فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر
239.8 أسدروم، حافظ.
أولئك مبرؤون: بحث تأصيلي في نقض الشبهات المثارة حول بعض الصحابة... / حافظ أسدوم. ط1.- الكويت: مبرة الآل والأصحاب، 2014
439 ص؛ 24سم. (قضايا التويعة الإسلامية؛ 16)
رقم الإيداع: 203/ 2014
حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة
الطبعة الأولى
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
أولئك مبرؤون
بحث تأصيلي في نقض الشبهات
المثارة حول بعض الصحابة
طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه
الجزء الثاني
حافظ أسدرم
الباحث في مركز البحوث والدراسات بالمبرة
طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه - 2- الصحابة والتابعون - أ. العنوان - ب. السلسلة
1435هـ / 2014م
هاتف: 22560203 -22552340 فاكس: 22560346
E-mail: almabarrh@gmail.com
www.almabarrah.net
ردمك: 2-18-64-99966-978
ردمك: 2-18-64-999966-978
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| فهرس | |
|---|---|
| الموضوع | الصفحة |
| مقدمة المركز | 11 |
| مقدمة | 15 |
| منهج البحث | 20 |
| من هو طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه | 23 |
| اسمه وكنيته | 23 |
| ألقابه | 24 |
| مولده | 24 |
| صفته | 24 |
| زوجاته | 25 |
| أولاده | 26 |
| سيرة طلحة رضي الله عنه | 27 |
| إسلامه | 27 |
| طلحة والتعذيب في مكة | 31 |
| طلحة والصديق، القرينان | 33 |
| طلحة والهجرة إلى المدينة | 34 |
| طلحة وكعب بن مالك، والمؤاخاة لله ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ | 36 |
| طلحة والجهاد في سبيل الله | 37 |
| طلحة واستمرار الجهاد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم | 51 |
| مسك الختام: توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو راض عن طلحة! | 52 |
| طلحة في عهد الصديق رضي الله عنه | 53 |
| ثناء طلحة على الصديق | 53 |
| طلحة أحد قادة حرس المدينة | 54 |
| ثبات طلحة لم يكن في أحد فقط! | 54 |
| طلحة وتألف أهل البحرين | 56 |
| طلحة أحد أركان مجلس شورى أبي بكر | 57 |
| طلحة من سواعد الصديق | 57 |
| طلحة في عهد الفاروق، المستشار المؤتمن | 59 |
| قبل وقعة القادسية | 59 |
| خطبة طلحة في مشاورة وقعة نهاوند | 59 |
| تأييد طلحة لخروج عمر إلى خيبر | 61 |
| عضو مجلس شورى الفاروق | 61 |
| طلحة في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنهما | 62 |
| طلحة أحد أعضاء الشورى | 62 |
| طلحة أحد أعضاء المجلس القضائي لعثمان | 62 |
| طلحة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما | 63 |
| صدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد | 63 |
| من أخلاق طلحة بن عبيد الله | 64 |
| كرم طلحة رضي الله عنه | 64 |
| حلمه رضي الله عنه | 66 |
| ورعه رضي الله عنه | 67 |
| زهده رضي الله عنه | 67 |
| تواضعه رضي الله عنه | 68 |
| فطنته وذكاؤه وفراسته رضي الله عنه | 68 |
| فضائل طلحة بن عبيد الله | 70 |
| النصوص العامة الواردة في فضل طلحة | 70 |
| إن تسأل عن السبق إلى الإسلام، فطلحة أحد السابقين الأولين | 71 |
| وإن تسأل عن الهجرة فطلحة من كبار المهاجرين | 71 |
| وإن تسأل عن الجهاد فطلحة من أبطال المجاهدين | 74 |
| لقد رضي الله عن طلحة | 77 |
| لقد تاب الله عن طلحة | 78 |
| مناقب طلحة رضي الله عنه | 79 |
| طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة | 79 |
| ومبشر بالشهادة | 80 |
| رضا إلهي، ورضا نبوي!! | 81 |
| طلحة من البدريين وإن لم يشهد بدراً | 81 |
| مناقب طلحة يوم أحد | 82 |
| ثبات طلحة | 82 |
| وقاية طلحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده | 82 |
| ما كان بينه وبين أن يرفع إلى السماء إلا كلمتان | 83 |
| أوجب طلحة لما حمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم | 83 |
| طلحة ممن قضى نحبه | 84 |
| ما لم يثبت في مناقب طلحة | 86 |
| طلحة مبرؤ مما يقولون | 93 |
| الطعن في نسب طلحة | 95 |
| شبهات عن سيرة طلحة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم | 115 |
| دعوى عدم ثبات طلحة يوم أحد! وأنه أراد أن يتهود بعدها! | 115 |
| شبهة أن طلحة أراد الزواج بأم المؤمنين عائشة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم | 146 |
| فرية زواج طلحة بعائشة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم | 165 |
| طلحة وخلافة الصديق | 173 |
| طلحة وخلافة عمر بن الخطاب | 180 |
| هل وصف عمر طلحة بأن فيه زهواً وبأواً؟ | 189 |
| طلحة وخلافة عثمان | 206 |
| المقدمة الأولى: ملخص أحداث فتنة مقتل عثمان | 207 |
| المقدمة الثانية: موقف طلحة من عثمان قبل الفتنة وبعدها | 207 |
| المقدمة الثالثة: ضرورة تصفية الروايات التاريخية من أخبار الكذابين والوضاعين والغلاة | 209 |
| الأدلة على عدم صحة نسبة كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة | 213 |
| الشبهة الأولى: زعمهم أن طلحة كان من المؤلبين على عثمان | 235 |
| الشبهة الثانية: دعوى مشاركة طلحة في حصار عثمان | 243 |
| الشبهة الثالثة: دعواهم أن طلحة استولى على بيت المال في حصار عثمان | 273 |
| الشبهة الرابعة: دعوى أن طلحة كان يرامي أهل الدار | 281 |
| الشبهة الخامسة: دعواهم مشاركة طلحة في قتل عثمان رضي الله عنه | 284 |
| ما روي في مقتل طلحة | 300 |
| الشبهة السادسة: دعوى أن طلحة منع من دفن عثمان في مقبرة المسلمين | 311 |
| خلاصة في الرد على الشبهات المثارة عن علاقة طلحة بعثمان | 321 |
| طلحة وخلافة علي | 325 |
| ملخص ما وقع في خلافة علي من البيعة حتى وقعة الجمل | 326 |
| الشبهة الأولى: زعمهم أن طلحة نكث بيعة علي رضي الله عنه | 328 |
| الشبهة الثانية: أن طلحة تظاهر بالطلب بدم عثمان طلباً للخلافة والأموال! | 356 |
| الشبهة الثالثة: ما وقع بين طلحة والزبير وعثمان بن حنيف في البصرة (الجمل الأصغر) | 360 |
| الشبهة الرابعة: وقعة الجمل وتكفير طلحة رضي الله عنه | 372 |
| طلحة بن عبيد الله وآل البيت | 389 |
| موقف طلحة رضي الله عنه من آل البيت عليهم السلام | 389 |
| موقف آل البيت عليهم السلام من طلحة رضي الله عنه | 391 |
| موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه | 391 |
| موقف الحسن والحسين رضي الله عنهما | 397 |
| موقف أبي جعفر محمد بن علي الباقر وأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق | 399 |
| موقف بقية الآل | 401 |
| استشهاد طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وكرامته | 403 |
مقدمة المركز
الحمد لله رب العالمين. بتحميده يستفتح كل كتاب وبذكره يصدر كل خطاب.
وأصلي وأسلم على محمد عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وعلى آله وأصحابه أعلام الدجى، وأرباب الحجا، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد.
