDF 108رابط الصفحة المنفردة

ولأنه لا يضر بالعمل، ويفارق العمى فإنه يضر بالعمل ضررًا بينًا ويمنع كثيرًا من الصنائع، ويذهب بمنفعة الجنس»(141)

وبعد التوضيح المذكور عاليه فقد ورد عن الباقر عليه السلام أنه قال: «لا يجزئ الأعمى في الرقبة، ويجزئ ما كان منه مثل: الأقطع والأشل والأعرج والأعور، ولا يجوز المقعد»(142) .

وهذا لا يعني عدم إعتاق المعاقين وذوي العاهات؛ فكل البشر جديرون بأن ينالوا حريتهم، فلا يكون لأحد عليهم سلطة.

بل إنهم يعتقون دون انتظار للكفارات؛ فكما أن الإنسان ينفق من أفضل ما عنده، ويضحي بأفضل ما عنده، فلا يصح أن يكفّر ذنبه ويجبر تقصيره بأصحاب إعاقات؛ فهؤلاء يعتقون؛ حتى لا يطلب منهم مواليهم ما لا يطيقونه، ولا يستطيعون إتيانه، قال علي زين العابدين عليه السلام: «العبد الأعمى والأجذم والمعتوه لا يجوز في الكفارات؛ لأن رسول الله 6 أعتقهم»(143) .

صفحة مطبوعة 108 · ورقة PDF 109رابط الصفحة المنفردة

الزواج بالمعاقات

في مجتمعاتنا تقلل الإعاقة من نسبة زواج المرأة، على العكس من الرجل، الذي تكون فرصته في الزواج والقبول به أعلى وأكبر.

وقد سبق وذكرنا السادة الأشراف الذين كانوا من ذوي الإعاقات، ولم تمنعهم تلك الإعاقات من القيام بمسؤوليات السيادة والشرف والزواج.

وقد تمنع الإعاقة المرأة من ممارسة حياتها الطبيعية، وهذا يزهّد الرجل فيها.

وقد لا تعيقها عن ممارسة حياتها الطبيعية، لكنها قد تكون مرضًا معديًا قد ينتقل للزوج، مثل: الأمراض الجلدية، فيعاف الرجل الإقدام على مثل تلك الزيجات.

وإذا كانت الإعاقة قبل الزواج فالرجل بالخيار بين الرد أو القبول، فهذا شأنه.

لكن على أهل المرأة العروس ألا يقوموا بالتدليس على الزوج، وإخفاء بعض المعايب عليه.

فهذا يدفعه لردها، وإنهاء الزواج معها، والذي لم يبدأ بعد.

وقد ورد أن

صفحة مطبوعة 109 · ورقة PDF 110رابط الصفحة المنفردة

رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من غفار فدخل بها فأمرها فنزعت ثوبها، فرأى بها بياضًا من برص عند ثديها، فانماز رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: خذى ثوبك، فأصبح وقال لها: الحقى بأهلك فأكمل لها صداقها.

وقيل: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني غفار، فأهديت إليه، فرأى بكشحها وضحًا من بياض.

قال: ضمي إليك ثيابك، والحقى بأهلك.

وألحق لها مهرها.

وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من غفار، فلما دخل عليها وجد بكشحها بياضًا، فقال: ضمي إليك ثيابك، ولم يأخذ مما آتاها شيئًا.

وهذه الروايات في سندها «جميل بن زيد الطائي»، وقال البيهقي بعد إيراد تلك الروايات: «هذا مختلف فيه على جميل بن زيد — كما ترى — قال البخاري: لم يصح حديثه»(144) .

ورغم أن هذه المرويات فيها مقال، لكني وجدتها مذكورة في كتب السيرة النبوية بصيغ مختلفة، مثل: سيرة ابن هشام، وجوامع السيرة لابن حزم، والسيرة النبوية لابن كثير، والروض الأنف للسهيلي... إلخ.

وقد ورد التفصيل عن سيدنا علي عليه السلام في تلك المسألة فقال: «تردّ

صفحة مطبوعة 110 · ورقة PDF 111رابط الصفحة المنفردة

المرأة من: القَرن(145) والجذام والجنون والبرص، فإن كان دخل بها فعليه المهر، وإن شاء أمسك وإن شاء فارق.

ويرجع بالمهر على من غرّه بها، وإن كانت هي التي غرّت، رجع به عليها، وترك لها أدنى شيء مما يستحلّ به الفرج.

فإن لم يدخل بها فارقها إن شاء ولا شيء عليه.

وقال: أيّما رجل نكح امرأة وبها برص أو جنون أو جذام أو قرن، فزوجها بالخيار ما لم يمسّها إن شاء أمسك وإن شاء طلق، فإن مسّها فلها المهر بما استحلّ من فرجها.

وقال في الرجل يتزوّج المرأة، فيؤتى بها عمياء أو برصاء أو عرجاء، قال: تردّ على وليّها، وإن كانت بها زمانة لا يراها الرجال، أجيزت شهادة النساء عليها.

وعنه: تردّ البرصاء والمجذّمة.

قيل: فالعوراء؟

قال: لا تردّ؛ إنّما تردّ المرأة من الجذام والبرص والجنون، أو علّة في الفرج تمنع من الوطء»(146) .

وقد

صفحة مطبوعة 111 · ورقة PDF 112رابط الصفحة المنفردة

ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «من تزوج امرأة وبها برص أو جذام أو جنون فدخل بها فلها الصداق بما يستحل من فرجها، وذلك غرم على وليها»(147)

وقال أبو جعفر عليه السلام في رجل تزوج امرأة من وليها فوجد بها عيبًا بعدما دخل بها، قال: «إذا دلست العفلاء(148) والبرصاء والمجنونة والمفضاة، ومن كان بها زمانة ظاهرة، فإنها ترد على أهلها من غير طلاق، ويأخذ الزوج المهر من وليها الذي كان دلسها، فإن لم يكن وليها علم بشيء من ذلك فلا شيء عليه وترد على أهلها.

قال: وإن أصاب الزوج شيئًا مما أخذت منه فهو له، وإن لم يصب شيئًا فلا شيء له.

قال: وتعتد منه عدة المطلقة إن كان دخل بها، وإن لم يكن دخل بها فلا عدة عليها ولا مهر لها»(149) .

صفحة مطبوعة 112 · ورقة PDF 113رابط الصفحة المنفردة

الإعاقة والإمامة

إن أعظم منصب وأعلاه وأخطره عند المسلمين هو الولاية العظمى أو ما يسمى بالإمامة العظمى، لذا وضع لها العلماء شروطًا؛ حتى يقوم صاحب هذا المقام الرفيع بأداء مهامه على أكمل وجه.

فهل الإعاقة مانع من موانع الإمامة، أم ماذا؟

وعند مطالعة فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله عنهم سنجد أنه ولى على المدينة في حال غيابه أناسًا من ذوي الإعاقة.

فقد أورد أبو دواد حديثًا تحت باب عنونه ب: «بَابٌ فِي الضَّرِيرِ يُوَلَّى»؛ فعن أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ(150) .

وقد ثار حول هذا الحديث خلافات بين العلماء؛ إذ رأوا أن الإمامة كانت للصلاة وليست ولاية عامة.

قال الحافظ ابن عبد البر: روى جماعة من أهل العلم بالنسب والسير أن النبي صلى الله عليه وسلم

صفحة مطبوعة 113 · ورقة PDF 114رابط الصفحة المنفردة

استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة في غزواته.

وقال بعضهم: إنما ولاه للصلاة بالمدينة دون القضايا والأحكام؛ فإن الضرير لا يجوز له أن يقضي بين الناس؛ لأنه لا يدرك الأشخاص، ولا يثبت الأعيان، ولا يدري لمن يحكم، وعلى من يحكم، وهو مقلد في كل ما يليه من هذه الأمور، والحكم بالتقليد غير جائز.

وقد قيل: إنه صلى الله عليه وسلم إنما ولاه الإمامة بالمدينة إكرامًا له، وأخذًا بالأدب فيما عاتبه الله عليه في أمره.

وقال ابن حجر: فيه جواز إمامة الأعمى، ولا نزاع فيه، وإنما النزاع في أنه أولى من البصير أو عكسه(151) .

وذكر الغزالي اختلاف العلماء في مسألة الإعاقة وما يترتب تجاهها من مسائل الإمامة، فذكر شروط الإمامة، ومنها: «سَلامَة حاسة السّمع وَالْبَصَر؛ إذ لَا يتَمَكَّن الأعمى والأصم من تَدْبِير نَفسه، فَكيف يتقلد عُهْدَة الْعَالم، وَلذَلِك لم يستصلحا لمنصب الْقَضَاء، وأضاف مصنفون إِلَى هَذَا اشْتِرَاط السَّلامَة من البرص والجذام والزمانة وَقطع الأطراف وَسَائِر الْعُيُوب الْفَاحِشَة المنفرة.

وأنكره منكرون وَقَالُوا: لَا حَاجَة إلى وجود السَّلامَة من هَذِه الأمراض؛ فإن التكفل بأمور الْخلق وَالْقِيَام بمصالحهم لَا تستدعيها وَلم

صفحة مطبوعة 114 · ورقة PDF 115رابط الصفحة المنفردة

يرد من الشَّارِع تَوْقِيف وَتعبد فِيهَا»(152)

وكان ابن حزم في معرض حديثه عن اختيار الأئمة من آل البيت والإعراض عن آخرين أكفاء لهم ذكر قولاً لهشام بن الحكم يبرر فيه ذلك بقوله: «لا بد أن يكون في إخوة الإمام آفات يبين بها أنهم لا يستحقون الإمامة»(153) .

فرد عليه بقوله: «وَهَذِه دَعْوَى مَرْدُودَة تزيد فِي الحماقة، وَلَا نَدْرِي فِي زيد وَعَمْرو وَعبد الله وَالْحسن وَعلي بن عَليّ بن الْحُسَيْن آفَات تمنع إِلَّا أَن الْحسن أَخا زيد وَمُحَمّد كَانَ أعرج، وَمَا علمنَا أَن العرج عيب يمْنَع من الْإِمَامَة؛ إِنَّمَا هُوَ عيب فِي العبيد المتخذين للمشي»(154) .

فابن حزم هنا ذكر بعضًا من آل البيت المصابين بالإعاقة، لكنه رأى أن الإعاقة هنا — وهي العرج — ليست مما يطعن في الإمامة.

فالإعاقة لو كانت عائقة عن أداء المهام المنوطة بالإمام فلا يصح توليه، وإن أصابته بعد توليته وجب عزله.

أما إن قدر على ممارسة مهامه في وجود هذه الإعاقة فلا بأس؛ فهشام بن عبد الملك كان أحول، وكثير من قادة الجيوش كانوا عرْجًا.

صفحة مطبوعة 115 · ورقة PDF 116رابط الصفحة المنفردة

نماذج من تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم والآل والأصحاب مع ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة

لقد ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجًا فريدًا في التعامل مع ذوي الإعاقات والحاجات الخاصة، وسُنّة نسير عليها، وهُدى نهتدي به، ونبراسًا نستضيء به.

ونحاول أن نسلط الضوء على بعض النماذج، والتي يتضح من خلالها تعامله صلى الله عليه وسلم مع ذوي الإعاقات والحاجات الخاصة، ونتبع ذلك ببعض ما وقفنا عليه عند الآل والأصحاب.

الرسول صلى الله عليه وسلم والأعمى

قيل لقتادة: ما بال العميان أذكى وأكيس من البصراء؟

فقال: لأن أبصارهم تحولت إلى قلوبهم.

وَقَالَ الجاحظ: العميان أحفظ وأذكى، وأذهانهم أقوى وأصفى؛ لأَنهم غير مشتغلي الأفكار بتمييز الْأَشْخَاص، وَمَعَ النّظر يتشعب الْفِكر، وَمَعَ انطباق الْعين اجْتِمَاع اللب.

صفحة مطبوعة 116 · ورقة PDF 117رابط الصفحة المنفردة

وكان أبو يعقوب الخزيمي يقول: من فضائل العمى ومحاسنه: اجتماع الرأي والذهن، وقوة الكيْس والحفظ، وسقوط الواجب من الحقوق، والأمان من فضول النظر الداعية إلى الذنوب، وفقد النظر إلى الثقلاء والبغضاء، وحسن العوض عن متراخي الوجد في دار الثواب(155) .

وإذا كان هناك من حسّن العمى كما رأينا آنفًا، فهناك من أثر فيه فقد بصره تأثيرًا عظيمًا، فهذا الشاعر صالح بن عبد القدوس الذي اعتبر نفسه ميتًا وهو بين الأحياء، فقال:

عزاءك أيها العين السكوبُودمعك إنها نُوَب تنوبُ
وكنتِ كريمتي وسراجَ وجهيوكانت لي بك الدنيا تطيبُ
فإن أكُ قد ثكِلتك في حياتيوفارقني بك الإلْفُ الحبيبُ
فكل قرينَةٍ لابُد يوماسيشْعَبُ إلْفَهَا عنها شعوبُ
على الدنيا السلامُ فما لشيخٍضرير العين في الدنيا نصيبُ
يموت المرء وهو يُعَدُّ حيًّاويخْلفُ ظنَّه الأملُ الكذوبُ

وكذا ناصر الدين شافع الذي يقول:

أضحى وجودي برغمي في الورى عدمًاإذ ليس لي فيهِمُ وردٌ ولا صَدَرُ
عَدِمْتُ عيني وما لي فيهِمُ أثرُفهل وجودٌ ولا عينٌ ولا أثرُ
صفحة مطبوعة 117 · ورقة PDF 118رابط الصفحة المنفردة

وهناك من وصفوا العمى بالقبر، وصاحبه كالمقبور سواء عليه ليله البهيم ونهاره المضيء:

فَها أنَا كَالمَقبُورِ في كسْرِ مَنزِليسَواءٌ صَبَاحِي عِندَهُ وَمَسائي
يَرِقُّ وَيبكِي حَاسِدِي لِيَ رَحمَةًوَبُعدًا لَهَا مِن رِقَّةٍ وَبُكاءِ

وهناك من كان يفتخر بالعاهة، مثلما بشار بن برد الذي اعتبر أن الذكاء من العمى، فقال:

عميت جنينًا والذكاء من العمىفجئت عجيب الظن للعلم موئلا

أما إدريس بن عبد الله النابلسي الضرير فقد رأى أن صاحب الحاجة أعمى عن كل شيء إلا حاجته، فيقول:

صاحب الحاجة أعمىوهْو ذو مال بصيرْ
فمتى يبصر فيهارُشدَه أعمى فقيرْ(156) ( 156 )

ويصف بشار بن برد الجهل بالعمى — وهو بالفعل العمى الحقيقي — فيقول:

شفاء العمى طول السؤال وإنما
تمام العمى طول السكوت على الجهل

وقد ذكر الصفدي أول من تحدث عن العميان والمكفوفين، وقارن

صفحة مطبوعة 118 · ورقة PDF 119رابط الصفحة المنفردة

بين تلك الكتابات، فقال: «فإني لما وقفت على كتاب (المعارف) لابن قتيبة رحمه الله وجدته قد ساق في آخره فصلاً في المكافيف.

فعدّ فيهم أبا قحافة وهو والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأبا سفيان بن حرب، والبراء بن عازب، وجابر بن عبد الله، وكعب بن مالك الأنصاريّ، وحسّان بن ثابت الأنصاريّ، وعقيل بن أبي طالب، وأبا أسيد الساعديّ، وقتادة بن النّعمان، وأبا عبد الرحمن السّلميّ، وقتادة بن دعامة، والمغيرة بن مقسّم، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ذهب بصره آخر عمره، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ومعاوية بن سبرة، وسعد بن أبي وقّاص ذهب بصره في آخر عمره، وعبد الله بن أبي أوفى ذهب بصره، وعليّ بن زيد من ولد عبد الله بن جدعان ولد وهو أعمى، وأبا هلال الراسبيّ، وأبا يحيى بن محرز الضّبيّ.

وذكر بعد هؤلاء ثلاثة مكافيف في نسق: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وأبوه العباس، وأبوه عبد المطلب.

هذا جملة من وقفت على ذكره في كتاب (المعارف).

ثم رأيت الحافظ جمال الدين أبا الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن الجوزيّ رحمه الله قد ساق فصلاً في آخر كتابه (تلقيح فهوم أهل الأثر) في تسمية العميان الأشراف.

قال: فمن الأنبياء عليهم السلام:

صفحة مطبوعة 119 · ورقة PDF 120رابط الصفحة المنفردة

إسحاق، ويعقوب، وشعيب عليهم الصلاة والسلام.

ومن الأشراف: عبد المطّلب بن هاشم، أميّة بن عبد شمس، زهرة بن كلاب، كلاب بن مرّة، مطعم بن عديّ.

ومن الصحابة رضي الله عنهم: البراء بن عازب، جابر بن عبد الله، حسّان بن ثابت، الحكم بن أبي العاص، سعد بن أبي وقّاص، سعيد بن يربوع، صخر بن حرب أبو سفيان، العباس بن عبد المطلب، عبد الله بن الأرقم، عبد الله بن عمر، عبد الله بن العبّاس، عبد الله بن عمير، عبد الله بن أبي أوفى، عتبان بن مالك، عتبة بن مسعود الهذلي، عثمان بن عامر، أبو قحافة، عقيل بن أبي طالب، عمرو بن أم مكتوم، قتادة بن النعمان، كعب بن مالك، مالك بن ربيعة، أبو أسيد الساعديّ، ومخرمة بن نوفل.

