مكتبة المبرّةالباحث الذكي
أهل البيت بين مدرستينالقراءة المتصلة
صفحة 3
حجم النص28
صفحة 1 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 2 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 3 · ورقة PDF 3رابط الصفحة المنفردة

أ-العنوان ب-السلسلة

رقم الإيداع: 259/2008

ردمك: 5-5-674-999906-978

حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب

الطبعة الأولى

1432هـ / 2011م

مبرة الآل والأصحاب

هاتف: 22560203 – 22552340 فاكس: 22560346

ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت

E-mail: almabarrh@gmail.com

www.almabarrah.net

المقدمة

صفحة 4 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 5 · ورقة PDF 5رابط الصفحة المنفردة
إني وإن كنت لم أُلحق بهم عملاًمقصّراً عنهم في ساعدي قِصرُ
فإنّ حبي لهم صاف بلا كدرٍولا يضرهم إن كان بي كدرُ
هم الأحبة لا يشقى بقربهمجليسهم وبهم يستطيب السمرُ
صفحة 6 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 7 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 8 · ورقة PDF 8رابط الصفحة المنفردة

أهل البيت بين مدرستين / تأليف محمد سالم الخضر، ط1 – الكويت

1-أهل بيت الرسول 2-السيرة النبوية

إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية

أما بعد،

فقد كنت منذ جريان قلم التكليف عليّ محباً لأهل البيت والصحابة، معترفاً بفضلهم ومكانتهم قبل أن أدرك أبعاد هذه الفضائل وكُنه العلاقة الحميمة التي جمعت بينهما؛ لصغر سني آنذاك.

فلما كتب الله تعالى لي أن أكبر وأنا أنعم بنعمته عليّ بأن هداني لهذا الدين، واستعملني في البحث والدراسة في تاريخ الآل والأصحاب، وتأملت اختلاف مشارب الناس ومفاهيمهم في النظرة لأهل البيت عليهم السلام، شحذت الهمة لكتابة مُصنف يُجلي منهج الإسلام الوسطي المعتدل في النظرة إلى أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مُعرّياً بما آتاني الله تعالى من الدلائل والبينات عوار المنهج المغالي الذي أساء إلى أهل البيت عليهم السلام قديماً وحديثاً. نائياً بنفسي عن الخوض في خلافات الطوائف والمذاهب قدر الإمكان، مُتجنباً نقد طائفة بعينها، وإنما أردت بهذا الكتاب بعد وجه الله تعالى أن تتجلى صورة أهل البيت النقية، وطريقتهم السُنية من البدعيات والخرافات، والشركيات والمنامات والأقاويل الظنية.

وسميته ( أهل البيت بين مدرستين )؛ لأنّ الصراع الدائر اليوم بين المنتسبين لملة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بات صراعاً بين مدرستين لا ثالث لهما، بين مدرسة الاعتدال ومدرسة الغلو.

أما المدرسة الثالثة وهي (مدرسة الجفاء) التي تمثلها الناصبة والتي قد وجدت طريقها للانقراض منذ مئات السنين، ولم يبقَ على أطلالها وموروثها الثقافي سوى ناعقٌ ينعق هنا أو ناعقٌ ينعق هناك!

ولما كان الصراع بين المدرستين يتأجج يوماً بعد يوم، حتى صار صوت المغالي الذي أُمِرنا في شرعنا أن نُخرِسه عالياً، كان من الواجب على كل طالب عِلمٍ أن يُظهر عِلمه، وأن ينتصر لأهل البيت عليهم السلام في زمنٍ وموطنٍ عزّ فيه الرجال.

ولست أُزكّي نفسي القاصرة.. فكلنا ذو ذنب وتقصير، كما أني لا أُبرئها من الزلل، فإنّ العصمة لا تكون إلا في كلام الله ورسوله، وكلٌ يؤخذ من قوله ويُرد إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فما أحسنت فيه فمن الله تعالى الذي سددني وحباني بالخير، وما أسأت فيه فمن نفسي القاصرة ومن ذنوبي وعثراتي المستورة والظاهرة، ومن الشيطان، والله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم منه بريئان.

مَنْ هم أهل البيت؟

إنّ فهم المصطلحات التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة، هو مفتاح فهم مرامي هذه النصوص ومقاصدها الشرعية المرادة؛ كما أنّ تحرير المصطلحات والوقوف على حقائقها يعتبر الخطوة الأولى والأهم في طريق الوصول إلى حوارٍ مثمرٍ ومفيد.

ولو أنك سألت أحد الطرفين بعد انفضاض المجلس عن (أهل البيت) الذين يتكلم عنهم، ثم التفت للآخر وسألته السؤال ذاته لحصلت على إجابتين مختلفتين!

ولأدركت أنّ القوم قد خاضوا في نقاش طويل وعريض، وفي تشعبات ومسائل خلافية لا حصر لها دون أن يحرروا قبل هذا كله مصطلح (أهل البيت) الذي يتناقشون فيه ويأصلون ويفرّعون عليه!

صفحة مطبوعة 9 · ورقة PDF 9رابط الصفحة المنفردة

الحمد لله الذي جعل الإسلام ملجأ الخليقة في دينها ودنياها، وأرشد النفوس إلى هداها، وحذّرها من رَداها، وأشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رضيت به رباً وإلهاً، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، أعظم الخلق عند الله فضلاً وقدراً وجاهاً، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وآله وصحبه تسليماً كثيراً.

سائلاً المولى جل قدره أن يُبصرنا في ديننا وأن يُلهمنا دائماً وأبداً السداد في القول والعمل.

وأنا أسأل كل من وقف على كتابي هذا أن يخصّني بدعوة ينفعني الله بها يوم ألقاه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

محمد سالم الخضر

27 جمادى الآخر 1431هـ

إنّ أكثر حوارتنا المذهبية التي نراها اليوم، تفتقد هذا التحرير العلمي للمسائل، فتراها تبتدأ هادئة بعض الشيء ثم ما تلبث أن تتحول إلى صياح واتهامات متبادلة، أو ربما مباهلة يحسم بها الطرفان الحوار.

صفحة 10 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 11 · ورقة PDF 11رابط الصفحة المنفردة

أهل البيت بين مدرستين

بحثاً عن هوية أهل البيت الحقيقية

بين مدرستي الاعتدال والغلو

محمد سالم الخضر

مبرة الآل والأصحاب

فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر

مبرة الآل والأصحاب، 2008

131 ص؛ 24 سم

ردمك: 5-5-674-999906-978

الفصل الأول: التعريف بأهل البيت وحقوقهم

صفحة 12 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 13 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 14 · ورقة PDF 14رابط الصفحة المنفردة

وقد أشار الإمام الجهبذ ابن حزم الأندلسي بفطنته المعهودة إلى خطورة الإيهام في المصطلحات أو اختلاطها على المتكلم والمستمع فيقول: (والأصل في كل بلاء وعماء وتخليط وفساد، اختلاط الأسماء، ووقوع اسم واحد على معاني كثيرة، فيخبر المخبر بذلك الاسم، وهو يريد أحد المعاني التي تحته، فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر، فيقع البلاء والاشكال، وهذا في الشريعة أضر شيء وأشده هلاكاً لمن اعتقد الباطل، إلا من وفقه الله تعالى)(1) .

ولهذا كان من اللازم على كل من خاض غمار بحث من الأبحاث أن يُحرر أولاً مصطلحات ذلك البحث، طلباً للوصول إلى الحق، ورفعاً للخلاف والشقاق بين المسلمين، وخروجاً من الإيهام الذي يكثر بين المتحاورين.

الآل والأهل في لغة العرب

تتردد على الأسماع والألسن عدة مصطلحات متعلقة بأهل البيت مثل «آل البيت» و«أهل البيت» و«آل محمد» و«آل النبي» و«عترة النبي»، فهل بين هذه المصطلحات أية فروق، أم أنها كلها تُمثل معنى واحد؟

إنّ الإجابة على هذا السؤال تخفي وراءها جُملة من الأبحاث الصغيرة المتعمقة في اشتقاقات تلك الأسماء ومعانيها اللغوية والشرعية؛ كما تخفي وراءها تقارباً أو تباعداً بين تلك المصطلحات لا نستطيع أن نقف عليه إلا بالبحث الجاد.

وليكن أول ما نبدأ به مصطلح «الآل» مُجرداً من النِسبة لأحد، فإنه مشترك بين ثلاثة مصطلحات مما ذكرناه، بل هو أكثرها شيوعاً وتردداً على الألسن.

الآل

إنّ كلمة (آل) من الكلمات التي وقع فيها الاختلاف عند علماء اللغة من حيث الاشتقاق ومن حيث المعنى أيضاً، وعند استقراء آراء علماء اللغة في أصل اشتقاق كلمة «آل» فإننا نجد

صفحة مطبوعة 15 · ورقة PDF 15رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 16 · ورقة PDF 16رابط الصفحة المنفردة

أنفسنا أمام قولين لا ثالث لهما:

القول الأول: أنّ أصل كلمة «آل» هي أهل

قال الراغب الأصفهاني (502هـ) (: (الآل مقلوب عن الأهل)(2) .

وقال ابن منظور (711هـ) : (أصلها أهل ثم أُبدلت الهاء همزة فصارت في التقدير«أَأْل» فلما توالت الهمزتان أبدل الثانية ألفاً كما قالوا «آدم» و«آخر»)(3) .

وبمثل هذا قال الفيروز أبادي (817هـ)(4) .

وقد ضعّف ابن قيّم الجوزية (751هـ) هذا القول لأمور:

أحدها - عدم الدليل عليه.

الثاني - أنه يلزم منه القلب الشاذ من غير موجب، مع مخالفة الأصل.

الثالث- أنّ الأهل تُضاف إلى العاقل وغيره، والآل لا تضاف إلا إلى عاقل(5) .

صفحة مطبوعة 17 · ورقة PDF 17رابط الصفحة المنفردة

الرابع - أنّ الأهل تُضاف إلى العلم والنكرة، والآل لا يُضاف إلا إلى مُعظّم من شأنه أن يؤول غيره إليه.

الخامس - أنّ الأهل تُضاف إلى الظاهر والمضمر، والآل من النحاة من منع أضافته إلى المضمر ومن جوزها فهي شاذة قليلة.

السادس- أنّ الرجل حيث أضيف إلى آله دخل فيه هو، كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾(6) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين﴾((7) ) وقوله: ٱ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾(8) .

وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اللهم صل على آل أبي أوفى) هذا إذا لم يذكر معه من أضيف إليه الآل، وأما إذا ذكر معه فقد يُقال: ذكر مفرداً وداخلاً في الآل، وقد يُقال: ذكره مفرداً أغنى عن ذكره مضافاً، والأهل بخلاف ذلك، فإذا قلت: جاء أهل زيد، لم يدخل فيهم(9) .

صفحة مطبوعة 18 · ورقة PDF 18رابط الصفحة المنفردة

القول الثاني وهو الراجح: أنّ «آل» مشتقة من الأول

ذهب إلى ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي (170هـ) بقوله: (آل يؤول إليه، إذا رجع إليه)(10) .

ووافقه ابن فارس (395هـ) فقال: (آل يؤول أي رجع... يُقال: أوّل الحكم إلى أهله، أي أرجعه ورده إليهم)(11) .

و الحافظ ابن الجوزي (597هـ) حيث قال: (والأصل في ذلك قولنا: آل، وهو بمعنى رجع)(12) . واختار هذا القول الإمام تقي الدين ابن تيمية (728هـ)(13) .

أما المعنى المراد من نِسبة الآل إلى الرجل فيتضمن معنيين، أحدهما: أهل بيته، والثاني: أتباعه، هذا ما نص عليه أساطين اللغة قديماً.

قال الجوهري (393هـ) في «الصحاح»: (وآل الرجل: أهله وعياله. وآله أيضاً: أتباعه.

قال الأعشى:

فكذبوها بما قالت فصبحهمذو آل حسان يزجي السم والسلعا

يعني جيش تبع)(14) .

صفحة مطبوعة 19 · ورقة PDF 19رابط الصفحة المنفردة

وقال ابن فارس (395هـ) : (وآل الرجل أهل بيته من هذا أيضاً، لأنه إليه مآلهم وإليهم مآله. وهذا معنى قولهم يا آل فلان)(15) .

وقال الحافظ ابن الجوزي (597هـ) : (قال شيخنا علي بن عبيد الله(16) : الآل: اسم لكل من رجع إلى معتمد فيما رجع فيه إليه، فتارة يكون بالنسب، وتارة بالسبب)(17) .

وأقول: إنّ قوله: (بالنسب) إشارة إلى الأهل والقرابة؛ ومنه قول الله تبارك وتعالى في سورة النساء: ﴿فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾(18) ، فإنّ الآل المذكورين في الآية والذين اصطفاهم للنبوة وأنزل عليهم الكتاب وعلّمهم الحكمة هم من عقبه ونسله؛ ومن أشهر ملوكهم العِظام داود وسليمان عليهما السلام(19) .

ومنه قول الله تبارك وتعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾(20) فإنه لم ينجُ مع لوط؛سوى ابنتيه كما قال الله تعالى ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ

صفحة مطبوعة 20 · ورقة PDF 20رابط الصفحة المنفردة

كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾(21) وقال عز من قائل حكاية عن لوط؛﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾(22)

ومنه قول الله تبارك وتعالى في سورة يوسف حكاية عن قول يعقوب ليوسف عليهما السلام: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم﴾(23) ، فإنّ الآل هنا هم القرابة لا الأتباع.

ومنه أيضاً قول الله تبارك وتعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾(24) والمراد هنا داود؛ نفسه وأهله(25) .

أما قول الإمام علي بن عبيد الله: (بالسبب) إشارة إلى الأتباع، ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾(26) .

وقد خلُص سلطان العلماء عز الدين ابن عبد السلام (660هـ) في تفسيره إلى أن الآل والأهل سواء حيث يقول: (آل الرجل: هم الذين تؤول أمورهم إليه في نسب أو صحبة، والآل والأهل سواء)(27) .

وقال الحافظ الحاكم النيسابوري بعد تخريجه حديث كعب بن

صفحة مطبوعة 21 · ورقة PDF 21رابط الصفحة المنفردة

عجرة رضي الله عنه وفيه: (سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد): (وإنما خرّجته ليعلم المستفيد أنّ أهل البيت والآل جميعاً هم)(28)

وقال ابن بابويه القمي – من علماء الإمامية- : (والآل: الأهل، قال الله عز وجل في قصة لوط: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ(29) ﴾ وقال: ٱ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَر(30) ﴾ فسمّى الآل أهلاً)(31) .

الأهل

اتفق علماء اللغة على أنّ أهل الرجل هي: زَوْجُه وأخص الناس به.

قال الخليل بن أحمد (175هـ) في «كتاب العين»: (أهل الرجل: زَوْجُه وأخصّ النّاس به)(32) .

صفحة مطبوعة 22 · ورقة PDF 22رابط الصفحة المنفردة

ونقل الأزهري (370هـ) عن الليث بن المظفر قوله: (أهْلُ الرجل: امرأته. والتأهُّل: التزوُّج، وأَهْلُ الرجل: أخصُّ الناس به)(33) .

ونقل ابن فارس (395هـ) في «معجم مقاييس اللغة» كلام الخليل بن أحمد السابق مقراً به(34) .

وقال الراغب الأصفهاني (502هـ) : (أَهلُ الرجل مَنْ يجمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجرى مجراهما من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل في الأصل من يجمعه وإياهم مسكن واحد ثم تجوّز به فقيل أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب ، وتعورف في أسرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مطلقاً إذا قيل «أهل البيت» لقوله عزوجل ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(35) وعبّر بأهل الرجل عن امرأته)(36) .

وعلى هذا سار كل من ابن منظور(37) (711هـ) والفيروز أبادي(38) (817هـ) وآخرون.

قلت: فأما كون الأصل في (أهل الرجل) زوجه فدلائله في الكتاب والسنة كثيرة، سيأتي تفصيلها.

وأما كون الإطلاق يتعدى ذلك إلى من يجمعه وإياهم نسب فشاهده من القرآن الكريم قول موسى؛﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾(39) ، يريد بذلك أخاه هارون؛، وشواهد أخرى عديدة سنذكرها في موضعها(40) .

صفحة مطبوعة 23 · ورقة PDF 23رابط الصفحة المنفردة

وأما كون الإطلاق متعلقاً بالرابطة الإيمانية إثباتاً ونفياً، فدليله قول الله تبارك وتعالى عن نوح؛ وابنه ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾(41) .

وما رواه ابن حبان في صحيحه عن واثلة بن الأسقع قال: سألتُ عن عليٍّ في منزله فقيل لي: ذهب يأتي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ جاء فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودخلتُ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الفِراش، وأجلس فاطمة عن يمينه وعلياً عن يساره، وحسناً وحسيناً بين يديه، وقال ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(42) ، اللهم هؤلاء أهلي، قال واثلة: فقلت من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله مِنْ أهلك؟ قال: وأنت من أهلي، قال واثلة: إنها لَمِنْ أرجى ما أرتجي)(43) .

وقد خَلُص الإمام أبو العباس الفيومي الحموي (770هـ): ( و(الأَهْلُ) أهل البيت، والأصل فيه القرابة، وقد أطلق على الأتباع)(44) .

آل البيت

تبين من خلال ما سبق أن لا اختلاف بين (آل البيت) و(أهل البيت) و(آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم)، فكلها ألفاظ تُعبر عن معنى واحد؛ وإنما يُعرف المراد من هذه الإطلاقات بمعرفة مراد المُتكلم أو القرائن المرافقة للنص.

وفي لفظة (آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم) يقول أبو البقاء الكفوي (1094هـ) في (الكليات): (وآل النبي من جهة النسب: أولاد علي وعقيل وجعفر والعباس، ومن جهة الدين كل مؤمن تقي، كذا أجاب رسول الله(45) حين سئل عن الآل)(46) .

وهذا يؤكد ما ذكرناه من اتفاق اللفظ مع لفظي (آل البيت) و(أهل البيت) في كونهما يُطلقان إطلاقين:

إطلاق عام ، ويُراد به أتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأولين والآخرين وهم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

صفحة 24 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 25 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 26 · ورقة PDF 26رابط الصفحة المنفردة

وفيه روى الإمام الجوهري في (مسند الموطأ) عن علي بن معبد الجزري قال: قال لي عبد الملك بن صالح(47) من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ قلت: أهل الاتباع له. قال: صدقت. هكذا قال لي مالك بن أنس(48) .

وفي (تاريخ أصبهان) لأبي نُعيم الأصبهاني عن الحماني قال: سألت الثوري من آل محمد؟ قال: كل تقي(49) .

وله أيضاً في (حلية الأولياء) عن الحماني قال: سألت الثوري من آل محمد؟ قال: أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم(50) .

وإطلاق خاص ، ويُراد به: أهل البيت بِشقّيهم الأصلي (بني هاشم) والفرعي (أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن شواهده الواضحة الجلية في السنة النبوية الشريفة ما يلي:

أولاً: ما رواه عبد الرزاق في (المصنف) عن الثوري عن

صفحة مطبوعة 27 · ورقة PDF 27رابط الصفحة المنفردة

يزيد بن حيان التيمي قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: قيل له من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: من تحرم عليهم الصدقة، قيل: من هم؟ قال: آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس(51)

ثانياً: ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي أنّ عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب والفضل بن عباس أتيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يطلبان تأميرهما على الصدقات فقال لهما: (إنّ هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، إنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)(52) .

ثالثاً: ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال: ألا تصحبني تصيب؟ قال: قلت: حتى أذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكرت ذلك فقال: إنّا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، وإنّ مولى القوم من أنفسهم)(53) .

رابعاً: ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة رضي الله عنه ‏‏فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي ‏صلى الله عليه وآله وسلم؟ ‏فقلت: بلى فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ‏فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإنّ الله قد علمنا كيف نسلم عليكم، قال: قولوا ‏اللهم صل على محمد ‏وعلى آل محمد كما صليت على ‏إبراهيم وعلى

صفحة مطبوعة 28 · ورقة PDF 28رابط الصفحة المنفردة

آل ‏إبراهيم ‏إنك حميد مجيد، اللهم بارك على ‏محمد وعلى آل محمد كما باركت على ‏إبراهيم ‏وعلى آل ‏‏إبراهيم ‏إنك حميد مجيد)(54)

وقد علّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم صحابته عدة صيغ للصلاة على آله ذاكراً منها الصيغة التالية: عن عمرو بن سُليم الزرقي قال: أخبرني أبو حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليكم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)(55) .

وقد حكى الإمام ابن عبد البر عن جماعة من أهل العلم قولهم بجواز إفراد أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذريته بالصلاة استدلالاً بهذا الحديث فقال: (قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن ذريته «صلى الله عليك» إذا واجهه و«صلى الله عليه» إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم)(56) .

والمتحصل من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه السابق، بيان أنّ أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذريته من آل محمد، وإنما قلت (من آل محمد) ولم أقل (هم آل محمد فحسب) للأحاديث السابقة الدالة على كون (بني هاشم) من آل محمد.

صفحة مطبوعة 29 · ورقة PDF 29رابط الصفحة المنفردة

قال الإمام ابن قيّم الجوزية في (جلاء الأفهام):

(وأما تنصيصه على الأزواج والذرية، فلا يدل على اختصاص الآل بهم، بل هو حجة على عدم الاختصاص بهم، لما روى أبو داود من حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة رضي الله عنه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم»(57) فجمع بين الأزواج والذرية والأهل، وإنما نص عليهم بتعيينهم ليبين أنهم حقيقون بالدخول في الآل، وأنهم ليسوا بخارجين منه، بل هم أحق من دخل فيه، وهذا كنظائره من عطف الخاص على العام، وعكسه، تنبيهاً على شرفه، وتخصيصاً له بالذكر من بين النوع، لأنه من أحق أفراد النوع بالدخول فيه)(58) .

وعن حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه يقول الحافظ ابن حجر:

(وقيل: المراد بآل محمد أزواجه وذريته لأنّ أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ: «وآل محمد»، وجاء في حديث أبي حميد رضي الله عنه موضعه (وأزواجه وذريته) فدل على أنّ المراد بالآل: الأزواج والذرية، وتُعقِب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة كما في

صفحة مطبوعة 30 · ورقة PDF 30رابط الصفحة المنفردة

حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيُحمل على أنّ بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره، فالمراد بالآل في التشهد: الأزواج ومن حرمت عليهم الصدقة ويدخل فيهم الذرية فبذلك يجمع بين الأحاديث)(59)

خامساً: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُوتى بالتمر عند صِرام النخل، فيجيء هذا بتمره، وهذا من تمره حتى يصير عنده كوماً من تمر، فجعل الحسنُ والحسينُ رضي الله عنهما يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة، فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخرجها من فيه، فقال: (أما علمت أنّ آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يأكلون الصدقة)(60) .

سادساً: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللَّهُمَّ اجعل رِزق آل محمّد قوتاً)(61) .

وقد قال المستدلون بهذا النص بأنه (معلوم أنّ هذه الدعوة المستجابة لم تنل كل بني هاشم ولا بني المطلب، لأنه كان فيهم الأغنياء وأصحاب الجدة وإلى الآن، وأما أزواجه وذريته فكان رزقهم قوتاً، وما كان يحصل لأزواجه بعده من الأموال كن يتصدقن به ويجعلن رزقهن قوتاً. وقد جاء عائشة رضي الله عنها مال عظيم فقسمته كله في قعدة واحدة، فقالت لها الجارية: لو خبأت لنا درهماً نشتري به لحماً؟ فقالت لها: لو ذكرتني فعلت)(62) .

صفحة مطبوعة 31 · ورقة PDF 31رابط الصفحة المنفردة

سابعاً: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما شبع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعاً، حتى قُبض»(63) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما شَبِع آلُ مُحمَّد صلى الله عليه وآله وسلم من طعام ثلاثة أيام حتى قُبض»(64) .

قال بعض أهل العلم: ومعلوم أنّ العباس وأولاده وبني المطلب لم يدخلوا في لفظ عائشة ولا مرادها(65) .

ثامناً: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد(66) ، فذكر الحديث وقال فيه: «وأخذ - أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم- الكبش، فأضجعه، ثم ذبحه ثم قال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد» ثم ضحى به(67) .

قال ابن القيّم (هكذا رواه مسلم بتمامه، وحقيقة العطف المغايرة، وأمته صلى الله عليه وآله وسلم أعم من آله) ثم قال: (قال أصحاب هذا

صفحة مطبوعة 32 · ورقة PDF 32رابط الصفحة المنفردة

القول: «وتفسير الآل بكلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى من تفسيره بكلام غيره»)(68)

تاسعاً: ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت في بريرة ثلاثُ قَضِيَّات، كان النَّاسُ يتصدقون عليها، وتُهدي لنا، فذَكَرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «هو عليها صدقةٌ ولكم هديَّة فكُلُوه»(69) .

وفي رواية: «هو لها صَدقةٌ ولنا هديَّة»(70) .

عاشراً: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه في احتجاجه على فاطمة رضي الله عنها قوله: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال)(71) .

قال الإمام القرطبي في (المُفهم): (وقوله: (إنما يأكل آل محمد في هذا المال)؛ يعني هنا بآل محمد: نساءه، كما قال في الحديث الآخر: (ما تركت بعد نفقة نسائي))(72) .

ولهذا كان من فقه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه زمن خلافته أنه لما دوّن الدواوين قال: (أبدأ بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبدأ بالأزواج ثم بعلي رضي الله عنه)(73) .

قال

صفحة مطبوعة 33 · ورقة PDF 33رابط الصفحة المنفردة

الإمام ابن قيّم الجوزية: (ولهذا كان القول الصحيح وهو منصوص الإمام أحمد أنّ الصدقة تحرم عليهن، لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم، ويا لله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) وقوله في الأضحية: «اللهم هذا عن محمد وآل محمد»، وفي قول عائشة: «ما شبع آل رسول الله من خبز بر»، وفي قول المصلّي: «اللهم صلِّ على محمد وآل محمد» ولا يدخلن في قوله: «إنّ الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» مع كونها من أوساخ الناس، فأزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالصيانة عنها والبعد منها)(74)

أهل البيت

إنّ مصطلح (أهل البيت) مركب من كلمتين؛ الأهل والبيت.

وكل منهما واضح المعنى، إنما الكلام فيما إذا أضيف الأهل إلى البيت أو إلى الرجل فماذا يراد فيه؟

ثمة آراء ثلاثة في تفسير المراد من هذه العبارة:

الأول: أنها تشمل كل من له قرابة أو ارتباط وثيق بالبيت أو الرجل.

الثاني: أنها خاصة بالأزواج.

الثالث: أنها خاصة بالأولاد.

وكلا الرأيين الأخيرين شاذين، يخالفان نصوص الكتاب والسنة، فالقرآن الكريم استعمل (الأهل) في زوجة موسى؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا(75) ﴾ .

واستعملها أيضاً في الأولاد كما في قوله

صفحة مطبوعة 34 · ورقة PDF 34رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 35 · ورقة PDF 35رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 36 · ورقة PDF 36رابط الصفحة المنفردة

تبارك وتعالى حاكياً عن نوح؛قوله: ٱ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾(76) ولا ينافيه قوله تعالى بعد ذلك لنوح؛: ٱ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾(77) فإنه لهذا الخطاب اعتبارات أخرى سيأتي الحديث عنها.

كما أنّ روايات السنة النبوية الدالة على عموم مصطلح (أهل البيت) سيأتي الحديث عنها أيضاً.

ولهذا يُمكن القول بأنّ مصطلح (أهل البيت) يضم ثلاثة بيوت هي: (بيت النسب، بيت السكنى، بيت الولادة).

فبنو عبد المطلب بن هاشم هم أهل بيت له صلى الله عليه وآله وسلم من جهة النسب ويُقال لأولاد الجد القريب: بيت، ويُقال: بيت فلان كريم شريف.

وإنما قلنا «بنو عبد المطلب» لأنّ هاشماً انحصر عقبه في عبد المطلب كما قال علامة الأندلس ابن حزم: (وُلِد لهاشم بن عبد مناف: شيبةُ، وهو عبد المطلب، وفيه العمود والشَّرف، ولَم يبْقَ لهاشم عَقِبٌ إلاَّ مِن عبد المطلب فقط)(78) .

وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيت له من جهة السكنى ، وإطلاق هذا اللفظ على نساء الرجل أخص وأعرف بحسب العرف والعادة.

وأولاده صلى الله عليه وآله وسلم هم أهل بيته من جهة الولادة ومع شمول هذا اللفظ لجميع أولاده فيدخل كل من درج صغيراً من أولاده الذكور

صفحة مطبوعة 37 · ورقة PDF 37رابط الصفحة المنفردة

كالقاسم وعبد الله وإبراهيم ومن أولاده الإناث كل من زينب ابنته رضي الله عنها وأولادها من أبي العاص بن الربيع رضي الله عنه وهم علي(79) وأمامة(80) رضي الله عنهما.

ورقية ابنته رضي الله عنها وولدها عبد الله(81) بن عثمان بن عفان رضي الله عنهما.

وأم كلثوم ابنته رضي الله عنها(82) .

وفاطمة ابنته رضي الله عنها وابنيها الحسن والحسين ونسلهما.

وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر الهيتمي (974هـ) في (الفتاوى الحديثية): (وأما الشرف الناشىء عما فيهم من البضعة الكريمة فلا يختص بأولاد فاطمة، فقد صرّح المحققون بأنه لو عاش نسل زينب من أبي العاص أو رقية وأم كلثوم من عثمان رضي الله عنهم، لكان لهما من الشرف والسيادة ما لنسل فاطمة رضي الله عنها)(83) .

صفحة مطبوعة 38 · ورقة PDF 38رابط الصفحة المنفردة

فأما (بنو هاشم)(84) فدليل كونهم من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث (الثقلين) الذي رواه زيد بن أرقم رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه. ثم قال: وأهل بيتي، أُذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي. فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهلُ بيته من حُرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليّ، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حُرم الصدقة؟ قال: نعم)(85) .

ولما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عبد المُطَّلب بن ربيعة بن الحارث قال: اجتمع ربيعة بن الحارث(86) والعباس بن

صفحة مطبوعة 39 · ورقة PDF 39رابط الصفحة المنفردة

عبد المُطّلب فقالا: والله، لو بعثنا هذين الغلامين-قالا لي وللفضل بن عبّاس- إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكلَّماه، فأمَّرهُما على هذه الصدقات، فأدَّيا ما يُؤدِّي الناس، وأصابا مِمّا يُصيب الناس، قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب، فوَقف عليهما، فذكرا له ذلك، فقال علي بن أبي طالب: لا تفعلا، فوالله، ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث، فقال: والله، ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا، فوالله، لقد نِلت صِهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما نَفِسناه عليك، قال علي: أرسلوهما، فانطلقا، واضطجع عليٌّ، قال: فلما صلَّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر سبقناه إلى الحُجرة، فقُمنا عندها، حتى جاء فأخذ بآذانِنا، ثمَّ قال: «أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَان» ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذٍ عند زينب بنت جحش، قال: فتواكلنا الكلام، ثُمَّ تكلَّم أحَدُنا فقال: يا رسول الله، أنت أبَرُّ النَّاس وأوصلُ النَّاس، وقد بلغنا النِّكاح، فجِئنا لِتُؤَمِّرَنَا على بعض هذه الصَّدقات، فنُؤَدِّي إليك كما يُؤَدِّي النَّاس، ونُصِيبَ كما يُصِيبُون، قال: فسكت طويلاً حتى أردنا أن نُكَلِّمَهُ، قال: وجعلت زينب تُلمِع علينا من وراء الحِجاب أن لا تُكَلِّمَاه، قال: ثُمَّ قال: إنَّ الصَّدقة لا تَنبغي لآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّما هي أَوسَاخُ النَّاس، ادعُوا لي مَحْمِيَةَ-وكان على الخُمس- ونوفل بن الحارث بن عبد المُطَّلب»، قال: فجاءاه، فقال لِمحمية: «أَنكِح هذا الغُلَام ابنتكَ»- للفضل بن عبَّاس فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: «أَنْكِح هذا

صفحة مطبوعة 40 · ورقة PDF 40رابط الصفحة المنفردة

الغُلامَ ابنتك»- لي- فأنكَحَني، وقال لمِحمِية: «أصدق عنهما من الخُمُس كذا، وكذا(87)

وفي رواية: (إنّ هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)(88) .