ففضيلة الصحبة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم، وكفى بها فضيلة، وجيل الصحابة خير جيل وطئ الثرى، جيل فريد لم تعرف البشرية له نظيراً عبر تاريخها الطويل. فما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء جيلاً يماثلهم في الفضل أو يدانيهم في العدل، فكل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة إلى يوم القيامة، فحظ الصحابة منه أكمل، وثوابهم فيه أجزل؛ لأنهم سنُّوا سُنن الخير، وافتتحوا أبوابه، وسابقوا إلى المكارم. ولو عُدَّدت مكارمهم، وفُسرت خواصهم، وحُصرت لملأت أسفارا، ولكلّت الأعين بمطالعتها حيارى.
وكانت نتيجة ذلك أن أثنى الله عليهم وأعلن رضاه عنهم قرآناً
يُتلى. فقال جل من قائل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾(1)
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾(2) .
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾(3) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معلناً خيريتهم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»(4) .
ونظراً لمكانة الصحابة ومنزلتهم وتقديراً لجهودهم وتضحياتهم، فقد نهى الرسولصلى الله عليه وآله وسلم عن سبهم أو الإساءة إليهم بأي وجه؛ فعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ»(5) .
ولذا فإن من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بيّن القرآن الكريم أن المؤمنين يدعون ربهم طالبين سلامة قلوبهم من الغل للذين آمنوا وعلى رأسهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾(6)
ومع ذلك فقد ابتلينا في زمننا هذا بمن يطعن فيهم أو يحاول النيل من مكانتهم والغض من منزلتهم، لزيف في عقله أو شك في قلبه، أو نقص في دينه، أو محاولة منه لإبطال الكتاب والسنة، وكما يقول الإمام أبو زرعة الرازي: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة؛ فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح به ألصق والحكم عليه بالزندقة والضلالة والكذب والفساد هو الأقوم الأحق»(7) .
فكان أن شمرنا عن سواعد الجد وخصصنا سلسلة من منشوراتنا
جعلناها بعنوان: «أولئك مبرؤون» لرد الشبهات التي قد تلحق بالصحابة زرافات ووحدانا حتى لا تهون مكانتهم ولا تنحسر منزلتهم، وحتى نعذر إلى ربنا ولا نترك الساحة فارغة لمن يطعن في الصحابة أو يبخسهم قدرهم، لعلنا نزيح عن ظهورنا طرفاً من ثقل الذنب الذي نشعر به، ونسقط عن كواهلنا شيئاً من فداحة الإثم الذي سيلاحقنا إن نحن صمتنا أمام تلك الهجمة الشرسة على حراس الدين وحملة الرسالة إلى العالمين؛ أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا ما يمكننا عمله وبخاصة في هذا الوقت وكما قال القائل:
| لا خيل عندي أهديها ولا مال | فليسعد النطق إن لم تسعد الحال |
|---|
نسأل الله أن تكون سلسلتنا هذه ميمونة مباركة تشفي العلة وتروي الغلة وتبطل الزيف وترد الحيف، وتبرأ ساحة الصحابة الأطهار عليهم سحائب الرحمة والرضوان.
مركز البحوث والدراسات
بمبرة الآل والأصحاب
مقدمة
إن الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾(8)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾(9) .
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾(10) .
أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وبعد:
فإن أحق الناس بأن تطهر ساحتهم مما يثار حولهم من الشبهات ويصفى تاريخهم من الشوائب التي ألصقت به، ويقدم إلى هذه الأمة
صافيا أبيض ناصعا، هم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين بذلوا دمائهم وأموالهم لنصرة دين الإسلام، والذين نقلوا القرآن والسنة إلى من جاء بعدهم من الأجيال، والذين ضربوا للبشرية أروع الأمثال في التضحية، والذين كانوا السبب في إسلام الملايين من الناس عبر التاريخ، والذين كانوا نواة أمة المليار مسلم، والذين خصهم الله سبحانه وتعالى في كتابه بآيات تثني عليهم، فقال عنهم سبحانه وتعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾(11) وقال عنهم: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(12) وغيرها من الآيات الصريحة الواضحة في مدحهم والثناء عليهم، حتى وصفهم الله تبارك وتعالى بأنهم خير أمة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾(13)
وخصهم النبيصلى الله عليه وآله وسلم بثنائه كثيرا حتى قال عنهم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»(14) ولما كان أفضل أصحاب النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، العشرةُ المبشرون بالجنة، كان حقاً علينا أن نتناول سيرتهم بالدراسة، وأن نقدم للناس صورة مشرقة عن تاريخهم، تلك الصورة التي حاول من أعمت الغشاوة أعينهم سترها وحجبها، حتى لا تصل الصورة الحقيقية الجميلة لتاريخ الصحابة إلى عامة المسلمين، خاصة من لا يعرف عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنهم أعداء آل البيت.