قال: ومن التابعين: عطاء بن أبي رباح، أبو بكر بن عبد الرحمن، قتادة بن دعامة، أبو عبد الرحمن السّلميّ، أبو هلال الراسبيّ.

هذا صورة ما ذكره ابن الجوزيّ رحمه الله.

فما زاد على ابن قتيبة إلا بذكر الأنبياء الثلاثة صلى الله عليهم وسلم، ورتب الصحابة على حروف المعجم لا غير.

وكان يمكن لابن الجوزي رحمه الله الزيادة على ذلك بأضعاف مضاعفة؛ لتأخر زمانه ووفاته على زمان ابن قتيبة ووفاته رحمه الله؛ لأنّ ابن

صفحة مطبوعة 120 · ورقة PDF 121رابط الصفحة المنفردة

قتيبة توفّي في سنة سبع وستين ومائتين رحمه الله، وابن الجوزي توفي في سنة سبع وتسعين وخمسمائة.

ولكن يمكن الاعتذار لكليهما بأنهما لم يضعا مصنفيهما لاستيعاب ذكر العميان، وإنما ذكرا أشراف من كان أعمى.

ورأيت أبا العباس أحمد بن علي بن بانة قد ذكر في كتابه (رأس مال النديم) أشراف العميان.

فقال: شعيب وإسحاق صلوات الله وسلامه عليهما، وزهرة بن كلاب بن كعب بن مرّة، وعبد المطلب بن هاشم، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عباس، وأميّة بن عبد شمس وكان أعور، والحكم بن العاص، وأبو سفيان بن حرب، والحارث بن عباس بن عبد المطلب، ومطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، وعتبة بن مسعود الهذليّ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبو أحمد بن جحيش بن مسعود الأسديّ، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وعبد الله بن أرقم، والبراء بن عازب، وحسان بن ثابت، وقتادة بن النعمان، وأبو أسيد الساعديّ، وقتادة بن دعامة، ودريد بن الصّمّة الجشميّ شهد حنين أعمى فقتل يومئذ، ومخرمة بن نوفل الزّهريّ، والفاكه بن المغيرة المخزوميّ، وخزيمة بن خازم النّهشليّ.

هذا جملة من رأيته قد ذكره في كتابه، وأنت تقارب هذه الأسامي

صفحة مطبوعة 121 · ورقة PDF 122رابط الصفحة المنفردة

وعدتها بعضها من بعض.

وأرى أن السابق لذلك ابن قتيبة، ثم بعده هذا ابن بانة، ثم ابن الجوزيّ.

وللخطيب أبي بكر خطيب بغداد جزء جمعه في العميان ولم أره إلى الآن.

وجرى يومًا في بعض اجتماعاتي بجماعة من الأفاضل ذكر فصل استطردت بذكره في شرح لامية العجم، ذكرت فيه جماعة من أشراف العميان، قال لي بعض من كان حاضرًا: لو أفردت للعميان تصنيفًا تخصّهم فيه بالذكر، لكان ذلك حسنًا.

فحداني ذلك الكلام، وهزّت عطفي نشوة هذه المدام، على أن عزمت على جمع هذه الأوراق، في ذكر من أمكن ذكره أو وقع إليّ خبره وسميته: نكت الهميان في نكت العميان»(157) .

وبعد هذه التطوافة فيما قيل حول العمى من مادح وقادح، وصابر وجازع، وذكر المشاهير منهم، نعرج على تعامل النبي صلى الله عليه وسلم والصحب والآل مع هؤلاء الأشخاص؛ لنرى كيف كان استيعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الفئة هو وصحبه وآله بيته الأطهار.

وأول من يتبادر إلى أذهاننا ذلك الصحابي الذي اشتهر بعماه،

صفحة مطبوعة 122 · ورقة PDF 123رابط الصفحة المنفردة

ولكن الله خلّد ذكره في العالمين، وأنزل فيه قرآنًا يُتلى إلى يوم الدين، وكانت علاقته برسول الله صلى الله عليه وسلم علاقة متميزة، وفريدة من نوعها....

إنه عبد الله بن أم مكتوم.

الرجل الذي عاتب الله فيه نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وكان خيرًا عند الله من صناديد(158) قريش من الكافرين، فقد «أقبل ابن أم مكتوم والنبي صلى الله عليه وسلم مشتغل بمن حضره من وجوه قريش يدعوهم إلى الله تعالى، وقد قوي طمعه في إسلامهم، وكان في إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم، فجاء ابن أم مكتوم — وهو أعمى — فقال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله.

وجعل يناديه ويكثر النداء، ولا يدري أنه مشتغل بغيره، حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء: إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد، فعبس وأعرض عنه»(159) .

فأنزل الله قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ١ أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ٢ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ٣ أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ٤ أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ٥ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ٦ وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ٧ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ٨ وَهُوَ يَخۡشَىٰ٩ فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ١٠﴾ [سورة عبس: 1 — 10]

فالضعف ليس عيبًا، أو نقيصة، والضعف والعجز ليس مما يؤخر عند الله، وليس الحسب والنسب والشرف بين الأقوام مما

صفحة مطبوعة 123 · ورقة PDF 124رابط الصفحة المنفردة

يقدّم عند الله، فمقياس التقدّم والتأخّر عند الله هو الإيمان والتقوى، فمن أقبل على الله أقبل الله عليه.

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ(160) » .

وقد استوعب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الدرس الذي علّمه الله إياه، فكان «بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم يبسط له رداءه ويقول: مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي. ويقول: هل من حاجة؟»(161) .

يقول الباحث الإنجليزي (لايتنر)(162) معلقًا على هذا الحادث:

«.. مرة، أوحى الله — تعالى — إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحيًا شديد المؤاخذة؛ لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلاً غنيًّا من ذوي النفوذ، وقد نشر ذاك الوحي، فلو كان صلى الله عليه وسلم كما يقول أغبياء النصارى بحقه صلى الله عليه وسلم؛ لما كان لذاك الوحي من وجود!»(163) .

وكان ابن أم مكتوم رغم عماه ثاني اثنين هاجرا إلى المدينة

صفحة مطبوعة 124 · ورقة PDF 125رابط الصفحة المنفردة

المنورة مع مصعب بن عمير، وكان يعلّم القوم القرآن؛ فقد أخرج البخاري أن الْبَرَاءَ بْن عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ، فَقَدِمَ بِلَالٌ وَسَعْدٌ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى جَعَلَ الإِمَاءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَمَا قَدِمَ حَتَّى قَرَأْتُ: ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى١﴾ [سورة الأعلى] فِي سُوَرٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ(164)

فقد أَذِن له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة مع أول من هاجر، وجعله سفيرًا للإسلام مع مصعب بن عمير، وكان معلمًا للأنصار القرآن والإسلام.

وقد ذُكر في أحاديث أخرى أن أول المهاجرين للمدينة أبو سلمة فتكلم الحافظ ابن حجر على ذلك فقال: «وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْهِجْرَة أَنَّ أَوَّل مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَة مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَامِر بْن رَبِيعَة وَمَعَهُ اِمْرَأَته أُمّ عَبْد الله بِنْت أَبِي حَثْمَة، وَأَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الْأَسَد وَامْرَأَته أُمّ سَلَمَة، وَأَبُو حُذَيْفَة بْن عُتْبَة بْن رَبِيعَة، وَشَمَّاس بْن عُثْمَان بْن الشَّرِيد، وَعَبْد الله بْن جَحْش.

فَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث الْبَرَاء بِحَمْلِ الْأَوَّلِيَّة فِي أَحَدهمَا عَلَى صِفَة خَاصَّة،

صفحة مطبوعة 125 · ورقة PDF 126رابط الصفحة المنفردة

فَقَدْ جَزَمَ ابْن عُقْبَة بِأَنَّ أَوَّل مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَة مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مُطْلَقًا أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الْأَسَد، وَكَانَ رَجَعَ مِنْ الْحَبَشَة إِلَى مَكَّة فَأُوذِيَ بِمَكَّة، فَبَلَغَهُ مَا وَقَعَ لِلِاثْنَيْ عَشَر مِنْ الْأَنْصَار فِي الْعَقَبَة الْأُولَى فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَة فِي أَثْنَاء السَّنَة.

فَيُجْمَع بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن مَا وَقَعَ هُنَا بِأَنَّ أَبَا سَلَمَة خَرَجَ لَا لِقَصْدِ الْإِقَامَة بِالْمَدِينَةِ بَلْ فِرَارًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، بِخِلَافِ مُصْعَب بْن عُمَيْر فَإِنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهَا لِلْإِقَامَةِ بِهَا، وَتَعْلِيم مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلهَا بِأَمْرِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فَلِكُلٍّ أَوَّلِيَّة مِنْ جِهَة»(165) .

وقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنًا خاصًّا له مع بلال بن رباح، ويبدو أنه كان حسن الصوت، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى(166) .

وبسبب ابن أم مكتوم نزل عذر لأصحاب الأعذار في القرآن؛ فعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [سورة النساء: 95] قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: « ادْعُوا فُلَانًا(167) » . فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أو الْكَتِفُ فَقَالَ: «اكْتُبْ: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾»، وَخَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا ضَرِيرٌ! فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا: ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾(168) .

فكرامةً لابن أم مكتوم نزل قوله تعالى: ﴿غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ﴾ بين قوله

صفحة مطبوعة 126 · ورقة PDF 127رابط الصفحة المنفردة

تعالى: ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.

قال ابن سعد: «نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾، فقال عبد الله بن أم مكتوم: أي رب أنزل عذري... أنزل عذري. فأنزل الله: ﴿غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ﴾. فجعلت بينهما»(169) .

ورغم نزول العذر له وبسببه، فإنه «كان بعد ذلك يغزو فيقول: ادفعوا إليَّ اللواء؛ فإني أعمى لا أستطيع أن أفرّ، وأقيموني بين الصفين»(170) .

وقد رآه أنس «يوم القادسية راكبًا، وعليه درع، ومعه راية سوداء»(171) ، و«قُتل شهيدًا بالقادسية»(172) .

صفحة مطبوعة 127 · ورقة PDF 128رابط الصفحة المنفردة

وقد استلمح رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابن أم مكتوم ملامح القيادة والعلم فكان يستخلفه على المدينة عندما يخرج للغزو، ف«قد استخلفه على الإمامة في المدينة في ثلاث عشرة غزوة من غزواته، واستخلفه عليها حين خرج إلى تبوك وعليّ رضي الله عنه بالمدينة؛ لأنه استخلف عليًّا في أهله كيلا ينالهم عدوّ بمكروه، فلم يستخلفه في الصلاة؛ لئلا يشغله شاغل عن حفظهم»(173) .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفيد من عمى ابن أم مكتوم؛ حيث جعل فاطمة بنت قيس تعتد عنده، فتكون في سعة من أمرها؛ لأنه لن يرى منها شيئًا.

فقد أخرج مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: « اذْهَبِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَكُونِي عِنْدَهُ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ(174) » .

وقال أبو الوليد الباجي الأندلسي: «يَقْتَضِي أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْمَرْأَةِ الْقُعُودُ عَلَى حَالَةٍ يُبَاحُ لِلنَّاسِ النَّظَرُ إلَيْهَا مَعَهَا، وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ عَنْهَا مَعَ نَظَرِ النَّاسِ إلَيْهَا، وَالْمَكْفُوفُ الأعمى لا يَنْظُرُ إلَيْهَا، فَلا حَرَجَ فِي تَرْكِ سَتْرِ شَعْرِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لا يُبَاحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِي مَحْرَمِهِ»(175) .

صفحة مطبوعة 128 · ورقة PDF 129رابط الصفحة المنفردة

هداية الأعمى للطريق صدقة

وللأعمى حق على المبصر أن يعرّفه طريقه، وأن يأخذ بيده، وألا يتركه يضل في السُّبل.

وهذا من باب تصدق المبصر من نعمة البصر التي وهبه الله إياها ولم يحرمه منها.

فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ذهب الأغنياء بالأجر.

فقال: « ألستم تصلون وتصومون وتجاهدون »؟

قال: قلت: بلى، وهم يفعلون كما نفعل؛ يصلون ويصومون ويجاهدون، ويتصدقون ولا نتصدق.

قال: « إن فيك صدقة كثيرة:

إن في فضل بيانك عن الأرتم(176) تعبّر عن حاجته صدقة.

وفي فضل سمعك على السيئ السمع تعبر عنه حاجته صدقة.

وفي فضل بصرك على ضرير البصر تهديه الطريق صدقة.

وفي فضل قوتك على الضعيف تعينه صدقة.

وفي إماطتك الأذى عن الطريق صدقة.

صفحة مطبوعة 129 · ورقة PDF 130رابط الصفحة المنفردة

وفي مباضعتك أهلك صدقة ».

قال: قلت: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟

قال: « أرأيت لو جعلته في غير حله أكان عليك وزر »؟

قال: قلت: نعم.

قال: « أفتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير(177) » ؟.

المنافق الضرير

تجلت رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم بذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة في عفوه عن جاهلهم، وحلمه على سفيههم؛ ففي معركة أحد [شوال 3ه — أبريل 624م]، لما توجه الرسول صلى الله عليه وسلم بجيشه صوب أحد، وعزم على المرور بمزرعة لرجل منافق ضرير، أخذ هذا الأخير يسب النبي صلى الله عليه وسلم وينال منه، وأخذ في يده حفنة من تراب وقال — في وقاحة — للنبي صلى الله عليه وسلم: والله لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به!

فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « دعوه فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصيرة ».

فضربه سعد بن زيد، أخو بني عبد الأشهل بالقوس

صفحة مطبوعة 130 · ورقة PDF 131رابط الصفحة المنفردة

فشجه(178)

ولم ينتهز رسول الله ضعف هذا الضرير، فلم يأمر بقتله أو حتى بأذيته، رغم أن الجيش الإسلامي في طريقه لقتال، والوضع متأزم، والأعصاب متوترة، ومع ذلك لما وقف هذا الضرير المنافق في طريق الجيش، وقال ما قال، وفعل وما فعل، أبى رسول الله أن يقتله أصحابه، فليس من شيم المقاتلين المسلمين الاعتداء على أصحاب العاهات أو النيل من أصحاب الإعاقات، وهو لا يريد أن يدخل في صراعات داخلية قد تكثر القيل والقال في صف المسلمين الذاهبين للقتال(179) .

أين تحب أن أصلي من بيتك؟

شرع الإسلام عيادة المرضى عامة، وأصحاب الإعاقات خاصة؛ وذلك للتخفيف من معاناتهم..

فالشخص المعاق أقرب إلى الانطواء والعزلة والنظرة التشاؤمية، وأقرب من الأمراض النفسية مقارنة بالصحيح، ومن الخطأ إهمال المعاقين في المناسبات الاجتماعية، ك: الزيارات والزواج... إلخ.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المرضى، فيدعو لهم، ويطيّب خاطرهم، ويبث في نفوسهم الثقة، وينشر على قلوبهم الفرح، ويرسم على وجوههم البهجة، وتجده ذات مرة يذهب إلى أحدهم في أطراف المدينة خصيصًا؛ ليقضي له حاجة بسيطة، أو أن يصلي ركعات في بيت

صفحة مطبوعة 131 · ورقة PDF 132رابط الصفحة المنفردة

المبتلى تلبية لرغبته(180)

فقد أخرج البخاري أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ — وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ — أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ، وَوَدِدْتُ — يَا رَسُولَ اللهِ — أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى.

قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ ».

قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ: « أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟» .

قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا فَصَفَّنَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ...(181) .

دعوة للصبر... وقبول للعذر

النفس البشرية ليست على درجة واحدة في تلقي مقدور الله تعالى؛

صفحة مطبوعة 132 · ورقة PDF 133رابط الصفحة المنفردة

فهناك النفس الصابرة، وأخرى الجازعة.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك، ويتعامل مع كل حالة على حدة، وحسب ظروفها وأحوالها.

فهو يدعو للصبر على البلاء؛ ليصنع الإرادة في نفوسهم، ويبني العزم في وجدانهم.. ولكنه يتجاوب مع أحوالهم إن رأى غير ذلك.

فعَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ رَجُلاً ضَرِيرًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَنِي.

فَقَالَ: « إِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ لآخِرَتِكَ، وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ ».

قَالَ: لَا، بَلِ ادْعُ اللهَ لِي.

فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: « اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَبِيِّ الرَّحْمَةِ... يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى، وَتُشَفِّعُنِي فِيهِ وَتُشَفِّعُهُ فِيَّ ».

قَالَ: فَكَانَ يَقُولُ هَذَا مِرَارًا.

قَالَ: فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرَأَ(182) .

فرسول الله صلى الله عليه وسلم

صفحة مطبوعة 133 · ورقة PDF 134رابط الصفحة المنفردة

يريد له الآخرة ودرجتها والأفضلية فيها، لكن الرجل متعلق بأن يفرج الله عنه بأن يعود إليه بصره، فما عاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عنّفه، بل طلب منه أن يعينه على نفسه بالوضوء والصلاة والدعاء والاستشفاع برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت النتيجة أن عاد إلى الرجل بصره ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالصلاة والتضرع والدعاء.