وزاد الإمام الشافعي والإمام أحمد في رواية عنه على بني هاشم «بني المطلب» لحديث جُبير بن مُطعم رضي الله عنه قال: مَشَيْتُ أنا وعثمان بن عفَّان، فقال: يا رسول الله، أعطَيتَ بني المُطَّلب وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما ‏‏بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد»(89) وفي رواية: (‏إنا ‏وبنو المطلب ‏لا نفترق في جاهلية ولا إسلام)(90) .

وذلك لأنّ بني المطلب كانت لهم نصرة عظيمة لبني هاشم في الجاهلية والإسلام، بخلاف بني عمهم من عبد شمس ونوفل فإنهم قد خذلوهم في الحصار الجائر الذي فُرض على بني هاشم في شِعبهم، وغيرها من المظالم.

لكن ذلك لا يعني اعتبار (بني المطلب) من (أهل البيت)، إذ أنّ استحقاقهم لخُمس الغنائم إنما هو لنصرتهم لأهل البيت (بنو هاشم) لا لكونهم منهم.

ولهذا ذهب الإمام أبو حنيفة والإمام مالك والإمام أحمد في رواية عنه إلى أنّ بني المطلب ليسوا من أهل البيت.

صفحة مطبوعة 41 · ورقة PDF 41رابط الصفحة المنفردة

وفي هذا يقول العلامة أبو بكر الجصاص (370هـ) في كتابه (أحكام القرآن):

(وأما بنو المطلب فليسوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنّ قرابتهم منه كقرابة بني أمية، ولا خلاف أنّ بني أمية ليسوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك بنو المطلب. فإن قيل: لما أعطاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخمس سهم ذوي القربى كما أعطى بني هاشم ولم يعط بني أمية، دل ذلك على أنهم بمنزلة بني هاشم في تحريم الصدقة. قيل له: إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعطهم للقرابة فحسب، لأنه لما قال عثمان بن عفان وجبير بن مطعم: يا رسول الله، أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لقربهم منك وأما بنو المطلب فنحن وهم في النسب شيء واحد فأعطيتهم ولم تعطنا! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّ بني المطلب لم تفارقني في جاهلية ولا إسلام»، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يعطهم بالقرابة فحسب بل بالنصرة والقرابة، ولو كانت إجابتهم إياه ونصرتهم له في الجاهلية والإسلام أصلاً لتحريم الصدقة لوجب أن يخرج منها آل أبي لهب وبعض آل الحارث بن عبد المطلب من أهل بيته لأنهم لم يجيبوه، وينبغي أن لا تحرم على من ولد في الإسلام من بني أمية لأنهم لم يخالفوه، وهذا ساقط)(91) .

ويقول موفق الدين ابن قدامة المقدسي (620هـ) (ولا يصح قياس (بني المطلب) على (بني هاشم)، لأنّ بني هاشم أقرب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأشرف وهم آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومشاركة بني المطلب لهم

صفحة مطبوعة 42 · ورقة PDF 42رابط الصفحة المنفردة

في خمس الخمس ما استحقوه بمجرد القرابة بدليل أنّ بني عبد شمس وبني نوفل يساوونهم في القرابة ولم يعطوا شيئاً، وإنما شاركوهم بالنصرة أو بهما جميعاً)(92)

ويقول العلامة أبو البركات أحمد الدردير (1302هـ) : (وفرع هاشم آل قطعاً، وفرع المطلب ليس بآل على المشهور)(93) .

وحجة جمهور العلماء في عدم دخول (بني المطلب) في مسمى أهل البيت ظاهرة، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم علل إدخاله (بني المطلب) في حكم (الخمس) كونهم لم يفارقوا بني هاشم في جاهلية ولا إسلام بل كانوا سنداً لهم في كل الأحوال(94) ، فاستحقوا لذلك (الخمس) مع (بني هاشم) دون غيرهم من القرابة.

أما تحريم الصدقة عليهم كسائر آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا دليل عليه والأصل أنّ الصدقة عليهم جائزة، وأنّ من تحرم عليهم الصدقة هم بنو هاشم خاصة.

وقد اختلف العلماء في آل أبي لهب -وهم

صفحة مطبوعة 43 · ورقة PDF 43رابط الصفحة المنفردة

البطن السادس-، هل تحرم عليهم الصدقة كسائر بني هاشم أم لا؟

ومستندهم في ذلك أنّ بني هاشم إنما حُرِموا الصدقة كرامة لهم ولذريتهم، حيث نصروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جاهليتهم وإسلامهم، وأبو لهب كان حريصاً على أذاه، فلم يستحقها بنوه(95) .

وأما ( أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم) فهن من (أهل بيته) لاتصالهنّ به صلى الله عليه وآله وسلم بالمصاهرة.

وقد حرمن على غيره من الرجال في حياته وبعد مماته، وهنّ زوجاته في الدنيا والآخرة فالسبب الذي لهن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم مقام النسب.

والملاحظ في كتاب الله تعالى أنه لم يرد لفظ (أهل البيت) فيه إلا في موضعين فقط، هما:

* قول الله تبارك وتعالى حكاية عن قول الملائكة لسارة زوج إبراهيم؛: ٱ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾(96) .

صفحة مطبوعة 44 · ورقة PDF 44رابط الصفحة المنفردة

* قوله تبارك وتعالى عن أزواج نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ٱ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(97) .

والملاحظ في كلا الموضعين أنّ المعني بهما: أزواج الأنبياء، فإنّ الخطاب في الآية الأولى كان من الملائكة لسارة زوج إبراهيم؛حين بُشرت بإسحاق وقد بلغت التسعين من العمر، فأبدت عجبها من هذه البشارة فأجابتها الملائكة بهذه الإجابة.

وقال العلامة أبو حيّان الغرناطي (745ه) في تفسيره: (وخطاب الملائكة إياها بقولهم: أهل البيت دليل على اندراج الزوجة في أهل البيت، وقد دلَّ على ذلك أيضاً في سورة الأحزاب) إلى أن قال: (والبيت يراد به بيت السكنى)(98) .

وأما الآية الثانية فالخطاب فيها موجه لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والآية نازلة فيهن، وحديث الكساء يؤكد ذلك(99) .

ولهذا قال الحافظ ابن كثير (774هـ) في تفسيره للآية: (فإن كان المراد أنهن كُنّ سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن، ففي هذا نظر؛ فإنه قد وردت أحاديث تدل على أنّ المراد أعم من ذلك)(100) .

وقال

صفحة مطبوعة 45 · ورقة PDF 45رابط الصفحة المنفردة

العلامة أبو حيّان في تفسيره: (فلا تخرج الزوجات عن أهل البيت، بل يظهر أنهن أحق بهذا الاسم لملازمتهن بيته عليه الصلاة والسلام)(101)

وقد رد العلامة الشنقيطي (1393هـ) على المشككين في كون آية التطهير نازلة في أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحجة أنّ الضَّمير في قوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾(102) ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(103) ضَمِيرُ الذُّكُورِ، وأنه لو كَانَ الْمُرَادُ بالآية نِسَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لَقِيلَ: لِيُذْهِبَ عَنْكُنَّ وَيُطَهِّرُكُنَّ، بقوله: فالجواب من وجهين:

الوجه الأول: هو ما ذكرنا من أنّ الآية الكريمة شاملة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولهن ولعليّ والحسن والحسين وفاطمة، وقد أجمع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجموع ونحوها، كما هو معلوم في محله.

الوجه الثاني: هو أنّ من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر، ومنه قول تعالى في موسى: ٱ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾(104) ، وقوله: ٱ﴿سَآتِيكُمْ﴾((105) )، وقوله: ٱ﴿ٱ لَّعَلِّي آتِيكُم﴾(106) ، والمخاطب امرأته؛ كما قاله غير واحد، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:

فإن شئت حرمت النساء سواكموإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا)(107) ( 107 )
صفحة مطبوعة 46 · ورقة PDF 46رابط الصفحة المنفردة

ولهذا قال العلامة الطاهر بن عاشور (1393هـ) : (وأهل البيت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخطاب موجه إليهن- رضي الله عنهن- وكذلك ما قبله وما بعده، لا يخالطه أحد شك في ذلك، ولم يفهم منها الصحابة والتابعون إلا أنّ أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم هن المراد بذلك – رضي الله عنهن-)(108) .

وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على دخول الزوجة في مسمّى (أهل الرجل) أو (أهل بيته).

أول هذه الأدلة: قول الله تبارك وتعالى عن موسى؛ ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾(109) ومعلوم أنه لم يكن معه في سفره هذا إلا زوجته.

يقول العلامة الشوكاني في تفسير الآية السابقة: (والمراد بأهله امرأته في مسيره من مدين إلى مصر، ولم يكن معه إذ ذاك إلا زوجته بنت شعيب، فكنّى عنها بلفظ الأهل الدال على الكثرة)(110) .

ويقول المفسر الطباطبائي – وهو من علماء الشيعة- في تفسيره للآية السابقة: (قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾(111) المراد بأهله امرأته وهي بنت شعيب على ما ذكره الله تعالى في سورة القصص)(112) .

الثاني: قول الله تبارك وتعالى عن موسى؛ ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ(113) ﴾ .

قال

صفحة مطبوعة 47 · ورقة PDF 47رابط الصفحة المنفردة

الإمام البيضاوي (682هـ) في تفسير الآية: (بامرأته رُوي أنه قضى أقصى الأجلين ومكث بعد ذلك عنده عشراً أخرى ثم عزم على الرجوع)(114)

وبمثل هذا قال المفسر عبد الله شُبّر (1422هـ) – وهو من علماء الشيعة-: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ امرأته بإذن أبيها إلى الشام أو مصر)(115) .

الثالث والرابع: قول الملائكة كما في سورة هود لسارة زوج إبراهيم؛ ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾(116) .

وقوله تعالى في سورة الأحزاب مخاطباً نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(117) ﴾( ) وقد تقدّم الحديث عنهما.

الخامس: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (بُني على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم فأرسلت على الطعام داعياً... فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانطلق إلى حُجرة عائشة فقال: (السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله)، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك، فتقرّى حُجَرَ

صفحة مطبوعة 48 · ورقة PDF 48رابط الصفحة المنفردة

نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة...)(118)

وفي حديث أنس رضي الله عنه: (وشهدت وليمة زينب، فأشبَعَ النَّاس خُبزاً ولحماً، وكان يبعَثُني فأدعو النَّاس، فلمَّا فرَغَ قام وتَبِعتُه، فتخلَّفَ رجلانِ استأنَسَ بهما الحديث، لم يَخرُجا فجعل يَمُرُّ على نسائه، فيُسَلِّمُ على كل واحدة منهنَّ: «سلام عليكم، كيف أنتم يا أهل البيت؟» فيقولون: بخير يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فيقول: بخير، فلمَّا فرغ رجع، ورجعتُ معه، فلمَّا بلغ الباب، إذا هو بالرجلين قد استأنس بهما الحديث، فلمَّأ رأياه قد رَجَعَ قاما فخرجا، فوالله ما أدري أنا أخبرتُهُ، أم أُنْزِل عليه الوحي بأنهما قد خرجا؟ فرَجَعَ ورجعت معه، فلمَّا وضَعَ رِجلَه في أُسكُفَّة الباب، أرخى الحِجاب بيني وبَينه، وأنزَل الله تعالى هذه الآية: ٱ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ(119)(120) ﴾ )( .

السادس: في حديث (الإفك) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر حاكياً اتهام عبد الله بن أبي بن سلول لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي؟ فوالله، ما علمت على أهلي إلا خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً -أي صفوان بن المعطّل- ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي)(121) .

صفحة مطبوعة 49 · ورقة PDF 49رابط الصفحة المنفردة

فهنا سمّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم زوجته عائشة رضي الله عنها – في هذا الحديث أهل بيته.

السابع: عن إبراهيم قال: قلت للأسود: هل سألت أم المؤمنين عمّا يُكره أن يُنتبذ فيه؟ قال: نعم، قلت: يا أم المؤمنين، أخبريني عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يُنتبذ فيه، قالت: نهانا أهل البيت أن ننتبذ في الدّباء والمزفّت(122) ) .

الثامن والتاسع: عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصنع في البيت؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله فإذا سمع الآذان خرج(123) .

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير(124) .

ومن الواضح أنّ الكلام في الحديثين عن بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي فيه زوجته لا بيوت قرابته.

العاشر: حديث بلال رضي الله عنه لما جاءت إبل الصدقة قال صلى الله عليه وآله وسلم: (انْظُرْ أَنْ تُرِيحَنِي مِنْهُ فإنِّي لَستُ بداخلٍ على أحد من أَهلي حتَّى تُريحَنِي مِنْهُ». فَلَمَّا صَلَّى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم العَتَمَةَ دَعاني فقال: «ما فَعَلَ الَّذِي قِبَلَكَ». قَالَ: قُلْتُ: هُوَ مَعِي لَمْ يَأْتِنَا أَحَدٌ. فَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد، وَقَصَّ الحديثَ حتَّى إذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ

صفحة مطبوعة 50 · ورقة PDF 50رابط الصفحة المنفردة

يعني من الغَد- دَعَاني قال: «ما فَعَلَ الَّذي قِبَلَكَ». قال: قُلْتُ: قَدْ أَرَاحَكَ اللَّهُ مِنْهُ يَا رَسُولَ الله. فَكَبَّرَ وحَمِد الله شَفَقًا من أن يُدرِكَه الموت وعنده ذلك ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ حَتَّى إذَا جَاءَ أَزْوَاجَهُ فَسَلَّمَ عَلَى امرأَة امرأَة حتَّى أَتَى مَبِيتَهُ)(125)

وكل هذه الأحاديث تشير بجلاء إلى أنّ أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيته.

العترة

أما لفظ (العترة) فيُراد به (قرابة الرجل وأصله)، فهم في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنو هاشم فقط(126) ، فلا يُقال عن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهن من عترته صلى الله عليه وآله وسلم.

قال الخليل الفراهيدي (175هـ) : (وعِتْرَةُ الرَّجلِ: أقرباؤه من ولده وولد ولده وبني عمّه دِنْياً)(127) .

وقال الأزهري (370هـ) القول «عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم»: (وقيل: عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أهل بيته، وهم آله الذين حُرّمت عليهم الصدقة المفروضة وهم ذوو القربى الذين لهم خمس الخمس المذكور في سورة الأنفال) ثمَّ علّق قائلاً: (وهذا القول عندي أقربها والله أعلم)(128) .

وقال الجوهري (393هـ) (العتر بالكسر: الأصل. وفي المثل: «عادت لعترها لميس» أي رجعت إلى أصلها. يضرب

صفحة مطبوعة 51 · ورقة PDF 51رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 52 · ورقة PDF 52رابط الصفحة المنفردة

لمن رجع إلى خلق كان قد تركه. والعتر أيضاً: نبت يتداوى به مثل «المرزنجوش». وفي الحديث: «لا بأس للمحرم أن يتداوى بالسنا والعتر». قال أبو عبيد: العتر شجر صغار، واحدتها عترة)(129)

ولهذا قال الجوهري في تعريف العترة: (عترة الرجل: نسله ورهطه الأدنون).

ونقل عن أبي عُبيد قوله: (عِتْرة الرجل وأُسْرته وفَصِيلته: رَهْطُه الأدنَوْن).

ونقل أيضاً عن ابن السكيت قوله: (العِتْرة مثل الرَهْط).

ونقل أيضاً عن ابن المظفر قوله: (عِتْرة الرجل: أقرباؤه من وَلد عَمّه دِنْيا)(130) .

وقال ابن فارس (395هـ) : (قال قوم هو الذي يُقال له «المرزنجوش» قال: وهو لا ينبت إلا متفرقاً، قال: وقياس عترة الإنسان من هذا لأنهم أقرباؤه متفرقي الأنساب، هذا من أبيه وهذا من نسله كولده.

وأنشد في العتر: «فما كنت أخشى أن أقيم خلافهم لستة أبيات كما ينبت العتر»، فهذا يدل على التفرق وهو وجه جميل في قياس العترة)(131) .

صفحة مطبوعة 53 · ورقة PDF 53رابط الصفحة المنفردة

وقال أبو سعيد الضرير (منتصف القرن الثالث) : (العِتْرة: ساق الشجرة. قال: وعِترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد المطلب ووَلده(132) . قال: ومِن أمثالهم: عادت لعِتْرها لَميس ولعِكْرها أي أصلها)(133) .

وقال ابن منظور (711هـ) : (وعترة الرجل: أقرباؤه من ولد وغيره، وقيل: هم قومه دنيا، وقيل: هم رهطه وعشيرته الأدنون، من مضى منهم ومن غبر) إلى أن قال: (والمشهور المعروف أن عترته أهل بيته، وهم الذين حُرمت عليهم الزكاة والصدقة المفروضة، وهم ذوو القربى الذين لهم خمس الخمس المذكور في سورة الأنفال)(134) .

وقال الشيخ الطريحي (1085هـ) – وهو من كبار علماء الشيعة- : (والعترة: الرهط، وهم رهط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورهط الرجل قومه وقبيلته)(135) .

بينما انفرد ابن الأعرابي (231هـ) عن سائر علماء اللغة بالقول أنّ العترة تعني ولد الرجل وعقبه فقط، حيث نقل عنه الأزهري قوله: (العِتْرة ولد الرجل وذُرّيته وعَقِبهُ من صُلْبه. قال: فعِتْرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولد فاطمة البَتُولِ)(136) .

وقد ظن بعض من وقف على قول ابن الأعرابي هذا أنه قد

صفحة مطبوعة 54 · ورقة PDF 54رابط الصفحة المنفردة

وجد ضالته في حصر العترة بذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون سائر أهل البيت.

وما درى المسكين أنّ من لوازم قول ابن الأعرابي هذا أن يخرج علي بن أبي طالب وعقيل وجعفر والعباس وحمزة من عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنهم ليسوا من ذريته.

ويُمكن القول بأنّ الطائفيين لا إشكال عندهم في خروج كل من ذكرتهم من مسمى (أهل البيت) ومن (العترة) كذلك، باستثناء علي رضي الله عنه ، فإنهم لا يطيقون إخراجه من العترة، وقول ابن الأعرابي المذكور هو حُجة عليهم لا لهم كما علمت.

فإن قال قائل: إنه قد أُدخل في العترة استثناءاً له من سائر أهل البيت، فأقول: فما المانع في أن يكون غيره داخلاً أيضاً؟ وأين النص على هذا الاستثناء؟!

ولذلك كان الشيخ المفيد – وهو من كبار علماء الإمامية- أعقل من كثير من المُصنّفين اليوم الذي يتمسكون بمثل هذه الانفرادات الضعيفة، حيث قال في احتجاجه على طائفة الجارودية الزيدية: (قالت الإمامية: نحن وإن احتججنا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» في إمامة أمير المؤمنين؛ومن بعده من الأئمة عليهم السلام، فإنا نرجع فيه إلى معناه المعلوم بالاعتبار وهو أنّ عترة الرجل كبار أهله وأجلهم وخاصتهم في الفضل ولبابهم(137) ) .

صفحة مطبوعة 55 · ورقة PDF 55رابط الصفحة المنفردة

ويقول منتقداً حصر العترة بذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون الأقارب: (قالت الإمامية: أجلّ عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصته ولبابه كما استشهد تم به في المسك، لكنه ليس اللباب والخاصة هم الذرية دون الأخوة والعمومة وبني العم، ولو كان الأمر على ما ذكرتموه خرج أمير المؤمنين؛ من العترة، وهو سيد الأئمة وأفضلها، لخروجه من جملة الذرية، وهذا باطل بالاتفاق)(138) .

كيف وقد ظهر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم (وعترتي أهل بيتي) أنّ قوله (أهل بيتي) تفصيل بعد إجمال بدلاً أو بياناً.

ولذلك نقل الجوهري عن ابن إسحاق قوله عن روايات حديث الثقلين: (وفي بعضها: (إني تارك فيكم الثَقَلين: كتاب الله وعِتْرتي أهل بيتي). فجعل العِترة أهل البيت)(139) .

وقد ذكرنا أنّ لفظ (أهل البيت) يتناول كل من آل علي وآل عباس وآل عقيل وآل جعفر وآل الحارث(140) وآل أبي لهب(141) لا آل علي وحدهم دون سائر العترة.

القرابة والعشيرة

قال ابن دريد (321هـ) : (وعشيرة الرجل: بنو أبيه الأدنَون الذي يعاشرونه، وهكذا ذكر أصحاب المغازي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين(142) ﴾ قام فنادى: يا بني عبد مَناف. وعشير الرجل: امرأته التي تعاشره في بيته، وهو عشيرها أيضاً)(143) .

وقال ابن سيده (458هـ) : (والقَرابَة والقُرْبَى: الدُّنُوُّ في النَّسب، وفي التنزيل: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾(144) وما بينهما مَقْرَبةٌ. ومَقْرِبَة ومَقْرُبة: أي قرابة. وأقاربُ الرجل، وأَقْرَبوه: عشيرته الأدنون، وفي التنزيل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾(145) وجاء في التفسير: أنه لما نزلت هذه الآية صعد الصفا ونادى الأقرب فالأقرب، فخذاً فخذاً: «يا بني هاشم! يا بني عبد مناف! يا عباس! يا صفية! إني لا املك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم»، هذا عن الزجاج)(146) .

وقال المحقق الحلي (676هـ) وهو من كبار علماء الشيعة

صفحة مطبوعة 56 · ورقة PDF 56رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 57 · ورقة PDF 57رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 58 · ورقة PDF 58رابط الصفحة المنفردة

الإمامية-: (عشيرته: الخاص من قومه الذين هم أقرب الناس إليه في نسبه)(147)

وقال الطريحي (1085هـ) – وهو من علماء الإمامية أيضاً-: (قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أمر بإنذار الأقرب فالأقرب، وفُسِرت عشيرة الرجل بالرجال الذين هم من قبيلته ممن يطلق عليهم في العرف أنهم عشرة. وفي القاموس: عشيرة الرجل بنو أبيه الأدنون، والجمع عشائر)(148) .

وما ذكره ابن سيّده عن الزجّاج أو غيره من علماء العربية استشهاداً بما ورد في كتب التفاسير والمجاميع الحديثية وعند أهل السير يؤكد أنّ لفظي (العشيرة) و(القرابة) أعم من سائر المصطلحات التي ذكرناها كـ(أهل البيت) و(آل محمد) و(العترة).

ولعل الوقوف على الألفاظ التي جاءت فيها الروايات يُجلي المراد.

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لَمَّا أُنْزِلَتْ هذه الآية ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً فاجتمعوا فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: «يا بني كَعْبِ بْنِ لُؤَىٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يا بني مُرَّةَ بن كعب، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني عبد شمس، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني عبد مناف، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني هاشم،

صفحة مطبوعة 59 · ورقة PDF 59رابط الصفحة المنفردة

أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بني عبدالمطلب، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا فاطمة، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لا أملك لكم من الله شيئاً غير أنّ لكم رحماً سَأَبُلُّهَا(149) بِبَلاَلِهَا»(150)

وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما: «لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين﴾ صعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر! يا بني عدي! لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو....»(151) .

فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طبّق عملياً معنى الآية الكريمة الحاضة له على إنذار عشيرته الأقربين فدعا قريشاً بأكملها، معدّداً كل بطن من بطونهم، فعمّ وخصّ.

ولو كانت قرابته أو عشيرته صلى الله عليه وآله وسلم منحصرة ببني هاشم لكان الإنذار لهم لا لقريش بأسرها.

ومن جميل ما يُستفاد من هذه الآية الكريمة وهذا الحديث الشريف، ما ذكره الإمام القرطبي (671هـ) في تفسيره بقوله: (في هذا الحديث والآية دليل على أنّ القرب في الأنساب لا ينفع مع البعد في الأسباب، ودليل على جواز صلة المؤمن الكافر وإرشاده ونصيحته، لقوله: «إنّ لكم رحماً سأبلها ببلالها»)(152) .

صفحة 60 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 61 · ورقة PDF 61رابط الصفحة المنفردة

هل جعل الله تعالى مودة أهل البيت أجراً للرسالة؟

إنّ جميع الأبحاث التي تدور حول قول الله تبارك وتعالى ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(153) ، تتركز على كلمة (القربى) وتفسيرها، فمن هم القربى في هذه الآية؟ وما المراد من ذِكرهم في معرض الاحتجاج على المشركين؟

قال قوم: هم علي وفاطمة وولديهما الحسن والحسين رضي الله عنهم، استناداً لحديث مُنكر رووه في هذا الشأن(154) .

صفحة مطبوعة 62 · ورقة PDF 62رابط الصفحة المنفردة

وقال قوم: هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المعروفة (بنو هاشم) أو هم أعم من ذلك.

والذي عليه أكثر المحققين كابن عباسرضي الله عنهماوعكرمة ومجاهد وقتادة والشعبي وآخرين أنه ليس المراد بالقربى في الآية قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما ما بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقومه من القرابة النسبية، فإنه ما من بطن من بطون قريش إلا وله فيهم قرابة، والمراد بالآية: لا أسألكم على ما جئتكم به أجراً، ولكن أسألكم أن تودّوني لقرابتي منكم وتحفظوني، فإنكم قومي وأحقّ من أطاعني وأجابني.

وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سُئِل عن قولِه تعالى: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(155) فقال سعيد بن جُبير: قُربى آلِ محمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال ابن عبّاس: عَجِلْتَ، إِنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلا كان له فيهم قرابةٌ، فقال: إلا أَنْ تَصِلُوا ما بيني وبينكم من القرابة)(156) .

قال الحافظ ابن حجر (852هـ) مُعلّقاً : (والمعنى إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش خاصة، والقربى قرابة العصوبة والرحم، فكأنه قال احفظوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة)(157) .

وقال العلامة الشنقيطي (1393هـ)

صفحة مطبوعة 63 · ورقة PDF 63رابط الصفحة المنفردة

(وكان صلى الله عليه وآله وسلم له في كل بطن من قريش رحم، فهذا الذي سألهم ليس بأجر على التبليغ لأنه مبذول لكل أحد، لأنّ كل أحد يوده أهل قرابته وينتصرون له من أذى الناس. وقد فعل له ذلك أبو طالب ولم يكن أجراً على التبليغ لأنه لم يؤمن)(158)

وروى ابن سعد في (الطبقات) عن الشعبي قال: (أكثروا علينا في هذه الآية: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(159) فكتب إلى ابن عباس، فكتب ابن عباس أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان أوسط النسب في قريش، لم يكن حي من أحياء قريش إلا وقد ولدوه، فقال الله تبارك وتعالى: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا المودة، تودوني لقرابتي وتحفظوني في ذلك)(160) .

أما مسألة أجر الرسالة، فيمكننا القول بأنها قد طُرحت قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم على لسان خمسة من أنبياء الله تعالى وهم: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام، فكلهم كان قوله لقومه –كما في كتاب الله تعالى العزيز-: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(161) .

ومن الغريب جداً أن يفترض مسلم أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل

صفحة مطبوعة 64 · ورقة PDF 64رابط الصفحة المنفردة

الناس أجراً على الرسالة التي جاء بها من عند الله تعالى ليخرجهم بها من الظلمات إلى النور!

كيف وهو أفضل أنبياء الله تعالى؟ والأنبياء الكرام -سلام الله عليهم- إخوة لعلات، دينهم واحد، ودعوتهم واحدة، وهم أولى الناس ببعض.

وقد أجاد الإمام تقي الدين ابن تيمية في تقرير هذا المعنى حيث قال:

(فابن عباس كان من كبار أهل البيت وأعلمهم بتفسير القرآن، وهذا تفسيره الثابت عنه ويدل على ذلك أنه لم يقل (إلا المودة لذوي القربى) ولكن قال ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(162) ألا ترى أنه لما أراد ذوي قرباه قال ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾(163) ولا يقال المودة في ذوي القربى، وإنما يقال المودة لذوي القربى، فكيف وقد قال ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(164) .

ويبين ذلك أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يسأل أجراً أصلاً، إنما أجره على الله، وعلى المسلمين موالاة أهل البيت لكن بأدلة أخرى غير هذه الآية، وليست موالاتنا لأهل البيت من أجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شيء)(165) .

وقال في موضع آخر: أنه قال: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(166) لم يقل: إلا المودة للقربى، ولا المودة لذوي القربى. فلو أراد المودة لذوي القربى لقال: المودة لذوي القربى، كما قال: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾(167) وقال: ٱٱ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ

صفحة مطبوعة 65 · ورقة PDF 65رابط الصفحة المنفردة

وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾(168)

وكذلك قوله: ٱٱ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾(169) وقوله: ٱ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾(170) وهكذا في غير موضع.

فجميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذوي قربى الإنسان إنما قيل فيها ذوي القربى لم يقل في القربى، فلما ذُكِرَ هنا المصدر دون الاسم دلَّ على أنه لم يرد ذوي القربى.

ثم إنه لو أُريد المودة لهم لقال (المودة لذوي القربى) ولم يقل ﴿فِي الْقُرْبَى(171) ﴾ فإنه لا يقول من طلب المودة لغيره أسألك المودة في فلان ولا في قربى فلان، ولكن أسألك المودة لفلان والمحبة لفلان فلما قال المودة في القربى عُلِم أنه ليس المراد لذوي القربى.

ويقال أيضاً إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يسأل على تبليغ رسالة ربه أجراً ألبته بل أجره على الله كما قال: ٱ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾(172) وقوله: ٱ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُون﴾(173) وقوله: ٱ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ﴾(174) ولكن الاستثناء هنا منقطع، كما قال: ٱ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً(175) ﴾ .

ولا ريب أنّ محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجبة، لكن لم

صفحة مطبوعة 66 · ورقة PDF 66رابط الصفحة المنفردة

يثبت وجوبها بهذه الآية، ولا محبتهم أجر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بل هو مما أمرنا الله به كما أمرنا بسائر العبادات.

وفي الصحيح عنه أنه خطب أصحابه بغدير يدعى خمّاً بين مكة والمدينة فقال: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) وفي السنن عنه أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتي).

فمن جعل محبة أهل بيته أجراً له يوفيه إياه فقد أخطأ خطأً عظيماً، ولو كان أجراً له لم نثب عليه نحن لأنا أعطيناه أجره الذي يستحقه بالرسالة، فهل يقول مسلم مثل هذا؟!

ويُقال أيضاً إنّ القربى مُعرّفة باللام، فلا بد أن يكون معروفاً عند المخاطبين الذين أُمر أن يقول لهم ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾(176) وقد ذكرنا أنها لما نزلت لم يكن قد خلق الحسن ولا الحسين ولا تزوج علي بفاطمة، فالقربى التي كان المخاطَبون يعرفونها يمتنع أن تكون هذه، بخلاف القربى التي بينه وبينهم، فإنها معروفة عندهم، كما تقول: لا أسألك إلا المودة في الرحم التي بيننا، وكما تقول: لا أسألك إلا العدل بيننا وبينكم، ولا أسألك إلا أن تتقي الله في هذا الأمر)(177) .

وقد وافق الشيخ المفيد - من علماء الإمامية- شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على القائلين بأنّ الله تعالى جعل أجر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على أداء الرسالة وإرشاد البريّة مودة أهل بيته عليهم السلام، فقال:

(لا يصح القول بأنّ الله تعالى جعل أجر نبيّه مودة أهل بيته عليهم السلام،

صفحة مطبوعة 67 · ورقة PDF 67رابط الصفحة المنفردة

ولا أنه جعل ذلك من أجره؛، لأنّ أجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التقرّب إلى الله تعالى هو الثواب الدائم، وهو مستحق على الله تعالى في عدله وجوده وكرمه، وليس المستحق على الأعمال يتعلّق بالعباد، لأنّ العمل يجب أن يكون لله تعالى خالصاً، وما كان لله فالأجر فيه على الله تعالى دون غيره.