ولذا كانت هذه السلسلة المباركة التي اختارت لها مبرة الآل والأصحاب عنوانا جميلا وهو «أولئك مبرؤون»، هذه السلسلة التي يبتغى منها تصفية الأخبار التاريخية من الأكاذيب والموضوعات التي وضعها المغرضون من الرواة، وأصحاب الأهواء، من أجل تشويه تاريخ المسلمين، فكان الباكورة في الجزء الأول الذي خص ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم الصحابي المجاهد سمرة بن جندب، وأول مولود للأنصار في الهجرة الصحابي الجليل النعمان بن بشير، وسيف الإسلام الشجاع البطل خالد بن الوليد رضي الله عنهم جميعا، وها هو الجزء الثاني بين يديك، تشرفت بأن أكون صاحبه، وهو خاص بسيرة الشهيد السعيد، بطل يوم أحد، المبشر بالجنة، طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه وجمعنا به مع أصحاب النبيصلى الله عليه وآله وسلم في الفردوس.
وقد اخترت أن أخص طلحة بن عبيد الله بهذا الجزء، لأني لم أقف على دراسة مستقلة خاصة بالذب عن هذا الصحابي الجليل، وإنما تجد كلام أهل العلم عنه منثورا في كتب العقائد ضمن مبحث عدم الخوض فيما شجر بين الصحابة، أو عند التعرض لوقعة الجمل.
وهذا الصحابي الجليل الذي يعد أحد أبطال الإسلام، بل هو أحد المبشرين بالجنة، وسيد من سادات المهاجرين، كان أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين نالتهم كثير من سهام الطعن، التي تبدأ بسلبه مناقبه الكثيرة، وإلصاق التهمة الباطلة به، وصنع كثير من الافتراءات حول تاريخه، ولا تنتهي إلا عند تفسيقه بل تكفيره والحكم له بالخلود في النار وسوء الخاتمة والعياذ بالله، وأنت إذا تأملت السبب في ذلك لم تجده إلا بسبب الخلاف السياسي الذي وقع بينه وبين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، هذا الخلاف الذي وصل بالمسلمين إلى الاقتتال في وقعة الجمل وانتهى باستشهاد طلحة رضي الله عنه، وانتصار علي رضي الله عنه ومن معه من أصحابه. وإذا كان علي رضي الله عنه قد اعتبر هذا الخلاف وقتيا وظرفيا ولذلك ثبت عنه الثناء على طلحة والرد على من يطعن فيه من أصحابه، وسلك ابنه الحسن مسلك أبيه، فلم يمنعه ما وقع بين أبيه وبين طلحة أن يتزوج ابنته أم إسحاق، ولم يكفه ذلك حتى سمى ابنه منها طلحة، فإن عددا من الذين كانوا معدودين من أصحاب علي، خاصة ممن كان يغلوا في حبه وتعظيمه ظهر منهم انحراف عن طلحة وبقية الصحابة الذي كانوا معه في الجمل خاصة الزبير ابن عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فاعتقدوا فيهم غير ما اعتقده فيهم علي وأهل بيته، ثم أشاعوا عنهم الشبهات والافتراءات الكثيرة فيما بعد، وتلقفها منهم من كان على مثل ما عليهم من سوء الاعتقاد من الأخباريين، حتى صارت روايات تاريخية يستند إليها كل من أراد الطعن في أصحاب الجمل، دون أن يلتفت هؤلاء إلى ما ثبت عن علي من حسن الثناء على طلحة رضي الله
عنه، ودون الالتفات إلى سيرة آل البيت الذين كانوا يتناقلون عن علي أنه عامل أصحاب الجمل معاملة تخالف ما يذهب إليه هؤلاء من الطعن فيهم وتنقصهم، ودون دراسة نقدية لهذه الروايات لتمييز المقبول منها من المردود. ثم تطور الأمر ولم يقتصر على الطعن في طلحة بسبب يوم الجمل، بل ترقى هؤلاء إلى أن ينسبوا له المثالب والمعايب، ويسلبوه أعظم مناقبه، ويجعلونه من شرار هذه الأمة!!.