النفث في العين المبيضة

رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزاته أكثر من أن يحصيها العدد، لكننا نتوقف عند إبرائه للأعمى بإذن الله — تعالى؛ حيث ذكر حَبِيب بْن فُوَيْكٍ أَنَّ أَبَاهُ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعَيْنَاهُ مُبْيَضَّتَانِ لَا يُبْصِرُ بِهِمَا شَيْئًا، فَسَأَلَهُ: « مَا أَصَابَكَ؟» .

فَقَالَ: كُنْتُ أُمْرِئُ جَمَلِي فَوَقَعَتْ رِجْلَيَّ عَلَى بيضٍ(183) فَأُصِيبَ بَصَرِي.

فَنَفَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي عَيْنِهِ فَأَبْصَرَ.

فَرَأَيْتُهُ(184) يُدْخِلُ الْخَيْطَ فِي الْإِبْرَةِ، وَإِنَّهُ لِابْنِ ثَمَانِينَ وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَمُبْيَضَّتَانِ(185) .

صفحة مطبوعة 134 · ورقة PDF 135رابط الصفحة المنفردة

وهذه المعجزة ليست الوحيدة في هذا الباب، وأعظم منها أن تخرج العين من مكانها فيردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكانها، فتعود أفضل من حالها الأول، بل وتعود أفضل من أختها.

قال قتادة بن النعمان: «أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس، فدفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ يوم أحد، فرميت بها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اندقت عن سيتها(186) ، ولم أزل عن مقامي نصب وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألقَى السهام، وكلما مال سهم منها إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلا رمي أرميه.

فكان آخرها سهمًا ندرت(187) منه حدقتي على خدي.

وافترق الجمع فأخذت حدقتي بكفي، فسعيت بها في كفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفي دمعت عيناه، فقال: اللهم إن قتادة فدى وجه نبيك بوجهه! فاجعلها أحسن عينيه وأحدّهما نظراً!

فكانت أحسن عينيه وأحدّهما نظرًا.

قلت(188) ولا شك أن هذا أبلغ معجزًا من الحديث الأول؛ فإن الأول

صفحة مطبوعة 135 · ورقة PDF 136رابط الصفحة المنفردة

فيه أن عينين كانتا قد ابيضتا، فتفل فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبصرتا، وهما أخف أمرًا من عين سالت وصارت في كف صاحبها، وبانت عن مستقرها، فيعيدها صلى الله عليه وسلم أحسن من أختها وأحدّ منها نظرًا.

لا شك أن هذا أبلغ.

وقال الخرنق الأوسي:

ومنا الذي سالت على الخد عينهفردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأحسن حالهافيا طيب ما عين ويا طيب ما يد(189) » ( 189 )

من رحمة آل البيت بالأعمى

الإسلام يدعو أتباعه للرحمة والتراحم وخفض جناح الذل من الرحمة، وهذا للأسوياء، فما بالنا بالضعفاء والمعاقين، إنه يكون أوجب وأولى.

وكان أبو هارون المكفوف من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، وكان يسير بلا قائد أو دليل، معتمدًا على حدسه وحسه وخبرته بالطرق، فرق له ولحاله، وخاف عليه من السقوط والعثار، فناوله دنانير من تحت بساطه وقال له: «يا أبا هارون، اشتر بهذا قائدًا»(190) .

صفحة مطبوعة 136 · ورقة PDF 137رابط الصفحة المنفردة

شهادة الأعمى

وإذا كان الأعمى قد تعطلت عنده حاسة البصر، فلا زالت كثير من الحواس تعمل بكفاءة، والأعمى ليس منفردًا في عالمه الخاص، بل هو فرد في المجتمع متأثر به، ومؤثر فيه.

وهذه الحواس الباقية تمكنه من أداء الشهادة إذا طلبت منه، وإذا تأكدت شهادته؛ فإنها تكون مقبولة ومعولاً عليها.

ففي عموم قبول شهادته يقول محمد بن قيس: «سألت أبا جعفر عليه السلام عن الأعمى تجوز شهادته؟

قال: نعم، إذا أثبت»(191) .

وقد أجاز الإمام علي رضي الله عنه شهادة الأعمى في الطلاق؛ إذ إنه يعتمد هنا على السماع للفظ الطلاق ولا يضره عدم الرؤية، وطالما أن حاسة السمع سليمة فشهادته هنا مقبولة، فقد سأل سحنون الإمام مالك: «هَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الأعمى فِي الطَّلَاقِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا عَرَفَ الصَّوْتَ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَالرَّجُلُ يَسْمَعُ جَارَهُ مِنْ وَرَاءِ حَائِطٍ وَلَا يَرَاهُ، يَسْمَعُهُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ وَقَدْ عَرَفَ صَوْتَهُ.

قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ، وَقَالَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ

صفحة مطبوعة 137 · ورقة PDF 138رابط الصفحة المنفردة

وَشُرَيْحٌ الْكِنْدِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ»(192)

غيرة النبي صلى الله عليه وسلم على محارمه

كانت غيرة النبي صلى الله عليه وسلم شديدة على محارمه؛ فعن المغيرة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح.

فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني(193) » .

ولعل تلك الغيرة كانت من أسباب ضرب الحجاب على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.

وهناك الحديث المشهور الذي أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي أن أم سلمة قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « احتجبا منه ». فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ قال: « أفعمياوان أنتما، لستما تبصرانه؟!»(194) .

صفحة مطبوعة 138 · ورقة PDF 139رابط الصفحة المنفردة

وهذا الحديث في سنده مقال، ويتعارض مع حديث فاطمة بنت قيس، والتي أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: « تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني(195) » .

وقد حاول أبو داود الجمع بين الحديثين، والتوفيق بينهما فقال: «هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم»(196) .

الرسول صلى الله عليه وسلم والأعور

ذكرنا أن بعض الملوك كان أعور العين، وهو عيب لا يقدح في شرف الرجل أو مروءته، وإن النفس الخسيسة هي التي تسخر من الخَلق لعيوبٍ لا مدخل لهم فيها.

وممن تعامل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعور بن بشامة، واسمه ناشب، والأعور لقب له.

وقد رضي النبي صلى الله عليه وسلم بحكومته رغم صغر سنه؛ فعن ابن عباس قال: أصابت بنو العنبر دماء في قومهم فارتحلوا فنزلوا بأخوالهم من خزاعة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقًا إلى خزاعة فصدقهم، ثم صدق

صفحة مطبوعة 139 · ورقة PDF 140رابط الصفحة المنفردة

بني العنبر، فلما رأت بنو العنبر الصدقة قد أحرزها وثبوا فانتزعوها.

فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن بني العنبر منعوا الصدقة.

فبعث إليهم عيينة بن حصن في سبعين ومائة فوجد القوم خلوفًا فاستاق تسعة رجال وإحدى عشرة امرأة وصبيانًا.

فبلغ ذلك بني العنبر فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبعون رجلاً، منهم: الأقرع بن حابس، ومنهم: الأعور بن بشامة العنبري، وهو أحدثهم سنًّا.

فلما قدموا المدينة بهش(197) إليهم النساء والصبيان فوثبوا على حجر النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قائلته، فصاحوا به: يا محمد، علام تُسْبى نساؤنا ولم ننزع يدًا من طاعتك؟

فخرج إليهم فقال: اجعلوا بيني وبينكم حكمًا.

فقالوا: يا رسول الله، الأعور بن بشامة.

فقال: بل سيدكم ابن عمرو.

قالوا: يا رسول الله، الأعور بن بشامة.

فحكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم أن يُفدى شطر، وأن يُعتق شطر(198) .

صفحة مطبوعة 140 · ورقة PDF 141رابط الصفحة المنفردة

الأعور المعتدي

إذا رأى الناس أي صاحب إعاقة فإنهم يشفقون عليه، وينظرون إلى ضعفه وعجزه.

وإذا حدثت مشاجرة يكون معاق طرفًا فيها، لام الناس الطرف الصحيح وقرّعوه وبكّتوه ووقفوا ضده.

ولكن الحياة فيها من المتناقضات ما تعجب له العقول؛ فقد يكون صاحب الإعاقة هو المعتدي الظالم.

وهنا لا تشفع له إعاقته، بل ينال عقابه وجزاءه.

فقد سأل رجل أبا جعفر عليه السلام عن أعور فقأ عين صحيح متعمدًا فقال: تفقأ عينه. فقيل له: يكون أعمى؟ قال: الحق أعماه(199) .

الرسول صلى الله عليه وسلم والأعشى

الأعشى المازني، هذا الرجل ضعيف البصر أعجب النبي صلى الله عليه وسلم بشعره؛ حيث أخذ يردد بيتًا أعجبه من شعرٍ ألقاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأنشده:

يا مالك الناس وديان العربإني لقيت ذربة من الذرب(200) ( 200 )
غدوت أبغيها الطعام في رجبفخلفتني في نزاع وهرب
أخلفت العهد ولطت بالذنبوهن شر غالب لمن غلب
صفحة مطبوعة 141 · ورقة PDF 142رابط الصفحة المنفردة

قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: وهن شر غالب لمن غلب.

وسبب هذه الأبيات أن الأعشى كانت عنده امرأة اسمها معاذة، فخرج يمير أهله من هجر، فهربت امرأته بعده ناشزًا عليه، فعاذت برجل منهم يقال له: مطرف بن نهصل، فجعلها خلف ظهره.

فلما قدم الأعشى لم يجدها في بيته، وأخبر أنها نشزت عليه، وأنها عاذت بمطرف.

فأتاه فقال له: يا ابن عم، عندك امرأتي معاذة فادعها إليّ.

فقال: ليست عندي، ولو كانت عندي لم أدفعها إليك، وكان مطرف أعز منه.

فسار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعاذ به، وقال الأبيات، وشكا إليه امرأته وما صنعت، وأنها عند مطرف بن نهصل.

فكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مطرف: انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه.

فأتاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرئ عليه، فقال: يا معاذة، هذا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فيك، وأنا دافعك إليه.

قالت: خذ لي العهد والميثاق، وذمة النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يعاقبني فيما صنعت، فأخذ

صفحة مطبوعة 142 · ورقة PDF 143رابط الصفحة المنفردة

لها ذلك، ودفعها إليه.

فأنشأ يقول:

لعمرك ما حبي معاذة بالذييغيره الواشي ولا قدم العهد
ولا سوء ما جاءت به إذ أزلهاغواة رجال إذ ينادونها بعدي(201) ( 201 )

الرسول صلى الله عليه وسلم والأعرج

العرج من الإعاقات التي تكون في الرجل لأمر طبيعي أو حادث، وكلما قصرت الرجل كان العرج مستشنعًا.

واختلفت النظرة للعرج بين الناس، فمن مستشنع له كاره، ومن متقبل له، وهناك درجة أعلى لمن يفاخر بإعاقته.

فهذا الأعرج الطائي يخطب امرأة، فتشكو عرَجَه إلى جارتها، فيدعوها إلى الموازنة بينه وبين الأصحاء الذين يساويهم، بل وقد يرجح عليهم، وفي ذلك يقول:

تشكي إلى جاراتها وتعيبنيفقالت معاذ الله أنكح ذا الرِّجْلِ
فكم من صحيح لو يوَازَن بيننالكنا سواء ولَمَالَ به حِمْلي

ويحكى أن الإسكندر اعترض جيشه يومًا، فرأى فيهم رجلاً أعرج،

صفحة مطبوعة 143 · ورقة PDF 144رابط الصفحة المنفردة

فأمر بإسقاطه.

فضحك الأعرج.

فقال له الإسكندر: مم ضحكك وقد أسقطتك؟

فقال: تعجبًا منك؛ لحبك آلة الهروب، وكراهتك آلة الوقوف؛ لأن معي آلة الوقوف في الحرب وتسقطني.

فأمر بإثباته في خاصته، وأسنى رزقه(202) .

ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض الأحيان يطلق على من أصيب في رجله لقب الأعرج، فقال حاجب بن عمر: كان اسم جدي عبد الله بن إسحاق، وكان أصيبت رجله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسماه الأعرج(203) .

ورسول الله صلى الله عليه وسلم تلطفًا بأحوال أهل الأعذار، وتقديرًا لأحوالهم لم يكن ليفرض عليهم الجهاد، وكيف وقد رفع الله عنهم الحرج، ولكن ما الحال إذا رغب أصحاب الأعذار في الجهاد، هل يمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

لم يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه من أحب أن يأخذ بالعزيمة، ولكنه يعرض عليه الرخصة أولاً، وأن الله تعالى قَبِل عذرهم.

ولعل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء في حياته هو الذي جعل

صفحة مطبوعة 144 · ورقة PDF 145رابط الصفحة المنفردة

المسلمين يقبلون أن يجاهد ابن أم مكتوم الأعمى معهم، وأن يكون حامل راية المسلمين.

وممن قَبِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عزيمتهم عمرو بن الجموح، هذا الرجل الذي كان أعرج شديد العرج، «وكان له أربعة بنون شباب يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوجه إلى أُحُد قال له بنوه: إن الله عز وجل قد جعل لك رخصة، فلو قعدت فنحن نكفيك؛ فقد وضع الله عنك الجهاد.

فأتى عمرو بن الجموح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن بني هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك، والله إني لأرجو أن استشهد، فأطأ بعرجتي هذه في الجنة.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد.

وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه؛ لعل الله يرزقه الشهادة، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل يوم أحد شهيدًا»(204) .

وقد كان عمرو هذا سيد قبيلته، وشيخًا من شيوخ الأنصار، فترك السيادة طمعًا في ثواب الله وجنّته، وتسامى على كبر سنه ووهن عظمه قربة لله — تعالى، ولم يكن أن يهن في المعركة بعد كل ما سبق من أحداث بينه وبين بنيه، وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد حمل على المشركين هو وابنه حتى انكشف المشركون وانهزموا.

صفحة مطبوعة 145 · ورقة PDF 146رابط الصفحة المنفردة

وقد صوّر هذا المشهدَ الحاكم عندما تحدث عن مناقب عمروٍ فقال: «وكان سيد قبيلته، وكان أعرج، فقتل هو وابنه خلاد بن عمرو يوم أحد، حملا جميعًا على المشركين، وانكشف المشركون فقتلا جميعًا، ومعهما أبو أيمن مولى عمرو»(205) .

وقد حدثت له كرامة بعد مصرعه؛ فإنه قبل خروجه للجهاد قال: «اللّهُمّ لَا تَرُدّنِي، فَاسْتُشْهِدَ، فَجَعَلُوهُ بَنُوهُ عَلَى بَعِيرٍ لِيَحْمِلُوهُ إلَى الْمَدِينَةِ، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِمْ الْبَعِيرُ، فَكَانَ إذَا وَجّهُوهُ إلَى كُلّ جِهَةٍ سَارَعَ إلّا جِهَةِ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَأْبَى الرّجُوعَ إلَيْهَا، فَلَمّا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ذَكَرُوا قَوْلَهُ: اللّهُمّ لا تَرُدّنِي إلَيْهَا، فَدَفَنُوهُ فِي مَصْرَعِهِ»(206) .

ولقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كأني أنظر إلى عمرو بن الجموح يخوض الجنّة بعرجته(207) » .

ولقد دفن هو وعبد الله بن عمرو بن حرام في قبر واحد، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «سيدكم الأبيض الجعد(208) عمرو بن الجموح، وكان أعرج فقال صلى الله عليه وسلم: كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة»(209) .

صفحة مطبوعة 146 · ورقة PDF 147رابط الصفحة المنفردة

وممن قُتل شهيدًا بأُحد النعمان الأعرج(210) .

ونختم بالعالم الفقيه القاضي معاذ بن جبل، والذي كان أعرجَ، فلم يمنعه العرج من أن يتبوأ المكانة التي يستحقها في الحياة السياسية والاجتماعية الإسلامية، فقد شهد بدرًا وله عشرون سنة، ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، استخلف عليها عتّاب بن أسيد يصلي بهم، وخلّف معاذًا يُقرئهم ويفقههم.

بعثه رسول الله إلى اليمن عاملاً ومعلمًا وكتب إلى أهلها قائلاً: إني قد بعثت عليكم من خير أهلي، والي علمهم، والي دينهم(211) .

وقُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو باليمن.

وقد قُبض في طاعون عمواس سنة سبع عشرة، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.

ومن طريف ما يحكى عن عرجته أنه صلى بالناس في اليمن فبسط رجله، فبسط القوم أرجلهم، فلما صلى قال: قد أحسنتم ولكن لا تعودوا؛ فإني إنما بسطت رجلي في الصلاة لأني اشتكيتها(212) .

الأصحاب والأحنف

«الحَنَفُ:

صفحة مطبوعة 147 · ورقة PDF 148رابط الصفحة المنفردة

الاعوجاجُ في الرِجل، وهو أن تُقْبِلَ إحدى إبهاميْ رجليه على الأخرى.

وقال ابن الأعرابي: هو الذي يمشي على ظهر قَدَمه من شِقِّهَا الذي يلي خِنْصرَها»(213) .