هذا مع أنّ الله تعالى يقول: ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ(178) ﴾ ، وفي موضع آخر ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي(179) ﴾ فلو كان الأجر على ما ظنّه أبو جعفر(180) في معنى الآية لتناقض القرآن، وذلك أنه كان تقدير الآية: قل لا أسألكم عليه أجراً، بل أسألكم عليه أجراً، ويكون أيضاً: إن أجري إلا على الله، بل أجري على الله وعلى غيره. وهذا محال لا يصح حمل القرآن عليه.

فإن قال قائل: فما معنى قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(181) أو ليس هذا يفيد أنه قد سألهم مودّة القربى لأجره على الأداء؟ قيل له: ليس الأمر على ما ظننت لما قدمناه من حجة العقل والقرآن- والاستثناء في هذا المكان ليس هو من الجملة، لكنه استثناء منقطع، ومعناه: قل لا أسألكم عليه أجراً، لكن ألزمكم المودة في القربى وأسألكموها، فيكون قوله: قل لا أسألكم عليه أجراً، كلاماً تاماً قد استوفى معناه، ويكون قوله: إلا المودة في القربى، كلاماً مبتدأ، فائدته: لكن

صفحة مطبوعة 68 · ورقة PDF 68رابط الصفحة المنفردة

المودّة في القربى سألتكموها، وهذا كقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُون إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾(182) والمعنى فيه: لكن إبليس، وليس باستثناء من جملة، وكقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾(183) معناه: لكن ربّ العالمين ليس بعدو لي؛ قال الشاعر:

وبلدة ليس بها أنيسُإلا اليعافير وإلا العيسُ

وكان المعنى في قوله: وبلدة ليس فيها أنيس، على تمام الكلام واستيفاء معناه، وقوله: إلا اليعافير، كلام مبتدأ معناه: لكن اليعافير والعيس فيها، وهذا بيّن لا يخفى الكلام فيه على أحد ممّن عرف طرفاً من اللسان، والأمر فيه عند أهل اللغة أشهر من أن يحتاج معه إلى استشهاد)(184) .

صفحة مطبوعة 69 · ورقة PDF 69رابط الصفحة المنفردة

شواهد من التراث الشيعي الاثني عشري

قد يظن البعض اغتراراً ببعض المُصنّفين من المعاصرين أنّ القول بكون (أهل البيت) هم بنو هاشم قول أهل السنة والجماعة وحدهم، وأنّ الشيعة الاثني عشرية تذهب إلى خلافه.

وعند استقراء الروايات الشيعية من مصادرها الأصلية، وكذا سَبْر أقوال كبار علماء المذهب القدماء الذين قام المذهب على أكتافهم بل والمتأخرين منهم(185) ، يتبين للدارس أنّ التراث الشيعي وكذا تقريرات علماء الشيعة تشهد بأنّ هناك اتفاقاً على كون (أهل البيت) هم بنو هاشم.

والروايات في ذلك كثيرة جداً، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

1- في كتاب (نهج البلاغة) عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: (وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا احمر البأس، وأحجم الناس قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنة. فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وقتل حمزة يوم أحد،

صفحة مطبوعة 70 · ورقة PDF 70رابط الصفحة المنفردة

وقتل جعفر يوم مؤتة. وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة، ولكن آجالهم عجلت ومنيته أجلت. فيا عجباً للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي، ولم تكن له كسابقتي التي لا يدلي أحد بمثلها إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه، ولا أظن الله يعرفه والحمد لله على كل حال)(186)

2- روى الكليني في (الكافي) عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنع بمن مات من بني هاشم خاصة شيئاً لا يصنعه بأحد من المسلمين، كان إذا صلى على الهاشمي ونضح قبره بالماء وضع كفه على القبر حتى ترى أصابعه في الطين، فكان الغريب يقدم أو المسافر من أهل المدينة فيرى القبر الجديد عليه أثر كف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: من مات من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟)(187) ، قال المجلسي: حديث حسن(188) .

3- روى ابن بابويه القمي في (الأمالي) عن ابن عباس أنه قال: قال علي (ع) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، إنك لتحب عقيلاً، قال: إي والله، إني لأحبه حبين حباً له وحباً لحب أبي طالب له، وإنّ ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين وتصلي عليه الملائكة المقربون، ثم

صفحة مطبوعة 71 · ورقة PDF 71رابط الصفحة المنفردة

بكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى جرت دموعه على صدره ثم قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي(189)

فأثبت رسول الله بهذا الحديث أنّ عقيلاً وابنه من عترته صلى الله عليه وآله وسلم(190) .

4- في (بحار الأنوار) للمجلسي عن الإمام الحسين أنه قال بعد أن جمع ولده وإخوته وأهل بيته ونظر إليهم فبكى ساعة: (اللهم إنا عترة نبيك)(191) .

فلم يحصر الحسين العترة في نفسه وفي ولده زين العابدين، بل عمم اللفظ لسائر من كان معه من أهل البيت.

5- في بحار الأنوار أيضاً أنّ أحد الشيعة خاطب الإمام زيد بن علي بن الحسين قائلاً: (يا ابن رسول الله! ألست صاحب هذا الأمر؟ قال: أنا من العترة)(192) .

6- روى ابن بابويه القمي في (الأمالي) شهادة ولدي مسلم بن عقيل الصغيرين والتي فيها: (فقال له الغلام الصغير: يا شيخ، أتعرف محمداً؟ قال: فكيف لا أعرف محمداً وهو نبيي؟ قال: أفتعرف جعفر بن أبي طالب؟ قال: وكيف لا أعرف جعفراً وقد أنبت الله له جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء، قال: أفتعرف علي بن أبي طالب؟ قال: وكيف لا أعرف علياً وهو ابن عم نبيي وأخو نبيي؟ قال له: يا شيخ،

صفحة مطبوعة 72 · ورقة PDF 72رابط الصفحة المنفردة

فنحن من عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن من ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب بيدك أسارى، نسألك من طيب الطعام فلا تطعمنا، ومن بارد الشراب فلا تسقينا...)(193)

7- روى محمد بن سليمان الكوفي في كتابه (مناقب أمير المؤمنين (ع)) عن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن عقبة إلى زيد بن أرقم فجلسنا إليه فقال له حصين: يا زيد، قد أكرمك الله ورأيت خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال زيد: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فخطبنا بماء يدعى بـ«خم» بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ثم قال: (أما بعد، أيها الناس، إنما أنا بشر أنتظر أن يأتي رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين: أحدهما كتاب الله، فيه الهدى والنور فاستمسكوا بكتاب الله وخذوا به.

فرغّب في كتاب الله وحثّ عليه ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي – (قالها) ثلاث مرات.

فقال له حصين: يا زيد، من أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟

قال: إنّ نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرّم عليهم الصدقة بعده،

صفحة مطبوعة 73 · ورقة PDF 73رابط الصفحة المنفردة

فقال له حصين: من هم يا زيد؟

قال: هم آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس.

فقال له حصين: أكُلّ هؤلاء حُرم عليهم الصدقة بعده؟ قال: نعم)(194) .

8- روى الطبرسي في (الاحتجاج) عن أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني بإسناد وصفه الطبرسي بأنه الصحيح عن رجال ثقة أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج في مرضه الذي توفي فيه إلى الصلاة متوكئاً على الفضل بن عباس وغلام له يقال له ثوبان، وهي الصلاة التي أراد التخلف عنها لثقله ثم حمل على نفسه وخرج، فلما صلى عاد إلى منزله، فقال لغلامه: اجلس على الباب ولا تحجب أحداً من الأنصار، وتجلاه الغشي وجاءت الأنصار فأحدقوا بالباب، وقالوا: استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: هو مغشي عليه وعنده نساؤه فجعلوا يبكون، فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البكاء، فقال:من هؤلاء؟ قالوا: الأنصار، فقال: من هاهنا من أهل بيتي؟ قالوا: علي والعباس فدعاهما وخرج متوكئاً عليهما)(195) .

9- روى شيخ الطائفة الطوسي عن الإمام جعفر الصادق قال: لما زوّج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة علياً عليهما السلام دخل عليها وهي تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟ فوالله لو كان في أهل بيتي خير منه زوّجتك(196) ) .

10- عن سلمان الفارسي قال: (كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في

صفحة مطبوعة 74 · ورقة PDF 74رابط الصفحة المنفردة

المسجد إذ دخل العباس بن عبد المطلب فسلّم، فردّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورحّب به، فقال: يا رسول الله، بم فضل علينا أهل البيت علي بن أبي طالب والمعادن واحدة؟ فقال النبي: إذن أخبرك يا عم...)(197)

وفي هذا الحديث إقرار من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للعباس بأنه من أهل البيت ثم إخبار له بسبب تفضيل علي بن أبي طالب عليه وعلى سائر رجال أهل البيت.

11- عن الإمام الباقر أنه قال: جاء العباس وغيره من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله، ما بال علي يدخل ويخرج؟ فقال رسول الله: ذلك إلى الله فسلّموا له حكمه(198) .

والشاهد هو قول الباقر (جاء العباس وغيره من آل محمد) وهو واضح جلي في دخول العباس وغيره في مسمى أهل البيت والعترة، وعدم انحصار مسمى (آل محمد) بأصحاب الكساء أو بالأئمة الاثني عشر.

12- عن ابن عباس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم وهو آخذ بيد علي بن أبي طالب؛ وهو يقول: يا معشر الأنصار، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبد المطلب، أنا محمد رسول الله، ألا إني خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي أنا وعلي وحمزة وجعفر...)(199) .

13- روي عن النبي صلى

صفحة مطبوعة 75 · ورقة PDF 75رابط الصفحة المنفردة

الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ألا وإنّ إلهي اختارني في ثلاثة من أهل بيتي وأنا سيد الثلاثة وأتقاهم لله ولا فخر، اختارني وعلياً وجعفر ابني أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب كنا رقوداً بالأبطح ليس منا إلا مسجى بثوبه على وجهه)(200)

14- روي أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في مرض موته لابنته فاطمة الزهراء: (علي بعدي أفضل أمتي، وحمزة وجعفر أفضل أهل بيتي بعد علي(201) ) .

15- في غزوة بدر لما نُقل عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جريحاً يحتضر قال: (يا رسول الله ألست شهيداً؟ قال: بلى، أنت أول شهيد من أهل بيتي)(202) .

فثبت بذلك أنّ روايات الشيعة الإمامية تتفق مع روايات أهل السنة والجماعة في كون مسمى أهل البيت يشمل بني هاشم بجميع فروعهم.

صفحة 76 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 77 · ورقة PDF 77رابط الصفحة المنفردة

شهادات إمامية تؤكد ما ذكرناه

ليست الروايات الشيعية وحدها التي نصت على كون المراد بأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعترته هم (بنو هاشم) خاصة، بل إنّ كبار علماء الإمامية قد قرروها في مُصنّفاتهم بكل جلاء ووضوح، وإليك بيان ذلك:

ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق (381هـ)

فقد قال في كتابه (كمال الدين وتمام النعمة) شارحاً المراد من (أهل البيت) و(العترة):

(وأما الأهل فهم الذرية من ولد الرجل وولد أبيه وجده ودنيه على ما تعورف ولا يقال لولد الجد الأبعد: أهل، ألا ترى أنّ العرب لا تقول للعجم: أهلنا، وإن كان إبراهيم؛جدهما ولا تقول من العرب مضر لأياد: أهلنا، ولا لربيعة، ولا تقول قريش لسائر ولد مضر: أهلنا، ولو جاز أن يكون سائر قريش أهل الرسول؛ بالنسب لكان ولد مضر وسائر العرب أهله، فالأهل أهل بيت الرجل ودنيه، فأهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنو هاشم دون سائر البطون .

فإذا ثبت أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم (إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به

صفحة مطبوعة 78 · ورقة PDF 78رابط الصفحة المنفردة

لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي) فسأل سائل: ما العترة؟ فقد فسرها هو؛ بقوله «أهل بيتي».

وهكذا في اللغة أنّ العترة شجرة تنبت على باب جحر الضب، قال الهذلي: فما كنت أخشى أن أقيم خلافهم. لستة أبيات كما ينبت العتر(203) .

قال أبو عبيد في كتاب الأمثال - حكاه عن أبي عبيدة -: العتر والعطر: أصل للانسان ومنه قولهم: «عادت لعترها لميس»(204) أي عادت إلى خلق كانت فارقته. فالعترة في أصل اللغة أهل الرجل وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «عترتي أهل بيتي» فتبين أن العترة الأهل الولد وغيرهم، ولو لم تكن العترة الأهل وكانوا الولد دون سائر أهله لكان قوله؛: (إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض) لم يدخل علي ابن أبي طالب؛ في هذه الشريطة.(205) .. ) .

المفيد (413هـ)

ففي رده على الطائفة الجارودية(206) وضّح المفيد معنى

صفحة مطبوعة 79 · ورقة PDF 79رابط الصفحة المنفردة

«العترة» كما يعتقدها الإمامية فقال: (قالت الجارودية: فإنّ لنا حجة في اختصاص الحسن والحسين عليهما السلام وولدهما بالإمامة دون غيرهم من ولد أمير المؤمنين؛ وسائر بني هاشم وكافة الناس وهي قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.

قالت الإمامية: هذا الخبر بأن يكون حجة لمن جعل الإمامة في جميع بني هاشم أولى من أن يكون حجة لمن جعلها في ولد فاطمة عليها السلام لأنّ جميع بني هاشم عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته بلا اختلاف، وإلا فإن اقترحتم فيه الحكم على أنه مصروف إلى ولد فاطمة عليها السلام اقترح خصومكم من الإمامية الحكم به على أنه من ولد فاطمة في ولد الحسين بعده وبعد أخيه الحسن؛. فلا تجدون منه فصلاًَ.

قالت الجارودية: فإنّ العترة في اللغة هم اللباب والخاصة، من ذلك قيل: عترة المسك، يراد به خاصته، وذلك موجب لكون عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورثته دون غيرهم من بني هاشم.

قالت الإمامية: أجل عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، خاصته ولبابه كما استشهدتم به في المسك، لكنه ليس اللباب والخاصة هم الذرية دون الأخوة والعمومة وبني العم، ولو كان الأمر على ما ذكرتموه خرج أمير المؤمنين؛ من العترة، وهو سيد الأئمة وأفضلها، لخروجه من جملة الذرية، وهذا باطل بالاتفاق.

صفحة مطبوعة 80 · ورقة PDF 80رابط الصفحة المنفردة

قالت الجارودية: فهذا يلزم الإمامية فيجب أن يكون العباس وولده وعبد شمس وولده داخلين في جملة العترة التي خلفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمته إذا كانت العترة تتعدى الورثة إلى غيرها من الأهل، وهذا نقض مذهب الشيعة.

قالت الإمامية: هذا يلزمنا لو تعلقنا في الإمامة باسم العترة كما تعلقت الزيدية، لكنا لا نعتمد على ذلك ولا نجعله أصلاً لنا في الحجة وكيف يوجه علينا ما ظننتموه لولا التحريف في الأحكام)(207) .

شيخ الطائفة الطوسي(460هـ)

فقد قال في كتابه (المبسوط):

( الصدقة المفروضة محرمة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله وهم ولد هاشم ، ولا تحرم على من لم يلده هاشم من المطلبين وغيرهم، ولا يوجد هاشمي إلا من ولد أبي طالب العلويين والعقيليين والجعفريين ومن ولد العباس بن عبد المطلب، ومن أولاد الحارث بن عبد المطلب، ويوجد من أولاد أبي لهب أيضاً)(208) .

وقال في موضع آخر: ( فالمعني بأهل بيته بنو هاشم خاصة ، هم ولد أبي طالب والعباس وأبي لهب وليس لهاشم عقب إلا من هؤلاء، وأضاف قوم من المخالفين بني عبد المطلب وجميع ولد عبد مناف، وهم أربعة هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس، وكذلك قولهم في سهم ذي القربى، والصحيح الأول، لإجماع الفرقة على ذلك)(209) .

فنصّ بهذا على أنّ الذين يُطلق عليهم (آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم) و (أهل البيت) هم بنو هاشم، وهم ولد أبي طالب (العلويين والعقيليين والجعفريين) وبنو العباس وبنو الحارث وأولاد أبي لهب.

صفحة مطبوعة 81 · ورقة PDF 81رابط الصفحة المنفردة

ابن إدريس الحلي (598هـ)

فقد قال في كتابه (السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي):

(عترته: هم الأخص به من قومه وعشيرته، وقد نص على ذلك ثعلب، وابن الأعرابي، من أهل اللغة)(210) .

يحيى بن الحسن الأسدي الحلي المعروف بـ«ابن البطريق» (600هـ)

قال في كتابه (عمدة عيون صحاح الأخبار): (ومن ذلك ما ذكره الثعلبي أيضاً في تفسير قوله تعالى ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾(211) يعني من أموال كفار أهل القرى ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾(212) يعني قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: وهم آل علي؛ وآل العباس رضي الله عنه وآل جعفر وآل عقيل رضي الله عنهما ولم يشرك بهم غيرهم، وهذا وجه صحيح يطرد على الصحة لأنه موافق لمذهب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم يدل عليه ما هو مذكور عندهم في تفسير قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾(213) لأنّ مستحق الخمس عندهم آل علي (ع) وآل العباس (ع) وآل جعفر وآل عقيل (ع) ولا يشرك بهم غيرهم(214) ) .

صفحة مطبوعة 82 · ورقة PDF 82رابط الصفحة المنفردة

جعفر بن الحسن الحلي المعروف بـ«المحقق الحلي» (676هـ)

فقد قال في حاشيته على نهاية الطوسي المسمّاه (نُكت النهاية):

(وأما العشيرة فأخص من القبيلة، وهي تختص النسب. والعترة رهط الرجل، الأدنون في نسبه، وهم أخص من العشيرة، وليس الأقرب واحداً بل قد يفرض الكثرة فيه، كما تفرض في العترة)(215) .

ابن المطهّر الحلي (726هـ)

فقد قال في كتابه (قواعد الأحكام):

(والآل: القرابة. والعترة: الأقرب إليه نسباً، و قيل: الذرية. والعشيرة: القرابة)(216) .

وقال أيضاً في (منتهى المطلب):

(عموم قوله تعالى: ٱ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء﴾(217) خرج منه بنو عبد المطلب لشدة قربهم وعلو منزلتهم بالإجماع، فيبقى الباقي على العموم، وقياس بني المطلب باطل، لأنّ بني هاشم أقرب وأشرف وهم آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم)(218) .

صفحة مطبوعة 83 · ورقة PDF 83رابط الصفحة المنفردة

المحقق الكركي (940هـ)

فقد قال في شرحه لكتاب (قواعد الأحكام) لابن المطهر الحلي ما نصه:

(قوله: «العترة: الأقرب إليه نسباً، وقيل: الذرية». الأول: قول ابن إدريس، والثاني: قول ابن زهرة. وكل منهما احتج لمذهبه بالنقل عن أهل اللغة، ولا ريب أنّ الأول أعرف وأشهر.

قال في القاموس: العترة نسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون ممن مضى وغبر، وفي الأساس نقلاً عن العين نحو ذلك(219) ) .

المولى محمد تقي المجلسي (1070هـ)

فقد قال في كتابه (روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه):

(العترة: نسل الرجل ورهطه وعشيرته الأقربون، وهم أهل بيته صلوات الله عليهم كما ورد متواتراً عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي)(220) .

المولى محمد صالح المازندراني (1081هـ)

فقد قال في شرحه لأصول الكافي:

(وقد نقل شيخ العارفين بهاء الملة والدين(221) عن بعض

صفحة مطبوعة 84 · ورقة PDF 84رابط الصفحة المنفردة

أصحاب الكمال في تحقيق معنى الآل كلاماً يُناسب ذكره في هذا المقام، وهو أنّ آل النبي عليهم السلام كل من يؤول إليه، وهم قسمان:

الأول: من يؤول إليه أولاً صورياً جسمانياً كأولاده ومن يحذو حذوهم من أقاربه الصوريين الذين يحرم عليهم الصدقة.

والثاني: من يؤول إليه أولاً معنوياً روحانياً، وهم أولاده الروحانيون من العلماء الراسخين والأولياء الكاملين والحكماء المتألهين المقتبسين من مشكاة أنواره، سواء سبقوه بالزمان أو لحقوه، ولا شك أنّ النسبة الثانية آكد من الأولى، وإذا اجتمعت النسبتان كان نوراً على نور كما في الأئمة المشهورين من العترة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين)(222) .

المولى محمد إسماعيل المازندراني الخواجُوئي(1173هـ)

فقد قال في رسالته (الفوائد في فضل تعظيم الفاطميين) ما نصه:

(دلّت الأخبار السابقة(223) على أنّ (آل محمد) و(أهل بيته) و(ذريته) قد يطلق على غير المعصومين منهم(224) بل على الظالمين

صفحة مطبوعة 85 · ورقة PDF 85رابط الصفحة المنفردة

الغير المقرّين بإمام زمانهم صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم من ظلمة أهل هذا البيت(225) فإنهم باعتبار أولاهم إليه صلى الله عليه وآله وسلم يسمّون بالآل، وباعتبار انتسابهم إليه صلى الله عليه وآله وسلم بولادتهم منه صلى الله عليه وآله وسلم يسمّون ذريته وأهل بيته)(226)

صفحة 86 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 87 · ورقة PDF 87رابط الصفحة المنفردة

أهل البيت بين الشرف والخصوصية

اعلم وفقني الله وإياك لما يُحب ويرضى أنّ الله تعالى قد فضل أهل البيت بعضهم على بعض درجات، فمنهم من ذُكر بمناقب خاصة وأُشير إليه بشرف خاص، ومنهم من هو كسائر آل البيت في المنقبة العامة، لا يفضل على أحد منهم بمنقبة.

وأهل البيت في هذا المقام قسمان: قسم حاز (الشرف العام) وهم (المؤمنون من بني هاشم وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم)، ولهؤلاء من المكانة والشرف والتقدير والإجلال ما يميزهم عن سائر المسلمين، يُحَبُّ المرء منهم على قدر دينه وإيمانه، فمن ضم إلى قرابته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علماً في الدين وتقوى لله كان أحب إلينا ممن هو أقل منه ديناًً وعلماً، ومن كان منهم أقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أحب إلى قلوبنا ممن بعُد نسبه.

ودليل (هذا التشريف) ما روي من أنّ العباس (عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يَلقون من قريش من تعبيسهم في وجوههم وقطعهم حديثهم عند لقائهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضباً شديداً حتى احمّر وجهه ودرّ عرقٌ بين عينيه

صفحة مطبوعة 88 · ورقة PDF 88رابط الصفحة المنفردة

وقال: (والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله)(227)

وفي رواية أَبي الضحى مسلم بن صبيح قال: قال العباس: يا رسول الله؛ إنّا لنرى وجوه قومٍ من وقائع أوقعتها فيهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يبلغوا الخير حتى يُحبُّوكم لله ولقرابتي، أترجو سلهبُ(228) شفاعتي، ولا يرجوها بنو عبد المطلب(229) ؟!».

صفحة مطبوعة 89 · ورقة PDF 89رابط الصفحة المنفردة

وروى الحاكم في (المستدرك) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (والذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت أحدٌ إلا أدخله الله النار)(230) .

أما المسيء منهم المفارق لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يُبغض على قدر ضلاله وبعده عن هدي محمد عليه الصلاة والسلام إن لم يذهب به ضلاله إلى حد الكفر أو الزندقة، فيُوالى الرجل منهم لإسلامه وقرابته، ويُبغض لمعصيته وهواه.

وتقصير الرجل من أهل البيت وعصيانه لا ينفي قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما أنّ الفسق لا يُخرج صاحبه من الإسلام، فكذلك لا يُلغي الفسق حقّ القرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

والرجل قد تجتمع فيه أمور، يُحبُّ ببعضها من وجوه، ويُبغض ببعضها من وجوه أُخر(231) .

و لابن حجر الهيتمي (974هـ) فتوى عن الشريف الذي وقع في الفسق، ذكر فيها أنّ عصيان الشريف لا يُسقط حق قُرباه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما لا يُحرَمُ الولد العاق من ميراث والده، وقد شدّد ابن حجر رحمه الله في ذلك(232) .

صفحة مطبوعة 90 · ورقة PDF 90رابط الصفحة المنفردة

وقال اللقاني (1041هـ) : (ويجبُ إكرام الأشراف، ولو تحقّق فسقهم؛ لأنّ فرع الشجرة منها، ولو مال)(233) .

وهذا كله لا يُسوغ لأحد من أهل البيت شيئاً من المعصية، فإنّ المعصية منهم مستقبحة عند الله تعالى وعند الناس أكثر من غيرهم، لشرف اتصالهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعِظم مسؤولية هذا الشرف.

ولذلك اتفق علماء أهل السنة والجماعة على أن لا يقدّم الهاشمي الضال على التقي الصالح من غير بني هاشم، إذ إنّ ميزان التفاضل هو التقوى لا النسب ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(234) والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقرر هذه الحقيقة فيقول: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)((235) ) فالنسب لن ينقذ أحداً ويشفع له عند الله إن أساء العمل وخالف هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أما الكافر أو المرتد من (بني هاشم) فلا يُنسب إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا كرامة، ولا يعني ذلك إنكار قرابته النسبية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنّ هذه لا يستطيع أحد إنكارها، وإنما المستنكر هو إطلاق مسمى (أهل البيت) - الذي اقترن بالتشريف من رب العالمين -على المرتدين أو الكفار.

ولهذا لا يُقال بأنّ أبا لهب وأمثاله من الكفار والمعاندين من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان (أبو لهب) في الحقيقة هو عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

صفحة مطبوعة 91 · ورقة PDF 91رابط الصفحة المنفردة

ومثل هؤلاء يُبغَضون كـ(سائر الكفار) بل أشد، وقد أنزل الله تعالى في أبي لهب (عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) آيات تتلى إلى يوم القيامة لما كفر وعاند وحارب الإسلام وأهله.

ولو كان النسب عاصماً أحداً من الضلالة لعصم ابن نوح؛ لما ناداه أبوه نوح؛ ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾(236) فآثر الغرق على الهدى، والحال كذلك في آزر لما قال له ابنه ابراهيم رحمه الله؛ ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾(237) فقابل النصح بالعناد والمكابرة و﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾(238) .

إنّ ديننا قائم على ما وقر في القلب وصدقته الأعمال لا على ما سطرته كتب الأنساب!

خصوصية أصحاب الكساء والأزواج

وأما القسم الثاني من (أهل البيت) فهم أصحاب الكساء (علي وفاطمة والحسن والحسين) وأزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذريته، ويُضاف إليهم كل هاشمي وردت في حقه فضائل خاصة كالعباس وحمزة وجعفر مثلاً، فإنه قد وردت فيهم فضائل خاصة تُميزهم عن سائر بني هاشم.

فلهؤلاء خصوصية لا يشاركهم فيها عامة بني هاشم فضلاً عن غيرهم.

فأما أهل الكساء ففي كل فرد منهم فضائل مخصوصة، أما

صفحة مطبوعة 92 · ورقة PDF 92رابط الصفحة المنفردة

فضائلهم مجتمعين فقد تجلت في حديث الكساء، وفيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق)، وفيه بيان كونهم أخص الناس به صلى الله عليه وآله وسلم وأقربهم له وأحقهم به.

وقد اختارهم دون سائر أهل بيته للمباهلة لأنهم أخص أهل بيته وأقربهم إليه، فخرجوا معه لمباهلة (عبد المسيح) ومن معه من وفد نجران.

قال الإمام تقي الدين ابن تيمية : (أما كون علي بن أبي طالب من أهل البيت فهذا مِمَّا لا خلاف فيه بين المسلمين، وهو أظهر عند المسلمين من أن يحتاج إلى دليل؛ بل هو أفضل أهل البيت وأفضل بني هاشم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أدار كِساءَهُ على عليّ وفاطمة وحسن وحسين فقال: اللَّهُمَّ هؤلاء أَهلُ بيتي فأَذهِب عنهم الرِّجسَ وطَهِّرهم تَطهيراً)(239) .

وقال أيضاً: (والحسن والحسين من أعظم أهل بيته اختصاصاً به كما ثبت في الصحيح أنه دار كساءه على علي وفاطمة وحسن وحسين ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)(240) .

وعن آية المباهلة يقول الإمام تقي الدين ابن تيمية (ففي الصحيح أنها لما نزلت أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي وفاطمة وحسن وحسين ليباهل بهم لكن خصّهم بذلك لأنهم كانوا أقرب إليه من غيرهم فإنه لم يكن ولد ذكر إذ ذاك يمشي معه ولكن كان يقول

صفحة مطبوعة 93 · ورقة PDF 93رابط الصفحة المنفردة

عن الحسن: إنّ ابني هذا سيد فهما ابناه ونساؤه إذ لم يكن قد بقى له بنت إلا فاطمة رضي الله عنها، فإنّ المباهلة كانت لما قَدِم وفد نجران وهم نصارى، وذلك كان بعد فتح مكة بل كان سنة تسع وفيها نزل صدر آل عمران، وفيها فرض الحج وهي سنة الوفود، فإنّ مكة لما فتحت سنة ثمان قدمت وفود العرب من كل ناحية، فهذه الآية تدل على كمال اتصالهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما دلَّ على ذلك حديث الكساء، ولكن هذا لا يقتضي أن يكون الواحد منهم أفضل من سائر المؤمنين ولا أعلم منهم لأنّ الفضيلة بكمال الإيمان والتقوى لا بقرب النسب(241)

وأما ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه فلهم خصوصية الصلاة عليهم في (الصلاة الإبراهيمية) التي وردت بعدة صيغ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها (قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)(242) .

ولأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مزايا أخرى منها: أنّ الله تعالى جعلهن أمهات للمؤمنين، وهي أمومة يترتب عليها حرمة الزواج بهن بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، ووجوب احترامهن والتأدب معهن.

ومن مزاياهن أنّ الله تعالى فضّلهن على سائر نساء المؤمنين، فلهن من المكانة والفضل وعلو المقام والرتبة ما ليس

صفحة مطبوعة 94 · ورقة PDF 94رابط الصفحة المنفردة

لغيرهن من النساء كما قال الله تعالى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾(243)

وقد شرفهن الله تعالى بتلاوة آياته والحكمة في بيوتهن فقال ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾((244) ).

ولمكانتهن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن المسلمين جعل الله تعالى الأجر لهن مضاعفاً إِنْ عملن صالحاً والعذاب مضاعفاً إن أتين بفاحشة((245) )، فقال عز من قائل ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا(246) ﴾( ).

وقد روى الإمام ابن سعد في (الطبقات) عن الفضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل ممن يغلو فيهم: (ويحكم! أحبونا لله؛ فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا. فقال له رجل: إنكم قرابة رسول الله وأهل بيته. فقال: ويحك لو كان الله مانعاً بقرابة من رسول الله أحداً بغير طاعة الله لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباً وأماً، والله إني لأخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين وإني لأرجو أن يؤتى

صفحة مطبوعة 95 · ورقة PDF 95رابط الصفحة المنفردة

المحسن منا أجره مرتين. ويلكم اتقوا الله وقولوا فينا الحق فإنه أبلغ فيما تريدون، ونحن نرضى به منكم. ثم قال: لقد أساء بنا آباؤنا إن كان هذا الذي تقولون من دين الله ثم لم يطلعونا عليه ولم يرغبونا فيه)(247)

وعند الشيعة الإمامية روايات شبيهة بهذه يُمكن الاستشهاد بها هاهنا.

فقد روى الطبرسي – وهو من علماء الإمامية - في تفسيره (مجمع البيان) عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام زيد بن علي بن الحسين أنه قال: (إني لأرجو للمحسن منا أجرين، وأخاف على المسيء منا أن يضاعف له العذاب ضعفين، كما وعد أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم)(248) .