لذلك كانت الدراسة التي ابتغيت منها تبرئة طلحة من التهم الباطلة التي نسبت إليه، وبيان وجه الحقيقة فيما وقع منه مما هو مغفور في بحر حسناته.
وأثناء بحثي وتعريجي على البحوث المتعلقة بهذه الدراسة، وجدت الدكتور عبد القادر عطا صوفي قد تعرض لكثير من الشبهات المثارة حول طلحة رضي الله عنه في كتابه موسوعة الدفاع عن الصحابة(15) وأكثر مادة كتابي مستفادة منه، إلا أنه لم يستقص جميعها، بل تعرض لأهمها وأشهرها، فاستفدت منه كثيرا في هذا الكتاب، وذكرت بعض الشبهات التي لم يتعرض لها، وربما أضفت على أجوبته بعض الأمور التي لم يذكرها، وهذا لا يحط من قدر عمله ولا يرفع من قدر عملي، وذلك أن عملي كان منصبا على طلحة رضي الله عنه وحده، بينما كان عمله حول عشرين صحابياً جليلاً.
منهج البحث
بدأت الكتاب بترجمة وافية للصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، حاولت أن أستوعب فيها الروايات التاريخية المتعلقة بسيرته، بدءا بإسلامه وانتهاء بموقعة الجمل التي استشهد فيها، ثم أجلت الكلام عن وفاته لآخر الكتاب.
وقد حاولت أن أستعرض سائر الشبهات المثارة حول طلحة رضي الله عنه، ورتبتها على الترتيب الزمني، فبدأت بالشبهات المتعلقة بنسبه، ثم بسيرته مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بسيرته في خلافة الصديق، ثم بسيرته في خلافة الفاروق، ثم بسيرته في خلافة عثمان، ثم ختمتها بسيرته في خلافة علي، رضي الله عنهم جميعا، ثم ختمت الكتاب ببيان العلاقة الطيبة بين طلحة وآل البيت.
أما في خصوص جزئيات البحث، فقد سرت على المنهج التالي:
- في ترجمة طلحة، حاولت أن أعتمد ما أمكن الأخبار الصحيحة، وحين يتعلق الأمر بخبر تاريخي لا يترتب عليه عقيدة أو حكم من الأحكام الشرعية، تساهلت في حكاية الخبر ولم ألتزم الصحة.
-خصصت مبحثا لمناقب طلحة، جمعت فيه ما وقفت عليه من فضائله في الكتاب والسنة، واقتصرت على الأحاديث الصحيحة، ثم بعدها أفردت فصلاً لما لم يثبت من فضائل طلحة رضي الله عنه.
-التزمت توثيق الشبهات المثارة حول طلحة رضي الله عنه، من مظانها ثم
رددت عليها متبعا الخطة التالية:
1- النظر في أسانيد الخبر، والحكم عليها صحة أو ضعفا.
2-نقد الخبر من جهة المتن، ومناقشة دلالته، ثم بعد ذلك معارضته بغيره من الأخبار التي تثبت عدم صحة استدلال الخصم به.
3-محاولة توجيه الخبر في حالة الصحة وحمله على ما يليق بطلحة رضي الله عنه.
ولا يسعني في ختام هذه التقدمة، إلا أن أشكر مبرة الآل والأصحاب التي تبنت عملي المتواضع هذا، وتبنت هذا المشروع الكبير الذي يخدم التقريب الحقيقي بين طوائف الأمة، ثم أثني بالشكر لشيخنا الفاضل أبي عمر محمد سالم الخضر الذي تفضل علي بتوجيهاته المفيدة وتنبيهاته السديدة، فضلاً عن أنه كان صاحب فكرة الكتابة في هذا الباب.