وقد اشتهر الأحنف بن قيس بهذا الاسم لحنف في رجليه، والحنف: هو العوج؛ حيث كانت كل واحدة من رجليه تلتقي عند إبهام الأخرى عند مشيه.

وليس هذا فحسب، بل إنه كان قصيرًا صغير الرأس مائل الذقن ناتئ الجبين غائر العين متراكب الأسنان(214) .

وجملة القول: إنه لم يكن سوي الخِلقة، ومع ذلك فقد كان أفصح العرب وأحلمهم، ثم إنه كان سيد قومه المطاع فيهم؛ لحكمته وسداد رأيه.

وهو القائل بما اشتهر عنه من أبلغ الحكم: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: شريف من دنيء، وبر من فاجر،

صفحة مطبوعة 148 · ورقة PDF 149رابط الصفحة المنفردة

وحليم من أحمق(215)

وقوله لمن قال له: بم سُدْتَ قومك؟

وأراد بهذا السؤال أن يعيبه ويلمز ويغمز بهيئته وخِلقته.

فقال له الأحنف: بتركي ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك(216) .

وقد لقيه يومًا رجل كان قد سمع عنه الكثير، فلما رأى خِلقته احتقره وقال الجملة المشهورة: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه.

فقال له الأحنف بأناة وحلم: ما ذممت مني يا ابن أخي؟

فقال: الدمامة وقصر القامة.

فقال الأحنف رائعته، والتي أسكتته: لقد عبت عليّ ما لم أؤامر فيه(217) .

يقصد أن ولادته على هذه الشاكلة ليست بإرادته واختياره، ولم يؤخذ فيه رأيه، وإنما هي بإرادة الله — سبحانه.

وقد كان الأحنف سيدًا في قومه، ومقدمًا عند الخلفاء مثل: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان.

ورغم إعاقته فقد كان من قواد الجيوش، وفاتحي البلدان

صفحة مطبوعة 149 · ورقة PDF 150رابط الصفحة المنفردة

والأمصار.

وقد قال فيه عمر: «قد بلوتك وخبرتك فرأيت علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك»(218) .

وقد أقر عمر بسيادته وحسن منطقه وتقديمه على قومه.

وقد كان ابن عباس يشير على عليّ أن يجعل الأحنف بن قيس في التحكيم بدلاً من أبي موسى الأشعري، وقال عنه: «إنه مجرب من العرب، وهو قرن لعمرو»(219) ، أي: عمرو بن العاص.

الرسول صلى الله عليه وسلم ومن في عقله شيء

سبق أن تحدثنا عن العاهات، وأنواعها، وهناك من قسّم العاهات إلى قسمين:

— عاهات ظاهرة، وهي ما تُرى أو تُعرف بالحواس الظاهرة.

— عاهات باطنة، وهي المتعلقة بالعورة، ولا تعلم إلا بالتدقيق.

وذهب إلى أن العاهات الظاهرة تنقسم إلى قسمين تبعًا لوجودها في البدن، فهي:

أ — عاهات في الرأس.

ب — عاهات في الأطراف.

أ أما العاهات التي هي في الرأس أو متعلقة به،

صفحة مطبوعة 150 · ورقة PDF 151رابط الصفحة المنفردة

فهي:

* الجنون: Insanity ، madness

والجنون في اللغة: الستر، قال — تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ٧٦﴾ [الأنعام: 76]، والجنون آفة تنال العقل فتزيله.

والمجنون: هو مَن ذهب عقله أو فَسَدَ.

ومظهر الجنون: التصرفات القولية والفعلية على غير نهج العقلاء.

والجنون: زوال الشعور من القلب مع بقاء الحركة والقوة في الأعضاء.

أو هو: اختلال القوة الممِّيزَة بين الأشياء الحسنة والقبيحة، المدركة للعواقب.

ويلحق بالجنون: اللمم، ففي الحديث أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه لممًا بابنتها؛ فوصف لها الشونيز (الحبة السوداء)، وقال: « سينفع من كل شيء إلا السام(220) » .

واللمم:

صفحة مطبوعة 151 · ورقة PDF 152رابط الصفحة المنفردة

طَرَف من الجنون، يُلِمُّ بالإنسان، والسام: الموت.

وللجنون أسماء كثيرة، منها: اليَهَم، والألق، والرجل: أَوْلَقٌ، أي: مجنون، والطيف، والسُّعْر، والسُّعُر، والمس، والهَوَس، والثَّوْل، والخِبال.

وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الجنون(221) .

والجنون نوعان:

جنون مُطْبَقٌ فيسقط التكليف.

وجنون عارضٌ.

ويمكن أن يقال: جنون مستديم، وجنون طارئ(222) .

والمجتمع لا يخلو من أناس ابتلاهم الله بشيء في عقولهم، سواء جنون بالكلية، أو قصور ذهني.

وهؤلاء يحتاجون إلى تعامل من نوع خاص، وصبر طويل وجميل عليهم.

ومن هذه الحالات امرأة أنصارية أصيبت في عقلها، وكانت تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم طالبة منه قضاء بعض حاجاتها، فلم يكن يتبرم منها، أو

صفحة مطبوعة 152 · ورقة PDF 153رابط الصفحة المنفردة

يتأخر عنها، بل يبش في وجهها، ويذهب معها إلى المكان الذي تريده حتى يقضي لها حاجتها.

فقد أخرج مسلم عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً.

فَقَالَ: « يَا أُمَّ فُلَانٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ؛ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ ».

فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا(223) .

قال الزرقاني: «( كان في عقلها شيء ) من الجنون، ولم يصرح به إشارة لخفته، وأنها لم تستغرق فيه، فإن لفظ ( شيء ) يشعر بالقلة»(224) .

ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنّفها لطلبها متذرعًا بانشغاله بأمور أصحابه وبيته والدعوة، ولو قال لكان محقًّا، ولكنه تلطف معها، وقضى ما كانت تريد، بل نزل على هواها ورغبتها في اختيار أي الأماكن تريد من سكك المدينة.

وقال النووي: «وفيه بيان تواضعه بوقوفه مع المرأة الضعيفة»(225) .

صفحة مطبوعة 153 · ورقة PDF 154رابط الصفحة المنفردة

وموقف آخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع من في عقولهم شيء، ولكن هذه المرة كان مع طفل صغير، ويبدو أن جنونه كان عن مسٍّ شيطاني؛ مما دعاه أن يعالج هذا الأمر بنفسه، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ بِابْنٍ لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ بِابْنِي هَذَا جُنُونًا، وَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ عِنْدَ غَدَائِنَا وعَشَائِنَا فَيُفْسِدُ عَلَيْنَا.

قَالَ: فَمَسَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأْسَهُ، وَدَعَا لَهُ، فَثَعَّ ثَعَّةً(226) ، فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ مِثْلُ الْجَرْوِ الأَسْوَدِ فَسَعَى(227) .

ومثله ما شاهده يعلى بن مرة الثقفي وحكاه في حديث طويل بقوله: فمررنا بماء فأتته امرأة بابن لها به جنّة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنخره فقال: « اخرج؛ إني محمد رسول الله ».

قال: ثم سرنا، فلما رجعنا من سفرنا مررنا بذلك الماء، فأتته المرأة بجزر ولبن، فأمرها أن ترد الجزر، وأمر أصحابه فشرب من اللبن، فسألها عن الصبي فقالت: والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبًا بعدك(228) .

وفي قصة وَفْد عَبْدِ الْقَيْسِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان فيه أَبُو

صفحة مطبوعة 154 · ورقة PDF 155رابط الصفحة المنفردة

الْوَازِعِ الزّارِعُ بْنُ عَامِرٍ، وقد جاء بابْن أَخِيه وَكَانَ مَجْنُونًا؛ لِيَدْعُوَ لَهُ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فما تأخر النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فَمَسَحَ ظَهْرَ المجنون وَدَعَا لَهُ فَبَرِئَ لِحِينِهِ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَكُسِيَ جَمَالًا وَشَبَابًا(229)

وكان الأوس بن الصامت زوج خولة بنت ثعلبة به لمم، ورغم ذلك كانت تحبه، وكان إذا اشتد عليه ما في عقله ظاهرها، فذهبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القصة المشهورة.

قال كعب القرظي: كانت خولة بنة ثعلبة تحت أوس بن الصامت، وكان رجلاً به لمم، فقال في بعض هجراته(230) : أنت عليّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت عليّ، قالت: لا تقل ذلك، فو الله ما أحبّ الله طلاقًا. قالت: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسله.

فقال: إني أجدني أستحي منه أن أسأله عن هذا.

فقالت: فدعني أن أسأله.

فقال لها: سليه.

فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبيّ الله، إن أوس بن الصامت أبو ولدي، وأحبّ الناس إليّ، قد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقًا، قال: أنت عليّ كظهر أمي.

فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

صفحة مطبوعة 155 · ورقة PDF 156رابط الصفحة المنفردة

ما أرَاكِ إلا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ.

قالت: لا تقل ذلك يا نبيّ الله، والله ما ذكر طلاقًا، فرادّت النبيّ صلى الله عليه وسلم مرارًا.

ثم قالت: اللهمّ إني أشكو اليوم شدّة حالي ووحدتي، وما يشقّ عليّ من فراقه، اللهمّ فأنزل على لسان نبيك.

فلم ترم مكانها حتى أنزل الله: ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [المجادلة: 1] إلى أن ذكر الكفارات.

فدعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أعْتِقْ رَقَبَةً.

فقال: لا أجد.

فقال: صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ.

قال: لا أستطيع؛ إني لأصوم اليوم الواحد فيشقّ عليّ.

قال: أطعمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا.

قال: أما هذا فَنَعَمْ(231) .

زواج المجنون

إن غريزة بالجنس الآخر قد لا تتعطل بزوال العقل كله أو

صفحة مطبوعة 156 · ورقة PDF 157رابط الصفحة المنفردة

بعضه.

وقد يتزوج البعض ويصاب في عقله بعد الزواج.

وقد تتهيأ الظروف لبعض من في عقولهم شيء فيزوجهم أولياؤهم.

لكن ماذا لو زاد الجنون عن حده، وأوشك أن يوقع الفساد والأضرار في الأبدان والأعراض والأموال؟

فقد رأى أمير المؤمنين عمر أن نبدأ بالعلاج، فإن نفع بقي الزواج على حاله، وإلا فالطلاق حفظًا لتلك المرأة التي تعيش معه.

فقد كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب «في رجل مجنون يخاف أن يقتل امرأته، فكتب إلى أن أجله سنة يتداوى»(232) .

وذهاب عقله لا يجعله مؤهلاً للطلاق، فيقوم بذلك عنه وليه، وهذا مذهب عمرو بن العاص إذ رأى أنه «إذا عبث المجنون بامرأته طلق عليه وليه»(233) .

صفحة مطبوعة 157 · ورقة PDF 158رابط الصفحة المنفردة

دعاء من آل البيت للمخبول

يتجلى افتقار العبد إلى ربه ومولاه في الدعاء والإلحاح فيه، فمن يكشف الضر هو الله — تعالى.

وربَّ دعاء رفع بلاء، وغفر ذنبًا، وأبرأ سقمًا.

وكان الأئمة من آل البيت يعلمون الناس التضرع واللجوء إلى الله تعالى، ودعاءه، وطلب ما لا يُنال إلا منه.

فقد «دخل رجل إلى أبي عبد الله عليه السلام وقد عرض له خبل فقال له أبو عبد الله عليه السلام: ادع بهذا الدعاء إذا أويت إلى فراشك:

بسم الله وبالله، آمنت بالله، وكفرت بالطاغوت، اللهم احفظني في منامي ويقظتي، أعوذ بعزة الله وجلاله، مما أجد وأحذر»(234) .

فالدعاء كله خير، ومن أدمن طرق الباب يوشك أن يفتح له.

الرسول صلى الله عليه وسلم والمصروع

العقل من أعظم الميزات التي حبا الله بها الإنسان، والعقل هو المسيطر على حركة الجسم وأحاسيسه، وهو مركز الفكر والذاكرة والسلوك، وإذا حدث خلل فيه فإنه يندرج بالضرورة على هذا الجسد الحامل له.

ومرض الصرع من الأمراض الشائعة نسبيًّا؛ إذ تتراوح نسبة انتشاره في المجتمع ما بين (5 — 7) حالة في كل 1000 فرد.

وهذا المرض قد يصيب الإنسان في أي مرحلة من مراحل العمر من الولادة وحتى الشيخوخة(235) .

صفحة مطبوعة 158 · ورقة PDF 159رابط الصفحة المنفردة

والصرع يصاحبه تشنجات واضطرابات عصبية تظهر على الجسد، ويكون شكل المصروع وهيئته في أسوأ الأشكال والهيئات.

وقد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة قد أصابها الصرع، جاءته طالبة دعاءه لها بالشفاء، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن خيّرها بين أن تكون من أصحاب الجنة إن صبرت، وبين أن يدعو الله لها بالشفاء، فاختارت الصبر والجنة.

أخرج البخاري أن عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟

قُلْتُ: بَلَى.

قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي.

قَالَ: « إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ ».

فَقَالَتْ: أَصْبِرُ.

فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا(236) .

فرسول الله صلى الله عليه وسلم أراد لها الخير العميم والثواب الجزيل وهو الجنة،

صفحة مطبوعة 159 · ورقة PDF 160رابط الصفحة المنفردة

ولكنه اشترط عليها الصبر، ولكنها أنثى وجسمها عورة فحياؤها يمنعها من أن تتكشف بين الناس وهي في نوبة الصرع حيث لا تتحكم في نفسها، فطلبت منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لها بألا تتكشف، فدعا لها.

فكانت امرأة من أهل الجنة تعيش وتمشي بين الناس.

وقيل: إن اسمها أم زفر.

«وقَالَ عَطَاءٌ: إنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ تِلْكَ امْرَأَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ.

قال المؤلف(237) : فيه فضل الصرع(238) .

وفيه أن اختيار البلاء والصبر عليه يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه أنه يطيق التمادي على الشدة، ولا يضعف عن التزامها»(239) .

الرسول صلى الله عليه وسلم والأصم

الإنسان الأصم هو إنسان معزول عن الناس، يعيش بينهم لكن له عالمًا آخر يعيش فيه.

صفحة مطبوعة 160 · ورقة PDF 161رابط الصفحة المنفردة

والإنسان ثقيل السمع يجد صعوبة في التواصل مع الناس، وقد يتهكم عليه الآخرون لعدم قدرته على سماعهم، أو مخالفة الكلام بحيث يغيرون كلامهم في الموقف الواحد اعتمادًا على ثقل سمعه.

ولننقل هذه اللقطة المفعمة بالأسى، المترعة بالحزن لشاعر فقد سمعه — هو خالد بن زيد الجهضمي — في قوله:

كفى حزَنًا أني أجالس معشرايخوضون في بعض الحديث وأمسكُ
وما ذاك من عيٍّ ولا من جهالةولكنه ما فيّ للصوت مسلك
فإن سُد مني السمع فالله قادرعلى فتحه والله بالعبد أملك(240) ( 240 )

وثقيل السمع يرفع صوته ظنًّا منه أنهم لا يسمعونه إلا إذا رفع

صفحة مطبوعة 161 · ورقة PDF 162رابط الصفحة المنفردة

صوته، وإن لم يصاحبه هذا الظن، فهو يرفعه لا إراديًّا.

وكان ثابت بن قيس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن ثقل سمعهم، لكن الله حباه بالبلاغة والفصاحة، فكان خطيب الأنصار، وخطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قدّمه رسول الله لموهبته.

قال الذهبي: «كان جهير الصوت، خطيبًا، بليغًا...

خطب مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟

قال: الجنة.

قالوا: رضينا»(241) .

وقد كانت له مواقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على حب الرسول له، والشهادة له بالفضل، وقد بشّره صلى الله عليه وسلم بالجنة.

وبسبب مرضه وقلة سمعه نرى أن ذلك كان يؤثر عليه نفسيًّا؛ حتى ظن أنه هلك لوقوعه تحت آية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ٢﴾ [سورة الحجرات: 2].

فقد «جاء ثابت بن قيس بن الشماس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون،

صفحة مطبوعة 162 · ورقة PDF 163رابط الصفحة المنفردة

فقال: يا ثابت، ما الذي أرى بك؟!

فقال: آية قرأتها الليلة، فأخشى أن يكون قد حَبِط عملي: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ﴾، وكان في أُذنه صمم، فقال: يا نبيّ الله، أخشى أن أكون قد رفعت صوتي، وجهرت لك بالقول، وأن أكون قد حبط عملي، وأنا لا أشعر.

فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( امْشِ على الأرْضِ نَشِيطًا؛ فإنَّكَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ(242) )» .

وفي رواية أخرى تدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتفقده ويسأل عليه حال غيابه، قال عكرمة: «لما نزلت ﴿لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ﴾ قال ثابت بن قيس: أنا كنت أرفع صوتي فوق صوته، فأنا من أهل النار، فقعد في بيته.

فتفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ما أقعده فقال: بل هو من أهل الجنة.

فلما كان يوم اليمامة، انهزم الناس، فقال ثابت: أف لهؤلاء ولما يعبدون! وأف لهؤلاء ولما يصنعون! يا معشر الأنصار! خلوا سَنني(243) ؛ لعلي أصلى(244) بحرِّها ساعة، ورجل قائم على ثلمة(245) ، فقتله وقتل»(246) .