وروى أيضاً عن الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) أنه قال له رجل: (إنكم أهل بيت مغفور لكم، قال: فغضب وقال: نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله في أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن نكون كما تقول، إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر ولمسيئنا ضعفين من العذاب. ثم قرأ الآيتين(249)(250) )( .

وفي الكافي للكليني بسند صححه المجلسي أنّ ابن أبي

صفحة مطبوعة 96 · ورقة PDF 96رابط الصفحة المنفردة

نصر سأل الإمام علي الرضا الجاحد منكم ومن غيركم سواء؟ فقال: الجاحد منا له ذنبان والمحسن له حسنتان(251)

فهذه روايات تشير إلى احتساب أئمة آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤتي الله تعالى للمحسن منهم أجره مرتين، والمسيء منهم العذاب ضعفين إن أساء العمل.

صفحة مطبوعة 97 · ورقة PDF 97رابط الصفحة المنفردة

﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾(252)

لم أجد عنواناً مناسباً أعنون به هذا الموضوع إلا هذه الآية الكريمة، فهي الأبلغ في التعبير عن المعاني التي اختلجت في نفسي عند ذِكر أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحقوقهن.

فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة للمؤمنين هو الأولى بأنفسهم من كل شيء وهو الأب لهم، فإنّ أزواجه هن أمهاتهم مكانة وقدراً.

ذلك حقٌ يعرفه لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كان منا يؤمن بالله وباليوم الآخر، ولو أنّ القرآن الكريم لم يأتِ مُذّكراً بحقوق الأزواج الأدبية التي ينبغي على المؤمن مراعاتها، لكان من الواجب على المؤمنين مراعاة هذه الحقوق إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أقل تقدير.

تلك لغة أجزم بأنّ كثيراً من الطائفيين لا يُدركونها ولا يُرتجى منهم إدراكها إلا إذا شاء الله تعالى أن يُطهّر قلوبهم.

ولهذا ينبغي أن نُنبه إلى أن احترام أمهات المؤمنين وتوقيرهن واجب شرعي، لا يجوز شرعاً ولا يصح عقلاً أن يُختزل في خلافاتنا الطائفية المذهبية الضيقة، مهما حاول الطائفيون ذلك.

صفحة مطبوعة 98 · ورقة PDF 98رابط الصفحة المنفردة

وقد أعجبني الشيخ محمد جواد مُغنية حين نأى بنفسه عن النزول لوحل الطائفية في هذه المسألة، بإغلاقه الباب في وجه أحد الجهال المتعصبين -وما أكثرهم- كما عبّر بذلك عن نفسه قائلاً: (دلتني التجارب أنّ الجدل لا يسوغ بحال إلا إذا توقع كل من المتناظرين الخطأ في تفكيره ووطن نفسه على التسليم بالحق متى ظهرت دلائله، أما من يعتقد سلفاً بصوابه وخطأ نظيره فلا تجادله إطلاقاً لأنّ ذلك مضيعة للوقت... جاءني رجل مرة يقول: إنّ بعض المؤلفين وضع كتاباً في فضل عائشة فيجب أن ترد عليه، قلت: ألست أنت مؤمناً؟ قال: بلى، قلت: هي أمك(253) ) .

نعم... إنّ أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمهاتنا، شئنا أم أبينا، ومن يأبى فعليه أن يتحمل تبعة أن ينفي عن نفسه الإيمان، لأنّ أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمهات للمؤمنين، فمن أبى ذلك، فليس بمؤمن قطعاً!

وقد تضافرت أقوال علماء الأمة في بيان فضل ومكانة أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خلال موقعهن كأمهات للمؤمنين، فإليك شذرات من هذه الأقوال:

يقول الإمام الطبري (310هـ) : (وقوله ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾(254) يقول: وحرمة أزواجه حرمة أمهاتهم عليهم، في أنهن يحرم عليهم نكاحهن من بعد وفاته، كما يحرم عليهم نكاح أمهاتهم)(255) .

يقول الإمام البغوي (510هـ) (وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأبيد لا في النظر إليهن والخلوة بهن فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب، قال الله

صفحة مطبوعة 99 · ورقة PDF 99رابط الصفحة المنفردة

تعالى: ٱ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾(256)

ويقول الحافظ ابن الجوزي (597هـ) : (قوله تعالى ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في تحريم نكاحهن على التأبيد، ووجوب إجلالهن وتعظيمهن، ولا تجري عليهن أحكام الأمهات في كل شيء، إذ لو كان كذلك لما جاز لأحد أن يتزوج بناتهن، ولورثن المسلمين، ولجازت الخلوة بهن)(257) .

ويقول المفسر البيضاوي (685هـ) : ( ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ منزلات منزلتهن في التحريم واستحقاق التعظيم وفيما عدا ذلك فكما الأجنبيات..)(258) .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (728 هـ) : (وأُوجب على الأمة لأجله –أي لأجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم- احترام أزواجه وجعلهن أمهات في التحريم والاحترام فقال سبحانه وتعالى: ٱ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾(259) .

ويقول العلامة ابن جُزَيّ الكلبي (741هـ) (جعل الله تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرمة الأمهات في تحريم نكاحهن ووجوب مبرتهن، ولكن أوجب حجبهن

صفحة مطبوعة 100 · ورقة PDF 100رابط الصفحة المنفردة

عن الرجال)(260)

ويقول العلامة أبو حيان الأندلسي (745هـ) : ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي مثل أمهاتهم في التوقير والاحترام. وفي بعض الأحكام: من تحريم نكاحهن، وغير ذلك مما جرين فيه مجرى الأجانب)(261) .

ويقول الحافظ ابن كثير (774هـ) : (وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام ولكن لا تجوز الخلوة بهن)(262) .

ويقول الإمام بدر الدين العيني (855 هـ) : (وهن أمهات في وجوب احترامهن وبِرّهن وتحريم نكاحهن، لا في جواز الخلوة والمسافرة وتحريم نكاح بناتهن وكذا النظر في الأصح، وبه جزم الرافعي ومقابله حكاه الماوردي)(263) .

ويقول الإمام البقاعي (885هـ) ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي المؤمنين من الرجال خاصة دون النساء، لأنه لا محذر من جهة النساء، وذلك في الحرمة والإكرام، والتعظيم والاحترام

صفحة مطبوعة 101 · ورقة PDF 101رابط الصفحة المنفردة

وتحريم النكاح دون جواز الخلوة والنظر وغيرهما من الأحكام، والتعظيم بينهن وبين الأمهات في ذلك أصلاً، فلا يحل انتهاك حرمتهن بوجه ولا الدنو من جنابهن بنوع نقص، لأنّ حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمته أعظم من حق الوالد على ولده، وهو حي في قبره وهذا أمر جعله الله وهو إذا جعل شيئاً كان، لأنّ الأمر أمره والخلق خلقه، وهو العالم بما يصلحهم وما يفسدهم)(264)

ويقول العلامة الشنقيطي (1393هـ): وما ذكر من أن المراد بكون أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم أمهات المؤمنين هو حرمتهن عليهم، كحركة الأم، واحترامهم لهن كاحترام الأم – إلى آخره. واضح لا إشكال فيه – ويدل له قوله تعالى: ٱ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾(265) ؛ لأن الإنسان لا يسأل أمه الحقيقة من وراء حجاب. قوله تعالى: ٱ﴿ٱ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ(266) ﴾ ومعلوم أنهن رضي الله عنهن، لم يلدن جميع المؤمنين الذين هم أمهاتهم(267) .

شهادات شيعية منصفة

بعيداً عن الروايات المغالية التي حفلت بها بعض كتب الطائفيين أو تصريحاتهم الحاقدة التي امتلأت حناجرهم وأناملهم بها قيحاً وصديداً، من الطعن في عِرض أمهات المؤمنين(268) أو لعنهن(269) أو التشنيع عليهن(270) فإنّ هناك شهادات شيعية منصفة

صفحة مطبوعة 102 · ورقة PDF 102رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 103 · ورقة PDF 103رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 104 · ورقة PDF 104رابط الصفحة المنفردة

في أمهات المؤمنين لا بد أن تظهر على السطح وتُشكّل في مُجملها انعطافاً نحو طريق الوحدة الإسلامية المنشودة.

ولا تعني الإشارة إلى هذه الشهادات أنها قد نالت حظها من العناية والاهتمام والدراسة والتدين، ولو أنها كانت كذلك لكانت لغة العامة اليوم غير تلك التي نعرفها.

فإنّ مما يُفطّر القلب ويُدمي الفؤاد ويملأه حزناً وأسى أن تجد أنّ مثل هذه الشهادات المنصفة لا تلقى رواجاً بين مثقفي الإمامية كسائر تصريحاتهم الطائفية أو تقريراتهم العقائدية العدائية.

عدا كتب الطائفيين التي تنخر في وحدة الأمة وتستنفذ طاقاتها والتي توزع بالمجان وبلا حسيب ولا رقيب!

حتى بات عامة الشيعة اليوم يعتقدون أنّ حب أمهات المؤمنين وتوليهن حكرٌ على أهل السنة، كما أنّ حب أئمة أهل البيت وتوليهن - عندهم- هو حكرٌ على الشيعة.

وبهذا وُضع الجدار أمام فُرص الالتقاء بين الطائفتين ولو في مثل هذه المسائل التي يستحي المرء أن يذكرها أمام رجلٍ من أهل الكتاب، لئلا يَشمت بالإسلام وبنبي الإسلام وبالمسلمين.

صفحة مطبوعة 105 · ورقة PDF 105رابط الصفحة المنفردة

لكننا على ثقة بأنّ صوت الحق والعقل والاتزان يعلو دائماً، بل يؤذي دويه آذان خفافيش الظلام وغربان الخراب.

فإليك أيها القارئ الكريم هذه الشهادات بنصّها وفصّها، محفوفة بالصلاة على النبي المختار وآله الطيبين الأطهار:

يقول زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني (965هـ) : (إذا تقرر ذلك فنقول: تحريم أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم لما ذكرناه من النهي المؤكد عنه في القرآن، لا لتسميتهن أمهات المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ، ولا لتسميته صلى الله عليه وآله وسلم والداً، لأن ذلك وقع على وجه المجاز لا الحقيقة، كناية عن تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن(271) ) .

ويقول الشيخ بهاء الدين الأصفهاني الملقب بالفاضل الهندي (1137هـ) : (ومن الكرامات أنه جُعلت أزواجه أمهات المؤمنين بنص الآية، بمعنى تحريم نكاحهن على غيره واحترامهن)(272) .

ويقول الشيخ يوسف البحراني (1186هـ) : (ثم إنه ينبغي أن يُعلم أنّ تحريم أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم على الأمة إنما هو للنهي الوارد في القرآن لا لتسميتهن بأمهات المؤمنين في قوله ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ولا لتسميته صلى الله عليه وآله وسلم والداً، لأنّ هذه التسمية إنما وقعت على وجه المجاز لا الحقيقة، كناية عن تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن(273) ) .

صفحة مطبوعة 106 · ورقة PDF 106رابط الصفحة المنفردة

ويقول الفقيه محمد بحر العلوم (1326هـ) : (اعلم أنّ للأم إطلاقات ثلاثة: أمهات النسب، وأمهات الرضاع وأمهات التبجيل والعظمة، وهن زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنهن أمهات المؤمنين، لقوله تعالى: ٱ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ، ويشاركن أمهات النسب في حرمة نكاحهن بالنص لا بإطلاق الأمومة عليهن دون المحرمية)(274) .

ويقول المفسر الطباطبائي (1412هـ) : (وقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ جعل تشريعي أي أنهن منهم بمنزلة أمهاتهم في وجوب تعظيمهن وحرمة نكاحهن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم)(275) .

ويقول المرجع الشيعي ناصر مكارم الشيرازي : (أما في مورد أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فبالرغم من أنهن لسن أمهات جسمياً، إلا أنهن أمهات روحيات اكتساباً من مقام واحترام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولهن وجوب الاحترام كأمهات)(276) .

صفحة مطبوعة 107 · ورقة PDF 107رابط الصفحة المنفردة

حب أهل البيت.. مظاهره ووسائله

لقد اعتنى العلماء الربانيون بأهل البيت عليهم السلامعناية تليق بمكانتهم التي خصّهم الله تعالى بها، وقد تمثلت معالم هذه العناية في عدة أمور لعل من أهمها:

أولاً: ذِكر فضائلهم ومناقبهم وحقوقهم الشرعية

فأحاديث فضائل أهل البيت قد سُجّلت ودوّنت في أصح كتب الحديث بدءاً بالبخاري وانتهاء بأقل كتب الحديث عناية بالإسناد.

ومن يتصفح صحيحي البخاري ومسلم أو جامع الترمذي مثلاً فإنه سيجد حتماً أبواباً بعضها في فضائل علي بن أبي طالب أو الحسن أو الحسين أو فاطمة أو العباس وابنه عبد الله أو جعفر بن أبي طالب أو أمهات المؤمنين وغيرهم من أهل البيت، هذا إلى جانب المصنفات الكثيرة التي صَنَّفها العلماء في أهل البيت خصيصاً(277) كـ«فضائل علي والحسن والحسين»(278) للإمام

صفحة مطبوعة 108 · ورقة PDF 108رابط الصفحة المنفردة

أحمد بن حنبل (241هـ) و«خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» للحافظ النسائي (303هـ) و«ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى» للحافظ محب الدين الطبري (694هـ) و«استجلاب ارتقاء الغُرف بحب أقرباء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذوي الشرف» للحافظ السخاوي (902هـ) و«إحياء الميت في فضائل أهل البيت» للحافظ جلال الدين السيوطي (911هـ) و«جواهر العقدين في فضل الشرفين» و «الجوهر الشّفاف بفضائل الأشراف» للشريف نور الدين السمهودي (911هـ) و«در السحابة في مناقب القرابة والصحابة» للعلامة الشوكاني (1250هـ) وهناك الكثير من المؤلفات التي عنيت بأهل البيت ومكانتهم.

على أني – كما يقول الإمام السخاوي: «لو مشيتُ في هذا المَهْيَعِ(279) لجاء في عدة مجلّدات، فيها الكفاية والمقنع، مع بيان السَّمين من الهَزيل، والثابت المَكين من المُزَلْزَل العليل، إذ قد جمع الأئمة في كل من علي والعباس والسبطين تصانيف منتشرة في الناس. وكذا أُفردت مناقب الزهراء وغيرها، ممن علا شرفاً وفخراً»(280) .

ثانياً: صلاتهم على آل البيت في الصلاة الإبراهيمية

فالمسلمون قاطبة يصلون على آل البيت في تشهدهم في الصلاة، عارفين مكانتهم وفضلهم.

وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الرحمن بن

صفحة مطبوعة 109 · ورقة PDF 109رابط الصفحة المنفردة

أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة رضي الله عنه فقال: (ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ قلت: بلى. قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)(281)

وفي رواية عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه ذكر أنهم قالوا: (يا رسول الله، كيف نصلِّى عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)(282) .

وفي هذا أنشد الإمام الشافعي:

يا أهل بيت رسول الله حبكمُفرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنكمُمن لم يُصلِّ عليكم لا صلاة له(283) ( 283 )

وقد علّق العلامة البكري (1302هـ) على البيتين السابقين بقوله: (فقوله: (لا صلاة له) يحتمل أن المراد صحيحة، فيكون موافقاً للقول القديم بوجوب الصلاة على الآل، ويحتمل أن المراد لا صلاة كاملة، فيوافق أظهر قوليه وهو الجديد)(284) .

صفحة مطبوعة 110 · ورقة PDF 110رابط الصفحة المنفردة

والبيتان يُنسبان في أغلب الكتب إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي -صاحب المذهب الفقهي المعروف- بينما نسبها المجد الشيرازي لمحمد بن يوسف الشافعي(285) ، والله أعلم بالصواب.

ثالثاً: تصريحهم بوجوب محبة أهل البيت ومعرفة حقهم دون إفراط أو تفريط

قال زهير بن أبي سلمى، ولنِعم ما قال:

هم وسطٌ يرضى الأنام بِحُكمهمإذا نزلت إحدى الليالي بِمُعظم(286) ( 286 )

لقد انقسم الناس تجاه أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصناف ثلاثة، ما بين تفريط وإفراط ومنهج وسط وهو الطريق المستقيم، وبيان ذلك:

الصنف الأول: مفرِّطون في حقِّهم، وهم الجفاة لهم، البُغاة عليهم.

الصنف الثاني: مُفرِطون في حبهم، متجاوزون الحد الشرعي فيه، وهم الغلاة فيهم.

الصنف الثالث: معتدلون منصفون، مفارقون لطريقة الصنفين (الغالين والجافين) وهم الوسط بينهما.

صفحة مطبوعة 111 · ورقة PDF 111رابط الصفحة المنفردة

قال العلامة محمد صدّيق حسن خان (1308هـ) : (وهذه المحبة لهم واجبة متحتّمة على كل فرد من أفراد الأمة، ومن حُرمها فقد حُرم خيراً كثيراً، ولكن لا بد فيها من لفظ(287) الإفراط والتفريط، فإنّ قوماً غلوا فيها فهلكوا، وفرّط فيها قوم فهلكوا، وإنما الحق بين العافي والجافي، والغالي والخالي)(288) .

ويقول العلامة محمود شكري الألوسي (1342هـ) في هذا السياق أيضاً: (والكثير من الناس في حق كل من الآل والأصحاب في طرفي التفريط والإفراط، وما بينهما هو الصراط المستقيم، ثبتنا الله تعالى على ذلك الصراط)(289) .

وقد تجلت معالم هذه الوسطية في تصريحات العلماء الربانيين وأفعالهم على مدى العصور والأزمان.

فهذا هو الإمام أحمد بن حنبل (241هـ) يقول عنه ابنه الإمام عبد الله: (رأيت أبي إذا جاءه الشيخُ والحَدَثُ من قريش أو غيرهم من الأشراف، لا يخرج من باب المسجد حتى يخرجهم، فيتقدّمونه، ثم يخرج بعدهم)(290) .

وقد عَمِل الإمام أحمد بهذا التقديم لآل البيت على غيرهم حتى في (مُسنده)، فبدأ بهم بعد مسانيد العشرة المبشرين بالجنة مباشرة.

صفحة مطبوعة 112 · ورقة PDF 112رابط الصفحة المنفردة

وقد أتاه طبيبٌ لينتزع منه قطعة من جسده ماتت من أثر ضرب جلاّدي الخليفة المعتصم، آلمه مبضع الطبيب، فوضع يده على رأسه وجعل يقول: (اللهم اغفر للمعتصم) وكررها، حتى انتهى الطبيب، فقال الطبيب: إنّ الناس إذا امُتحنوا محنة دعوا على من ظلمهم، ورأيتك تدعو للمعتصم! قال: إني فكّرتُ فيما تقول، وهو ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكرهتُ أن آتي يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابته خصومة، وهو مني في حلّ(291) .

ولما مرِض الإمام أحمد مرض وفاته، وكُثر الناس عليه، ردّ كثيراً من زوّاره، وفيهم الأمراء والقضاة إلا بني هاشم، أدخلهم عليه، فدخلوا ولم يتمالكوا أنفسهم حتى بكوا عليه(292) .

وهذا الإمام أبي جعفر الطحاوي (321هـ) يقول في عقيدته المشهورة: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه الطاهرات من كلِّ دنس، وذريَّاته المقدّسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق)(293) .

ويقول الإمام الحسن البربهاري (329هـ) في «شرح السنة»: (واعرف لبني هاشم فضلهم، لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتعرف فضل قريش والعرب، وجميع الأفخاذ، فاعرف قدرهم وحقوقهم في الإسلام، ومولى القوم منهم، وتعرف لسائر الناس حقهم في الإسلام، واعرف فضل الأنصار ووصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

صفحة مطبوعة 1 · ورقة PDF 113رابط الصفحة المنفردة

فيهم، وآل الرسول فلا تنساهم، واعرف فضلهم وكرامتهم)(294)

أما الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري (360هـ) فقد استخلص لك من رحيق هذه الأقوال عبيراً يُعطرّ به الأسماع إذ يقول: (واجب على كل مؤمن ومؤمنة محبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني هاشم، علي بن أبي طالب وولده وذريته وفاطمة وولدها وذريتها، والحسن والحسين وأولادهما وذريتهما، وجعفر الطيار وولده وذريته، وحمزة وولده(295) والعباس وولده وذريته رضي الله عنهم، هؤلاء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واجب على المسلمين محبتهم وإكرامهم واحتمالهم وحسن مداراتهم، والصبر عليهم والدعاء لهم، فمن أحسن من أولادهم وذراريهم فقد تخلّق بأخلاق سلفه الكرام الأخيار الأبرار، ومن تخلق منهم بما لا يحسن من الأخلاق دُعي له بالصلاح والصيانة والسلامة، وعاشره أهل العقل والأدب بأحسن المعاشرة، وقيل له: نحن نجلك عن أن تتخلق

صفحة مطبوعة 114 · ورقة PDF 114رابط الصفحة المنفردة

بأخلاق لا تشبه سلفك الكرام الأبرار، ونغار لمثلك أن يتخلق بما نعلم أنّ سلفك الكرام الأبرار لا يرضون بذلك، فمن محبتنا لك أن نحب لك أن تتخلق بما هو أشبه بك وهي الأخلاق الشريفة الكريمة، والله الموفق لذلك)(296)

ويقول في موضع آخر: (فإن قال قائل: فما تقول فيمن يزعم أنه محب لأبي بكر وعمر وعثمان، متخلف عن محبة علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وعن محبة الحسن والحسين رضي الله عنهما، غير راضٍ بخلافة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، هل تنفعه محبة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم؟

قيل له: معاذ الله، هذه صفة منافق، ليست بصفة مؤمن، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)(297) وقال؛: (من آذى علياً فقد آذاني)(298) وشهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي رضي الله عنه بالخلافة وشهد له بالجنة وبأنه شهيد، وأنّ علياً رضي الله عنه محب لله عز وجل ولرسوله، وأنّ الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم محبان لعلي رضي الله عنه وجميع ما شهد له به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفضائل التي تقدم ذكرنا لها وما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من محبته للحسن والحسين رضي الله عنهما مما تقدم ذكرنا له. فمن لم يحب هؤلاء ويتولهم فعليه لعنة الله في الدنيا والآخرة، وقد بريء منه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وكذا من زعم أنه يتولى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويحب أهل بيته، ويزعم

صفحة مطبوعة 115 · ورقة PDF 115رابط الصفحة المنفردة

أنه لا يرضى بخلافة أبي بكر وعمر ولا عثمان ولا يحبهم ويبرأ منهم ويطعن عليهم، فنشهد بالله يقيناً أنّ علي بن أبي طالب والحسن والحسين رضي الله عنهم براء منه، لا تنفعه محبتهم حتى يحب أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيما وصفهم به، وذكر فضلهم، وتبرأ ممن لم يحبهم. فرضي الله عنه وعن ذريته الطيبة، هذا طريق العقلاء من المسلمين)(299)

ويقول الإمام عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني (387 هـ) في (النونية):

واحفظ لآل البيت واجبحقهم واعرف علياً أيّما عرفان
لا تنتقصه ولا تزد في قدرهفعليه تصلى النار طائفتان
إحداهما لا ترتضيه خليفةوتنصه الأخرى إلهاً ثان

ويقول الإمام عبد القاهر البغدادي (429 هـ) عن معتقد أهل السنة والجماعة في أهل البيت: (وقالوا بموالاة جميع أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكفروا من أكفرهن أو أكفر بعضهن، وقالوا بموالاة الحسن والحسين والمشهورين من أسباط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كالحسن بن الحسن وعبد الله بن الحسن وعلي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر وهو الذي بلغه جابر بن عبد الله الأنصاري سلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه(300)

صفحة مطبوعة 116 · ورقة PDF 116رابط الصفحة المنفردة

وجعفر بن محمد المعروف بالصادق وموسى بن جعفر وعلي بن موسى الرضا، وكذلك قولهم في سائر أولاد علي من صلبه كالعباس وعمر ومحمد بن الحنفية وسائر من درج على سنن آبائه الطاهرين دون من مال منهم إلى اعتزال أو رفض، ودون من انتسب إليهم وأسرف في عداوته وظلمه)(301)

ويقول الموفق ابن قدامة المقدسي (620هـ) : (ومن السُنّة التَّرضي عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمهات المؤمنين المطهرات المبرءات من كلِّ سوء، أفضلهم خديجة بنت خويلد، وعائشة الصدّيقة بنت الصِّدِّيق التي برأها الله في كتابه، زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فهو كافر بالله العظيم)(302) .

وقد سُئل سلطان العلماء العز بن عبد السلام (660هـ) عن جماعة من الغلاة تزعم أنّ حب علي رضي الله عنه يمحو السيئات والمعاصي فأجاب: (حب علي رضي الله عنه من حب علي رضي الله عنه يمحو السيئات والمعاصي فقال: حُبُّ علي رضي الله عنه من الإيمان؛ فمن أحبه وأطاع ربه، كان له ثواب حبه، وأجر طاعة ربه، وكان عند الله من السعداء. ومن أحبه وعصى ربه، كان له حبه، وعليه وبال معصية ربه، وكان عند الله من الأشقياء)(303) .

صفحة مطبوعة 117 · ورقة PDF 117رابط الصفحة المنفردة

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ) عن محبة أهل السنة والجماعة لأهل البيت النبوي وإكرامهم لهم:

(ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي)، وقال للعباس عمه وقد اشتكى إليه أنّ بعض قريش يجفو بني هاشم فقال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، وقال: (إنّ الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)(304) .

ويقول الحافظ ابن كثير (774هـ) : (ولا ننكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وُجِد على وجه الأرض فخراً وحسباً ونسباً، ولا سيما إذا كانوا متَّبعين للسُنَّة النبوية الصحيحة الواضحة الجليَّة، كما كان عليه سلفهم، كالعبَّاس وبنيه، وعليَّ وأهل ذريته رضي الله عنه أجمعين)(305) .

ويقول الإمام ابن الوزير (840هـ) (وقد دلت النصوص الجمة المتواترة على وجوب محبتهم وموالاتهم... ومما يخص أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾((306) الآية، إلى قوله: (فيجب لذلك حبهم وتعظيمهم وتوقيرهم واحترامهم والاعتراف

صفحة مطبوعة 118 · ورقة PDF 118رابط الصفحة المنفردة

بمناقبهم، فإنهم أهل آيات المباهلة والمودة والتطهير، وأهل المناقب الجمّة والفضل الشهير)(307)

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي (1206هـ) معاتباً بعض أتباعه لإنكارهم على أحد الأشراف من أهل البيت تقبيل الناس ليده ولكونه كان يلبس عمامة خضراء:

(فقد ذُكِر لي عنكم أنّ بعض الإخوان تكلَّم في عبد المحسن الشريف، يقول: إنّ أهل الحسا يحبُّون على يدك(308) ، وأنك لابسٌ عمامة خضراء. وإلإنسان لا يجوز له الإنكار إلا بعد المعرفة؛ فأول درجات الإنكار معرفتك أنّ هذا مخالفٌ لأمر الله. وأما تقبيل اليد فلا يجوز إنكار مثله، وهي مسألةٌ فيها اختلاف بين أهل العلم، وقد قبّل زيد بن ثابت يد ابن عباس، وقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. وعلى كل حال: فلا يجوز لهم إنكار كل مسألة لا يعرفون حكم الله فيها. وأما لبس الأخضر: فقد أُحدثت قديماً، تمييزاً لأهل البيت؛ لئلا يظلمهم أحدٌ أو يقصّر في حقّهم من لا يعرفهم، وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الناس حقوقاً، فلا يجوز لمسلم أن يُسقط حقَّهم ويظنّ أنه من التوحيد، بل هو من الغلو...)(309) .

وقال أيضاً مُقرراً فضل أهل البيت وشرفهم: (والواجب على الكل منا ومنكم أنه يقصد بعلمه وجه الله ونصر رسوله، كما قال تعالى: ٱ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ(310)

صفحة مطبوعة 119 · ورقة PDF 119رابط الصفحة المنفردة

فإذا كان سبحانه قد أخذ الميثاق على الأنبياء إن أدركوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على الإيمان به ونصرته فكيف بنا بأمته، فلا بد من الإيمان به ولا بد من نصرته لا يكفي أحدهما عن الآخر، وأحق الناس بذلك وأولاهم به أهل البيت الذي بعثه الله منهم وشرفهم على أهل الأرض وأحق أهل البيت بذلك من كان من ذريته صلى الله عليه وآله وسلم والسلام)(311)

ويقول العلامة ابن عثيمين (1421هـ) : (ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يُحبُّون آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يُحبُّونهم للإيمان، وللقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يكرهونهم أبداً)(312) .

وقد شهد آية الله العظمى الميرزا محمد حسين المامقاني لأهل السنة والجماعة شهادة منصفة عادلة حينما قال: (وخلاصة القول: إنّ مقصودنا من هذه الخاتمة هو أن يتضح الأمر للجميع بأنّ أهل السنة والجماعة وإنْ لم يكونوا قائلين بأنّ الإمام أمير المؤمنين؛ هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل ولم يعترفوا بالخلافة الظاهرية للعترة الطاهرة، وهم بهاتين الفقرتين يخالفون الشيعة الاثنى عشرية، لكنهم يقرون بولاية الإمام أمير المؤمنين؛ المطلقة(313) ويعترفون بجميع فضائل ومناقب الأئمة الأطياب عليهم السلام.

صفحة مطبوعة 120 · ورقة PDF 120رابط الصفحة المنفردة

وهذا المعنى ملتبسٌ على أغلب الناس ومشتبه عليهم، حيث يظنون بأنّ السنة ينكرون فضائل أئمتنا)(314)

رابعاً: حرصهم على نسب أهل البيت وغلظتهم على الأدعياء

لقد حرص الإسلام على صيانة الأنساب وحفظها من الاختلاط، وعدّ دعوى الرجل الانتساب إلى غير أبيه مِن أعظم الفِرى التي يستحق صاحبها النار.

روى البخاري في صحيحه عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ من أعظم الفِرى أن يُدعى الرجل إلى غير أبيه أو يُري عينهُ ما لم تَرَ، أو يقولَ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يَقُل)(315) .

وروى البخاري ومسلم عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ليس من رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادّعى قوماً ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار»(316) .

وروى الإمام أحمد في (مسنده) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من ادّعى إلى غير أبيه لم يرح ريح

صفحة مطبوعة 121 · ورقة PDF 121رابط الصفحة المنفردة

الجنة، وإنّ ريحها ليُوجد من قدر سبعين عاماً أو مسيرة سبعين عاماً، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)(317)

وإذا كان هذا في عامة الأنساب فإنّ الغيرة على ضبط نسب أهل البيت أولى من ضبط غيره؛ لئلا ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ليس أهلاً لهذا النسب الشريف.

ولهذا قال الإمام مالك: (من انتسب إلى بيت النبي ص – يعني بالباطل – يُضرب ضرباً وجيعاً ويُشهّرُ، ويُحبس طويلاً حتى تظهر توبته، لأنه استخفاف بحقِّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم)(318) .

وقال الحافظ السخاوي تعليقاً على قول الإمام مالك: (ورحم الله مالكاً، كيف لو أدرك من يتسارع إلى ثبوت ما يغلب على الظن التوقف في صحته من ذلك بدون تثبُّت، غير ملاحظ ما يترتب عليه من الأحكام، غافلاً عن هذا الوعيد الذي كان مُعيناً على الوقوع فيه؟! إما بثبوته ولو بالإعذار فيه، طمعاً في الشيء التافه الحقير، قائلاً: الناس مؤتمنون على أنسابهم! وهذا لعمري توسعٌ غير مرضيِّ)(319) .

وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الوقف الذي أُوقِف على الأشراف، ويقول: (إنَّهم أقارب)، هل الأقاربُ شرفاء أم غير شرفاء؟ وهل يجوز أن يتناولوا شيئاً من الوقف أم لا؟

صفحة مطبوعة 122 · ورقة PDF 122رابط الصفحة المنفردة

فأجاب: (الحمد لله، إن كان الوقفُ على أهل بيتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أو على بعض أهل البيت كالعلويِّين والفاطميِّين أو الطالبيِّين، الذين يدخل فيهم بنو جعفر وبنو عَقيل، أو على العبَّاسيِّين ونحوِ ذلك، فإنَّه لا يستحقُّ مِن ذلك إلاَّ مَن كان نسبُه صحيحاً ثابتاً، فأمَّا مَن ادَّعى أنَّه منهم ولم يثبت أنه منهم، أو عُلِم أنَّه ليس منهم، فلا يستحقُّ مِن هذا الوقفِ، وإن ادَّعى أنَّه منهم، كبَني عبدالله بن ميمون القدَّاح؛ فإنَّ أهلَ العلمِ بالأنسَاب وغيرَهم يعلمون أنَّه ليس لهم نسبٌ صحيحٌ، وقد شهد بذلك طوائفُ أهل العلم من أهل الفقه والحديث والكلام والأنساب وثبت في ذلك محاضرُ شرعيَّة، وهذا مذكورٌ في كتب عظيمة مِن كتب المسلمين، بل ذلك مِمَّا تواتر عند أهل العلم. وكذلك مَن وقف على الأشراف، فإنَّ هذا اللفظ في العُرف لا يدخل فيه إلاَّ مَن كان صحيح النَّسَب من أهل بيت النَّبِيِّ . وأمَّا إن وقف واقفٌ على بني فلانٍ أو أقارب فلانٍ ونحو ذلك، ولم يكن في الوقف ما يقتضي أنَّه لأهل البيت النبويِّ، وكان الموقوف مُلكاً للواقف يصح وقفُه على ذريّة المعيَّن، لم يدخل بنو هاشم في هذا الوقف)(320) .

وقد ذكر الإمام البقاعي في تاريخه الموسوم بـ«إظهار العصر لأسرار أهل العصر» في حوادث شهر محرم سنة 861هـ) أنّ قاضي القضاة السعد الديري الحنفي ضرب أحمد المغربل المشهور بـ«المدني» ضرباً شديداً وطوّفه في القاهرة ينادى عليه: (هذا جزاء من يريد أن يدخل في النسب الشريف بغير حق).

صفحة مطبوعة 123 · ورقة PDF 123رابط الصفحة المنفردة

وسبب ذلك أنّ المذكور أراد أن يثبت أنه شريف، وكذا غيره من الفجرة بواسطته، وذلك أنه اتفق مع بعض شهود الزور وادعى أنه من قرية الجعفرية، وأن أهلها من أولاد جعفر الصادق، فما كفاه كذبه لنفسه حتى أراد أن يثبت الشرف لجميع أهل القرية! مع أنّ المذكور من أولاد نصارى بعض قرى دمياط، وأنه كان يحترف بالغربلة في بولاق(321)

فانظر رحمك البارئ إلى عناية أهل السنة والجماعة بنسب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، وكيف كانوا ولا يزالون حُرَّاساً حِراصاً عليه، يذودون عن حياضه وينفون عنه الدخيل، أفلا يُعد هذا وما سبقه من الكلام دليلاً واضحاً على عمق محبة أهل السنة والجماعة لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!

صفحة 124 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 125 · ورقة PDF 125رابط الصفحة المنفردة

خصوصياتهم الدالة على مزيد كرامتهم

فمن خصوصياتهم الدالة على طيب أصلهم وكرامتهم عند الله تعالى:

أولاً: تشريف الله تعالى لهم بالصلاة عليهم تبعاً للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة وغيرها

وقد فصّلنا القول فيه عند حديثنا عن (حب أهل البيت... مظاهره ووسائله).

ثانياًً: كل سبب ونسب مقطوع إلا سببهم ونسبهم

روى الطبراني في (المعجم الكبير) من حديث ابن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله عنه أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول للناس حين تزوّج ابنة علي رضي الله عنهما:

(ألا تُهنِّئوني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ينقطع يوم القيامة كل سبب ونسب إلا سببي ونسبي)(322) .

صفحة مطبوعة 126 · ورقة PDF 126رابط الصفحة المنفردة

وقد اختص النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة من جملة آل بيته بالدعاء لهما بالبركة في نسلهما.

فقد روى الإمام النسائي في (السنن الكبرى) عن عبد الكريم بن سَليط البصري عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه أنّ نفراً من الأنصار قالوا لعلي رضي الله عنه: (عندك فاطمة)(323) .

فدخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم –يعني ليخطبها– فسلّم عليه فقال: ما حاجة ابن أبي طالب؟ قال: ذُكِرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (مرحباً وأهلاً ) لم يزده عليها.

فخرج إلى الرهط من الأنصار ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما أدري! غير أنه قال لي: مرحباً وأهلاً، قالوا: يكفيك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحداهما، قد أعطاك الأهل، وأعطاك الرَّحب). فلما كان بعد ذلك، بعدما زوَّجه قال: يا علي! إنَّه لا بدَّ للعرسِ من وليمة. قال سعد: عندي كبش، وجمع له رهطٌ من الأنصار آصعاً من ذُرة. فلما كان ليلة البناء قال: يا علي، «لا تُحدِث شيئاً حتى تلقاني» فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بماء فتوضأ منه، ثم أفرغه على علي فقال: «اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في شبلهما(324)(325) » .

صفحة مطبوعة 127 · ورقة PDF 127رابط الصفحة المنفردة

ثالثاً: حرمة الصدقة عليهم واستحقاقهم الخمس

قال الحافظ السيوطي في (الخصائص الكبرى) متحدثاً عن خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لمّا كانت الصدقةُ أوساخَ الناس، نُزّه منصبُه الشريف عن ذلك، وانجرَّ إلى آله بسببه. وأيضاً: فالصدقة تُعطى على سبيل الترحُّم المَبْني على ذُلِّ الآخِذ، فأُبْدِلوا عنها بالغنيمة المأخوذة بطريق العزّ والشرف المُنْبِيء عن عزّ الآخِذ وذُلّ المأخوذ منه)(326) .

وقال نور الدين علي بن عبد الله السمهودي (911هـ): (إنّ الآية المذكورة – أي آية التطهير - لما أفادت أنّ طهارتهم في الذروة العليا، ومساواتهم له صلى الله عليه وآله وسلم في أصل ذلك، نشأ من ذلك إلحاقهم به صلى الله عليه وآله وسلم في المنع من الصدقات التي هي أوساخ الناس، وعوّضهم عن ذلك خُمس الخمس من الفيء والغنيمة اللذين هما أطيب الأموال، مع ما تضمناه من عزّ أخذهما، وذلّ من أُخذا منه، بخلاف أخذ الصدقات فإنه ينبئ عن ذلّ الآخذ وعزِّ المأخوذ منه، قال الله تعالى ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾(327) وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾(328) ، فلذلك كان المعتمد دخول أهل بيت نسبه صلى الله عليه وآله وسلم في معنى آية الباب المذكورة، وأنهم من حُرِّم عليه الصدقة، والمراد بالصدقة على الصحيح عند الشافعية والحنابلة وأكثر الحنفية، وأحد قولي المالكية، وما وجب من الزكاة طهَّرهم الله تعالى من تناولها، لأنها أوساخ الناس(329) .

صفحة مطبوعة 128 · ورقة PDF 128رابط الصفحة المنفردة

وقد روى البخاري ومسلم عن محمد بن زياد أنه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه! فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (كِخ كِخ) ليطرحها. ثم قال: (أما شعرت أنّا لا نأكل صدقة)(330) .

وعن أبي الحوراء قال: (كنا عند حسن بن علي فسُئل ما عقلت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: كنت أمشي معه فمرّ على جرين من تمر الصدقة فأخذت تمرة فألقيتها في فمي فأخذها بلعابي، فقال بعض القوم: وما عليك لو تركتها؟ قال: (إنّا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، قال: وعقلت منه الصلوات الخمس)(331) .

فإنّ الصدقة أوساخ الناس، فطهّرهم الله تعالى من هذه الأوساخ، وعوّضهم بما يقيتهم من خمس الغنائم، ومن الفيء الذي جعل منه رزق محمد صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أحمد وغيره: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم)(332) .

قال الإمام تقي الدين ابن تيمية في رسالة (فضل أهل البيت

صفحة مطبوعة 129 · ورقة PDF 129رابط الصفحة المنفردة

وحقوقهم): (ولهذا ينبغي أن يكون اهتمامهم بكفاية أهل البيت الذين حرمت عليهم الصدقة أكثر من اهتمامهم بكفاية الآخرين من الصدقة، لا سيما إذا تعذر أخذهم من الخمس والفيء، إما لقلة ذلك، وإما لظلم من يستولي على حقوقهم، فيمنعهم إياها من ولاة الظلم، فيعطون من الصدقة المفروضة ما يكفيهم إذا لم تحصل كفايتهم من الخمس والفيء)(333)

صفحة 130 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 131 · ورقة PDF 131رابط الصفحة المنفردة

إكرام الصحابة والمقتفين طريقهم لأهل البيت

روى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنّ أبا بكر رضي الله عنه قال لعلي رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحبُّ إليّ أن أصِل من قرابتي)(334) .

وعن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للعباس-عم النبي-: (مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحبَّ إليَّ من إسلام الخطّاب – يعني والده – لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أنّ إسلامك كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من إسلام الخطّاب)(335) .

وقال رزين بن عُبيد: كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما فأتى زين العابدين علي بن الحسين فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: (مرحباً بالحبيب ابن الحبيب)(336) .

صفحة مطبوعة 132 · ورقة PDF 132رابط الصفحة المنفردة

وروى ابن سعد والدارمي أنّ ابن عباسرضي الله عنهما قال: (إن كان ليبلُغُني الحديث عن الرجل –يعني من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم– فآتيه وهو قائلٌ، فأتوسّدُ ردائي على بابه، فَتَسفِي الريح على وجهي التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عمِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! ما جاء بك! ألا أرسلت إليّ فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك..)(337) .

وذكر الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» أنّ الحسن بن علي دخل عليه في مجلسه فقال له معاوية رضي الله عنه: (مرحباً وأهلاً بابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) وأمر له بثلاثمائة ألف(338) .

وروى أيضاً أنّ الحسن والحسين رضي الله عنهما وفدا على معاوية رضي الله عنه فأجازهما بمائتي ألف وقال لهما: (ما أجاز بهما أحدٌ قبلي)، فقال الحسين: (ولم تعط أحداً أفضل منا)(339) .

وروى ابن سلاّم بسنده عن الزهري رحمه الله أنّ الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (إن جاءني خُمس العراق لا أدع هاشمياً إلا زوّجته ولا من لا جارية له إلا أخدمته. قال: وكان يُعطي الحسن والحسين)(340) .

وذكر القاضي عياض في «الشفا» عن الشعبي أنه قال: صلّى زيد بن ثابت رضي الله عنه على جنازة، ثم قُرِّبت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس رضي الله عنهما فأخذ بركابه) فقال زيد: خَلِّ عنه يا ابن

صفحة مطبوعة 133 · ورقة PDF 133رابط الصفحة المنفردة

عمِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: هكذا نفعل بالعلماء فقبّل زيدٌ يد ابن عباس وقال: هكذا أُمِرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا)(341)

وعن الإمام عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رحمه الله أنه قال: (أتيت عمر بن عبد العزيز رحمه الله في حاجة لي فقال لي: إذا كانت لك حاجة فأرسل إليّ، واكتب بها، فإني أستحيي من الله أن يراك على بابي)(342) .

وروى ابن سعد في (طبقاته) عن فاطمة بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنها قالت: «دخلت على عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة، فأخرج مَنْ عنده وقال: يا ابنة علي! والله ما على ظهر الأرض أهل بيت أحبُّ إليّ منكم، ولأنتِ أحبُّ إليّ من أهل بيتي»(343) .

وذكر القاضي عياض في (الشفا) أنّ مالكاً رحمه الله لمّا تعرّض له جعفر بن سليمان العباسي والي المدينة، ونال منه ما نال، وحُملِ مغشياً عليه، دخل عليه الناس فأفاق، فقال: أُشهِدكم أني قد جَعَلْتُ ضاربي في حلِّ، فسُئل بعد ذلك فقال: خِفْت أن أموت فألقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأستحيي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي)(344) .

صفحة مطبوعة 134 · ورقة PDF 134رابط الصفحة المنفردة

وقيل: إنّ المنصور أقاده من جعفر، فقال له مالك: أعوذ بالله! والله ما ارتفع منها سوطٌ عن جسمي إلا وقد جعلته في حِلِّ لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(345) .

وذكر الخطيب البغدادي في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي» من طريق عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قال: رأيت أبي إذا جاءه الشيخ والحَدَثُ من قريش أو غيرهم من الأشراف، لا يخرجُ من باب المسجد حتى يُخرِجهم فيكون هم يتقّدمونه، ثم يخرج بعدهم)(346) .

وهكذا فقد اتضح جلياً بما لا يدع مجالاً لشاك أو حاقد، مدى إكرام الصحابة رضوان الله عليهم ومن اقتفى أثرهم لأهل البيت، بما يتناسب مع قدرهم ومكانتهم رضي الله عنهم، والشواهد كثيرة وما ذكرناه هو غيض من فيض، وقليل من كثير.

الدين مُقدّم على النسب

لا يعني ذكر مناقب أهل البيت والثناء العطر عليهم تفضيلهم مطلقاً في كل الأحوال وعلى جميع الأشخاص، بل قد يوجد في آحاد الناس من هو أفضل من آحاد بني هاشم لكونه أتقى وأصلح.

والله تعالى لم يُعلَّق الثواب ولا العقاب على القرابة، ولا مدح أحداً بمجرد كونه من ذوي القربى وأهل البيت وإنما جعل ميزان التفاضل هو التقوى والعمل الصالح كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(347) ﴾ وهو الأساس الذي يتفاضل فيه الخلق ويثابون عليه.

وفي هذا يقول الإمام تقي الدين ابن تيمية : (لم يثن الله على أحد في القرآن بنسبه أصلاً لا على ولد نبي ولا على أبي نبي وإنما أثنى على الناس بإيمانهم وأعمالهم وإذا ذكر صنفا وأثنى عليهم فلما فيهم من الإيمان والعمل لا لمجرد النسب.

ولما ذكر الأنبياء ذكرهم في الأنعام وهم ثمانية عشر قال: ٱ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم(348) فبهذا حصلت الفضيلة باجتبائه سبحانه وتعالى وهدايته

صفحة مطبوعة 135 · ورقة PDF 135رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 136 · ورقة PDF 136رابط الصفحة المنفردة

إياهم إلى صراط مستقيم لا بنفس القرابة. إلى أن يقول: وفي القرآن الثناء والمدح للصحابة بإيمانهم وأعمالهم في غير آية كقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾(349)

وقوله: ٱ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾(350) .

وقوله: ٱ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ(351) ﴾ . وهكذا في القرآن الثناء على المؤمنين من الأمة أولها وآخرها على المتقين والمحسنين والمقسطين والصالحين وأمثال هذه الأنواع.

وأما النسب ففي القرآن إثبات حق لذوي القربى كما ذكروا هم في آية الخمس والفيء، وفي القرآن أمر لهم بما يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً.

وفي القرآن الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد فسر ذلك بأن يصلى عليه وعلى آله وفي القرآن الأمر بمحبة الله ومحبه رسوله ومحبة أهله من تمام محبته وفي القرآن أن أزواجه أمهات المؤمنين.

وليس في القرآن مدح أحد لمجرد كونه من ذوي القربى وأهل البيت ولا الثناء عليهم بذلك ولا ذكر استحقاقه الفضيلة عند الله بذلك ولا تفضيله على من يساويه في التقوى بذلك.

صفحة مطبوعة 137 · ورقة PDF 137رابط الصفحة المنفردة

وإن كان قد ذكر ما ذكره من اصطفاء آل إبراهيم واصطفاء بني إسرائيل فذاك أمر ماض فأخبرنا بأن في جعله عبرة لنا، فبيّن مع ذلك أنّ الجزاء والمدح بالأعمال.

ولهذا ذكر ما ذكره من اصطفاء بني إسرائيل وذكر ما ذكره من كفر من كفر منهم وذنوبهم وعقوبتهم فذكر فيهم النوعين الثواب والعقاب.

وهذا من تمام تحقيق أن النسب الشريف قد يقترن به المدح تارة إن كان صاحبه من أهل الإيمان والتقوى وإلا فإن ذم صاحبه أكثر كما كان الذم لمن ذُمَّ من بني إسرائيل وذرية إبراهيم.

وكذلك المصاهرة ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾(352)(353) )( .

وما أنفس قول الإمام ابن حزم الأندلسي وهو يتعرض لهذه القضية المهمة فيقول: (وإن كان الله قد حكم بأنّ الأكرم هو الأتقى، ولو أنه ابن زنجية لغية(354) ، وأنّ العاصي والكافر محطوط الدرجة، ولو أنه ابن نبيين، فقد جعل تعارف الناس بأنسابهم غرضاً له تعالى في خلقه إيانا شعوباً وقبائل)(355) .

صفحة مطبوعة 138 · ورقة PDF 138رابط الصفحة المنفردة

وعليه فإنّ من شروط موالاة المؤمن لمن ينتسب لأهل البيت أن يكون:

أولاً: مؤمناً مستقيماً على الملة

فإن كان كافراً فلا حق له في الحب والتعظيم والإكرام والولاية ولو كان أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كعمّه أبي لهب.

ثانياً: متبعاً للسنة النبوية الصحيحة

فإن فارق السنة وخالف هدي جده صلى الله عليه وآله وسلم وتلبّس بالبدع والمحدثات فإنه ليس له حق في الحب والتعظيم والإكرام والولاية حتى يرجع إلى السنة ويتمسك بها.

وقد قال الشيخ محمد نسيب الرفاعي (1413هـ) أبياتاً في هذا المعنى يقول فيها:

وليست النِّسبة العليا مُشرِّفةإن لم يزنها الفتى بالدين والأدب
سلمان مثواه جنّات مُخلّدةٌوالنار قد جُعلت مثوى أبي لهب
والدين والنسب الأسمى إذااجتمعا فاز الفتى بكريم الدِّين والنّسبِ(356) ( 356 )

فمن المطلوب المتأكد في حق الناس عامة وفي حق أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة رعاية أمور هي:

1- الاعتناء بتحصيل العلوم الشرعية وآدابها وآداب العلماء، فإنه لا فائدة في نسب من غير علم.

وفي هذا يقول الإمام محمد بن عبد الله المعروف بـ«النفس

صفحة مطبوعة 139 · ورقة PDF 139رابط الصفحة المنفردة

الزكية»: (إن كنت لأطلب العلم في دور الأنصار، حتى لأتوسد عتبة أحدهم فيوقظني الإنسان فيقول: إنّ سيدك قد خرج إلى الصلاة، ما يحسبني إلا عبده!)(357)

2- ترك الفخر بالآباء وعدم التعويل عليهم من غير اكتساب العلوم الدينية فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(358) وفي الصحيحين قيل: يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم(359) .

وروى ابن جرير وغيره: (إنّ الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(360) .

ولهذا حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على هذا المعنى فقال من جملة حديث له: (ومن بطأ به عمله لم يُسرع به نسبه)(361) .

ولقد حثّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيته على تقوى الله وخشيته، وأن لا يؤثروا الدنيا على الآخرة اغتراراً بأنسابهم، وأنّ أولياءه صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة المتقون من كانوا وحيث كانوا.

فقد روى الإمام أحمد في المسند عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمّا بعثه إلى اليمن خرج معه يُوصيه، ثم التفت

صفحة مطبوعة 140 · ورقة PDF 140رابط الصفحة المنفردة

فأقبل بوجهه إلى المدينة فقال: (إنّ أولى الناس بي المتقون مَنْ كانوا وحيث كانوا)(362)

وفي رواية: (إنّ أهل بيتي هؤلاء يَرَون أنَّهم أولى النَّاس بي، وإنَّ أولى النَّاس بي المُتقون من كانوا حيث كانوا، اللهم إنِّي لا أُحِلُّ لهم فساد ما أصلحت، وايمُ الله ليَكْفَؤُون أُمتي عن دينها كما يُكفأ الإناء في البطحاء)(363) .

ولهذا حذّر قرابته من الاغترار بالنسب، فلما نزل قول الله تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾(364) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً، فاجتمعوا فعمّ وخصّ. فقال: يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرّة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطّلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أنّ لكم رحماً سأبُلّها بِبِلالها)(365) .

وفي رواية: «يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، يا أُمَّ الزبير بن العوام عمّة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، اشتريا أنفسكما من الله لا

صفحة مطبوعة 141 · ورقة PDF 141رابط الصفحة المنفردة

أملك لكما من الله شيئاً، سَلاني من مالي ما شئتما»(366)

وقد أحسن الحافظ ابن الجوزي إذ يحكي بعض ما ينتاب الأشراف من داء الاغترار بالنسب فيقول: (ومن تلبيسه عليهم أن يكون لأحدهم نسب معروف فيغتر بنسبه فيقول: أنا من أولاد أبي بكر. وهذا يقول: أنا من أولاد علي، وهذا يقول: أنا شريف من أولاد الحسن أو الحسين، أو يقول: أنا قريب النسب من فلان العالم، أو من فلان الزاهد، وهؤلاء يبنون أمرهم على أمرين:

أحدهما: إنهم يقولون: من أحب إنساناً أحب أولاده وأهله.

والثاني: أنّ هؤلاء لهم شفاعة، وأحق من شفعوا فيه أهلهم وأولادهم.

وكلا الأمرين غلط.

أما المحبة، فليست محبة الله عز وجل كمحبة الآدميين، وإنما يحب من أطاعه، فإنّ أهل الكتاب من أولاد يعقوب لم ينتفعوا بآبائهم، ولو كانت محبة الأب تسري لسرى إلى البعض أيضاً.

وأما الشفاعة فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾(367) ولما أراد نوح حمل ابنه في السفينة قيل له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾(368) ولم يشفع إبراهيم في أبيه ولا نبينا في أمه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة رضي الله عنها: (لا أغني عنك

صفحة مطبوعة 142 · ورقة PDF 142رابط الصفحة المنفردة

من الله شيئاً)(369) ومن ظن أنه ينجو بنجاة أبيه كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه)(370)

ولهذا روى ابن بابويه القمي – وهو من كبار علماء الشيعة الاثني عشرية- في (عيون أخبار الرضا) عن الإمام الرضا تصريحه بأنّ القرابة ليست مُنجية من الهلاك يوم القيامة فضلاً عن كونها ليست مقياساً للتفاضل بين الناس: (إنه ليس بين الله وبين أحد قرابة ولا ينال أحد ولاية الله إلا بالطاعة، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبني عبد المطلب ائتوني بأعمالكم لا بأحسابكم وأنسابكم، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُون فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون(371)(372) ﴾ )( .

وروى أيضاً أنّ رجلاً قال للإمام الرضا: والله ما على وجه الأرض أشرف منك أباً، فقال: التقوى شرفهم وطاعة الله أحظتهم، فقال له آخر: أنت والله خير الناس، فقال له: لا تحلف يا هذا! خير مني من كان أتقى لله تعالى وأطوع له، والله ما نسخت هذه الآية: ٱ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(373)(374) )( .

وروى أيضاً عن إبراهيم بن العباس أنه قال: سمعت علي بن موسى الرضا يقول: حلفت بالعتق ألا أحلف بالعتق إلا أعتقت

صفحة مطبوعة 143 · ورقة PDF 143رابط الصفحة المنفردة

رقبة وأعتقت بعدها جميع ما أملك إن كان يرى أنه خير من هذا (وأومى إلى عبد أسود من غلمانه) بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يكون لي عمل صالح فأكون أفضل به منه(375)

قال المجلسي في «بحار الأنوار»: (وحاصل المعنى أنه؛حلف بالعتق أن كان يعتقد أن فضله على عبده الأسود بمحض قرابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بدون انضمام الاعتقادات الحسنة والأعمال الصالحة، وذلك لا ينافي كونها مع تلك الأمور سبباً لأعلى درجات الشرف، ومعنى المعترضة والحال أنّ دأبي وشأني أني إذا حلفت بالعتق، ووقع الحنث أعتقت رقبة ثم أعتقت جميع الرقاب التي في ملكي تبرعاً أو للحلف بالعتق ومرجوحيته، أو المعنى أني هكذا أنوي الحلف بالعتق)(376) .

وعن محمد بن سنان قال: قال أبو الحسن الرضا: إنّا أهل بيت وجب حقنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن أخذ برسول الله حقاً ولم يعط الناس من نفسه مثله فلا حق له(377) .

قال المجلسي في «بحار الأنوار»: (أي: من طلب للناس أن يرعوا حقه بسبب انتسابه بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيجب عليه أن يراعي للناس ما يجب من حقوقهم، وإلا يفعل فلا يجب رعاية حقه)(378) .

صفحة مطبوعة 144 · ورقة PDF 144رابط الصفحة المنفردة

وهذا الإمام علي بن الحسين رحمه الله يراه طاووس يوماً وهو يبكي خوفاً من عذاب الله تعالى فيقول له: (يا ابن رسول الله، ما هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جافون! أبوك الحسين بن علي، وأمك فاطمة الزهراء، وجدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! قال: فالتفت إلي وقال: هيهات هيهات طاووس، دع عني حديث أبي وأمي وجدي، خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قرشياً. أما سمعت قوله تعالى: ٱ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُون(379)(380) ﴾ )( والله لا ينفعك غدا إلا تقدمة تقدمها من عمل صالح)(381) .

ومن جميل ما جادت به قرائح الشعراء الأولين في هذا المعنى الجليل ما قاله أبو مُحمد عبد الله بن الرية المالقي :

لعمرك ما الإنسانُ إلا بدينهِفلا تترك التقوى اتكالاً على النسب
فقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍوَقَدْ وَضَعَ الكُفرَ الشَّرِيْفَ أَبَا لَهَبْ(382) ( 382 )

و لأبي العتاهية :

كَرَمُ الفتى التَّقوى وقُوَّتُهُمَحضُ اليقين ودينهُ حَسَبُه
والأرضُ طِينَتُه وكُلُّ بَنيحَوَّاءَ فيتها واحدٌ
صفحة مطبوعة 145 · ورقة PDF 145رابط الصفحة المنفردة
نَسبُه(383)

ولقُطْبُ الدِّين محمد بن أحمد القسطلانِيِّ:

إذا طابَ أصْلُ المرءِ طابَتْ فُروعُهُومِنْ غَلَطٍ جاءت يَدُ الشَّوْكِ بالوَرْدِ
وقد يَخْبُثُ الفَرْعُ الذي طابَ أصْلُهُلِيَظْهَرَ صُنْعُ اللهِ في العَكْسِ والطَّرْدِ(384) ( 384 )

و لأبي الفَضْل ابنِ أبي طاهر :

حَسْبُ الفَتَى أَنْ يَكُونَ ذا حَسَبٍفي نَفْسِهِ ليس نسبَهُ حَسبُهْ
ليْسَ الذي يَبْتدِي بِهِ نَسَبٌكَمَنْ إليه قد انتهى نَسَبُهْ(385) ( 385 )

وقال محمَّد بن الرَّبيع الموصليُّ(386) :

النَّاسُ في صُور التمثال أكفاءأبوهم آدمُ والأمُّ حوّاءُ
فمن يكن منهم في أصله شَرَفٌيُفاخرون به فالطَّينُ والماءُ
ما الفضلُ إلا لأهلِ العلم إنّهمعلى الهُدى لمن استهدى أدِلاَّءُ
ووزْنُ كُلِّ امرءٍ ما كان يُحسِنُهُوالجاهلونَ لأهل العِلم أعداءُ(387) ( 387 )

و

صفحة مطبوعة 146 · ورقة PDF 146رابط الصفحة المنفردة

لابن الرومي أبيات يقول فيها:

وما الحسبُ الموروثُ لا درَّ دَرُّهبمحتَسبٍ إلا بآخرَ مُكتسبْ
إذا العودُ لم يُثمر وإن كان شُعبةًمن المُثمراتِ اعتدَّه الناسُ في الحطبْ
وأنت لعَمْري شُعبةٌ من ذوي العلافلا ترضَ أن تُعتدَّ من أوضع الشُّعَبْ
وللمجدِ قومٌ ساوروهُ بأنفسٍكرامٍ ولم يرضَوْا بأمٍّ ولاَ بأبْ
فلا تَتَّكِلْ إلا على ما فعلتَهُولا تحسبنَ المجدَ يُورَثُ بالنسبْ
فليس يسودُ المرءُ إلاّ بنفسهوإن عَدَّ آباء كراماً ذوي حسبْ(388) ( 388 )

صُحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مُقدّمةٌ على النسب

لا

صفحة مطبوعة 147 · ورقة PDF 147رابط الصفحة المنفردة

شيء يعدل صُحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم... فليس من شرّفه الله تعالى بصحبته كمن حُرِم ذاك الفضل ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾(389)

فأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم هم خير أمته مطلقاً كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات؛ أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانوا خير هذه الأمة، أبرّها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً،قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم)(390) .

والقرآن الكريم حافلٌ بالثناء على الصحابة رضوان الله عليهم وحكاية رضا الله عنهم وتبشيرهم بالجنان، ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(391) .

وقوله تبارك وتعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾((392) ).

صفحة مطبوعة 148 · ورقة PDF 148رابط الصفحة المنفردة

وفي هذا يقول الإمام العيني (855هـ) في شرح حديث (حامل المسك): (وفيه مدح المسك المستلزم لطهارته ومدح الصحابة، حيث كان جليسهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قيل ليس للصحابي فضيلة أفضل من فضيلة الصحبة، ولهذا سموا بالصحابة مع أنهم علماء كرماء شجعاء إلى تمام فضائلهم)(393) .

ويقول الأمير الصنعاني (1182هـ) : (فإنّ المفاضلة بين الأعمال بالنظر إلى الأعمال المتساوية في النوع، وفضيلة الصحبة مختصة بالصحابة لم يكن لمن عداهم شيء من ذلك النوع)(394) .

ونقل الإمام الشوكاني (1255هـ) عن الجمهور قولهم (إنّ الصحبة لها فضيلة ومزية لا يوازيها شيء من الأعمال، فلمن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضيلة الصحبة وإن قصر في الأعمال، وفضيلة من بعد الصحابة باعتبار كثرة الأعمال المستلزمة لكثرة الأجور، فحاصل هذا الجمع أنّ التنصيص على فضيلة الصحابة باعتبار فضيلة الصحبة، وأما باعتبار أعمال الخير فهم كغيرهم قد يوجد فيمن بعدهم من هو أكثر أعمالاً منهم أو من بعضهم فيكون أجره باعتبار ذلك أكثر فكان أفضل من هذه الحيثية)(395) .

ويقول المحقق الآبي الأزهري (1330هـ)

صفحة مطبوعة 149 · ورقة PDF 149رابط الصفحة المنفردة

(كانوا في عصره صلى الله عليه وآله وسلم وآمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، قد أشرقت عليهم شموس نبوته فحازوا فخار الاجتماع وفضيلة الصحبة، فكان قرنهم أفضل القرون، ومصداق هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم))(396)

وفي كتاب الله تعالى الحض على اتباع الصحابة من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبيان أنّ الاعتصام بفهمهم لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاصمٌ من الضلال، وليس هذا لغيرهم من الناس، لا لأهل البيت ولا لغيرهم من الصالحين.

يقول الله تبارك وتعالى في سورة النساء ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا(397) ﴾ .

وقد نزلت هذه الآية في بشير (المنافق) لما ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة ولحق بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد بن سهل، فأنزل الله فيه الآية السابقة إلى قوله تعالى: ٱ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾(398)(399) )( .

والآية صريحة الدلالة في أنّ المخالف لسبيل الصحابة - وهم الذين يمثلون أهل الإيمان في الجيل الأول- مستحق للعذاب يوم القيامة.