ثم أتوجه بالشكر لشيخنا الفاضل علي التميمي على لفتاته اللطيفة في مراجعته للكتاب، ولا أنسى أيضا الشيخ الفاضل الباحث في مركز البحوث سائد صبحي قطوم فقد أفادني كثيرا باستدراكاته وتعقيباته العلمية، والشيخ الفاضل أبا فهر الذي تفضل بمراجعة مادة الكتاب وبعث إلي بملاحظاته واستدراكاته الطيبة، والحمد لله من قبل ومن بعد، فهو الذي كتب لي إتمام هذا الكتاب، فله الفضل التام والمنة الكاملة، وبالله التوفيق.
وكتب: حافظ أسدرم
من هو طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه
الكلام عن صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يُمل، فبذكرهم تطيب المجالس، فهم خير هذه الأمة، صحبوا خير الخليقة صلى الله عليه وآله وسلم وآمنوا به، وأحبوه وعزروه ونصروه، وآثروه على الأهل والأبناء، وهجروا من أجل دينه الأوطان والأحباب، وتركوا الأموال والديار، وفدوه بأنفسهم وأرواحهم، نصروا دين الإسلام وأعلوا كلمته، ونشروه في الآفاق، وصدق على يديهم قول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾(16) . وطلحة رضي الله عنه أحد هؤلاء، فهو من كبار المهاجرين، وموقفه يوم أحد ودفاعه عن النبيصلى الله عليه وآله وسلم معلوم مشهور سارت به الركبان، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وفضائله كثيرة، سنتعرفها من خلال عرض مفصل لسيرته، رضي الله عنه وجمعنا به يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
اسمه وكنيته
هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن
تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي(17) وكنيته «أبو محمد»(18) «يجتمع نسبه مع رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم في مرة بن كعب»(19) فهما أبناء عمومة.
ألقابه
ومن أساميه المشتقة من أحواله وأفعاله الخير والجود والفياض(20) ولقب بذلك لشدة كرمه وهذه أشهر ألقابه، وذكر أهل العلم أن له ألقابا أخرى كالصبيح المليح الفصيح(21) .
مولده
اختلف فيه على عدة أقوال: أرجحها أنه ولد قبل 15 سنة من البعثة(22) .
صفته
كان «أبيض يضرب إلى الحمرة، مربوعا(23) هو إلى القصر أقرب،
رحب الصدر، عريض المنكبين، إذا التفت التفت جميعا(24) ،ضخم القدمين»(25) وكان «رجلا آدم(26) كثير الشعر، ليس بالجعد القَطِط ولا بالسَّبْط(27) حسن الوجه، دقيق العِرْنَين(28) إذا مشى أسرع وكان لا يغير شعره»(29)
وكانت يده شلاء لأنه وقى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد(30) ، «وكان من أجمل الفتيان»(31) ، «رأته امرأة يوم دخل البصرة فقالت: من هذا الذي كأنه دينار هرقلي؟ وكان أشيب لا يغير شيبه»(32) .
زوجاته
كان لطلحة رضي الله عنه زوجات وأمهات أولاد، قال ابن السكن:
إن طلحة تزوّج أربع نسوة عند النبيّصلى الله عليه وآله وسلم أخت كل منهن:
أم كلثوم بنت أبي بكر أخت عائشة
وحمنة بنت جحش أخت زينب
والفارعة بنت أبي سفيان أخت أم حبيبة
ورقيّة بنت أبي أمية أخت أم سلمة(33)
ومن زوجاته:
خولة بِنْت القعقاع
سعدى بِنْت عوف
الجرباء أم الْحَارِث بِنْت قسامة بْن حنظلة
الفرعة بِنْت عليّ(34)
أولاده
لطلحة رضي الله عنه خمسة عشر من الولد، أحد عشر منهم ذكور وهم:
محمد السجاد وعمران وموسى ويعقوب وإسماعيل وإسحاق وزكريا ويوسف وعيسى ويحيى وصالح.