صفحة مطبوعة 163 · ورقة PDF 164رابط الصفحة المنفردة

وهل هناك فخر بعد شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالجنّة وهو على ظهر الأرض يضرب بقدميه؟

«قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان في بعضنا بعض الانكشاف، فأقبل وقد تكفن وتحنط، فقاتل حتى قتل»(247) .

ومن قبلها شهد له ولبعض الصحابة بالفضل فقال صلى الله عليه وسلم: «نِعْم الرجل أبو بكر...

نعم الرجل عمر...

نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح...

نعم الرجل أسيد بن حضير...

نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس...

نعم الرجل معاذ بن جبل...

صفحة مطبوعة 164 · ورقة PDF 165رابط الصفحة المنفردة

نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح»(248) .

ويبدو أن ثابتًا كان في طبعه حدة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه إلى الخير، وعامله باللطف، مما أثر ذلك في أخلاقه؛ فعن النعمان بن بشير، أن ثابت بن قيس بن شماس سبق بركعة من صلاة الغداة فقام يقضي.

فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقعد الناس حواليه.

فلما قضى ثابت بن قيس الصلاة جاء إلى رجل فقال: أوسع فأوسع له، وكان رجلاً مهيبًا، وكان في أذنه صمم.

ثم جاء إلى ثانٍ فقال: أوسع لي فأوسع له.

ثم جاء إلى ثالث فقال: أوسع لي.

فقال: من ورائك سعة أي شيء تخطى الناس؟

فنظر في وجهه فقال: يا ابن فلانة.

فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « من ذا الذي عيّر الرجل قبيل بأمه »؟

فسكتوا.

ثم قال الثانية: « من ذا الذي عير الرجل قبيل بأمه »؟

فقام ثابت بن قيس بن شماس فقال: يا رسول الله، إني سبقت بركعة،

صفحة مطبوعة 165 · ورقة PDF 166رابط الصفحة المنفردة

وأنا في أذني صمم، فاشتهيت أن أدنو منك، وقعد الناس حواليك.

فجئت إلى رجل فقلت: أوسع لي فأوسع.

وجئت إلى آخر فقلت: أوسع لي فأوسع لي.

وجئت إلى هذا الثالث فقلت: أوسع لي.

فقال: من ورائك سعة أي شيء تخطى رقاب الناس؟

فعيرته بأم كانت في الجاهلية كان غيرها من النساء خيرًا منها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا ثابت بن قيس بن شماس، ارفع رأسك فوق هذا الملأ فيهم الأسود والأبيض والأحمر، ما أنت بخير من هؤلاء إلا بتقوى الله ».

قال: فما عيرت بعد ذلك اليوم أحدًا(249) .

التصدق على الأصم

الأصم قد يفهم الناس من خلال إشاراتهم له، وأحيانًا لا يفهم إشاراتهم فيحتاج لمن يوصل له كلامهم بتكرار الكلام على مسامعه بصوت عال.

صفحة مطبوعة 166 · ورقة PDF 167رابط الصفحة المنفردة

وهي ليست حالة عابرة، بل مستقرة، لذا فإن الذي يصبر عليه ويعذره، ويحاول أن يكون وسيطًا بين هذا الأصم والعالم الخارجي له أجر عظيم من الله إن أخلص النية له — سبحانه.

وقد اعتبر أبو عبد الله عليه السلام أن «إسماع الأصم من غير تضجر صدقة هنيئة»(250) .

وقد ذكرها صاحب تفسير «الأمثل» عن الصادق — أيضًا — بلفظ آخر هو: «إسماع الأصم مِن غير تصعرُّ صدقة هنيئة»(251) .

وقد وردت أحاديث بنفس المعنى؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ليس نفس من بني آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس ».

قيل: وما هي يا رسول الله؟ ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟

قال: « إن أبواب الخير كثيرة: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى(252) » .

وعن سهل بن

صفحة مطبوعة 167 · ورقة PDF 168رابط الصفحة المنفردة

سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إسماع الأصم صدقة(253)

قال المناوي: «أي: إبلاغ الكلام للأصم بنحو صياح في أذنه أو كتابة أو إشارة (صدقة) عن المسمع، أي: يثاب عليه كما يثاب على الصدقة»(254) .

من فقه آل البيت في الأصم

الأصم ليس منعزلاً عن الدنيا بالكلية؛ فآلة البصر إن كانت سليمة فإنه تقبل شهادته على ما يراه، مثل: القتل والزنى، ولا تقبل فيما هو من باب المسموعات.

وقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن شهادة الأصم في القتل فقال: «يؤخذ بأول قوله، ولا يؤخذ بالثاني»(255) .

وجاء بهامش الكافي: «والعلة فيه غير ظاهرة، ويحتمل أن يكون قد بدل الصبي بالأصم؛ فإن الصبي هو الذي يختلف في قوله، ولا مدخل للسمع في شهود القتل من المشهود عليه، وإنما المدار فيه على البصر».

صفحة مطبوعة 168 · ورقة PDF 169رابط الصفحة المنفردة

وفي مسألة القذف والاتهام بالزنى بين الزوجين، ويكون أحدهما أصم؛ فقد قال أبو عبد الله عليه السلام في امرأة قذفت زوجها وهو أصم: «يفرق بينها وبينه، ولا تحل له أبدًا.

وسئل عن رجل قذف امرأته بالزنى وهي خرساء صماء لا تسمع ما قال فقال: إن كان لها بينة يشهدون لها عند الإمام جلده الحد، وفرق بينهما، ثم لا تحل له أبدًا، وإن لم يكن لها بينة فهي حرام عليه ما أقام معها، ولا إثم عليها منه»(256) .

الآل والأصحاب والأخرس

الكلام نعمة عظيمة من نعم الله على الإنسان، وهي نعمة مخصوصة به لا يشترك معه فيها سائر المخلوقات، باستثناء الملائكة والجان.

وإذا سلب الله إنسانًا هذه النعمة، فلا شك أن الصابر على هذا البلاء له جزيل الثواب من الله — تعالى.

وكما جعل الله الكلام آية من آياته فقال: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ١ عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ٢ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ٣ عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ٤﴾ [الرحمن: 1 — 4]، فقد جعل عدم الكلام مع سيدنا زكريا آية فقال: ﴿قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ﴾ [آل عمران: 41].

صفحة مطبوعة 169 · ورقة PDF 170رابط الصفحة المنفردة

وقد ذهب ابن عباس في تأويل قوله — تعالى: ﴿أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: 282] إلى أنه العييّ الأخرس(257) .

ومن فقه الصحابة المتعلقة بالأخرس ما قضى به عمر بن الخطاب رضي الله عنه في لسان الأخرس الذي يستأصل بثلث الدية(258) .

وقد ذهب عليّ — كرّم الله وجهه — إلى أنه «ليس بين خمس من النساء وبين أزواجهن ملاعنة: اليهودية تكون تحت المسلم، والنصرانية والأمة تكونان تحت الحر فيقذفهما، والحرة تكون تحت العبد فيقذفها، والمجلود في الفرية؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ﴾ [النور: 4]، والخرساء ليس بينها وبين زوجها لعان؛ إنما اللعان باللسان»(259) .

وليس معنى أنه لا لعان بين الخرساء وزوجها أن تظل زوجة له، بل يفرق بينهما.

فأبو عبد الله عليه السلام عندما سئل عن المرأة الخرساء يقذفها زوجها وكيف يلاعنها؟

فقال: «يفرق بينهما، ولا تحل له أبدًا»(260) .

وقد رأى الرضا عليه السلام أن الأخرس يباشر الطلاق بنفسه، ولا ينوب

صفحة مطبوعة 170 · ورقة PDF 171رابط الصفحة المنفردة

عنه وليه في ذلك، وكان ذلك عندما سئل عن الرجل يكون عنده المرأة فيصمت فلا يتكلم.

قال: أخرس؟

قال السائل: نعم.

قال: فيعلم منه بغض لامرأته وكراهة لها؟

قال السائل: نعم، أيجوز أن يطلق عنه وليه؟

قال: لا، ولكن يكتب ويشهد على ذلك.

قال السائل: أصلحك الله؛ فإنه لا يكتب ولا يسمع كيف يطلقها؟

قال: بالذي يعرف به من فعاله مثل ما ذكرت من كراهته لها أو بغضه لها(261) .

الآل والأشل

الأيدي والأرجل من نعم الله التي قد تعطل عن لأي سبب من الأسباب، ويزداد احتياج الإنسان للآخرين كلما زاد العطل فيهما، فمثلاً صاحب اليد الشلاء يمكنه قضاء مصالحه والاعتماد على الأخرى السليم، أما إن كانتا في الشلل سواء فهذا هو العجز الكامل، وكذا الحال بالنسبة

صفحة مطبوعة 171 · ورقة PDF 172رابط الصفحة المنفردة

للرجلين.

وقد لا يكون ابتلاء الله للإنسان مانعًا من ارتكابه للمحرمات والإفساد في الأرض؛ فقد يسرق ويقتل.

وهنا لن يكون ما هو فيه من ابتلاء مانعًا من إنفاذ حكم الله فيه، ومنعه من إفساده، لذا لما سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل أشل اليد اليمنى أو أشل الشمال سرق قال: «تقطع يده اليمنى على كل حال»(262) .

ثم إن له قولاً آخر في نفس تلك المسألة فقال: «إذا سرق الرجل ويده اليسرى شلاء لم تقطع يمينه ولا رجله.

وإن كان أشل ثم قطع يد رجل قص منه.

يعني: لا يقطع بالسرقة، ولكن يقطع في القصاص».

فعلق صاحب «وسائل الشيعة» بقوله: «يمكن الجمع بجواز قطعها في السرقة وعدم وجوبه»(263) .

الرسول والآل والأصحاب والمجذوم

الجذام مرض يسبب لصاحبه معاناة شديدة، معاناة على المستوى الشخصي والمجتمعي.

فهناك بعض الأمراض التي تكون خفية على الناظرين، فلا يلحظونها، ويتعاملون مع صاحبه تعاملاً طبيعيًّا.

صفحة مطبوعة 172 · ورقة PDF 173رابط الصفحة المنفردة

أما الجذام فهو مرض ظاهري تنفر منه النفوس، فتتسبب تلك النفرة في الألم النفسي للمجذوم، وانعزاله عن مجتمعه.

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: « لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامةَ وَلَا صفر، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ(264) » .

وروى مسلم عن عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، أنه قال: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: « إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ(265) » .

«قال عياض: اختلفت الآثار في المجذوم؛ فجاء ما تقدم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع مجذوم وقال: ( ثقة بالله وتوكلاً عليه(266) ) .

قال: فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، وممن قال بذلك عيسى بن دينار من المالكية.

قال: والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز»(267) .

وقد

صفحة مطبوعة 173 · ورقة PDF 174رابط الصفحة المنفردة

كان أبو بكر يأكل مع الأجذم(268)

و«كان عمر بن الخطاب إذا أتي بالطعام وعنده معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي — وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مجذومًا — قال له: يا معيقيب، كل مما يليك، فايم الله، أن لو غيرك به ما بك، ما جلس مني على أدنى من قيس رمح»(269) .

و«كان ابن عمر لا يحبس عن طعامه بين مكة والمدينة مجذومًا، ولا أبرص، ولا مبتلى حتى يقعدوا معه على مائدته»(270) .

وابن عباس كان لا يتحاشى المجذومين؛ فعن عكرمة قال: «لزق بابن عباس مجذوم، فقلت له: تلزق بمجذوم؟ قال: لعله خير مني ومنك»(271) .

وأمنا عائشة لم تكن تأنف من أن ينام مولى مجذوم على فراشها، أو أن يأكل في صحافها، وقالت: «ولو كان عاش كان على ذلك»(272) .

ولقد مر الإمام علي زين العابدين ذات يوم «بمجذومين فسلم عليهم وهم يأكلون فمضى، ثم قال: إن الله لا يحب المتكبرين، فرجع

صفحة مطبوعة 174 · ورقة PDF 175رابط الصفحة المنفردة

إليهم فقال: إني صائم. وقال: ائتوني بهم في المنزل، فأتوه بهم، فأطعمهم ثم أعطاهم»(273)

وقد ورد عن علي رضي الله عنه «أنه نهى عن الصلاة خلف الأجذم والأبرص والمجنون والمحدود وولد الزنا»(274) .

أما الصادق فذهب إلى عكس ذلك فقد سأله ابن يزيد «عن المجذوم والأبرص يؤمان المسلمين؟

قال: نعم.

قلت — أي: ابن زيد: هل يبتلي الله بهما المؤمن؟

قال: نعم، وهل كتب البلاء إلا على المؤمن»(275) .

12 — الآل والأصحاب والأبرص

من عظيم البلاء على الإنسان أن يستقذره الناس، ويأنفوا من التعامل معه، فيكون معزولاً عنهم.

والبرص من تلك الأمراض، لاسيما وأنه يترك آثاره واضحة جلية على الإنسان.

صفحة مطبوعة 175 · ورقة PDF 176رابط الصفحة المنفردة

لكن لا يعيب الإنسان أن يحتاط لنفسه دون وسوسة زائدة، ودون جرح لمشاعر صاحب المرض.

فقد كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: «كنا نتوضأ من مس الأبرص»(276) .

ولعدم جرح مشاعر الأبرص عند حضوره في المجالس، فإن البعض كان يستخدم الإشارة للتنبيه على مجانبة الأبرص؛ فعن عروة بن الزبير أنه قال: «أقبلت إلى الزبير يومًا وأنا غلام، وعنده رجل أبرص، فأردت أن أمس الأبرص، فأشار إلي الزبير فأمرني أن أنصرف مخافة أن أمسه»(277) .

وقد ذكرنا سابقًا أن ابن عمر كان يأكل مع الأبرص والمجذوم.

وكان ابن عباس يرى أن الركن ياقوتة من يواقيت الجنة، وإلى الجنة مصيره، وكان يقول: «لولا ما مسه من أيدي الجاهليين لأبرأ الأكمه والأبرص»(278) .

صفحة مطبوعة 176 · ورقة PDF 177رابط الصفحة المنفردة

صحابة من ذوي الإعاقات والحاجات

قبل أن نختم هذا الكتاب نذكر سريعًا عددًا من مشاهير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أصابتهم إعاقات في حياتهم، ولكنهم رغم تلك الإعاقات دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه:

الأَقْرَعِ بْن حَابِس

كَانَ فِي صَدْر الإِسْلَام رَئِيس خِنْدَف(279) ، وهُوَ أَوَّل مَنْ حَرَّمَ الْقِمَار، وَقِيلَ: كَانَ سَنُوطًا(280) أَعْرَج مَعَ قَرَعه وَعَوَره، وَكَانَ يَحْكُم فِي الْمَوَاسِم، وَهُوَ آخِر الْحُكَّام مِنْ بَنِي تَمِيم(281) .

وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف، وهو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه.

وقال الزبير في النسب: كان الأقرع حكمًا في الجاهلية.

وفيه يقول جرير وقيل غيره لما تنافر إليه هو والفرافصة أو

صفحة مطبوعة 177 · ورقة PDF 178رابط الصفحة المنفردة

خالد بن أرطاة:

يا أقرع بن حابس يا أقرعإن تصرع اليوم أخاك تصرع

وقد بعث علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهبية من اليمن فقسمها بين أربعة أحدهم الأقرع بن حابس.

شهد مع شرحبيل بن حسنة دومة الجندب، وشهد مع خالد حرب أهل العراق.

وقال ابن دريد: اسم الأقرع بن حابس فراس، وإنما قيل له: الأقرع لقرع كان برأسه.

وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام.

واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان فأصيب بالجوزجان هو والجيش، وذلك في زمن عثمان.

وذكر ابن الكلبي أنه كان مجوسيًّا قبل أن يسلم.

وقيل: قتل الأقرع بن حابس باليرموك في عشرة من بنيه(282) .

حسان بن ثابت

سيد الشعراء المؤمنين، المؤيد بروح القدس.

شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم

صفحة مطبوعة 178 · ورقة PDF 179رابط الصفحة المنفردة

وصاحبه.

عاش ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام.

لم يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم مشهدًا.

دخل حسان على عائشة — بعدما عمي — فوضعت له وسادة، فدخل أخوها عبدالرحمن، فقال: أجلستيه على وسادة، وقد قال ما قال؟ يريد: مقالته نوبة الإفك.

فقالت: كان يجيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشفي صدره من أعدائه وقد عمي، وإني لأرجو ألا يعذب في الآخرة.

عن مسروق، قال: كنت عند عائشة، فدخل حسان بعد ما عمي فقال:

حصان رزان بما تزن بريبةوتصبح غرثى من لحوم الغوافل

فقالت: لكن أنت لست كذاك!

فقلت لها: تأذنين له، وقد قال الله: ﴿وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ١١﴾ [النور: 11]؟

فقالت: وأي عذاب أشد من العمى.

توفي زمن معاوية(283) .

أبو سفيان بن حرب

رأس قريش وقائدهم يوم أحد ويوم الخندق.