صفحة مطبوعة 150 · ورقة PDF 150رابط الصفحة المنفردة

ومثل هذا لم يذكر في حق أهل البيت في القرآن الكريم، وغاية ما يستدل به المعترض روايات ضعيفة متهالكة تنسب إلى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا تصلح للاعتبار أو ينهض بها استدلال كنحو رواية (مثل أهل بيتي؛ مثل سفينة نوح؛ من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق)(400) .

والصحابة على اختلاف اجتهاداتهم متفقون على عقيدة واحدة وسبيل واحد، فالتمسك بهديهم متحقق، بخلاف أهل البيت إذ فيهم السلفي الوهابي والصوفي العرفاني أو الخرافي كما أنّ فيهم الشيعي الزيدي والشيعي الإثني عشري والشيعي الإسماعيلي والمعتزلي والجهمي وعد ما شئت من الفرق والأهواء!

وفاقد الشيء لا يُعطيه!

ولهذا لم تكن لأهل البيت بعد انقضاء جيل الصحابة سفينة واحدة يمكن للمرء أن يركبها ويهتدي بهديها،والكلام في هذا يطول.

ثبوت نسب أهل البيت

ذكرنا عند حديثنا عن حرص العلماء الربانيين على نسب أهل البيت وغلظتهم على الأدعياء قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله (179هـ) : (إنّ من انتسب إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم – يعني بالباطل- يُضرب ضرباً وجيعاً، ويُشَهَّر، ويُحبس حبساً طويلاً حتى يُظهر توبته؛ لأنه استخفاف بحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم)(401) .

ولهيبة الولوج في أمر إثبات النسب النبوي أو نفيه رأينا الحافظ السخاوي يُعلق على أحاديث الوعيد لمن انتسب إلى غير أبيه وما يليها من كلام الإمام مالك بقوله:

(ورحم الله مالكاً، كيف لو أدرك من يتسارع إلى ثبوت ما يغلب على الظن التوقف في صحته من ذلك بدون تثبت، غيرَ ملاحظٍ ما يترتب عليه من الأحكام، غافلاً عن هذا الوعيد الذي كان مُعيناً على الوقوع فيه؟! إما بثبوته ولو بالإعذار فيه؛ طمعاً في الشيء التافه الحقير، قائلاً: الناس مؤتمنون على أنسابهم! وهذا لَعَمري توسعٌ غيرُ مرضِيٍّ.

صفحة 151 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 152 · ورقة PDF 152رابط الصفحة المنفردة

ومن هنا توقَّف كثيرٌ ممَّن أدركناه من قضاة العدل عن التعرُّض لذلك ثبوتاً ونفياً، للرَّهبة ممّا قدّمته)(402) .

ويْ ويْ... كأنّ الحافظ السخاوي يعيش في زماننا هذا الذي كَثُر فيه الأدعياء، حتى فاق عدد المنتسبين إلى الإمام المُبجّل موسى الكاظم اليوم - بحق وبباطل- عدد المنتسبين إلى قريش بأسرها في أيامنا!

لكن الله (أجرى العادة أنه لا يفضح أحداً من أول مرة)(403) ، فتلك حكمته في خلقه.

وقد قال ابن عنبة (828هـ) في حديثه عن المؤتمنين على الأنساب ولنِعم ما قال: (يجب أن يكون تقياً لئلا يرتشي على الأنساب، كما قيل عن أبي حرب بن المنقذي النسابة قالوا: كان يرتشي على النسب. وصادقاً لئلا يكذب في النسب فينفي الصريح ويُثبت اللصيق، ومجتنباً للرذائل والفواحش ليكون مهيباً في نفوس الخاصة والعامة، فإذا نفى أو أثبت لا يُعترض عليه، وقوي النفس لئلا يُرهبه بعض أهل الشوكة فيأمره بباطل أو ينهاه عن حق، فإن لم يكن قوي النفس زلت قدمه)(404) .

صفحة مطبوعة 153 · ورقة PDF 153رابط الصفحة المنفردة

وقد بلغ التلاعب في أنساب أهل البيت إلى حد أن يصرّح الشريف أحمد ضياء العنقاوي في حديثه عن دوره في إعادة نقابة الأشراف بمصر: (لما تبين لي فوضى الأنساب في مصر بعد تعطل نقابة الأشراف بها، وكثرة الادعاءات ووجود العديد من الجمعيات والنقابات المزيفة، علاوة على إيماني بأهمية حفظ أنساب آل البيت النبوي، كنت من أوائل المطالبين في مصر بعودة نقابة الأشراف بعد أن عُطّلت منذ سنة 1372هـ الموافق سنة 1953م، عقب موت آخر نقيب لها وهو السيد محمد الببلاوي، فآثرت إثارة هذا الموضوع في وسائل الإعلام المختلفة وتحقق ذلك، وأعيدت النقابة وعُيّن نقيباً لها السيد محمود كامل ياسين. وقد ساءت بعض أحوال النقابة بعد موت نقيبها السيد محمود كامل ياسين، فآثرت البعد، وبخاصة بعد أن تساهل بعضهم في إثبات الأنساب!! وانغمست في أبحاثي لخدمة الأنساب النبوية)(405) .

ولظهور حالة من الفوضى في إثبات بعض الأنساب، تجرأ البعض على ادعاء انتسابهم إلى أهل البيت بالكشف والإلهام والرؤى المنامية!

والانتساب إلى أهل البيت أو غيرهم لا يثبت بمثل هذه الأمور قطعاً، فإنّ تلك لا يمكن أن تكون بحال من الأحوال دليلاً على ثبوت نسب أحد من الناس أو حتى بطلانه.

ولذلك عِيْبَ على أبي الحسن الشاذلي الصوفي المعروف(406) (656هـ)

صفحة مطبوعة 154 · ورقة PDF 154رابط الصفحة المنفردة

دعواه الانتساب إلى الأدارسة(407) لاعتماده في إثبات هذا النسب على خبر ورده من أحد شيوخه عن طريق «المكاشفة»(408)

وفي هذا قال الإمام الذهبي : (وهذا نسب مجهول لا يصح ولا يثبت، وكان الأولى به تركه وترك كثير مما قاله في تواليفه في الحقيقة)(409) .

صفحة مطبوعة 155 · ورقة PDF 155رابط الصفحة المنفردة

لا يصح الانتساب إلى من لم يعقب(410)

أشار علماء الأنساب في مؤلفاتهم إلى كثير من حالات الانقراض في قبائل العرب، وحظيت قبيلة قريش أكثر من غيرها بعناية النسّابين فتتبعوا بيوتات عشائرها، وذكروا أعقابهم ومن انقرض منهم أو نجا من الانقراض.

وقد أشار الأستاذ علي المطروشي في كتابه ( المواهب اللطيفة في الأنساب الشريفة ) إلى أمثلة على انقراض بعض المنتسبين إلى قريش منها:

بنو قيس بن غالب بن فهر: مات آخرهم بالعراق في خلافة هشام بن عبد الملك، وبقي ميراثه لا يُعرف من أحق به لكثرة ولد لؤي بن غالب.

2- بنو عبد بن قصي بن كلاب: وهم إخوة بني عبد مناف لكن عددهم كان قليلاً، وما لبثوا أن انقرضوا فمات آخرهم في

صفحة مطبوعة 156 · ورقة PDF 156رابط الصفحة المنفردة

أوائل عهد بني العباس، واقتسم ميراثه ثلاثة من ولد قصي بن كلاب لا يجتمعون معه إلا في قصي.

3-أربعة من ولد هاشم بن عبد مناف: فقد أنجب هاشم خمسة من البنين هم: عبد المطلب (فيه البيت والعدد) وأسد ونضلة وصيفي (درج ولم يعقب قط) وأبو صيفي.

وقد انقرضت ذرية هؤلاء الأربعة الأواخر حيث إنّ:

* أسد بن هاشم أنجب ذكراً واحداً يسمى (حنين) وابنتين. وحنين أنجب ولداً واحداً يدعى عبد الله ولم ينجب عبد الله إلا بنتاً واحدة فانقرضت ذرية أسد بن هاشم.

* نضلة بن هاشم أنجب ولداً يسمى الأرقم، ولم ينجب الأرقم إلا بنات فانقرض.

* أبو صيفي أنجب ثلاثة ذكور مات أحدهم صغيراً، وبنتاً واحدة ولم تسترسل كتب الأنساب في تفصيل خبرهم لكنها عقبت على ذلك بأن ولد أبي صيفي قد انقرضوا)(411) .

وفي هذا يقول الإمام ابن قتيبة في (المعارف): (فإني رأيت كثيراً من الأشراف من يجهل نسبه، ومن ذوي الأحساب من لم يعرف سلفه ومن قريش من لا يعلم من أين تمسه القربى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهله أو الرحم بالأعلام من صحابته، ورأيت من أبناء ملوك العجم من لا يعرف حال أبيه وزمانه، ورأيت من

صفحة مطبوعة 157 · ورقة PDF 157رابط الصفحة المنفردة

ينتمي إلى الفصيلة وهو لا يدري من أي العمائر هي، وإلى البطن وهو لا يدرى من أي القبائل هو.

ورأيت من رغب بنفسه عن نسب دق فانتمى إلى رجل لم يعقب كرجل رأيته ينتمي إلى أبي ذر الغفاري ولا عقب لأبي ذر، وآخر ينتمي إلى حسان بن ثابت، وقد انقرض عقب حسان. وكآخر دخل على المأمون فكلمه بكلام أعجبه فسأله عن نسبه، فقال: من طيء من ولد عدي بن حاتم، فقال له المأمون: ألصلبه؟ قال: نعم، فقال: هيهات! أضللت، إنّ أبا طريف، لم يعقب فكان سقوطه بجهله حال الرجل الذي اختاره لدعوته أقبح من سقوطه بالنسب الذي رغب عنه)(412) .

وقد نص المؤرخون وعلماء النسب على جُملة من الشخصيات لم تعقب منهم مثلاً الصحابي الجليل دحية الكلبي رضي الله عنه الذي لم يَسلم هو بدوره رضي الله عنه من دعوى النسب الباطلة إليه.

فقد يمر عليك وأنت تقرأ في سير الماضين اسم ( مجد الدين عمر بن حسن بن علي بن الجميل، المعروف باسم «ابن دحية»).

قال الإمام الذهبي : (واسم الجميل محمد بن فرح بن خلف بن قومس بن مزلال بن ملال بن أحمد بن بدر بن دحية بن خليفة الكلبي الداني ثم السبتي. هكذا ساق نسبه، وما أبعده من الصحة والاتصال! وكان يكتب لنفسه: ذو النسبتين بين دحية والحسين.

صفحة مطبوعة 158 · ورقة PDF 158رابط الصفحة المنفردة

قال أبو عبد الله الأبار : كان يذكر أنه من ولد دحية رضي الله عنه ، وأنه سبط أبي البسام الحسيني(413) .

و لابن عنين فيه:

دحية لم يعقب فلم تعتزيإليه بالبهتان والإفك
ما صح عند الناس شيء سوىأنك من كلب بلا شك(414) ( 414 )

أما أهل البيت فقد نص علماء النسب وأهل التواريخ على أنّ الذين لم يعقبوا منهم كُثر، ولعل من أبرزهم:

بنو حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه :

فإنّ حمزة رضي الله عنه كان له من الولد (عُمارة(415) ويعلى(416) ) وبهما كان يُكنى، وعامر، ولم يعقب منهم سوى يعلى، وُلد له خمسة رجال وبموتهم بلا عقب انقطع عقب حمزة رضي الله عنه.

قال مصعب الزبيري(417) : (لم يعقب أحد من بني حمزة بن عبد المطلب إلا يعلى وحده، فإنه ولد له خمسة رجال لصلبه وماتوا كلهم عن غير عقب، فلم يبق لحمزة عقب)(418) .

2-قثم

صفحة مطبوعة 159 · ورقة PDF 159رابط الصفحة المنفردة

2-قثم وعبد الرحمن ابني العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه

قال الحافظ الذهبي عن قثم: (كان يشبه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وله صحبة ورواية، ولم يعقب)(419) .

وقال أيضاً عن عبد الرحمن: (توفي بالشام ولم يعقب)(420) .

3- جعفر وعبد الله ابني الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه(421)

4- مُحَمَّدٌ الأَوْسَطُ والقاسم ابني علي بن الحسين (زين العابدين) رضي الله عنه(422) .

5-يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه :

قال الحافظ الذهبي: (ثار يحيى بخراسان، وكاد أن يملك. قال ابن سعد: قتله سلم بن أحوز، وأمه هي ريطة بنت عبد الله بن محمد بن الحنفية. وقال الهيثم: لم يعقب يحيى)(423) .

6- الحسن (العسكري) بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر (الصادق) رضي الله عنه .

فقد ذكر أغلب أهل العلم(424) بأنه مات دون عقب، فورثه أخوه جعفر (الزكي)(425) دون سائر الناس.

صفحة مطبوعة 160 · ورقة PDF 160رابط الصفحة المنفردة

وقد عبّر الشيخ محب الدين الخطيب (1389هـ) في (خطوطه العريضة) عن رأيهم هذا بقوله: (إنه – أي محمد بن الحسن العسكري- شخصية موهومة نُسِبت كَذباً للحسن العسكري الذي مات عن غير ولد، وصَفّى أخوه جعفر تَرِكَتَهُ على أنه لا ولد له، وللعلويين سجل مواليد يقوم عليه نقيب في تلك الأزمان، لا يُولدُ منهم مولود إلا سُجِّل فيه، ولم يُسَجَّل فيه للحسن العسكري ولدٌ، ولا يعرِفُ العلويُّون المعاصرون للحسن العسكري أنه مات عن ولدٍ ذكر)(426) .

وما ذكره الشيخ محب الدين جدير بالاهتمام، فإنه يستحيل أن يخفى على نقيب العلويين في ذلك الزمن فضلاً عن سائر العلويين -وهم أصحاب الشأن- وجود ابن للحسن العسكري من احدى إمائه، ثمّ يعرف ذلك ويُخبر به أشخاص مثل: حكيمة(427) أو محمد بن عثمان العَمري(428) أو الحسين بن روح(429) وأمثالهم.

صفحة مطبوعة 161 · ورقة PDF 161رابط الصفحة المنفردة

وقد أفردت في هذه المسألة رسالة ناقشت فيها ما يتعلق بشخصية محمد بن الحسن العسكري عند أهل السنة والجماعة وسائر الطوائف، أسأل الله تعالى أن ييسر إخراجها.

الفصل الثاني: أهل البيت والغلاة وجهاً لوجه

تعريف الغلو

تدور الأحرف الأصلية لكلمة (الغلو) ومشتقاتها على معنى واحد يدل على مجاوزة الحد والقدر. قال ابن فارس : (الغين واللام والحرف المعتل، أصل صحيح يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر، يُقال: غلا السِّعر يغلو غلاء، وذلك ارتفاعه، وغلا الرجل في الأمر غلواً، إذا جاوز حده)(430) .

وقال ابن منظور في (لسان العرب): (غلا في الدين والأمر، يغلو غلواً: جاوز حده)(431) .

وقد كتب الفضل بن زياد القطان إلى الإمام أحمد بن حنبل يسأله عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما «إياكم والغلو» ما معنى الغلو؟ فأتاه الجواب: «يغلو في كل شيء، في الحب والبغض»(432) .

ويقول الإمام تقي الدين ابن تيمية : (الغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء، في حمده، أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك)(433) .

صفحة 162 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 163 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 164 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 165 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 166 · ورقة PDF 166رابط الصفحة المنفردة

وعرّفه الحافظ ابن حجر العسقلاني بأنه: (المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد)(434) .

وقد حدد الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ ضابط الغلو الذي يُعرف به بقوله: (وضابطه: تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله ٱ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾(435)(436) )( .

فالحق وسط بين الإفراط والتفريط.

يقول الخليفة عمر بن عبد العزيز في كتاب أرسله إلى رجل يسأله عن القدر: (... وقد قصَّر قوم دونهم(437) فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم)(438) .

قال الحسن البصري : (سننكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما: بين الغالي والجافي)(439) .

وقال الإمام ابن القيّم (ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أنّ الجافي عن

صفحة مطبوعة 167 · ورقة PDF 167رابط الصفحة المنفردة

الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد)(440)

وقال العلامة الشنقيطي : (وقد قرر العلماء أنّ الحق واسطة بين التفريط والإفراط، وهو معنى قول مُطرِّف بن عبد الله: (الحسنة بين السيئتين)(441) ، وبه تعلم أنّ من جانب التفريط والإفراط، فقد اهتدى، ولقد أجاد من قال: ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد... كلا طرفي قصد الأمور ذميم)(442) .

الغلو في الدين مهلكة

لقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من عبودية الذات وتأليه الآخر، ومن أسر تقديس الماضي الموروث والمألوف ليكسر الصنمية بكل أشكالها وينقلها من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد.

وهو المعنى الذي عبّر به رُبعي بن عامر أمام رستم – قائد الفرس- حين قال له: (إنّ الله جاء بنا وبعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام)(443) .

لن تجد كتاباً حارب الغلو وتقديس الأشخاص ككتاب الله العظيم (القرآن)، فهو الذي دعا إلى الاستقلال الفكري من تبعية الآباء والأجداد وشبّه الذين يعطلون عقولهم وأسماعهم عن الحق بالأنعام والدواب في عدة آيات من كتابه منها:

قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُون(444) ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ

صفحة مطبوعة 168 · ورقة PDF 168رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 169 · ورقة PDF 169رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 170 · ورقة PDF 170رابط الصفحة المنفردة

أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾(445)

وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾(446) .

ويتجلى التحذير من الغلو في الدين في السنة النبوية الشريفة في أحاديث عدة، منها:

ما رواه أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجه في سننهما عن ابن عباس رضي الله عنهماأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)(447) .

وروى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهماأنه سَمِع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول على المنبر: (سَمِعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مَريم، فإنّما أنا عبدُهُ فقولوا: عبد الله ورسوله)(448) .

ومراده صلى الله عليه وآله وسلم من هذا أن يقول: لا تمدحوني بالباطل، ولا تجاوزوا الحدَّ في مدحي، كما غلت النصارى في عيسى؛، فادّعوا فيه الألوهية، وصِفوني بما وصفني به ربي، فقولوا: عبد الله ورسوله.

صفحة مطبوعة 171 · ورقة PDF 171رابط الصفحة المنفردة

قال ابن الأثير في تفسير الإطراء: (الإطراء: مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه)(449) .

ولهذا لما قال له بعض وفد بني عامر: أنت سَيِّدُنَا. قال لهم عليه الصلاة والسلام: «السَّيِّدُ الله تبارك وتعالى». فقالوا: وأَفضَلُنا فضلاً وأَعظَمُنا طولاً. قال لهم: «قولوا بقَولكُم أَو بعض قَولِكُم ولا يَستَجريَنَّكُمُ(450) الشَّيطان»(451) .

وفي رواية أنس رضي الله عنه أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا خيرنا وابن خيرنا، ويا سيدنا وابن سيدنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان(452) ، إني لا أريد أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله تعالى، أنا مُحمَّدُ بن عبد الله عبدُه ورَسُوله)(453) .

فلم ينههم صلى الله عليه وآله وسلم أن يمدحوه بهذه الألفاظ: أنت سيدنا، خيرنا، أفضلنا، أعظمنا، لكنه استوقفهم لئلا يستجيرهم الشيطان(454) .

صفحة مطبوعة 172 · ورقة PDF 172رابط الصفحة المنفردة

وإنما كره ذلك صلى الله عليه وآله وسلم خشية أن يستجرينهم الشيطان في المبالغة في المدح والثناء فيخرج بهم إلى حد الإطراء فأرشد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأدب في الألفاظ؛ وعلمهم كيفية الثناء عليه بأن يقولوا: عبد الله ورسوله.

فتبين من هذا الحديث أنّ أشرف مقامات النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقام العبودية والرسالة؛ ولذلك شرفه الله بهما في مقام التحدي وغيره؛ فقال تعالى: ٱ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾(455) وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(456) وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا(457) ﴾ وقال تعالى: ٱ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾(458) وقال تعالى: ٱ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾(459) وقال تعالى: ٱ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾(460) .

فتعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو بطاعته؛ وامتثال أمره؛ والانتهاء عما نهى عنه؛ ولزوم متابعته؛ وتقديم قوله على قول كل أحد من

صفحة مطبوعة 173 · ورقة PDF 173رابط الصفحة المنفردة

الخلق بهديه وسنته؛ فصلوات الله وسلامه عليه كما نصح الأمة؛ وكشف الغمة؛ وأدى الأمانة؛ وبلغ الرسالة؛ وقطع الوسيلة والذريعة المفضية إلى مجاوزة الحد بالغلو والإطراء في مدحه والثناء فيه، كما أطرت النصارى عيسى بن مريم وغلت فيه حتى تجاوزت الحد بدعواهم إلهيته، وأنه هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً(461)

وقد أشار الإمام تقي الدين ابن تيمية في كتابه (الاستقامة) إلى أنّ بعض الصالحين ليسوا بمعزل عن الابتلاء بالغلو في الدين؛ لغفلة فيهم استغلها المبطلون أو لجهالة سوّغت لهم تقليد أهل البدع والضلال، فيقول: (وكثيراً ما يُبتلى من أهل السماع بشعبة من حال النصارى من الغلو في الدين واتباع أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وإن كان فيهم من فيه فضل وصلاح، فهم فيما ابتدعوه من ذلك ضالون عن سبيل الله يحسبون أنّ هذه البدعة تهديهم إلى محبة الله، وإنها لتصدهم عن سبيل الله، فإنهم عشوا عن ذكر الله الذي هو كتابه عن استماعه وتدبره واتباعه.

وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُون حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِين وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُون(462) ﴾ .

وقد قال تعالى: ٱ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾(463) .

صفحة مطبوعة 174 · ورقة PDF 174رابط الصفحة المنفردة

فالشريعة التي جعله عليها تتضمن ما أمر به، وكل حب وذوق ووجد لا تشهد له هذه الشريعة فهو من أهواء الذين لا يعلمون، فإنّ العلم بما يحبه الله إنما هو ما أنزله الله إلى عباده من هداه.

ولهذا قال في إحدى الآيتين: ٱ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾(464) وقال في الآية الأخرى: قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾(465) .

فكل من اتبع ذوقاً أو وجداً بغير هدى من الله سواء كان ذلك عن حب أو بغض فليس لأحد أن يتبع ما يحبه فيأمر به ويتخذه ديناً وينهى عما يبغضه ويذمه ويتخذ ذلك ديناً إلا بهدى من الله وهو شريعة الله التي جعل عليها رسوله، ومن اتبع ما يهواه حباً وبغضاً بغير الشريعة فقد اتبع هواه بغير هدى من الله)(466) .

الغلو حماقة وجهالة

قال الإمام ابن قيّم الجوزية في ( مدارج السالكين ): (إنّ الانحراف إلى أحد طرفي الغلو والجفاء هو قلة الأدب. والأدب: الوقوف في الوسط بين الطرفين فلا يقصر بحدود الشرع عن تمامها ولا يتجاوز بها ما جعلت حدوداً له، فكلاهما عدوان والله لا يحب المعتدين، والعدوان هو سوء الأدب(467) ) .

فبمقتضى كلام ابن القيّم أنّ الغلو والجفاء سوء أدب مع الله تعالى ومع الفئة أو الشخص الموجه له الغلو أو الجفاء، وهذا حق بلا ريب.

لكن ما يُميز المغالي أنّ الحماقة والغفلة والجهل متأصلة فيه بخلاف المجافي الذي تغلب عليه قسوة القلب والعناد.

والحماقة داء عضال؛ لا دواء له؛ ولا يرتجى لصاحبه البرء منه، حتى رُوي عن الإمام الأوزاعي قوله: بلغنى أنه

صفحة مطبوعة 175 · ورقة PDF 175رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 176 · ورقة PDF 176رابط الصفحة المنفردة

قيل لعيسى بن مريم؛: يا روح الله؛ إنك تحيي الموتى، قال: نعم بإذن الله، قيل: وتبرىء الأكمه، قال: نعم بإذن الله، قيل: فما دواء الحمق؟ قال: هذا الذي أعياني(468)

ويقول أحد الحذّاق: إذا بلغك أنّ غنياً افتقر فصدّق؛ وإذا بلغك أنّ فقيراً استغنى فصدّق؛ وإذا بلغك أنّ حيّاً مات فصدّق؛ وإذا بلغك أنّ أحمق استفاد عقلاً فلا تصدّق(469) !

وفي وصف المُحب المغالي أو الصديق الأحمق يقول علي خان المدني في منظومته الرائعة:

لا تصحبن الأحمقاالمائق الشمقمقا
عدو سوء عاقلولا صديق جاهل
إنّ اصطحاب المائقمن أعظم البوائق
فإنه لحمقهوغوصه في عمقه
يحب جهلاً فعلهوأن تكون مثله
يستحسن القبيحاويبغض النصيحة
بيانه فهاهةوحمله سفاهة

ثم يقول:

وجاء في الصحيحنقلاً عن المسيح
عالجت كل أكمهوأبرص مشوه
لكنني لم أطق قطعلاج الأحمق!
صفحة مطبوعة 177 · ورقة PDF 177رابط الصفحة المنفردة

أقول: ذكّرتني هذه الأبيات بطُرفة ولطيفة، فأما الأولى فرواية وقفت عليها في تفسير العياشي عن مسعدة بن صدقة عن الإمام جعفر الصادق في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُون(470) ﴾ إلى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾(471) قال: فالنحل الأئمة، والجبال العرب، والشجر الموالي عتاقة، ومما يعرشون يعني الأولاد والعبيد ممن لم يعتق. وهو يتولى الله ورسوله والأئمة، والثمرات المختلف ألوانه فنون العلم الذي قد يعلم الأئمة شيعتهم(472) .

فوفقاً للتفسير الباطني المنسوب إلى الإمام جعفر الصادق – برأه الله من هذا الإفك- فإنّ النحل هم أئمة أهل البيت، والخارج من بطون النحل أي بطون الأئمة هو العلم!

فإذا علمت ذلك فاقرأ معي هذه اللطيفة التي ذكرها الشاعر بشار بن بُرد حين احتج عليه أحد الغلاة في زمانه بهذا التفسير.

قيل: إنّ بشار بن بُرد كان جالساً في دار الخليفة المهدي العباسي والناس ينتظرون الإذن، فقال بعض موالي المهدي لمن حضر: ما عندكم في قول الله عز وجل ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾(473) فقال له بشار: النحل التي تعرفها الناس، فقال: هيهات يا أبا معاذ، النحل: بنو هاشم وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾(474)

صفحة مطبوعة 178 · ورقة PDF 178رابط الصفحة المنفردة

يعني العلم، فقال له بشار: أراني الله شرابك وطعامك وشفاءك مما يخرج من بطون بني هاشم فقد أوسعت غثاثة، فغضب وشتم بشاراً، وبلغ المهدي الخبر فدعا بهما وسألهما عن القصة فحدثه بشار بها، فضحك حتى أمسك على بطنه، ثم قال للرجل: فجعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فإنك بارد غث(475)

وقد أحسن الحافظ ابن الجوزي ( 597هـ ) إذ يقول في كتابه ( تلبيس ابليس ): (اعلم أنّ من نظر إلى تعظيم شخص ولم ينظر بالدليل إلى ما صدر منه كان كمن ينظر إلى ما جرى على يد المسيح صلوات الله عليه من الأمور الخارقة ولم ينظر إليه فادّعى فيه الإلهية. ولو نظر إليه وأنه لا يقوم إلا بالطعام لم يُعطِهِ إلا ما يستحقه)(476) .

ويقول د.مختار ولد الغوث في رسالته ( في بناء الفكر ): (بعض الرموز تحول لدى الإسلاميين(477) إلى أوثان من دون الله، وبدلاً من أن تكون مُجسدة للمثل الأعلى، أصبحت هي المثل الأعلى والمقياس لكل شيء يوزن بها الحق ولا توزن به)(478) .

لكن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلنوا ومنذ أمد بعيد موقفهم من هذه الصنمية اللاشعورية التي ينتهجها الناس تجاههم.

فقد روى يحيى بن سعيد عن الإمام علي بن الحسين أنه

صفحة مطبوعة 179 · ورقة PDF 179رابط الصفحة المنفردة

قال: (يا أهل العراق، أحبونا حب الإسلام، ولا تحبونا حب الأصنام، فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شيناً)(479)

وعند الإمام ابن سعد في (الطبقات الكبرى): (يا أيها الناس، أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً)(480) وفي رواية أخرى (أحبونا حب الإسلام، فوالله ما زال بنا ما تقولون حتى بغّضتمونا إلى الناس)(481) .

وعن سفيان بن عبيد الله قال: (جاء نفر إلى علي بن الحسين فأثنوا عليه فقال: ما أكذبكم وما أجرأكم على الله، نحن من صالحي قومنا وبحسبنا أن نكون من صالحي قومنا)(482) .

هذه الصنمية التي عبّر عنها الإمام علي بن الحسين في النظرة لأهل البيت، نراها اليوم بأعيننا في كثير من بقاع العالم الإسلامي متجسدة في التعاطي مع مراقد الأولياء والصالحين لا سيما أهل البيت منهم.

ولعل أصدق تعليق يُمكن للمرء أن يعلق به على تلك الطقوس التي يمارسها العامة عند هذه المراقد هو ما قاله المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله «الإنسان وهو يحدق بالصورة قد

صفحة مطبوعة 180 · ورقة PDF 180رابط الصفحة المنفردة

ينسى حتى الإيحاءات التي يراد للصورة أن تنقلها، أو حتى أنه ينسى كل القيم التي يعبر عنها صاحب الصورة، أو كما هي الحال في تماثيل تمثيل السيد المسيح؛، أو زيارة قبور الأنبياء والأولياء فيما هي التجربة مشتركة بين الإسلام والمسيحية.

فإنك حين ترصد وعي هؤلاء الناس للصورة، للتمثال، فإنك لا تجد في الغالب أنّ هناك وعياً للآفاق التي يمثلها صاحب الصورة أو التمثال، فنجد أنّ الناس تتجه إلى القبر (قبر النبي أو الولي) لتقبل الضريح، لتتمسّك به لتخاطب صاحب القبر بطريقة مادية لتتصوره وجوداً مادياً تخاطبه، من دون أن يخطر في بال أحد البدء برحلة في أجواء صاحب التمثال أو صاحب القبر. إنّ هذا يمثل نوعاً من تجميد الشخصية المقدسة أو الشخصية المعظمة في هذا التمثال أو في القبر بحيث يتعبد الناس لا شعورياً للتمثال، فحين يجلسون أمام تمثال السيدة مريم عليها السلام أو تمثال السيد المسيح؛ أو حين يجلسون أمام قبر نبي أو ولي أو إمام، فإننا نجد العنصر المادي هو الطاغي، تماماً كما لو أنهم يتعبدون.

لذلك أنا أتصوّر أنّ هناك نوعاً من الصنمية اللاشعورية الموجودة لدى المؤمنين من مسلمين ومسيحيين للشخصيات التي يقدّسونها من خلال هذه الأشكال التي قدّمناها إليهم، واعتبرناها طقوساً ومقدسات، بحيث ينتقل الإنسان عن القيمة الدينية أمام الصورة المادية.

وحتى مسألة تعليق الإنسان في صدره أيقونة، حتى أنّ بعضهم يعلق صورة السيد المسيح أو العذراء، ونجد عندنا من

صفحة مطبوعة 181 · ورقة PDF 181رابط الصفحة المنفردة

يعلق صورة الإمام علي أو صورة الإمام الخميني أو صورة بعض الشخصيات»(483)

وإلى هذا يشير العلامة موسى الموسوي بقوله: (إن الغلو العملي يتجسد في طلب الحاجات الدنيوية والأخروية من الأئمة والاستغاثة بهم بصورة مباشرة. كما إن نقبيل الأضرحة هو أمر شائع في مراقد الأئمة والأولياء معاً.

حقاً ... لقد سئمت من المناقشة والمناظرة مع فقهائنا – سامحهم الله – حول تقبيل الأضرحة وطلب الحاجات من الأئمة وقراءة الزيارة أمام قبورهم بدلاً من قراءة القرآن الكريم، فلم أسمع منهم إلا تكراراً لكلمات قيلت وقيلت(484) .