صفحة مطبوعة 179 · ورقة PDF 180رابط الصفحة المنفردة

وله هنات وأمور صعبة، لكن تداركه الله بالإسلام يوم الفتح فأسلم شبه مكره خائف.

ثم بعد أيام صلح إسلامه.

وكان من دهاة العرب ومن أهل الرأي والشرف فيهم، فشهد حنينًا، وأعطاه صهره رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنائم مائة من الإبل، وأربعين أوقية من الدراهم يتألفه بذلك.

وشهد قتال الطائف، فقلعت عينه حينئذ، ثم قلعت الأخرى يوم اليرموك.

وكان يومئذ قد حسن — إن شاء الله — إيمانه؛ فإنه كان يومئذ يحرض على الجهاد.

وكان تحت راية ولده يزيد، فكان يصيح: يا نصر الله اقترب.

وكان يقف على الكراديس يذكر، ويقول: الله الله، إنكم أنصار الإسلام ودارة العرب، وهؤلاء أنصار الشرك ودارة الروم; اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك.

وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر سنين.

وعاش بعده عشرين سنة.

وكان عمر يحترمه; وذلك لأنه كان كبير بني أمية.

صفحة مطبوعة 180 · ورقة PDF 181رابط الصفحة المنفردة

وكان حمو النبي صلى الله عليه وسلم.

وما مات حتى رأى ولديه: يزيد، ثم معاوية، أميرين على دمشق.

وكان يحب الرياسة والذكر، وكان له سورة كبيرة في خلافة ابن عمه عثمان.

توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين.

وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث أو أربع وثلاثين، وله نحو التسعين(284) .

أبو محمد طلحة بن عبيد الله

وكانت يده شلاء مما وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد(285) .

وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشورى.

كان عند وقعة بدر في تجارة الشام، فضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره.

وشهد أحدًا وأبلى فيها بلاءً حسنًا، ووقى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، واتقى النبل عنه بيده حتى شلت أصبعه.

وقال صلى الله عليه وسلم:

صفحة مطبوعة 181 · ورقة PDF 182رابط الصفحة المنفردة

أوجب طلحة، حين صنع يوم أحد ما صنع.

قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد نهض إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان قد ظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض لم يستطع، فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها.

وقال سعد بن عبادة: بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم عصابة من أصحابه على الموت يوم أحد حين انهزم المسلمون، فصبروا، وجعلوا يبذلون نفوسهم دونه، حتى قتل منهم من قتل، فعد فيمن بايع على ذلك جماعة منهم: أبو بكر وعمر وطلحة والزبير وسعد وسهل بن حنيف وأبو دجانة.

وأخرج الدارقطني أنه لما أصيبت يده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاه بها فقال: حس حس(286) .

فقال: لو قلت: بسم الله لرأيت بناءك الذي بنى الله لك في الجنة وأنت في الدنيا.

ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذي قرد على ماء يقال له: بيسان مالح فقال: هو نعمان وهو طيب، فغير اسمه، فاشتراه طلحة ثم تصدق به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنت يا

صفحة مطبوعة 182 · ورقة PDF 183رابط الصفحة المنفردة

طلحة إلا فياض، فبذلك قيل له: طلحة الفياض.

ذكر الزبير بسند له مرسل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما آخى بين أصحابه بمكة قبل الهجرة آخى بين طلحة والزبير.

وبسند آخر مرسل — أيضًا — قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة، فآخى بين طلحة وأبي أيوب.

قال قبيصة بن جابر: صحبت طلحة فما رأيت رجلاً أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه.

وقال قيس بن أبي حازم: رمي طلحة يوم الجمل بسهم في ركبته فكانوا إذا أمسكوها انتفخت، وإذا أرسلوها انبعثت، فقال: دعوها.

وقال الجارود بن أبي سبرة: لما كان يوم الجمل نظر مروان بن الحكم إلى طلحة فقال: لا أطلب ثأري بعد اليوم، فنزع له بسهم فقتله.

وقال قيس بن أبي حازم: إن مروان بن الحكم رأى طلحة في الخيل فقال: هذا أعان على عثمان فرماه بسهم في ركبته، فما زال الدم يسيح حتى مات.

وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين من الهجرة.

وروى ابن سعد أن ذلك كان في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة وله أربع وستون سنة(287) .

صفحة مطبوعة 183 · ورقة PDF 184رابط الصفحة المنفردة

عَبْدَ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ [الأهتم الأعرج]

كَانَ سَاقِطَ الثَّنِيَّتَيْنِ، أهْتَمَ، أَعْسَرَ، أَعْرَجَ، كَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ فَهُتِمَ، وَجُرِحَ عِشْرِينَ جِرَاحَةً، أو أَكْثَرَ، أَصَابَهُ بَعْضُهَا فِي رِجْلِهِ فَعَرِجَ(288) .

وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة من أهل الشورى، وأحد السابقين إلى الإسلام، وهو من أهل بدر، وُلِد بعد عام الفيل بعشر سنين.

وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم مرة مقتديًا به، فقد روى الإمام أحمد وغيره أن المغيرة بن شعبة سُئِل: هل أَمَّ النبيَ صلى الله عليه وسلم أحد من هذه الأمة غيرُ أبي بكر؟

فقال: نَعَمْ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ السَّحَرِ ضَرَبَ عُنُقَ رَاحِلَتِي فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ حَاجَةً، فَعَدَلْتُ مَعَهُ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى بَرَزْنَا عَنِ النَّاسِ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَتَغَيَّبَ عَنِّي حَتَّى مَا أُرَاهُ.

فَمَكَثَ طَوِيلاً ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: « حَاجَتَكَ يَا مُغِيرَةُ ».

قُلْتُ: مَا لِي حَاجَةٌ.

فَقَالَ: « هَلْ مَعَكَ مَاءٌ؟» .

فَقُلْتُ: نَعَمْ.

صفحة مطبوعة 184 · ورقة PDF 185رابط الصفحة المنفردة

فَقُمْتُ إِلَى قِرْبَةٍ أَوْ إِلَى سَطِيحَةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي أَخِرَةِ الرَّحْلِ، فَأَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ فَأَحْسَنَ غَسْلَهُمَا — قَالَ: وَأَشُكُّ أَقَالَ: دَلَّكَهُمَا بِتُرَابٍ أَمْ لَا — ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ يَدَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَضَاقَتْ فَأَخْرَجَ يَدَيْه مِنْ تَحْتِهَا إِخْرَاجًا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ. — قَالَ: فَيَجِيءُ فِي الْحَدِيثِ غَسْلُ الْوَجْهِ مَرَّتَيْنِ قَالَ: لَا أَدْرِي أَهَكَذَا كَانَ أَمْ لَا.

ثُمَّ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَرَكِبْنَا فَأَدْرَكْنَا النَّاسَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَتَقَدَّمَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً وَهُمْ فِي الثَّانِيَةِ، فَذَهَبْتُ أُوذِنُهُ فَنَهَانِي، فَصَلَّيْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي أَدْرَكْنَا، وَقَضَيْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سُبِقْنَا(289) .

ولقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ: سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالاً فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا.

فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟

قَالَ: سُوقُ

صفحة مطبوعة 185 · ورقة PDF 186رابط الصفحة المنفردة

قَيْنُقَاعٍ.

فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ.

ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: تَزَوَّجْتَ؟

قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: وَمَنْ؟

قَالَ: امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ.

قَالَ: كَمْ سُقْتَ؟

قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أو نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ.

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: « أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاة(290) » .

شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت يوم أحد حين ولى الناس، لكنه أصيب فكسرت بعض أسنانه

صفحة مطبوعة 186 · ورقة PDF 187رابط الصفحة المنفردة

فتركت أثرًا واضحًا في نطقه؛ لسقوط ثنيّته، وجرح كذلك عشرين جراحة بعضها في ساقة فخَلَّفت عرجًا دائمًا.

عاش اثنين وسبعين سنة، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه عثمانُ بناء على وصيته، ودُفِنَ بالبقيع(291) .

عمار بن ياسر (مقطوع الأذن)

الإمام الكبير أبو اليقظان، أحد السابقين الأولين، والأعيان البدريين.

وأمه: هي سمية مولاة بني مخزوم، من كبار الصحابيات — أيضًا.

قال عبد الله بن مسعود: أول مَن أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد.

وقد ذاق ألوان العذاب على يد كفار قريش، وكان صلى الله عليه وسلم يمر بهم ويقول: « صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة ».

قال القاسم بن عبد الرحمن: أول من بنى مسجدًا يصلى فيه عمار.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لم يكن نبي قط إلا وقد أعطي سبعة رفقاء نجباء وزراء، وإني أعطيت أربعة عشر: حمزة، وأبو بكر، وعمر، وعلي، وجعفر، وحسن، وحسين، وابن مسعود، وأبو ذر، والمقداد، وحذيفة، وعمار، وبلال، وسلمان ».

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْجَنَّةَ لَتَشْتَاقُ إِلَى ثَلاثَةٍ:

صفحة مطبوعة 187 · ورقة PDF 188رابط الصفحة المنفردة

عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَسَلْمَانَ

شهد بدرًا وأحدًا والخندق وبيعة الرضوان.

وعن علي قال: استأذن عمار على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « مَن هذا؟» .

قال: عمار.

قال: « مرحبًا بالطيب المطيَّب ».

وعن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين عمار كلام، فأغلظت له، فشكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « مَن عادى عمارًا عاداه الله، ومَن أبغض عمارًا أبغضه الله »، فخرجتُ، فما شيء أحبَّ إليّ من رضا عمار، فلقيته فرضي.

عن أبي سعيد قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد، فجعلنا ننقل لبنة لبنة، وعمار ينقل لبنتين لبنتين، فترب رأسه، فحدثني أصحابي ولم أسمعه من رسول الله أنه جعل ينفض رأسه ويقول: « ويحك يا ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية ».

عن حارثة بن مضرب قال: قرئ علينا كتاب عمر: أما بعد، فإني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا، وابن مسعود معلمًا وزيرًا، وإنهما لمن

صفحة مطبوعة 188 · ورقة PDF 189رابط الصفحة المنفردة

النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أهل بدر، فاسمعوا لهما وأطيعوا، واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بابن أم عبد على نفسي.

قال طارق بن شهاب: إن أهل البصرة غزوا نهاوند، فأمدهم أهل الكوفة وعليهم عمار، فظفروا، فأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة شيئًا.

فقال رجل تميمي: أيها الأجدع! تريد أن تشاركنا في غنائمنا؟

فقال عمار: خير أذني سببت؛ فإنها أصيبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة.

وعن ابن عمر، قال: رأيت عمارًا يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين، أَمِن الحنة تَفِرُّون؟ أنا عمار بن ياسر، هلّموا إليّ، وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت، فهي تَذَبْذَب وهو يقاتل أشد القتال.

وعن عبد الله بن أبي الهذيل؛ رأيت عمارًا اشترى قَتًّا بدرهم، وحمله على ظهره، وهو أمير الكوفة.

قُتِل يوم صفين سنة سبع وثلاثين للهجرة وعمره ثلاث وتسعون سنة(292) .

صفحة مطبوعة 189 · ورقة PDF 190رابط الصفحة المنفردة

المغيرة بن شُعْبَة

من كبار الصحابة أولي الشجاعة والمكيدة، مِمَن شهد بيعة الرضوان، أسلم عام الخندق، كان داهية، يقال له: مغيرة الرأي.

كان رجلاً طوالاً مهيبًا، ذهبت عينه يوم اليرموك، وقيل: يوم القادسية.

وقالت عائشة: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام المغيرة بن شعبة ينظر إليها، فذهبت عينه.

قال ابن سعد: كان المغيرة أصهب الشعر جدًّا، يفرق رأسه فروقًا أربعة، أقلص الشفتين، مهتومًا، ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين.

قال عن نفسه: كنّاني النبي صلى الله عليه وسلم بأبي عيسى.

استعمله عمر على البحرين، ثم عزله، ثم ولَّاه البصرة، ثم ولّاه معاويةُ الكوفةَ.

قاد وقعة أذربيجان سنة اثنين وعشرين، وافتتح هَمَذان عَنْوةً.

قال المغيرة بن شعبة لعليّ حين قُتل عثمان: اقعد في بيتك ولا تدعُ إلى نفسك؛ فإنك لو كنت في جحر بمكة لم يبايعوا غيرك.

وقال لعليّ: إن لم تطعني في هذه الرابعة لأعتزلنك، ابعث إلى معاوية عهده، ثم اخلعه بعد.

صفحة مطبوعة 190 · ورقة PDF 191رابط الصفحة المنفردة

فلم يفعل، فاعتزله المغيرة باليمن.

وحج بالناس سنة أربعين، سنة انشغال المسلمين بأمر عليّ ومعاوية.

قال الزهري: كان دهاة الناس في الفتنة خمسة:

فمن قريش: عمرو، ومعاوية.

ومن الأنصار: قيس بن سعد.

ومن ثقيف: المغيرة.

ومن المهاجرين: عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي.

فكان مع علي قيس وابن بديل، واعتزل المغيرة بن شعبة.

قال المغيرة: أنا آخر الناس عهدًا برسول الله صلى الله عليه وسلم لما دفن، خرج علي بن أبي طالب من القبر، فألقيت خاتمي، فقلت: يا أبا الحسن، خاتمي!

قال: انزل فخذه.

قال: فمسحت يدي على الكفن، ثم خرجت.

قال سماك بن سلمة: أول من سلم عليه بالإمرة المغيرة بن شعبة.

يعني: قول المؤذن عند خروج الإمام إلى الصلاة: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته.

وقال الجماعة:

صفحة مطبوعة 191 · ورقة PDF 192رابط الصفحة المنفردة

مات أمير الكوفة المغيرة في سنة خمسين في شعبان، وله سبعون سنة(293)

ولو تتبعنا الأسماء لوقفنا على الكثيرين، ولكنا أردنا أن نقول: إن العجز لم يمنع هؤلاء من أن يكونوا سادة لأقوامهم، وعلماء نفخر بهم، وقادة نتعلم منهم، ومجاهدين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل إسلامهم.

صفحة مطبوعة 192 · ورقة PDF 193رابط الصفحة المنفردة

نماذج من آل البيت

ما زال هناك شحّ في تسليط الضوء على نماذج من آل البيت الذين ابتلاهم الله بالإعاقة، ولم أجد — بعد طول بحث — إلا ألقابًا تحمل معنى الإعاقة، مثل: الأطروش، والأعرج، والأحول، والأحدب، والأخرس... إلخ.

وكانت المعلومات شحيحة جدًّا؛ إذ جاء ذكر هؤلاء الأعلام في معرض ذكر نسبهم الشريف، وانتسابهم إلى الدوحة المحمدية.

عبد الله بن عباس

حبر الأمة وترجمان القرآن، وفقيه العصر، وإمام التفسير، وابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد بصره في الكبر في «آخر عمره.

وروي عنه أنه رأى رجلاً مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعرفه، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أرأيته )؟

قال: نعم.

قال: ( ذلك جبرئيل، أما إنك ستفقد بصرك ).

صفحة مطبوعة 193 · ورقة PDF 194رابط الصفحة المنفردة

فعمي بعد ذلك في آخر عمره.

وهو القائل في ذلك فيما روي عنه من وجوه:

إن يأخذ الله من عيني نورهماففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخلٍوفي فمي صارم كالسيف مأثور(294) » ( 294 )

ولد بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين.

صحب النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدث عنه بجملة صالحة.

وله جماعة أولاد، أكبرهم العباس، وبه كان يكنى، وعلي أبو الخلفاء، وهو أصغرهم، والفضل، ومحمد، وعبيد الله، ولبابة، وأسماء.

وكان وسيمًا، جميلاً، مديد القامة، مهيبًا، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال.

وقال: مسح النبي صلى الله عليه وسلم رأسي، ودعا لي بالحكمة.

وقال: اللهم علمه تأويل القرآن.

وقال: دعا لي رسول الله بالحكمة مرتين.

قال الزبير بن بكار: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولابن عباس ثلاث عشرة سنة.

وقد غزا إفريقية مع ابن أبي سرح.

صفحة مطبوعة 194 · ورقة PDF 195رابط الصفحة المنفردة

وعن طاووس قال: ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لحرمات الله من ابن عباس.

وقال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم اليوم كثير.

فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي عليه السلام من ترى؟

فترك ذلك، وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح عليّ التراب، فيخرج، فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله! ألا أرسلت إليّ فآتيك؟

فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسألك.

قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي.

فقال: هذا الفتى أعقل مني.

عن سعيد بن جبير قال: كان ناس من المهاجرين قد وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس دونهم.

قال: وكان يسأله.

فقال عمر: أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله، فسألهم عن هذه السورة: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ﴾

صفحة مطبوعة 195 · ورقة PDF 196رابط الصفحة المنفردة

[النصر: 1].

فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجًا أن يحمده ويستغفره.

فقال عمر: يا ابن عباس، تكلم.

فقال: أعلمه متى يموت، أي: فهي آيتك من الموت، فسبح بحمد ربك واستغفره.

عن الحسن قال: كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا، فيقرأ البقرة وآل عمران، فيفسرهما آية آية.