ويضيف قائلاً: لقد زرت مقابر الأولياء في كثير من البلاد الإسلامية فرأيت الزائرين فيها على النمط الذي نراه في مشاهد أئمتنا، ودخلت كنائس المسحيين في كثير من بلاد العالم، فرأيت الناس فيها كما هي، فهم يتبركون بتمثال المسيح وبأقدام العذراء، ودخلت معابد البوذيين والشنتو ومعابد الهنود والسيخ، فرأيت ما رأيته من قبل في مشاهد المسلمين والمسيحيين معاً من تقديم القربان وطلب الحاجة وتقبيل التماثيل والركوع والخضوع والخشوع أمامها.

صفحة مطبوعة 182 · ورقة PDF 182رابط الصفحة المنفردة

وهكذا رأيت البشرية تعوم في سراب من الأوهام، وحقاً أكبرت أولئك العلماء من المسلمين أمثال ابن حزم الأندلسي ومن حذا حذوه من الذين منحهم الله عقولاً جبارة اتخذوها مناراً وهداية لهم وللآخرين، فسبقوا عصورهم بقرون وقرون، ووقفوا موقف الساخر الغاضب من هذه الأعمال(485) .

فليت الجماهير الغفيرة الزاحفة إلى العتبات والمراقد تُفيق من سُباتها العميق، إذ تُقاد بلا وعي ولا انتباه نحو الانحراف عن الجادة الإسلامية، بانتهاجها منهج الغلو الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأصاب من قبل أمتنا الأمم السابقة.

فيرى المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله أن تجاوز الحد المشروع في النظرة إلى الشخصيات، والاستغراق في الجوانب الضبابية الغامضة في الشخصيات سبب رئيس للجنوح للغلو، والوقوع في شَرَكِه .

وقد أشار لهذا بقوله: وقد نحتاج إلى استحياء هذا الأسلوب التربوي في دراساتنا وأبحاثنا التي فيها حياة الأنبياء والأئمة والأولياء، فنستغرق في الجوانب العملية في حركة الإسلام في حياتهم الشخصية والعامة لنبقى في خط الارتباط بالشخص من خلال الفكرة والرسالة والعمل، فيزيدنا ذلك ارتباطاً بالخط الصحيح وابتعاداً عن مواطن الخطأ والضلال في الطريق ولا نستغرق في الأسرار الخفية والغامضة التي يثيرها البعض في حديثه عن هذه الشخصية أو تلك ممن نعظّم من شخصيات

صفحة مطبوعة 183 · ورقة PDF 183رابط الصفحة المنفردة

الأنبياء والأولياء. لأن الاستغراق في الجوانب الضبابية الغامضة التي لا تستطيع فهمها ولا تعلقها قد يؤدي بنا إلى الانحراف في التصور أو الوصول إلى درجة الغلو.

إن القضية ليست في واقعية هذه الصفات الممنوحة لهذه الشخصيات أو تلك أو عدم واقعيتها ليتجه الحديث إلى إثبات صحة ذلك بالروايات الصحيحة أو غير الصحيحة، في عمية نقاش ذلك بالروايات الصحيحة أو غير الصحيحة، في عملية نقاش علمي طويل بل القضية هي: أن ذلك الأمر ليس من ضروريات العقيدة ولا من فروض العمل، فلماذا نكلف أنفسنا الجهد والتعب في الدخول في أبحاث ليس لها قيمة عقيدية أو عملية، بل قد تؤدي في بعض الحالات إلى ما يشبه عبادة الشخصية، إذا لم تؤدِّ إلى الغلو المفرط، عصمنا الله من الزلل، ووقانا شر الانحراف عن الخط الإسلامي في العقيدة والعمل(486) .

وتقع مسؤولية إرشاد العوام إلى هذا الخلل الجسيم في بُنية اعتقادهم إلى علماء الأمة ودعاتها في الآفاق، لكن الخلل يزداد خرقه على الواقع إن كان الدعاة والعلماء مُبْتَلين بالآفات ذاتها فكراً وممارسة.

وإلى هذا يشير آية الله محمد آصف محسني بقوله: (وترى كثيراً من المبلغين والكُتّاب المقلدين يروون منقولات الغلاة الكذابين والمجهولين، وكأنها أقوال لرسول الله صلى الله عليه

صفحة مطبوعة 184 · ورقة PDF 184رابط الصفحة المنفردة

وآله وسلم وأوصيائه الطاهرين، أو كأنها السنة القطعية، أو أنها كالآيات القرآنية في الاعتبار والاعتماد بمجرد وجودها في بحار الأنوار أو سائر الكتب فيروجونها على المنابر وفي الكتب والمجلات والصحف بتعابير فصيحة بليغة وبكلمات جذابة حلوة تؤثر في نفوس القراء والمستمعين كالسحر... وما يؤمنهم أنها لعلها من وضع الوضّاعين وجعل الدجالين واختراعات الجاهلين! فكيف يعامل معها معاملة أقوال سيد المرسلين! ﴿آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُون(487)(488)

ويضيف قائلاً: (والمأسوف عليه أن أمر التأليف والتبليغ في جملة من الموارد وقع بيد أفراد لا يستحقونها وإنما هم يتكسبون بهما ٱ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾(489) .

وآل الأمر من جرّاء هذه المأساة إلى تشكيل ثقافة محرّفة في المعارف والأخلاق، بل في الفروع الاعتقادية، فرسّخت في أذهان العوام ومتوسطي أهل العلم بحيث سلبت جرأة الإصلاح عن جمع من الخواص خوفاً من ثورة العوام الذين انحرفوا بدورهم من سيطرة الخواص عليهم، وعدم اهتمام الحوزات العلمية والمسؤولين الدينيين بتهذيب الروايات وتحرير أهل المعارف الإسلامية الشاملة، وهذا خطر عظيم على الدين وأهله)(490) .

صفحة مطبوعة 185 · ورقة PDF 185رابط الصفحة المنفردة

أهل البيت ضد الغلو والتقديس الزائف

إنّ حب أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وموالاتهم ونصرتهم والذب عنهم معنى إيماني رائع، تجيش له مشاعر المؤمنين الصادقين، طالما بقي الحب حباً إيمانياً شرعياً لا تكدره تحريفات المبطلين.

لكنه حين يتعدى حدود الشرع فإنه ينقلب ولا بد بغضاً وعداوة لأهل البيت النبوي.

ذلك لأنّ التقوّل على الأتقياء الصالحين ونسبة ما يضاد دينهم وأخلاقهم إليهم، لا يُمكن بحال من الأحوال أن يُعتبر حباً وولاء وإنما يُصنّف مباشرة تحت عنوان (البغض والمعاداة)!

ولو جاز لنا أن نسأل المسيح؛ على سبيل المثال عن رأيه وموقفه ممن غلا فيه ونسب إليه ما لم يقل – باسم حبه وتوليه – أتراه يصرّح بحب هذا المغالي وتمني الاجتماع به في الجنان عند مليك مقتدر؟ أم يذكره بالسوء ويبرأ إلى الله تعالى منه ومن صنيعه بما أفسد به دين الله وعقائد الناس؟

إنّ أبغض الناس عند المسيح؛ هم الذين غالوا فيه وجعلوه نداً لله تارة، وابناً له تارة أخرى، واستبدلوا رسالته التي بُعث من

صفحة مطبوعة 186 · ورقة PDF 186رابط الصفحة المنفردة

أجلها إلى (مسخ) من عقائد وثنية وضعية أقنعوا أنفسهم والناس بأنها دين المسيح؛!

وقد أخبر الله تعالى عن موقف المسيح؛ من النصارى يوم يدعوه ويسأله ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ(491) ﴾( ).

فيتبرأ قائلاً: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾((492) ).

نعم... لقد ادعى النصارى ذلك وصنعوا له الروايات، والقصص والأحلام والمنامات، وبنوا الكنائس، وصنعوا الصلبان، وصوروا الصور، ونصبوا التماثيل التي تصور صلب المسيح -الإله! وصرفوا الأموال، وبذلوا الجهود والأوقات، وسفكوا الدماء... كل ذلك من أجل وهم لا وجود له، ولا دليل عليه. اللهم إلا المتشابهات!

فالحب الذي لا ضابط له هو شؤم على صاحبه وعلى الناس، وإن لم يلجم المؤمن حبه للأخيار بلجام من التقوى والوقوف عند الشرع الحنيف فإنه سيبتعد عن الدين أميالاً وفراسخ.

والحال في أهل البيت لا يختلف كثيراً عن الحال في

صفحة مطبوعة 187 · ورقة PDF 187رابط الصفحة المنفردة

المسيح؛ فأبغض الناس عند أهل البيت عليهم السلام ليس النواصب الذي جهروا بمعاداتهم ونصبهم، فهؤلاء أعداء واضحون مفضوحون ومخذولون.

لكن الخوف كل الخوف من الذين تلبسوا بلباس حب أهل البيت ونطقوا باسمهم وغالوا فيهم وأسبغوا عليهم صفات الألوهية، واستبدلوا دعوتهم المستمدة من معين سيدهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدعوة أخرى لا تشترك مع الأولى إلا بالعنوان أو بالشعارات الرنانة!

فليس كل من رفع شعار الطهر طاهر... تلك مسألة أدركها الأوائل بفهمهم الثاقب.

وفي هذا يقول الإمام جعفر الصادق: (لقد أمسينا وما أحد أعدى لنا ممّن ينتحل مودّتنا!)(493) .

ويقول أيضاً: (إنّ ممن ينتحل هذا الأمر(494) لمن هو شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا!!)(495) .

إنّ أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يتحملون مسؤولية ما أحدثه الناس في زمانهم ومن بعدهم من العقائد والأفكار التي لا تمت إلى عقيدتهم ودينهم وأخلاقهم بصلة، وإنما يتحملها الغلاة وحدهم.

ولذلك كان موقف أهل البيت من الغلاة شديداً للغاية،

صفحة مطبوعة 188 · ورقة PDF 188رابط الصفحة المنفردة

مُعبّراً عن ضيقهم بالبدع والكفريات التي نُسبت إلى منهجهم ودعوتهم النقية.

فقد روى الطوسي عن ابن نباته قال: قال الإمام علي: (اللهم إني برئ من الغلاة كبراءة عيسى ابن مريم من النصارى، اللهم اخذلهم أبداً ولا تنصر منهم أحداً)(496) .

وروى الحميري عن الفضيل بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله –أي الإمام جعفراً الصادق- يقول: اتقوا الله وعظّموا الله وعظّموا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تفضلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحداً، فإنّ الله تبارك وتعالى قد فضله، وأحبوا أهل بيت نبيكم حباً مقتصداً ولا تغلوا ولا تفرقوا ولا تقولوا ما لا نقول، فإنكم إن قلتم وقلنا متم ومتنا ثم بعثكم الله وبعثنا فكنا حيث يشاء الله وكنتم(497) .

وروى الطوسي عن فضيل بن يسار قال: قال الإمام الصادق: «احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدوهم، فإنّ الغلاة شر خلق الله، يُصغّرون عظمة الله ويدعون الربوبية لعباد الله، والله إنّ الغلاة لشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا»(498) .

وكان يُعلن تبرأه من الغلاة قائلاً: «لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا»(499) .

صفحة مطبوعة 189 · ورقة PDF 189رابط الصفحة المنفردة

وروى ابن بابويه القمي في «عيون أخبار الرضا» عن الإمام علي الرضا قوله: (لعن الله الغلاة ألا كانوا يهوداً؟ ألا كانوا مجوساً؟ ألا كانوا نصارى؟ ألا كانوا قدرية؟ ألا كانوا مرجئة؟ ألا كانوا حرورية؟ ثم قال: لا تقاعدوهم ولا تصادقوهم وابرؤوا منهم برئ الله منهم)(500) .

ويقول أبو هاشم الجعفري: سألت أبا الحسن (علي الرضا) عن الغلاة والمفوضة فقال: الغلاة كفار والمفوضة مشركون من جالسهم أو خالطهم أو آكلهم أو شاربهم أو واصلهم أو زوجهم أو تزوج منهم أو آمنهم أو ائتمنهم على أمانة أو صدق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمة خرج من ولاية الله عز وجل وولاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولايتنا أهل البيت(501) .

صفحة 190 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 191 · ورقة PDF 191رابط الصفحة المنفردة

أولئك يلعنهم الله ويلعنهم أهل البيت!

إنّ معرفتنا بأهل البيت تؤكد لنا أنهم تبع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلعنون من لعنه الله ورسوله، ويتبرأون ممن تبرأ منه الله ورسوله.

ولذلك كان موقفهم تجاه العابثين بدين الله تعالى شديداً وصارماً دائماً وأبداً.

ودلائل ذلك في التاريخ أشهر من أن يُنبه عليها.

وعلماء الأمة مأمورون من الله تعالى أن يبينوا الحق ويزيلوا اللبس، ويُعرّوا الباطل، لا سيما إذا ما شاع وانتشر، بل ونُسب إلى خيرة الخلق كالصحابة وأهل البيت.

قال الله تعالى في محكم تنزيله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيم(502) ﴾ .

وفي (الكافي) منسوباً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله)(503) .

صفحة مطبوعة 192 · ورقة PDF 192رابط الصفحة المنفردة

فتبين من ذلك أنّ أول الناس استحقاقاً للعنة من الله تعالى العالم الذي يكتم العلم لا سيما عند شيوع البدع!

ومنهج أهل الإيمان في التعامل مع أهل البدع والغلو هو البراءة منهم والتحذير من منهجهم.

وقد روى الكليني في (الكافي) أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من أتى ذا بدعة فعظّمه فإنما يسعى في هدم الإسلام)(504) .

ولذلك اعتبر الإمام علي الرضا - وهو من علماء أهل البيت- الرد على أهل البدع من الجهاد في سبيل الله. فقال: (من ردّ صاحب بدعة عن بدعته، فهو سبيل من سبل الله)(505) .

وقد عدّ الإمام الباقر بفقهه الواعي (الابتداع في الدين) أقل مراتب الشرك بالله العظيم. فقال: (أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأياً فيحب عليه ويبغض)(506) .

إذ أنّ الابتداع في الدين هو تشريع زائد على شرع الله، وفيه مضاهاة لله تعالى الذي يملك وحده حق التشريع، ولولا كون المبتدع متأولاً لاعتبره الشارع الحكيم مشركاً لكنه بسبب التأويل الباطل اعتبر ضالاً زائغاً.

والبدعة إما تكون بدعةً مُكفّرة أو غير مُكفّرة، والبدعة المكفّرة إما أن تكون مناقضة لصريح دلالة الشهادتين، فهذه يُكفّر أصحابها على التعيين ولا يُعذرون بجهل أو تأولٍ أو شبهة.

صفحة مطبوعة 193 · ورقة PDF 193رابط الصفحة المنفردة

وإما أن تكون البدعة المُكفّرة غير مناقضة لصريح دلالة الشهادتين لكنها تُعارض أمراً مقطوعاً به في الدين، وهذه يُمكن الإعذار بها بالجهل والتأويل والشبهة، ولكن إن أُقيمت الحجة على أصحابها إقامة شرعية صحيحة، فحينئذ يُمكن الجزم بكفر القائمين بها.

أما البدعة غير المُكفّرة وهي التي لا تعارض أمراً مقطوعاً به في الدين، فهذه لا يُكفّر بها أحد.. لكنه يُحكم على صاحبها بالفسق إذا أُقيمت عليه الحجة.

يحكي لنا التاريخ أنّ أهل البيت قد ابتلوا دون غيرهم من الناس بمن ينسب إليهم الأباطيل، حتى كثرت فرق الضلال التي تدّعي الانتساب إليهم.

وفي هذا يقول الإمام جعفر الصادق وهو يذكر استهداف الزنادقة والمبتدعة والكذّابين له ولآبائه الذين يمثلون الشق العلوي الحسيني من أهل البيت: (إنا أهل بيت صادقون، لا نخلو من كذّاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصدق البرية لهجة، وكان مسيلمة يكذب عليه. وكان أمير المؤمنين (ع) أصدق من برأ الله من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه بما يفتري عليه من الكذب «عبد الله بن سبا» لعنه الله، وكان أبو عبد الله الحسين بن علي (ع) قد ابتلي بالمختار. ثم ذكر أبو عبد الله: الحارث الشامي وبنان، فقال: كانا يكذبان على علي بن الحسين (ع). ثم ذكر المغيرة بن سعيد وبزيعاً والسري وأبا الخطاب

صفحة مطبوعة 194 · ورقة PDF 194رابط الصفحة المنفردة

ومعمراً وبشاراً الأشعري وحمزة الزبيدي وصائد النهدي، فقال: لعنهم الله، إنا لا نخلو من كذّاب يكذب علينا أو عاجز الرأي، كفانا الله مؤنة كل كذاب وأذاقهم الله حر الحديد)(507)

مات هؤلاء الغلاة لكنّ أفكارهم بقيت حاضرة في الناس حتى بعد وفاتهم!

ولذلك حرص أهل البيت على التحذير من الفكر المغالي الذي بات يستشري بين الناس وينتشر انتشار النار في الهشيم إلى جانب التحذير من الغلاة الذين قادوا هذه الحملة المشوهة لصورة أهل البيت.

وقد تجلى هذا التحذير بالبراءة من الأفكار التالية ومن القائلين بها إلى قيام الساعة:

الذين ينسبون إلى أئمة أهل البيت التفويض ولو بإضافة عبارة (بإذن الله)!

التفويض في حق أهل البيت يُطلق ويراد به معانٍ عدة هي:

الأول: التفويض في الخلق والرزق والإماتة والإحياء، بمعنى أنّ الله تعالى خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت ثم فوّض إليهم أمر الخلق، فهم يخلقون ويرزقون ويميتون ويحيون.

وهذا كفر صريح؛ دلت على استحالته الأدلة العقلية والنقلية، ولا يستريب عاقل في كفر من قال به.

صفحة مطبوعة 195 · ورقة PDF 195رابط الصفحة المنفردة

ومثاله ما ذكره ابن بابويه القمي في (الاعتقادات) بقوله: (وروي عن زرارة أنه قال: قلت للإمام جعفر الصادق: (إنّ رجلاً من ولد عبد الله بن سبأ يقول بالتفويض. قال (ع): وما التفويض؟ قلت: يقول: إنّ الله عز وجل خلق محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وعلياً -؛ - ثم فوض الأمر إليهما، فخلقا ورزقا، وأحييا وأماتا. فقال: (كذب عدو الله، إذا رجعت إليه فاقرأ عليه الآية التي في سورة الرعد ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾(508) . فانصرفت إلى رجل فأخبرته بما قال الصادق (ع) فكأنما ألقمته حجراً، أو قال: فكأنما خرس)(509) .

الثاني: أنّ الله تعالى فوّض إلى أئمة أهل البيت أن يحلوا ما شاؤوا ويحرّموا ما شاؤوا أو يُغيّروا شيئاً مما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا لا يقوله عاقل، ومن قاله فقد خرج من ملة الإسلام.

ومثاله: ما رواه ابن بابويه القمي عن ياسر الخادم أنه قال للإمام علي الرضا: ما تقول في التفويض؟ فقال: إنّ الله تبارك وتعالى فوض إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أمر دينه فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾(510) ، فأما الخلق والرزق فلا، ثم قال؛: إنّ الله عز وجل يقول ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وهو يقول ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾((511)(512) )( ).

وقد ذكر د. حسين المدرسي في كتابه (تطور المباني الفكرية

صفحة مطبوعة 196 · ورقة PDF 196رابط الصفحة المنفردة

للتشيع) أنّ العقد الثالث والرابع من القرن الثاني الهجري شهد تنامياً في حركة الغلو، حيث ظهرت فرقة من غلاة الشيعة تستقي أفكارها ونظرياتها من فرقة الكيسانية(513) وتشكل امتداداً لها في النظر إلى آل محمد على أنهم موجودات فوق البشر، ذوو علم مطلق يشمل علم الغيب، ولهم القدرة على التصرف في الكائنات.

هذه الفرقة الجديدة لا تعتبر النبي والأئمة آلهة، ولكنها تعتقد أنّ الله تعالى فوّض إليهم أمور الكائنات من الخلق والرزق. وأعطاهم صلاحية التشريع، وبالتالي فإنهم من الناحية العملية يقومون بجميع الأعمال التي يفعلها الخالف مع فارق واحد هو أنّ قدرة الخالق أصلية، بينما قدرتهم فرعية تابعة لقدرته)(514) .

وقال المجلسي : (والمفوضة صنف من الغلاة وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة: اعترافهم بحدوث الأئمة وخلقهم ونفي القدم عنهم وإضافة الخلق والرزق مع ذلك إليهم، ودعواهم أنّ الله تعالى تفرد بخلقهم خاصة، وأنه فوض إليهم خلق العالم بما فيه وجميع الأفعال)(515) .

الذين ينسبون إلى أئمة أهل البيت عدم السهو أو النسيان!

إنّ الذي لا يسهو هو الله تعالى أما الإنسان فمن طبيعته النسيان، وإذا كان النسيان

صفحة مطبوعة 197 · ورقة PDF 197رابط الصفحة المنفردة

والسهو متحققين في أعظم البشر عند الله تعالى وهم الأنبياء عليهم السلام فكيف بمن هم دونهم مرتبة وشرفاً كالصحابة وأهل البيت؟

وقد قال الله تعالى حكاية عن نبيه يوشع؛ ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾(516) ، ويقول عن موسى في حواره مع الخضر عليهما السلام ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾(517) .

ويقول عن نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾(518) ويقول عنه كذلك ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾(519) .

أما أهل البيت فموقفهم من هذه المسألة صارم وشديد.

فعن أبي الصلت الهروي قال: قلت للإمام علي الرضا، يا ابن رسول الله، إنّ في سواد الكوفة قوماً يزعمون أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا، لعنهم الله، إنّ الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو(520) ) .

وفي هذا يقول ابن بابويه القمي: ( إنّ الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي يقولون: لو جاز أن يسهو -أي النبي عليه الصلاة والسلام- في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ، لأنّ الصلاة فريضة كما أنّ التبليغ فريضة)(521) .

وقد سبق ابن بابويه إلى هذا القول شيخه محمد بن الحسن

صفحة مطبوعة 198 · ورقة PDF 198رابط الصفحة المنفردة

القائل: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام(522)

الذين ينسبون إلى أهل البيت علم الغيب !

لا يعلم الغيب إلا الله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾(523) ، فهو سبحانه وتعالى علّام الغيوب.

ومن أصرح الآيات دلالة على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾(524) ، وتفسيرها في سورة لقمان، قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(525) ، فهذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها.

وكل الرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى عباده لهدايتهم منذ أول رسول وهو نوح؛ إلى آخرهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يؤكدون لأقوامهم بأنهم لا يعلمون الغيب.

فأما نوح؛ فأخبر الله تعالى عنه أنه قال لقومه ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾(526) .

وأمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾(527) .

صفحة مطبوعة 199 · ورقة PDF 199رابط الصفحة المنفردة

وإذا كان هذا متحققاً في الأنبياء ومنهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد أهل البيت، فكيف بسائر أهل البيت؟!

ولهذا كله روى الكشي عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (جعفر الصادق): إنهم يقولون، قال: وما يقولون؟ قلت: يقولون تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن ما في البحر وعدد التراب، فرفع يده إلى السماء، وقال: سبحان الله! سبحان الله! لا والله، ما يعلم هذا إلا الله(528) !

وروى الحر العاملي عن سدير قال: (كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبد الله (جعفر الصادق) إذ خرج إلينا وهو مغضب فلما أخذ مجلسه، قال: عجباً لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت عني فما علمت في أي بيوت الدار هي؟!)(529) .

وروى الكشي في رجاله عن عنبسة بن مصعب قال: قال لي أبو عبد الله (جعفر الصادق): أي شيء سمعت من أبي الخطاب؟ قال: سمعته يقول: إنك وضعت يدك على صدره وقلت له: عه ولا تنس! وإنك تعلم الغيب، وإنك قلت له: هو عيبة علمنا، وموضع سرنا أمين على أحيائنا وأمواتنا. قال: لا والله ما مس شيء من جسدي جسده إلا يده، وأما قوله أني قلت أعلم الغيب: فوالله الذي لا إله إلا هو ما أعلم الغيب، ولا آجرني الله

صفحة مطبوعة 200 · ورقة PDF 200رابط الصفحة المنفردة

في أمواتي، ولا بارك لي في أحيائي إن كنت قلت له، قال: وقدامه جويرية سوداء تدرج. قال: لقد كان مني إلى أم هذه، أو إلى هذه كخطة القلم فأتتني هذه، فلو كنت أعلم الغيب ما كانت تأتيني. ولقد قاسمت مع عبد الله بن الحسن حائطاً بيني وبينه، فأصابه السهل والشرب وأصابني الجبل فلو كنت أعلم الغيب لأصابني السهل والشرب وأصابه الجبل. وأما قوله أني قلت له هو عيبة علمنا، وموضع سرنا، أمين على أحيائنا وأمواتنا: فلا آجرني الله في أمواتي ولا بارك لي في أحيائي إن كنت قلت له شيئاً من هذا قط(530)

وروى المفيد في (الأمالي) عن ابن المغيرة قال: كنت أنا ويحيى بن عبد الله بن الحسن عند أبي الحسن (الكاظم) فقال له يحيى: جعلت فداك، إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب فقال: سبحان الله، ضع يدك على رأسي فوالله ما بقيت شعرة فيه ولا في جسدي إلا قامت...)(531) .

وروى الطبرسي عن أحد أئمة أهل البيت أنه قال راداً على الغلاة: يا محمد بن علي، تعالى الله عز وجل عما يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاءه في علمه ولا في قدرته. بل لا يعلم الغيب غيره كما قال في محكم كتابه تبارك وتعالى: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾(532) وأنا وجميع

صفحة مطبوعة 201 · ورقة PDF 201رابط الصفحة المنفردة

آبائي من الأولين آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من النبيين ومن الآخرين محمد رسول الله وعلي بن أبي طالب والحسن والحسين وغيرهم ممن مضى من الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين إلى مبلغ أيامي ومنتهى عصري عبيد الله عز وجل، يقول الله عز وجل ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾(533) يا محمد بن علي قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه، وأشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى به شهيداً ومحمداً رسوله وملائكته وأنبياءه وأولياءه وأشهدك وأشهد كل من سمع كتابي هذا أني بريء إلى الله وإلى رسوله ممن يقول: إنا نعلم الغيب أو نشارك الله في ملكه أو يحلنا محلاً سوى المحل الذي نصبه الله لنا وخلقنا له أو يتعدى بنا عما قد فسرته لك وبينته في صدر كتابي(534) الذين نسبوا إلى أهل البيت النبوة أو فضلوهم على الأنبياء!

فإنّ النبوة ليست بالكسب ولا باختيار الناس وإنما هي اصطفاء من الله تعالى كما قال الله تعالى ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾(535) وقال أيضاً عز من قائل ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ(536) ﴾ .

ولذلك لا يحق لأحد من الناس أن يستحسن حال صالح

صفحة مطبوعة 202 · ورقة PDF 202رابط الصفحة المنفردة

فينسب إليه النبوة! لأنّ ذاك حق لله تعالى لا لعباده، ولأنّ في ادعاء ذلك كذباً على الله تعالى.

وقد روى الكشي في (رجاله) عن أبي عبد الله (جعفر الصادق) قال: من قال إنا أنبياء فعليه لعنة الله، ومن شك في ذلك فعليه لعنة الله(537) .

وروى أيضاً عن أبي بصير قال: قال لي أبو عبد الله (جعفر الصادق): يا أبا محمد، أبرأ ممن يزعم أنا أرباب، قلت: برئ الله منه، قال: أبرأ ممن يزعم أنا أنبياء، قلت: برئ الله منه(538) .

وإذا كانت نِسبة النبوة إلى أئمة أهل البيت يعتبر كفراً ومروقاً عن الدين يستحق المرء لأجله أن يُلعن هو والشاك في ذلك، فكيف بتفضيل الأئمة على أنبياء الله تعالى؟ لا شك أنه أظهر كفراً وضلالاً من القول بنبوتهم.

الذين ينسبون إلى أهل البيت أنهم ينفعون ويضرون!

إنّ النفع والضر بيد الله تعالى وحده، وأكرم الخلق عنده سبحانه وتعالى نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأمره خالقه جل وعلا أن يقول للناس ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾((539) ).

صفحة مطبوعة 203 · ورقة PDF 203رابط الصفحة المنفردة

ويقول أيضاً عز من قائل في سورة الجن ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾(540) .

يقول الطوسي في تفسيره (التبيان): (أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للمكلفين ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ ومعناه إني لا أقدر على دفع الضرر عنكم ولا إيصال الخير إليكم، وإنما يقدر على ذلك الله تعالى. وإنما أقدر على أن أدعوكم إلى الخير وأهديكم إلى طريق الرشاد، فإن قبلتم نلتم الثواب والنفع، وإن رددتموه نالكم العقاب وأليم العذاب، ثم قال أيضاً ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ أي لا يقدر أن يجير على الله حتى يدفع عنه ما يريده به من العقاب ۀ ۀ أيضاً أنا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي من دون الله ﴿مُلْتَحَدًا﴾ يعنى ملتجأ ألجأ إليه أطلب به السلامة مما يريد الله تعالى فعله من العذاب والألم. وأضافه إلى نفسه، والمراد به أمته، لأنه لا يفعل قبيحاً فيخاف العقاب. والمعنى ليس من دون الله ملتحد أي ملجأ)(541) .

فإذا كان هذا حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد ولد آدم؛، فكيف بأهل البيت وهم دونه فضلاً ومقاماً وتبع له؟

وما أجمل ما قاله الإمام جعفر الصادق وهو يبرأ إلى الله تعالى من الغلو فيه قائلاً: (إنّ قوماً كذبوا علي، مالهم أذاقهم الله حر الحديد، فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما

صفحة مطبوعة 204 · ورقة PDF 204رابط الصفحة المنفردة

نقدر على ضر ولا نفع وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله من حجة، ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشرون ومبعوثون وموقوفون ومسئولون ويلهم ما لهم لعنهم الله، فلقد آذوا الله وآذوا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في قبره وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي) إلى أن يقول: (أشهدكم إني امرؤ ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني وإن عصيته عذبني عذاباً شديداً أو أشد عذابه)(542)

وروى الكشي أيضاً أنه ذكر عند الإمام جعفر الصادق جعفر بن واقد ونفر من أصحاب أبي الخطاب، فقيل: إنه صار إلى نمرود، وقال فيهم ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ قال: هو الإمام(543) . فقال أبو عبد الله (جعفر الصادق): لا والله لا يأويني وإياه سقف بيت أبداً، هم شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، والله ما صَغّر عظمة الله تصغيرهم شيء قط،.... والله لو أنّ عيسى أقر بما قالت النصارى لأورثه الله صمماً إلى يوم القيامة، والله لو أقررت بما يقول في أهل الكوفة لأخذتني الأرض، وما أنا إلا عبد مملوك لا أقدر على شيء ضر ولا نفع(544) .

صفحة مطبوعة 205 · ورقة PDF 205رابط الصفحة المنفردة

ويقول أيضاً: (لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا)(545) .

6- الذين ينسبون إلى أهل البيت غيبة إمام منهم لحاجة الناس إليه.

ففي رجال الكشي، قلت للرضا: جعلت فداك قوم قد وقفوا على أبيك(546) يزعمون أنه لم يمت، قال: كذبوا، وهم كفار بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان الله يمد في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمد الله في أجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(547) .

7- الذين ينسبون إلى أهل البيت تأخير صلاة المغرب عن وقتها الشرعي!

فالحقيقة الظاهرة التي لا تخفى على أحد أنّ وقت صلاة المغرب إنما يتحقق بغياب قرص الشمس وعدم القدرة على رؤيته وليس بذهاب الشفق الأحمر الذي هو امتداد لأشعة الشمس.

والأصل في هذه المسألة إنما يُعرف من جهة النصوص الشرعية الحاكمة مثل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عنه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: (لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم)((548) ).