وكان عمر رضي الله عنه إذا ذكره قال: ذلك فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول.

قال ابن عباس: قال لي أبي: يا بني! إن عمر يدنيك، فاحفظ عني ثلاثًا: لا تفشين له سرًّا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يجربن عليك كذبًا.

عن طاووس قال: ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس.

عن مجاهد قال: كان ابن عباس يسمى البحر؛ لكثرة علمه.

وعن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس.

فإذا نطق قلت: أفصح الناس.

فإذا تحدث قلت: أعلم الناس.

وقد كان عليّ

صفحة مطبوعة 196 · ورقة PDF 197رابط الصفحة المنفردة

لما بويع قال لابن عباس: اذهب على إمرة الشام.

فقال: كلا، أقل ما يصنع بي معاوية إن لم يقتلني الحبس، ولكن استعمله، وبين يديك عزله بعد، فلم يقبل منه.

وكذلك أشار على عليّ أن لا يولي أبا موسى يوم الحكمين وقال: ولني، أو فول الأحنف، فأراد عليّ ذلك، فغلبوه على رأيه.

قال أبو عبيدة في تسمية أمراء عليّ يوم صفين: فكان على الميسرة ابن عباس، ثم رد بعد إلى ولاية البصرة.

لما دفن ابن عباس قال ابن الحنفية: اليوم مات رباني هذه الأمة.

وقد مات بالطائف.

قال علي بن المديني: توفي ابن عباس سنة ثمان أو سبع وستين.

وقال الواقدي، والهيثم، وأبو نعيم: سنة ثمان.

وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة(295) .

أبو سعيد الأحول بن عقيل بن أبي طالب

أبو سعيد الأحول هو اسمه، وأمه أم البنين بنت الثغر، قتل ولده محمد بكربلاء مع الحسين.

صفحة مطبوعة 197 · ورقة PDF 198رابط الصفحة المنفردة

وقيل: لا بقية له، وأخوه لأمه عروة بن نافع بن عتبة بن أبي وقاص الزهري(296) .

إسماعيل الأعرج

أبو محمد إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي السجاد بن الحسين السبط، بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، المدني، المعروف بالأعرج.

أمه فاطمة بنت الحسين الأثرم بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

وكان إسماعيل أكبر أولاد الصادق.

توفي شابًّا في حياة أبيه بالعريض سنة ثمان وثلاثين ومائة، فحمل على رقاب الناس إلى البقيع.

وروي أن أباه حزن عليه حزنًا عظيمًا، وتقدم سريره بغير حذاء ولا رداء. وأمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مرارًا كثيرة، وكان يكشف عن وجههه وينظر إليه.

وفي الإسماعيلية من يرى أن أباه أظهر موته تقية حتى لا يقصده العباسيون بالقتل، ومن أجل ذلك أشهد على موته وكتب

صفحة مطبوعة 198 · ورقة PDF 199رابط الصفحة المنفردة

محضرًا بذلك.

وقد وردت في إسماعيل الأعرج روايات تدل على مدحه وجلالته، وأخرى في ذمه، ولكن المحققين ضعّفوها.

ولإسماعيل من الأولاد المعقبين اثنان: محمد، وعلي، وبنت هي فاطمة.

وقيل: كان محدثًا فاضلاً جليلاً.

ويعتبر جد الخلفاء الفاطميين، وتنتسب إليه الفرقة الإسماعيلية الباطنية(297) .

الأطروش

أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الملقب ب(الناصر الكبير) و(الأطروش).

كان شيخ الطالبيين وعالمهم.

وهو ثالث ملوك الدولة العلوية بطبرستان.

ويعرف عقبه ب(بني الناصر).

صفحة مطبوعة 200 · ورقة PDF 200رابط الصفحة المنفردة

عالم مشارك في التفسير والكلام والفقه والحديث والأدب والأخبار واللغة، والشعر.

مولده بالمدينة، وقد اتفق الزيدية والإمامية على نعته بالإمامة، وتجاذباه.

أقام ثلاث عشرة سنة ببلاد الديلم، وكان أهلها مجوسًا، فأسلم منهم عدد وافر، وبنى في بلادهم المساجد.

ثم ألف منهم جيشًا وزحف به إلى طبرستان، فاستولى عليها سنة 301 ه، ولقب بالناصر.

وكان يدعى (الأطروش) لصمم أصابه من ضربة سيف في معركة.

وقيل: ضرب بالسياط فطرش.

صفت له الأيام ثلاث سنوات وتوفي في طبرستان سنة أربع وثلاثمائة.

لم ير الناس مثل عدله وحسن سيرته وإقامته الحق(298) .

صفحة مطبوعة 200 · ورقة PDF 201رابط الصفحة المنفردة

عبيد الله بن الحسين الأعرج

عبيد الله بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، المدني.

أمه أم خالد بنت حسن بن مصعب بن الزبير بن العوام.

ويكنى أبا علي.

وكان في إحدى رجليه نقص؛ فلذا سمي الأعرج.

وفد على أبي العباس السفاح، فأقطعه ضيعة بالمدائن تغل في السنة ثمانين ألف دينار.

قيل: إن أبا مسلم دس إليه سمًّا فمات منه.

لكن لم يثبت.

وقيل: مات في حياة أبيه عن سبع وثلاثين سنة.

وانقسم عقبه بطونًا وأفخاذًا وعشائر.

وعقبه من أربعة من البنين: جعفر الحجة، كان إمامًا من أئمة آل محمد يسمونه ب(الحجة).

ومحمد الأكبر المعروف ب(الجواني)، والجوانية قرية بالمدينة.

وحمزة بالكوفة، وكان من أهل الفضل والدين.

وعلي أبو الحسن الأكبر العابد(299) .

الخلفاء يسيرون على أثر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وآله

صفحة مطبوعة 201 · ورقة PDF 202رابط الصفحة المنفردة

كانت المعالم النبوية بارزة في التعامل مع ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة، وقد تحرك الخلفاء على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه في وجوب تكفل الحاكم برعاية ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة صحيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا، ونفسيًّا، والعمل على قضاء حوائجهم، وسدِّ احتياجاتهم.

ومن الخلفاء الذين كان لهم اهتمام بذوي الإعاقات والاحتياجات الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك — رحمه الله، فهو صاحب فكرة إنشاء معاهد أو مراكز رعاية لذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة، فأنشأ مؤسسة متخصصة في رعايتهم، وظّف فيها الأطباء والخدام، وأجرى لهم الرواتب، ومنح راتبًا دوريًّا لذوي الاحتياجات الخاصة، وقال لهم: (لا تسألوا الناس)، وبذلك أغناهم عن سؤال الناس، وعين موظفًا لخدمة كل مقعد أو كسيح أو ضرير.

ولما ولّى الوليدُ إسحاقَ بن قبيصة الخزاعي ديوان الزمنى بدمشق قال: لأدعن الزّمِن أحب إلى أهله من الصحيح.

وكان يؤتى بالزمِن حتى يوضع في يده الصدقة.

ومن بعده كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الذي أصدر قرارًا إلى الولايات: أن ارفعوا إليَّ كُلَّ أعمى في الديوان، أو

صفحة مطبوعة 202 · ورقة PDF 203رابط الصفحة المنفردة

مُقعَد، أو مَن به فالج، أو مَن به زَمَانة تحول بينه وبين القيام إلى الصلاة.

فرفعوا إليه، وأمر لكل كفيف بموظف يقوده ويرعاه، وأمر لكل اثنين من الزَّمْنَى — من ذوي الاحتياجات — بخادمٍ يخدمه ويرعاه.

وقد كان الإمام أبو حنيفة قد وضع تشريعًا يقضي بأن بيت مال المسلمين مسئول عن النفقة على المعوقين.

وقد أنشأ الخليفة المأمون مآوٍ للعميان والنساء العاجزات في بغداد والمدن الكبيرة.

أما في العصر المملوكي فإننا نجد السلطان قلاوون يُنشِئ مارستانًا — ما زالت بقاياه موجودة حتى الآن وتحمل اسمه — كان المريض يلقى الرعاية والاهتمام مدة وجوده بالمستشفى، ويُعطى المريض بعد خروجه بعض المال؛ حتى لا يضطر للعمل في فترة نقاهته.

وقد كتب كثير من علماء المسلمين عن المعاقين مما يدل على اهتمامهم بهم مثل: الرازي الذي صنف (درجات فقدان السمع)، وشرح ابن سينا أسباب حدوث الصمم.

ولعلّ الكلام يطول عن روائع الحضارة الاسلامية في هذا المجال، ويمكن العودة إلى ذلك في كتاب (من روائع حضارتنا) للدكتور مصطفى السباعي — رحمه الله(300) .

صفحة مطبوعة 203 · ورقة PDF 204رابط الصفحة المنفردة

ذوو الإعاقة والاحتياجات الخاصة ودمجهم في المجتمع

المجتمع البشري لكي ينهض ويقوم بدوره في إعمار الأرض يحتاج كل طاقات أبنائه.

فما من إنسان إلا وله دور يستطيع أن يؤديه في المجتمع، ولكن على قادة المجتمعات أن يبحثوا عن الطاقات ويفجروها.

وهناك من بني الإنسان من يستقل نفسه ومواهبه، أو بالأحرى لا يفتش في ذاته عن مواهبه، فهذا يحتاج من يأخذ بيده لكي يكون لبنة صالحة ونافعة في المجتمع.

وهناك من بني الإنسان من لا يكلّ ولا يمل من إفادة المجتمع، بل ويحارب إن وجد من المجتمع صدودًا وإعراضًا عنه وعن مواهبه ومميزاته.

ولقد لفت انتباهنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن بعضًا من شرائح المجتمع ممن نظن أنهم عالة عليه وأنهم لا يفيدون الآخرين بجلب النفع فضلاً عن دفع الضر، أن نفعهم للمجتمع يتجاوز حدود ما يمكننا تصوره؛ فهؤلاء الضعفة والعجزة والمرضى بهم يرزق الجميع، وبهم ينزل النصر.

صفحة مطبوعة 204 · ورقة PDF 205رابط الصفحة المنفردة

إذن فلا غنى بطبقة عن الأخرى، ولا فضل لطبقة على أخرى إلا بالإيمان والعمل الصالح.

وقد رأينا كيف أن الأمم السابقة كانت تزدري الضعفة وذوي الاحتياجات، حتى وصل الحال في إسبرطة إلى قتلهم، ولم ينته الأمر وظننا أن ما حدث سطر من سطور التاريخ قد كُتب ولن يعاد مرة أخرى، ولكننا وجدنا هتلر ونظامه يقدم على ما أقدم عليه الأقدمون من قتل ذوي الاحتياجات والمرضى.

ولكن مسار التاريخ الإسلامي يختلف اختلافًا واضحًا عن هاتيك المسارات التاريخية قديمها وحديثها؛ حيث وجدنا الاهتمام بذوي الإعاقات والاحتياجات من جميع النواحي.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم جعل منهم أئمة ومعلمين وهداة وسفراء لنشر الإسلام وتعليم الناس الخير.

لقد أنزلهم منازلهم اللائقة بهم، وجعل منهم — أيضًا — الأمراء الذين يسوسون الناس.

وقد رأينا كيف أن بعض الخلفاء كانت بهم إعاقات وعاهات، ولكن ذلك لم يمنع من توليتهم ذمام الأمور وقيادة الشعوب.

ورأينا الآل والأصحاب والعلماء والأدباء والكُتّاب والشعراء والخطباء والدعاة والأئمة، وقد سبق أن ضربنا

صفحة مطبوعة 205 · ورقة PDF 206رابط الصفحة المنفردة

الأمثلة.

ولا ضير لو ذكرنا بعضًا من هؤلاء؛ فهذا الخليفة هشام بن عبد الملك، وهذا بشار بن برد، وهذا أبو العلاء المعري... وغيرهم كثير ممن ذكرنا وممن لم نذكر.

فالمجتمع المسلم حاول دمج هؤلاء في الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.... إلخ.

وإذا حدث قصور في بعض الأحيان فهذا ما لا يرضاه منهج الإسلام ولا يقبله، وعلى الجميع تدارك القصور الواقع تجاه ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة.

صفحة مطبوعة 206 · ورقة PDF 207رابط الصفحة المنفردة

ذوو الإعاقة والاحتياجات الخاصة والبناء الحضاري للأمة

والبناء الحضاري درجة أعلى من الدمج في المجتمع وإفادته، ولكن التفاعل هنا يبلغ ذروته بأن يكون لهؤلاء دور في البناء الحضاري للأمة أولاً، ثم البناء الحضاري للإنسانية ثانيًا.

ومن المعلوم أن هناك أممًا خاملة لا تشارك في البناء الحضاري الإنساني؛ فهي تستفيد من الآخرين، ولا تقدم إلا القليل.

وهناك أمم لها فضلها على الحضارة الإنسانية، وأمة الإسلام من الأمم التي حملت مشعل الحضارة، وسارت به حقبة مديدة من الزمن.

ولم يتوقف الأمر عندها بمجرد دمج ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة في المجتمع، أو اعتبارهم أشخاصًا يتم التبرك بهم، بل لقد كانوا عنصرًا فاعلاً في البناء الحضاري للأمة.

فلو عددنا العلماء الذين كانوا من ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة وأثروا المكتبة العلمية بشتى أنواعها ومجالاتها بما يعجز عنه أولو الأبصار لما حصرناهم.

والحديث عن إسهامات ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة في

صفحة مطبوعة 207 · ورقة PDF 208رابط الصفحة المنفردة

البناء الحضاري يطول، والمتصفح لكتابنا يرى كيف أن الإسلام أوصى بهم وحرص عليهم، ولم يعمل على نبذهم أو التخلص منهم، بل قبل عذرهم ورفع الحرج عنهم، ولكنه في التطبيق العملي وجدنا كيف استعان بهم رسول الله والخلفاء من بعده.

والنماذج التي سقناها توضح لنا ما نرمي إليه ونقصد...

والأمة لن تعود إلى سابق عهدها ومجدها إلا بالاهتمام بالجميع بكل فئاتهم وطبقاتهم، مع زيادة الاهتمام بأصحاب الإعاقات والاحتياجات الخاصة؛ حتى يكونوا ثمرة نافعة للجميع.

لقد رأينا من المعاقين فاقدي الأيدي من يكون موهوبًا في الرسم بقدمه...

ورأينا من المعاقين فاقدي الأرجل من يسبح ويقطع المسافات الطويلة في البحور.

ورأينا من المعاقين الفنانين والمطربين والمغنين...

ورأينا من المعاقين قراء القرآن الذين أوتوا مزمارًا من مزامير داود...

صدق من قال: «كل ذي عاهة جبار»...

جبار لأنه تحدى الإعاقة....

جبار لأنه حاول أن يثبت للمجتمع أنه ليس عالة عليهم أو كمًّا مهملاً.

جبار لأنه فعل ما لم يفعله الأصحاء الأقوياء ذوو الأعضاء السليمة.

صفحة مطبوعة 208 · ورقة PDF 209رابط الصفحة المنفردة

خاتمة

نستنتج مما سبق:

رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه بأصحاب الأعذار وشفقتهم عليهم. طلب الصبر على قضاء الله فيما يحل على الإنسان من البلايا. استعمال بعض أصحاب الأعذار في تعليم النّاس أمور الدين. ثقته صلى الله عليه وسلم في بعضهم بأن يكون مكانه صلى الله عليه وسلم في إمامة المسلمين إبان غزواته. استفادته صلى الله عليه وسلم من قدرات بعضهم، فحَسَن الصوت يجعله للأذان والإمامة، والمفوه بالكلام يجعله خطيبًا له صلى الله عليه وسلم. دمجهم في المجتمع، وكسر حاجز العزلة عنهم، ورفع الحاجز النفسي بينهم وبين الآخرين عدم الوقوف ضد رغباتهم عند أخذهم بالعزائم في طاعة الله سبحانه وتعالى. الدعاء لهم، وزف البشرى لهم

صفحة مطبوعة 209 · ورقة PDF 210رابط الصفحة المنفردة

بالجنان. إن وجد سبيلاً إلى معالجتهم فعل ذلك، ولم يتأخر. السؤال عنهم وتفقدهم. توليتهم المناصب الرفيعة. الصحابة لم تقهرهم الإعاقة، ولم يقعدوا عن نشر الإسلام، ونفع المجتمع. لم تمنع الإعاقة بعض الآل أن ينالوا السيادة والشرف. كان للإعاقة أحكامها الخاصة بها عند فقهاء الآل والأصحاب. خفض الجناح للمعاقين وعدم التكبر عليهم. العاهات والإعاقات قد تصيب الإنسان في أية مرحلة من مراحل عمره؛ فعليه أن يوطن نفسه ويهيئها لذلك. شكر الله على نعمائه، وطلب المعافاة من البلايا والأسقام والأمراض. الاستفادة من طاقات ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة. مشاركتهم في البناء الحضاري للأمة.

صفحة مطبوعة 210 · ورقة PDF 211رابط الصفحة المنفردة

المصادر والمراجع

* إبراهيم مصطفى وأحمد الزيات وحامد عبد القادر ومحمد النجار: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دار الدعوة.

* أبو القاسم الموسوي الخوئي: معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، مؤسسة الإمام الخوئي الإسلامية، مكتبة الإمام الخوئي، النجف الأشرف.

* أبو العباس شهاب الدين أحمد بن أبي بكر البوصيري: إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، تحقيق: دار المشكاة للبحث العلمي بإشراف أبي تميم ياسر بن إبراهيم، تقديم: فضيلة الشيخ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم، دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة الأولى، 1420ه — 1999م.

* أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1405ه.

* أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: السنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414ه — 1994م.

* أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: شعب الإيمان، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1410ه.

* أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي: السنن الكبرى، تحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري، سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1411ه — 1991م.

* أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني: معرفة الصحابة، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة الأولى، 1419ه — 1998م.

* أحمد بن علي القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشا، تحقيق: د. يوسف علي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1987م.

صفحة مطبوعة 211 · ورقة PDF 212رابط الصفحة المنفردة

* أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق: د. محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، 1403ه.

* أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي: الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1412ه.

* أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي: فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379ه.

* أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: البحر الزخار، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، وعادل بن سعد، وصبري عبد الخالق الشافعي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1988م.

* أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري: مجمع الأمثال، تحقيق: محمد محيى الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت.

* أحمد بن محمد بن إسحاق، المعروف ب«ابن السُّنِّي»: عمل اليوم والليلة سلوك النبي مع ربه عز وجل ومعاشرته مع العباد، تحقيق: كوثر البرني، دار القبلة للثقافة الإسلامية ومؤسسة علوم القرآن، جدة / بيروت.

* أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله الشيباني: مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، القاهرة.

* أبو العباس أحمد بن محمد بن علي الفيومي: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المكتبة العلمية، بيروت.

* أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، تحقيق: أحمد عبد الله القرشي رسلان، الناشر: الدكتور حسن عباس زكي، القاهرة، 1419ه.

صفحة مطبوعة 212 · ورقة PDF 213رابط الصفحة المنفردة

* أبو طالب إسماعيل بن الحسين بن محمد المروزي الأزوقاني: الفخري في أنساب الطالبيين، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، إشراف: السيد محمود المرعشي، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي العامة، قم، الطبعة الأولى، 1409ه ق.

* إسماعيل بن حماد الجوهري: الصحاح، تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 1407ه‍ — 1987م.

* أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي: تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1420ه — 1999م.

* الحارث بن أبي أسامة والحافظ نور الدين الهيثمي: بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، تحقيق: د. حسين أحمد صالح الباكري، مركز خدمة السنة والسيرة النبوية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1413ه — 1992م.

* الحسن بن عبد الله بن سهل أبو هلال العسكري: جمهرة الأمثال، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش، دار الفكر، الطبعة الثانية، 1988م.

* حسن القبانجي: مسند الإمام علي، تحقيق: طاهر السلامي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 1421ه — 2000م.

* حسين الشاكري: سيرة الإمام جعفر الصادق عليه السلام، نشر الهادي، قم، الطبعة الأولى، 1417 ه‍. ق.

* حسين بن محمد بن الحسن الدِّيار بَكْري: تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس، دار صادر، بيروت.

* أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي: معالم التنزيل، حققه وخرج أحاديثه: محمد عبد الله النمر — عثمان جمعة ضميرية — سليمان مسلم الحرش، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1417ه — 1997م.

صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي: نكت الهميان في نكت العميان، علق

صفحة مطبوعة 213 · ورقة PDF 214رابط الصفحة المنفردة

عليه ووضع حواشيه: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1428ه 2007م.

* صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي: الوافي بالوفيات، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث، بيروت، 1420ه — 2000م.

* أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي: معالم السنن، المطبعة العلمية، حلب، الطبعة الأولى، 1351ه — 1932م.

* خير الدين الزركلي: الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، أيار (مايو) 1980م.

* أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني: المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، 1415ه.

* سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني: المعجم الكبير، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، الطبعة الثانية، 1404ه — 1983م.

* سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي: سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.

* أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي الباجي الأندلسي: المنتقى شرح الموطا، مطبعة السعادة، مصر، الطبعة الأولى، 1332ه.

* سيد قطب إبراهيم: في ظلال القرآن، دار الشروق، بيروت، القاهرة، الطبعة السابعة عشرة، 1412ه.

* عباس القمي: الكنى والألقاب، مكتبة الصدر، طهران.

عبد الحسين الشبستري:

صفحة مطبوعة 214 · ورقة PDF 215رابط الصفحة المنفردة

الفائق في رواة وأصحاب الإمام الصادق عليه السلام، مؤسسة النشر الإسلامي، التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

* أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي: الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام، قدم له وعلق عليه وضبطه: طه عبد الرءوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، د. ت.

* عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي: الدر المنثور، دار الفكر، بيروت، 1993م.

* جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي: تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت، الطبعة الأولى، 1997م.

* أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الرازي (ابن أبي حاتم): تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثالثة، 1419ه.

* أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني: مصنف عبد الرزاق، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1403ه.

* عبد الله بن المبارك بن واضح المرزوي: الزهد، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت.

* أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي: المصنف في الأحاديث والآثار، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، 1409ه.

* أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: عيون الأخبار، دار الكتب العلمية، بيروت، 1418ه.

عبد الملك بن حسين بن عبد الملك العصامي المكي: سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي

صفحة مطبوعة 215 · ورقة PDF 216رابط الصفحة المنفردة

محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1419ه 1998م.

* عبد الملك بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الخركوشي، أبو سعد: شرف المصطفى، دار البشائر الإسلامية، مكة، الطبعة الأولى، 1424ه.

* عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي: تحسين القبيح وتقبيح الحسن، تحقيق: نبيل عبد الرحمن حياوي، دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت.

* أبو الحسن علي بن إبراهيم القمي: تفسير القمي، صححه وعلق عليه وقدم له: السيد طيب الموسوي الجزائري، مؤسسة دار الكتاب، قم، إيران، 1387ه.

* علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري: الفصل في الملل والأهواء والنحل، مكتبة الخانجي، القاهرة.

* أبو الحسن علي بن الحسين بن على المسعودي: التنبيه والإشراف، تصحيح: عبد الله إسماعيل الصاوي، دار الصاوي، القاهرة.

* علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم المرواني الأموي القرشي، أبو الفرج الأصبهاني: مقاتل الطالبيين، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار المعرفة، بيروت.

* علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي أبو الحسن، المعروف بالخازن: لباب التأويل في معاني التنزيل، تصحيح: محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1415ه.

* نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1408ه — 1988م.

* أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي: شرح صحيح البخاري، تحقيق: أبي تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية، 1423ه — 2003م.

صفحة مطبوعة 216 · ورقة PDF 217رابط الصفحة المنفردة

* أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم (ابن الأثير): أسد الغابة، تحقيق: عادل أحمد الرفاعي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1417ه — 1996م.

* أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي: تفسير الماوردي (النكت والعيون)، تحقيق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت.

* علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1422ه — 2002م.

* أبو الحسن علي بن مهدي الطبري المامطيري: نزهة الأبصار ومحاسن الآثار، تحقيق: محمد باقر المحمودي، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، 1430ق — 2009م — 1387ش.

* أبو حفص عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي: تفسير اللباب، دار الكتب العلمية، بيروت.

* عمرو بن أبي عاصم الضحاك الشيباني: السنة، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1400ه.

* عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان الجاحظ: البرصان والعرجان والعميان والحولان، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1410ه.

* أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي: ترتيب المدارك وتقريب المسالك، تحقيق: ابن تاويت الطنجي، وعبد القادر الصحراوي، ومحمد بن شريفة، وسعيد أحمد أعراب، مطبعة فضالة — المحمدية، المغرب، الطبعة الأولى.

أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي: مجمع البيان في تفسير القرآن، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى،

صفحة مطبوعة 217 · ورقة PDF 218رابط الصفحة المنفردة

2005م.

* مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني: المدونة، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1415ه — 1994م.

* أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري: النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت، 1399ه — 1979م.

* محسن الأمين: أعيان الشيعة، حققه وأخرجه: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1403ه — 1983م.

* أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405ه — 1985م.

* محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي أبو عبد الله: سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة التاسعة، 1413ه.

* شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي: المستطرف في كل فن مستظرف، تحقيق: د. مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1986م.

* محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي: الأدب المفرد، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الثالثة، 1409ه — 1989م.

* محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي: الجامع الصحيح (صحيح البخاري)، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، اليمامة — بيروت، الطبعة الثالثة، 1407ه — 1987م.

* محمد باقر المجلسي: بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت.

* أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1407ه.

محمد بن جرير بن

صفحة مطبوعة 218 · ورقة PDF 219رابط الصفحة المنفردة

يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري: تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار، تحقيق: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة.

* محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420ه — 2000م.

* محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1414ه — 1993م.

* أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي: مشاهير علماء الأمصار وأعلام فقهاء الأقطار، حققه ووثقه وعلق عليه: مرزوق علي إبراهيم، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، الطبعة الأولى، 1411ه — 1991م.

* محمد بن الحسن الحر العاملي: تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق: مؤسسة آل البيت — عليهم السلام — لإحياء التراث، قم، الطبعة الثانية، 1414ه ق.

* أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي: رجال الطوسي، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم.

* محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله البصري الزهري الطبقات الكبرى، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1968م.

* د. محمد سيد طنطاوي: التفسير الوسيط للقرآن الكريم، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 1998م.

* أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي: عون المعبود شرح سنن أبي داود، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1415ه.

أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن شهاب الدين بن

صفحة مطبوعة 219 · ورقة PDF 220رابط الصفحة المنفردة

محمد الزرقاني المالكي: شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1417ه 1996م.

* زين الدين محمد عبد الرءوف المناوي: التيسير بشرح الجامع الصغير، مكتبة الإمام الشافعي، الرياض، الطبعة الثالثة، 1408ه — 1988م.

* محمد عبد الرءوف المناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، الطبعة الأولى، 1356ه.

* محمد عبد الرءوف المناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، ضبطه وصححه: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1415ه — 1994م.

* أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي: أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، تحقيق: رشدي الصالح ملحس، دار الأندلس للنشر، بيروت.

* محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1411ه — 1990م.

* محمد عزت دروزة: التفسير الحديث ترتيب السور حسب النزول، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1383ه.

* محمد علي الموحد الأبطحي: تهذيب المقال في تنقيح كتاب الرجال للشيخ الجليل أبي العباس أحمد بن علي النجاشي، النجف الأشرف، الطبعة الأولى، 1389ه‍ ق، الطبعة الثانية — مصححة قم المقدسة، 1417 ه‍ ق.

* محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي: التوحيد، صححه وعلق عليه: هاشم الحسيني الطهراني، دار المعرفة، بيروت.

* أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي: من لا يحضره الفقيه، أشرف على تصحيحه طبعه والتعليق عليه: حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 1406ه — 1986م.

صفحة مطبوعة 220 · ورقة PDF 221رابط الصفحة المنفردة

* فخر الرازي: الشجرة المباركة في أنساب الطالبية، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، إشراف: السيد محمود المرعشي، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم، الطبعة الثانية، 1419ه ق، 1377ه ش.

* فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي: مفاتيح الغيب، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1421ه — 2000م.

* محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، مرتضى الزَّبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية.

* أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي: فضائح الباطنية، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت.

* محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1415ه — 1995م.

* محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي: التحرير والتنوير (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد)، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.

* محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري: لسان العرب، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى.

* محمد ناصر الدين الألباني: السلسلة الضعيفة والموضوعة، مكتبة المعارف، الرياض.

* محمد ناصر الدين الألباني: صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، دار الصدّيق، الطبعة الأولى، 1421ه.

* محمد ناصر الدين الألباني: صحيح الترغيب والترهيب، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الخامسة.

صفحة مطبوعة 221 · ورقة PDF 222رابط الصفحة المنفردة

* محمد ناصر الدين الألباني: صحيح سنن النسائي.

* محمد ناصر الدين الألباني: ضعيف الأدب المفرد للإمام البخاري، دار الصدّيق للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1419ه — 1998م.

* محمد بن يعقوب الكليني: الكافي، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الثالثة، 1367ش.

* محمد بن يعقوب الكليني: فروع الكافي، ضبطه وصححه وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد جعفر شمس الدين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، الطبعة الثالثة، 1413ه — 1993م.

* محمود الآلوسي أبو الفضل: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

* أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي الحنفي بدر الدين العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

* أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله: أساس البلاغة، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1419ه — 1998م.

* جار الله الزمخشري: ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، مؤسسة الأعلمي، بيروت، الطبعة الأولى، 1412ه.

* محمود بن عمر الزمخشري: الفائق في غريب الحديث، تحقيق: علي محمد البجاوي — محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، لبنان، الطبعة الثانية.

* مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري: صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، أبو عبد الله الزبيري: نسب قريش، تحقيق: ليفي بروفنسال، دار المعارف، القاهرة، الطبعة

صفحة مطبوعة 222 · ورقة PDF 223رابط الصفحة المنفردة

الثالثة.

* نَاصِر مَكارم الشِيرازي: الأمثل في تفسير كتابِ اللهِ المُنزَل.

* نور الدين البريفكاني: شرح الحكم العطائية المسمى ب(تلخيص الحكم)، تحقيق: محمد أحمد مصطفى الكزني، الناشر العربي، القاهرة.

* يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1412ه.

* أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر: بهجة المجالس وأنس المجالس وشحن الذاهن والهاجس، تحقيق: محمد مرسي الخولي، دار الكتب العلمية، بيروت.

* أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1392ه.

* أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب: الخراج، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، وسعد حسن محمد، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة.

* يوسف بن الزكي عبد الرحمن أبو الحجاج المزي: تهذيب الكمال، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1400ه — 1980م.

* وثائق واتفاقيات ومنشورات

* اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والبروتوكول الاختياري.

* رعاية المعاقين بين الشرائع السماوية، منشورات الجمعية النسائية بجامعة أسيوط للتنمية.

* مواقع ومنتديات

* أطفال الخليج ذوي الاحتياجات الخاصة.

* الأمم المتحدة.

صفحة مطبوعة 223 · ورقة PDF 224رابط الصفحة المنفردة

* الأهرام اليومي.

* بنت مصر الحرة.

* جامعة الملك سعود.

* الحياة أمل وبشر الصابرين.

* ذوو الاحتياجات الخاصة.

* الزعتري نت.

* سولا للاحتياجات الخاصة.

* صيد الفوائد.

* كنانة أون لاين.

* مجلة الابتسامة.

* مجلة دعوة الحق.

* مجلة الرافد.

* مجلة طفلي.

* منتدى التربية الخاصة.

* الهولوكوست، موقع تعليمي للطلبة.

* الهيئة العامة للاستعلامات... مصر.

قائمة بعناوين الأبحاث الجديدة لمشروع

(تراث الآل والأصحاب)

صفحة مطبوعة 225 · ورقة PDF 225رابط الصفحة المنفردة

* القرآن في حياة الآل والأصحاب.

* أدب التربية في تراث الآل والأصحاب: نماذج من تعامل الآل والأصحاب مع صغارهم.

* السفر وآدابه في تراث الآل والأصحاب.

* التجارة والمكاسب في تراث الآل والأصحاب: آداب وقدوات ونماذج متنوعة.

* آداب معاملة الكبار والمرضى في تراث الآل والأصحاب.

* الإعاقة في تراث الآل والأصحاب: نماذج وآداب وعبر.

* آداب التعامل مع غير المسلمين في تراث الآل والأصحاب.

* العبادة والزهد في تراث الآل والأصحاب.

* الذكر والدعاء في تراث آل البيت.

* فضل العلم وآداب طلبه في تراث الآل والأصحاب.

* آداب التعامل مع المرأة في تراث الآل والأصحاب.

* آداب العشرة في تراث الآل والأصحاب: استلهام للقيم الزوجية الناجحة في سير سلفنا الصالح.

* آداب الحوار والاختلاف في تراث الآل والأصحاب: شواهد وآداب.

* قضايا نسائية: قراءات في تراث الآل والأصحاب.

* الأطفال في رحاب الآل والأصحاب: بحث في أسس المعالجة الفنية والأدبية لنشر تراث الآل والأصحاب للمراحل العمرية الصغيرة.

* الوقف في تراث الآل والأصحاب.

* الفَقْد في تراث الآل والأصحاب: دراسة في الجوانب الإيمانية والإنسانية.

* المهارات الإدارية في تراث الآل والأصحاب.

* إدارة الوقت في تراث الآل والأصحاب.

* الطعام وآدابه في تراث الآل والأصحاب.

* المزاح وآدابه في تراث الآل والأصحاب.

* آداب التعامل مع الحيوان في تراث الآل والأصحاب.

صفحة 226 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
الحاشية
داخل هذا الكتاب فقطالبحث في الإعاقة في تراث الآل والأصحاب

اكتب كلمتين أو أكثر لعرض النتائج داخل هذا الكتاب.

النسخة المصوّرة — الإعاقة في تراث الآل والأصحابتمرير رأسي متصل