صفحة مطبوعة 206 · ورقة PDF 206رابط الصفحة المنفردة

وفي هذا يقول رافع بن خديج الأنصاري رضي الله عنه: (كنا نصلي المغرب على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينصرف أحدنا وإنه ليبصرمواقع نبله)(549) .

فإنّ فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مُلزم لجميع المسلمين، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي)(550) فإنّ المسلم مطالبٌ بالتزام مواقيت الصلاة التزاماً تاماً لما في إضاعة وقت الصلاة من إضاعةٍ لها.

على أنّ وجوب الالتزام بمواقيت الصلاة من القطعيات التي لا تحتاج إلى مزيد استنباط فالله تعالى يقول في محكم تنزيله ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾(551) .

ولذلك كان أهل البيت رضوان الله عليهم – وهم تبع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – من أحرص الناس على الصلوات في مواقيتها.

فقد روى الكليني في «الكافي» عن ابن سنان عن الإمام جعفر الصادق قال: وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها(552) .

وروى الحر العاملي في «وسائل الشيعة» عن داود بن فرقد: سمعت أبي يسأل أبا عبد الله جعفراً الصادق-: متى يدخل وقت المغرب؟ فقال (ع): إذا غاب كرسيها، قلت: وما

صفحة مطبوعة 207 · ورقة PDF 207رابط الصفحة المنفردة

كرسيها؟ قال (ع): قرصها، قلت: متى تغيب؟ قال (ع): إذا نظرت إليه فلم تره(553)

وروى أيضاً عن زرارة قال: قال أبو جعفر الباقر: وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيت بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة(554) .

وروى الحميري في «قرب الإسناد» عن صفوان بن مهران قال: قلت لأبي عبد الله – أي جعفر الصادق -: (إنّ معي شبه الكرش المنشور، فأؤخر صلاة المغرب حتى عند غيبوبة الشفق، ثم أصليهما جميعاً يكون ذلك أرفق بي؟ فقال: إذا غاب القرص فصل المغرب فإنما أنت ومالك لله)(555) .

وروى الطوسي في «تهذيب الأحكام» عن إسماعيل بن جابر قال: سألته – أي الإمام جعفراً الصادق - عن وقت المغرب قال: ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق(556) .

وروى الطوسي في «الأمالي» عن رزيق قال: كان أبو عبد الله؛ يصلي المغرب عند سقوط القرص قبل أن تظهر النجوم(557) .

صفحة مطبوعة 208 · ورقة PDF 208رابط الصفحة المنفردة

وقد حرص أئمة أهل البيت جد الحرص على البراءة من الذين ابتدعوا القول بتحقق غروب الشمس بذهاب الشفق الأحمر من كبد السماء لما في ذلك من متابعة لأبي الخطاب المغالي.

فقد روى الطوسي بسند صححه الخوئي عن ذريح قال: قلت لأبي عبد الله (ع): إنّ أناساً من أصحاب أبي الخطاب يمسون بالمغرب حتى تشتبك النجوم، قال: أبرأ إلى الله ممن فعل ذلك متعمداً.

وروى الطوسي أيضاً بسند صححه الخوئي عن الإمام الرضا قال: إنّ أبا الخطاب قد كان أفسد عامة أهل الكوفة، وكانوا لا يصلون المغرب حتى يغيب الشفق(558) .

وروى ابن بابويه القمي عن الإمام جعفر الصادق قال: ملعون ملعون من أخر المغرب طلب فضلها، وقيل له: إنّ أهل العراق يؤخرون المغرب حتى تشتبك النجوم، فقال: هذا من عمل عدو الله أبي الخطاب)(559) .

وقد خلُصَ المرجع الشيعي الراحل أبو القاسم الخوئي بعد ذكر الروايات الواردة في هذا الباب إلى نتيجة مهمة هي: (والمتحصل من هذه الروايات أنّ محمد بن أبي زينب كان رجلاً ضالاً مضلاً، فاسد العقيدة، وأنّ بعض هذه الروايات وإن كانت ضعيفة السند، إلا أنّ في الصحيح منها كفاية، على أن دعوى التواتر فيها إجمالاً غير بعيدة)(560) .

الخاتمة

لقد تناولت في هذا الكتاب أهل البيت عليهم السلام بين مدرستي الاعتدال والغلو، وبيّنا بين طياته النظرة الشرعية الصحيحة لأهل البيت عليهم السلام وما يجب لهم من الحقوق، وما يتوجب عليهم مراعاته من الواجبات.

وحاولت قدر الوسع والطاقة الانتصار لهم من الغلاة الذين شوهوا صورتهم، وزيّفوا تعاليمهم، ورفعوهم فوق المكانة التي ارتضاها رب العزة والجلال لعباده الصالحين، مع تأكيدي في هذا على أنّ التفاضل إنما يكون بالتقوى والعمل الصالح لا بالأحساب والأنساب.

ومع تأكيدي أيضاً على أن طبقية في الإسلام، فالإسلام حارب الطبقية القائمة على الأحساب والأنساب والأعراق، فرفع من سلمان الفارسي لمّا آمن واتقى وصدّق بالحسنى، وجعل لأبي لهب الهاشمي عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ناراً ذات لهب، لمّا كفر وعاند وكذّب بالحسنى.

فهي رسالة لكل منتسب لأهل البيت أن لا يغتر بنسبه، فإنه

صفحة مطبوعة 209 · ورقة PDF 209رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 210 · ورقة PDF 210رابط الصفحة المنفردة

مسؤولية قبل أن يكون شرفاً، فمن لم يزنه بالتقوى كان وبالاً عليه في الدنيا والآخرة.

وهي رسالة لكل مسلم في يتولى أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأن يحفظه فيهم، بحبهم وإكرامهم ومعرفة حقوقهم الشرعية.

والله تعالى أسأل أن يوفقنا لما فيه رضاه، وأن يرشدنا إلى الخير والهداية، والتوفيق في الدنيا والآخرة، وأن يوفقنا لما فيه خدمة الإسلام ووحدة المسلمين، وتعظيم أوامر الله عز وجل، واجتناب نواهيه، وأن يجعلنا محبين لأهل البيت عليهم السلام ، ومعظمين لقدرهم، محاربين لما نسب إليهم من الأقوال والأفعال التي هم بريئون منها ، وأن نجتمع على محبة صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإجلالهم، وأن نكون أمة واحدة كالجسد الواحد، كما أمرنا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، وألا نتنازع فنفشل وتذهب ريحنا، خاصة في زمن نواجه فيه أخطاراً وأعداء خارجيين يعملون على تشتيت وحدة المسلمين، وبث التفرقة بينهم؛ إنه هو العزيز القدير.

وآخر دعوانا أن نقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».

المؤلف

المراجع

أولاً: مراجع أهل السنة والجماعة

الإحكام في أصول الأحكام- علي بن محمد الآمدي- علق عليه/ عبدالرازق عفيفي-الطبعة الأولى 1424هـ 2003م دار ابن الصميعي السعودية. استجلاب ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذوى الشرف الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي تحقيق خالد بن أحمد الصمي بابطين دار البشائر الإسلامية بيروت لبنان 1421هـ 2000م. الاستشراف على تاريخ أبناء محمد الحارث الأشراف الشريف محمد بن حسين الحارثي مؤسسة الريان بيروت لبنان الطبعة الأولى 2007م. الاستيعاب ابن عبد البر تحقيق علي محمد البجاوي بيروت دار الجيل الطبعة الأولى سنة الطبع 1412 هـ. الإشاعة لأشراط الساعة محمد البرزنجي تحقيق: موفق فوزي الجبر- دار النمير دمشق الطبعة الثانية

صفحة مطبوعة 211 · ورقة PDF 211رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 212 · ورقة PDF 212رابط الصفحة المنفردة

1995م. الإشراف في معرفة المعتنين بتدوين أنساب الأشراف الشريف إبراهيم بن منصور الهاشمي- مؤسسة الريان- بيروت لبنان الطبعة الأولى 2000م. الإصابة ابن حجر تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض دار الكتب العلمية. بيروت الطبعة الأولى 1415هـ. إعانة الطالبين البكري الدمياطي دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان الطبعة: الأولى 1418 هـ 1997 م. الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد البيهقي تحقيق: عبد الله محمد الدرويش دار اليمامة دمشق الطبعة الأولى 1999م. الأعلام خير الدين الزركلي- دار العلم للملايين بيروت لبنان- الطبعة الخامسة 1980م. اقتضاء الصراط المستقيم ابن تيمية تحقيق: د. ناصر عبد الكريم العقل عالم الكتب –بيروت الطبعة السابعة 1999م الأموال- أبو عبيد القاسم ابن سلام تحقيق: محمد خليل هراس- دار الكتب العلمية- الطبعة الأولى 1406هـ. البداية والنهاية ابن كثير تحقيق وتدقيق وتعليق علي شيري دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان الطبعة الأولى 1408 1988

صفحة مطبوعة 213 · ورقة PDF 213رابط الصفحة المنفردة

م بدائع الفوائد ابن قيم الجوزية- دار الكتاب العربي بيروت لبنان. تاج العروس الزبيدي تحقيق علي شيري دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت 1414 1994م تاريخ أصبهان أبو نعيم الأصبهاني تحقيق: سيد كسروي حسن دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى 1990م. تاريخ الإسلام الذهبي تحقيق د. عمر عبد السلام تدمرى دار الكتاب العربي بيروت لبنان الطبعة الأولى 1407 1987م. تاريخ الطبري الإمام الطبري مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت لبنان. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف مكتبة الرياض الحديثة الرياض. التسهيل لعلوم التنزيل محمد بن أحمد بن محمد الكلبي الغرناطي المالكي- حققه/محمد بن سيدي محمد مولاي- الطبعة الأولى 1430هـ 2009 م دار الضياء الكويت. تفسير البغوي الإمام البغوي تحقيق خالد عبد الرحمن العك دار المعرفة بيروت –لبنان. تفسير البيضاوي البيضاوي دار الفكر بيروت. تفسير فتح القدير الإمام الشوكاني عالم الكتب.

صفحة مطبوعة 214 · ورقة PDF 214رابط الصفحة المنفردة

تقريب التهذيب ابن حجر دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الثانية 1415 1995 م. تلبيس ابليس ابن الجوزي -عني به هيثم جمعه هلال-الطبعة الأولى 1425هـ- 2004م دار المعرفة بيروت لبنان، تهذيب الكمال الحافظ المزي تحقيق وضبط وتعليق الدكتور بشار عواد معروف مؤسسة الرسالة بيروت لبنان الطبعة الثانية 1992 م. الثقات ابن حبان مؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الأولى 1393 هـ. جامع البيان ابن جرير الطبري تقديم: الشيخ خليل الميس- ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطار دار الفكر بيروت لبنان 1995 م. جامع التحصيل في أحكام المراسيل أبو سعيد بن خليل بن كيكلدي أبو سعيد العلائي تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي عالم الكتب بيروت الطبعة الثانية 1407 –1986. جامع المسانيد ابن كثير تحقيق: د. عبد الملك بن عبد الله بن دهيش دار خضر (بيروت) أو يطلب من مكتبة النهضة الحديثة (مكة المكرمة) الطبعة الثانية 1419هـ. الجامع لشعب الايمان أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي-الطبعة الأولى 1429هـ 2008م وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية دولة

صفحة مطبوعة 215 · ورقة PDF 215رابط الصفحة المنفردة

قطر، الجرح والتعديل الرازي دار إحياء التراث العربي بيروت الطبعة الأولى 1371 1952 م. جزء ابن عاصم محمد بن عاصم الأصبهاني تحقيق: مفيد خالد عيد دار العاصمة الرياض الطبعة الأولى 1409هـ. جلاء الأفهام ابن قيّم الجوزية تحقيق: عزت كرار وسيد عمران دار الحديث القاهرة 2004م. جلاء الأفهام ابن قيّم الجوزية تحقيق: شعيب الأرناؤوط عبد القادر الأرناؤوط دار العروبة الكويت الطبعة الثانية 1987م. جواهر العقدين في فضل الشرفين شرف العلم الجلي والنسب النبوي للإمام نور الدين بن عبد الله السمهودي تحقيق مصطفى عبد القادر آغا دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الثانية 2003م. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء أبو نعيم الأصبهاني دار الكتاب العربي بيروت 1405هـ. الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الامامية الاثنى عشرية محب الدين الخطيب- الطبعة الأولى 1427 هـ 2006 م،دار المحجة البيضاء مصر. دراسة تحليلية نقدية للمرويات التاريخية مزاحم علي عشيش البعاج -مراجعة عمر محمد الديارنه- 2005 م- دار اليراع عمان الاردن. الدين الخالص محمد صديق حسن خان القنوجي

صفحة مطبوعة 216 · ورقة PDF 216رابط الصفحة المنفردة

البخاري-الطبعة الأولى 1428هـ 2007م وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية دولة قطر. الذرية الطاهرة النبوية محمد بن أحمد الدولابي تحقيق: سعد المبارك الحسن الدار السلفية الكويت الطبعة: الأولى 1407. الرواة المُختلف في صُحبتهم ممن لهم رواية في الكتب الستة د. كمال قالمي الجزائري الجامعة الإسلامية بالمدينة الطبعة الأولى 2007م. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني محمود الألوسي أبو الفضل دار إحياء التراث العربي بيروت. زاد المسير ابن الجوزي تحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله دار الفكر الطبعة الأولى 1987م. سنن ابن ماجة ابن ماجة- تحقيق محمد ناصر الألباني-الطبعة الأولى 1417 هـ مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض. سنن أبو داود أبو داود-تحقيق محمد ناصر الألباني- الطبعة الأولى 1417 هـ مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض. سنن الترمذي الترمذي-تحقيق محمد ناصر الألباني-الطبعة الأولى 1417 هـ، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع

صفحة مطبوعة 217 · ورقة PDF 217رابط الصفحة المنفردة

الرياض. سؤالات الآجري لأبي داود سليمان بن الأشعث تحقيق: عبد العليم البستوي مؤسسة الريان بيروت لبنان الطبعة الأولى 1418 1997 م. سير أعلام النبلاء الذهبي تحقيق وتخريج وتعليق شعيب الأرنؤوط مؤسسة الرسالة بيروت لبنان الطبعة التاسعة -1413 1993 م. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة هبة الله بن الحسن اللالكائي تحقيق: د. أحمد بن سعد الغامدي دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة التاسعة 1426-2005م. شرح العقيدة الطحاوية علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي- حققه عبدالله بن عبدالمحسن التركي- الطبعة الأولى 1426 هـ 2005م -مؤسسة الرسالة بيروت. شرح العقيدة الواسطية محمد بن صالح العثيمين إعداد فهد بن ناصر بن ابراهيم السليمان- الطبعة الأولى 1419 هـ 1998م دار الثريا للنشر الرياض السعودية. الشفا بتعريف حقوق المصطفى القاضي عياض دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان 1409 1988 م. الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم- أحمد بن عبدالحليم (ابن تيمية)-تحقيق سيد عمران- -1426 هـ 2005 م- دار الحديث القاهرة. الصواعق المحرقة أبي العباس أحمد بن محمد بن

صفحة مطبوعة 218 · ورقة PDF 218رابط الصفحة المنفردة

محمد بن علي إبن حجر الهيتمي تحقيق عبدالرحمن بن عبدالله التركي وكامل محمد الخراط مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الأولى 1997. ضعفاء العقيلي العقيلي تحقيق الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الثانية 1418هـ. الطبقات الكبرى محمد بن سعد دار صادر بيروت. الفتاوى الحديثية ابن حجر الهيتمي دار الفكر. فتاوى شيخ الإسلام عز الدين عبد السلام تحقيق: محمد جمعة كردي مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى 1996م. فتح المعين المليباري الهندي دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان الطبعة الأولى 1418 1997 م. فتح الوهاب زكريا الأنصاري منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية الطبعة الأولى 1418 1998 م. الفرق بين الفرق عبدا لقاهر البغدادي- الطبعة الأولى دار المعرفة بيروت لبنان. الفصل في الملل والنحل ابن حزم الأندلسي مكتبة الخانجي القاهرة. القول المفيد على كتاب التوحيد محمد بن صالح العثيمين- الطبعة الثانية 1424 هـ دار ابن الجوزي السعودية.

صفحة مطبوعة 219 · ورقة PDF 219رابط الصفحة المنفردة

الكامل عبد الله بن عدي قراءة وتدقيق: يحيى مختار غزاوي دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان الطبعة الثالثة 1988 م. الكامل في التاريخ الحافظ ابن الأثير دار صادر للطباعة والنشر دار بيروت للطباعة والنشر 1386 1966م كتاب السنة عمرو بن أبي عاصم تحقيق محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي بيروت لبنان الطبعة الثالثة 1413 1993 م. كتاب الشريعة أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الشافعي ط جمعية إحياء التراث الإسلامي الطبعة الأولى بإشراف مكتب التحقيق في مؤسسة الريان. كتاب الضعفاء والمتروكين النسائي دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان الطبعة الأولى 1406 1986 م. كتاب العين الخليل الفراهيدي تحقيق الدكتور مهدي المخزومي، الدكتور إبراهيم السامرائي مؤسسة دار الهجرة الطبعة الثانية 1409هـ. كتاب الكليات أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري- مؤسسة الرسالة بيروت 1998م. كتاب المجروحين ابن حبان تحقيق: محمود إبراهيم زايد دار الباز للنشر والتوزيع مكة

صفحة مطبوعة 220 · ورقة PDF 220رابط الصفحة المنفردة

المكرمة. لسان العرب ابن منظور نشر أدب الحوزة قم إيران محرم 1405هـ. لسان الميزان ابن حجر مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت لبنان الطبعة الثانية 1390 1971م. لمعة الاعتقاد ابن قدامة تحقيق: بدر بن عبد الله البدر الدار السلفية الكويت الطبعة الأولى 1406هـ. ما روي في الحوض والكوثر ابن مخلد القرطبي تحقيق عبد القادر محمد عطا صوفي مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة الطبعة الأولى 1413هـ. مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين ابن قيم الجوزية -حققه عامر بن علي ياسين- الطبعة الأولى 1424هـ -2003م دار ابن خزيمة الرياض، مسند الموطأ الغافقي الجوهري تحقيق: لطفي الصغير ود. طه بن علي- دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى 1997م. المصباح المنير أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقري-الطبعة الأولى 1987م مكتبة لبنان بيروت لبنان، المصنف للحافظ الكبير أبي بكر عبد الرزاق الطبعة الأولى 1987م المكتب الإسلامي بيروت المصنف- ابن أبى شيبة، تقديم سعد بن عبدالله آل حميد، تحقيق حمد بن عبدالله الجمعة- الطبعة الأولى 1425هـ 2004م مكتبة الرشد الرياض السعودية.

صفحة مطبوعة 221 · ورقة PDF 221رابط الصفحة المنفردة

المعارف ابن قتيبة تحقيق: د. ثروت عكاشة دار المعارف القاهرة. المعرفة والتاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي– تحقيق د.أكرم ضياء العمري مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الأولى 1981م. مناقب الامام الشافعي البيهقي- حققه أحمد صقر-الطبعة الأولى 1390 هـ 1970م مكتبة دار التراث القاهرة. المنتقى شرح موطأ الإمام مالك الباجي دار السعادة الطبعة الأولى 1332 هـ. منهاج السنة النبوية أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس تحقيق: د. محمد رشاد سالم -مؤسسة قرطبة الطبعة الأولى 1406هـ. المواهب اللطيفة في الأنساب الشريفة علي بن محمد المطروشي مركز زايد للتراث والتاريخ طبعة 2001م. المؤتلف والمختلف علي بن عمر الدارقطني تحقيق: د. موفق بن عبد الله بن عبد القادر دار الغرب. ميزان الاعتدال الذهبي تحقيق علي محمد البجاوي دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان الطبعة الأولى 1382 1963 م. نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر جمال الدين أبي الفرج عبدالرحمن بن علي بن الجوزي-الطبعة الثانية1409هـ 1988م مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن

صفحة مطبوعة 222 · ورقة PDF 222رابط الصفحة المنفردة

الهند. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور برهان الدين أبي الحسن البقاعي-تخريج عبد الرزاق غالب المهدي الطبعة الأولى 1995م 1415هـ -دار الكتب العلمية بيروت لبنان. النهاية في غريب الحديث ابن الأثير تحقيق طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع قم إيران الطبعة الرابعة 1364 هـ.

ثانياً: مراجع الشيعة الإثنا عشرية

الاحتجاج الشيخ الطبرسي- تعليق وملاحظات: محمد باقر الخرسان دار النعمان للطباعة والنشر النجف 1386 1966 م. اختيار معرفة الرجال الطوسي- تصحيح وتعليق مير داماد الأسترابادي، مهدي الرجائي- مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث. اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي أبو جعفر الطوسي-تعليق الميرداماد الاسترابادي -تحقيق السيد مهدي الرجائي- الطبعة الأولى 1404هـ مؤسسة آل البيت لإحياء التراث قم. إرشاد القلوب أبو محمد الحسن بن محمد الديلمي- الطبعة الأولى1993م مؤسسة الأعلمي

صفحة مطبوعة 223 · ورقة PDF 223رابط الصفحة المنفردة

لبنان. الأسرار الفاطمية محمد فاضل المسعودي– مؤسسة الزائر في الروضة المقدسة لفاطمة المعصومة عليها السلام للطباعة والنشر- الطبعة الثانية 2000م. الاعتقادات في دين الإمامية ابن بابويه القمي تحقيق عصام عبد السيد دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان الطبعة الثانية 1993 م. أعيان الشيعة محسن الأمين تحقيق وتخريج حسن الأمين دار التعارف للمطبوعات بيروت لبنان. الأمالي الشيخ الصدوق تحقيق قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة قم الطبعة الأولى 1417. الأمالي المفيد تحقيق حسين الأستاد ولي، علي أكبر الغفاري دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان الطبعة الثانية 1414 1993 م. الأمالي- الطوسي تحقيق قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع قم إيران الطبعة الأولى 1414هـ. بحار الأنوار المجلسي تحقيق عبد الرحيم الرباني الشيرازي مؤسسة الوفاء بيروت لبنان الطبعة الثانية المصححة 1403 1983 م. تأويل الآيات شرف الدين الحسيني إشراف محمد باقر الموحد الأبطحي الاصفهاني تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي قم إيران الطبعة الأولى رمضان المبارك 1407

صفحة مطبوعة 224 · ورقة PDF 224رابط الصفحة المنفردة

هـ. التبيان الطوسي تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي مكتب الإعلام الإسلامي الطبعة الأولى رمضان المبارك 1409. تفسير الإمام العسكري المنسوب إلى الإمام العسكري تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي قم إيران الطبعة الأولى محققة ربيع الأول 1409. التفسير الصافي الفيض الكاشاني مؤسسة الهادي قم الطبعة الثانية رمضان 1416 هـ. تفسير الميزان الطباطبائي منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية قم المقدسة تفسير شبر عبد الله شبر راجعه الدكتور حامد حفني داود مطبعة السيد مرتضى الرضوي الطبعة الثالثة 1385 1966م. تفسير مجمع البيان الطبرسي تحقيق وتعليق لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت لبنان الطبعة الأولى 1415 1995 م. تفسير نور الثقلين الحويزي تصحيح وتعليق السيد هاشم الرسولي المحلاتي مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع قم الطبعة الرابعة 1412 هـ. تهذيب الأحكام الطوسي تحقيق وتعليق حسن الموسوي الخرسان دار الكتب الإسلامية طهران الطبعة الثالثة 1364

صفحة مطبوعة 225 · ورقة PDF 225رابط الصفحة المنفردة

هـ. حديث الثقلين محمد الواعظ الخراساني المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية الطبعة الأولى 1995م. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء أبو نعيم الأصبهاني دار الكتاب العربي بيروت 1405هـ. الخصال ابن بابويه القمي تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم إيران طبعة 1403 هـ. خصائص الأئمة الشريف الرضي تحقيق محمد هادي الأميني مجمع البحوث الإسلامية الآستانة الرضوية مشهد إيران ربيع الثاني 1406. شرح إحقاق الحق المرعشي منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم ايران الطبعة الأولى 1411. الشهاب الثاقب -للمحتج بكتاب الله في الرد علي الناصب أحمد الكاتب- عالم سبيط النيلي- -الطبعة الأولى1426 هـ ـ2005 م منشورات الرابطة القصدية بغداد. الصحيفة السجادية (ابطحي) المنسوبة لزين العابدين تحقيق محمد باقر الموحد الأبطحي الأصفهاني مؤسسة الأنصاريان للطباعة والنشر قم ايران الطبعة الأولى 25 محرم الحرام 1411. علم المحجة محمد حسين المامقاني تحقيق أحمد عبد الوهاب البو شفيع –لجنة إحياء تراث مدرسة الشيخ الأوحد الإحسائي ط الأولى بيروت لبنان

صفحة مطبوعة 226 · ورقة PDF 226رابط الصفحة المنفردة

2000م عمدة الطالب ابن عنبه تصحيح محمد حسن آل طالقاني المطبعة الحيدرية في النجف الطبعة الثانية 1961م. عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار ابن البطريق مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين قم إيران جمادى الأولى 1407. عيون أخبار الرضا الصدوق تصحيح وتعليق وتقديم حسين الأعلمي مطابع مؤسسة الأعلمي بيروت لبنان 1404 1984 م. فرق الشيعة الحسن بن موسى النوبختي دار الأضواء بيروت لبنان الطبعة الثانية 1984م. فقه الرضا علي بن بابويه تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث الناشر المؤتمر العالمي للإمام الرضا قم إيران الطبعة الأولى 1406هـ. فقه الصادق محمد صادق الروحاني مؤسسة دار الكتاب قم إيران الطبعة الثالثة 1412. الفهرست الطوسي تحقيق: جواد القيومي مؤسسة نشر الفقاهة الطبعة الأولى 1417هـ. قرب الإسناد الحميري القمي تحقيق و نشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث قم إيران الطبعة الأولى 1413. كشف الغمة ابن أبي الفتح الأربلي دار الأضواء بيروت لبنان. الكشكول

صفحة مطبوعة 227 · ورقة PDF 227رابط الصفحة المنفردة

يوسف البحراني-الطبعة الأولى 1998م دار ومكتبة الهلال بيروت. كمال الدين وتمام النعمة ابن بابويه القمي تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم إيران محرم الحرام 1405 1363 ش. لئالي الأخبار محمد نبي التويسركاني- مكتبة العلامة قم ايران،. مجمع البحرين الطريحي تحقيق أحمد الحسيني مكتب النشر الثقافة الإسلامية الطبعة الثانية 1408 هـ. المحاسن أحمد بن محمد بن خالد البرقي تصحيح وتعليق جلال الدين الحسيني دار الكتب الإسلامية طهران 1370 هـ. المحتضر حسن بن سليمان الحلي تحقيق سيد علي أشرف المكتبة الحيدرية 1424 هـ. مرآة العقول محمد باقر المجلسي إخراج ومقابلة وتصحيح هاشم الرسولي دار الكتب الإسلامية –طهران. مروج الذهب ومعادن الجواهر علي بن الحسين المسعودي- تحقيق قاسم الشماعي الرفاعي دار القلم بيروت لبنان. المسائل الجارودية المفيد تحقيق محمد كاظم مدير شانجي- دار المفيد لبنان الطبعة الثانية

صفحة مطبوعة 228 · ورقة PDF 228رابط الصفحة المنفردة

1993م. معجم رجال الحديث الخوئي مركز نشر الثقافة الإسلامية قم إيران الطبعة الخامسة 1413 1992 م. مقتل الحسين المؤلف أبو مخنف الأزدي تعليق حسين الغفاري مطبعة العلمية قم –إيران. المقنعة المفيد تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين قم إيران الطبعة الثانية 1410هـ. مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع) محمد بن سليمان الكوفي تحقيق محمد باقر المحمودي مطبعة النهضة الناشر مجمع إحياء الثقافة الإسلامية قم الطبعة: الأولى محرم الحرام 1412. منهاج البراعة حبيب الله الهاشمي الخوئي تحقيق علي عاشور دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان نهج البلاغة شرح محمد عبده تخريج حسين الأعلمي الطبعة الأولى 1413هـ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت. الرسائل الاعتقادية محمد إسماعيل المازندراني الخواجُوئي تحقيق: مهدي الرجائي إصدار مركز إحياء تراث العلامة الخواجوئي نشر: مؤسسة عاشوراء قم الطبعة الأولى 1426هـ. تصحيح اعتقادات الإمامية المفيد دار المفيد بيروت- الطبعة الثانية 1993م.

فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الفهرس
الموضوعالصفحة
المقدمة7
الفصل الأول: التعريف بأهل البيت وحقوقهم11
من هم أهل البيت؟13
الآل والأهل في لغة العرب15
الآل15
القول الأول: أن كلمة «آل»16
القول الثاني وهو الراجح: أن «آل» مشتقة من الأول18
الأهل22
آل البيت27
أهل البيت37
العترة57
القرابة والعشيرة63
هل جعل الله تعالى مودة أهل البيت أجراً للرسالة؟67
شواهد من التراث الشيعي الاثنى عشري77
شهادات إمامية تؤكد ما ذكرناه85
ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق (381هـ)85
المفيد (413هـ)86
صفحة مطبوعة 229 · ورقة PDF 229رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 230 · ورقة PDF 230رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
شيخ الطائفة الطوسي (460هـ).89
ابن إدريس الحلي (598هـ)90
يحيى بن الحسن الأسدي الحلي المعروف بـ «ابن البطريق» (600هـ)90
جعفر بن الحسن الحلي المعروف بـ «المحقق الحلي» (676هـ)91
ابن المطهر الحلي (726هـ)91
المحقق الكركي (940هـ)92
المولى محمد تقي المجلسي (1070هـ)92
المولى محمد صالح المازندراني (1081هـ)93
المولى محمد إسماعيل المازندراني الخواجُوئي (173هـ)94
أهل البيت بين الشرف والخصوصية95
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾107
شهادات شيعية منصفة113
حب أهل البيت ... مظاهرة ووسائله119
أولاً: ذكر فضائلهم ومناقبهم وحقوقهم الشرعية119
ثانياً: صلاتهم على آل البيت في الصلاة الإبراهيمية120
ثالثاً: تصريحهم بوجوب محبة أهل البيت ومعرفة حقهم دون إفراط أو تفريط122
رابعاً: حرصهم على نسب أهل البيت وغلظتهم على الأدعياء134
خصوصياتهم الدالة على مزيد كرامتهم139
أولاً: تشريف الله تعالى لهم بالصلاة عليهم تبعاً للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة وغيرها139
ثانياً: كل سبب ونسب مقطوع إلا سببهم ونسبهم139
ثالثاً: حرمة الصدقة عليهم واستحقاقهم الخمس141
إكرام الصحابة والمقتفين طريقهم لأهل البيت145
الدين مُقدّم على النسب149
أولاً: مؤمناً مستقيماً على الملة152
ثانياً: متبعاً للسنة النبوية الصحيحة153
صُحبة
صفحة مطبوعة 231 · ورقة PDF 231رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
النبي صلى الله عليه وآله وسلم مُقدمة على النسب165
ثبوت نسب أهل البيت171
لا يصح الانتساب إلى من لم يعقب175
الفصل الثاني: أهل البيت والغلاة وجهاً لوجه183
تعريف الغلو185
الغلو في الدين مهلكة189
الغلو حماقة وجهالة197
أهل البيت ضد الغلو والتقديس الزائف209
أولئك يلعنهم الله ويلعنهم أهل البيت!215
الخاتمة239
المراجع241
أولاً: مراجع أهل السنة والجماعة241
ثانياً: مراجع الشيعة الإثنا عشرية254
الفهرس263
الحاشية
داخل هذا الكتاب فقطالبحث في أهل البيت بين مدرستين

اكتب كلمتين أو أكثر لعرض النتائج داخل هذا الكتاب.

النسخة المصوّرة — أهل البيت بين مدرستينتمرير رأسي متصل