وأما الإناث فهن عائشة وأم إسحاق والصعبة ومريم(35) .
سيرة طلحة رضي الله عنه
إسلامه
إتفق أهل المغازي والسير على أن طلحة رضي الله عنه كان من السابقين إلى الإسلام(36) ، وقال المسعودي الإمامي(37) بعد أن ذكر إسلام عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقَّاص، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم على يد الصديق: «فهؤلاء النفر سبقوا الناس بالإيمان»(38) ، وذُكر في إسلام طلحة رضي الله عنه قولان:
الأول: دعوة أبي بكر الصديق رضي الله عنه له للإسلام، وقد اشتهر هذا بين أهل السير والمغازي(39) .
الثاني:
لقاؤه براهب في بصرى ذكر له قرب مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعاد إلى مكة فسأل أبابكر فدله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم(40)
قلت: والقول الأول أشهر، والثاني مستند إلى رواية يغلب على الظن عدم صحتها، ومفادها أن طلحة كان بسوق بصرى(41) وكان العرب يذهبون إليها للتجارة، وعادتهم إرسال الشباب لا الغلمان(42)
وعمر طلحة في ذاك الوقت خمس عشرة سنة، فيستبعد خروجه للشام للتجارة، مع أنه لو خرج لا بد له من رفقة، مع أن الثابت أن أهل مكة كانوا يذهبون للشام في قافلة تجارية(43) فكيف لا يكون بالسوق أحد سوى طلحة؟ ثم لو كان الأمر كما حكي في القصة أما كان على الراهب أن يختار أحد كبراء قريش ممن يمكنه تبليغ هذه الدعوة لعامة قريش! ثم أيقتصر على إبلاغ الخبر لطلحة دون بقية قريش؟.
ومما ينبغي الإشارة إليه أن مرتضى العاملي تناقض في الصحيح(!) من السيرة النبوية تناقضا غريبا حيث جعل هذه القصة من ضمن الأدلة على كون طلحة لم يسلم بسبب دعوة الصديق، مع أنه حكم على قصة لقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبحيرى الراهب في الشام بالكذب فقال: «رواية مكذوبة: ولكن جاء في رواية لأبي موسى الأشعري: أن بحيرى لم يزل يناشده حتى رده، وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزوده الراهب من الكعك والزيت وفي رواية: أن سبعة كانوا قد عزموا على قتله صلى الله عليه وآله وسلم، فمنعهم بحيرى، وبايعوا الرسول، وأقاموا معه. ولكن ذلك لا يمكن أن يصح: أولاً: لأن عمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان حينئذٍ اثنتي عشرة سنة، بل قيل: إن عمره كان حينئذٍ تسع سنين. وأبو بكر كان أصغر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر من سنتين، وبلال كان أصغر من أبي بكر بعدة سنين، تتراوح ما بين خمس إلى عشر،
حسب اختلاف الأقوال. فهل يمكن لأبي بكر، وهو بهذه السن أن يسافر إلى الشام، ثم يصدر الأوامر والنواهي في مهمات كهذه؟»(44)
فقد جعل من ضمن أدلته، أن عمر أبي بكر رضي الله عنه لا يسمح له بالسفر وإصدار الأوامر والنواهي، لكنه تغافل عن قضية السن حينما احتاج إلى نفي فضيلة الدعوة إلى الله عن أبي بكر الصديق فلم يشر لها بشيء، فقال: «وعن إسلام طلحة يقولون: إنه كان في بصرى، فسمع خبر خروج نبي اسمه أحمد في ذلك الشهر من راهب، فلما قدم مكة سمع الناس يقولون: تنبّى محمد بن عبد الله، فأتى إلى أبي بكر، فسأله فأخبره، ثم أدخله على رسول الله فأسلم، فأخذهما نوفل بن خويلد وقرنهما بحبل، فسميا القرينين. ولكن هذه الرواية كما ترى، لا تدل على أنه أسلم بدعوة أبي بكر إياه، بل هي في خلاف ذلك أظهر كما هو واضح، كما أنهم يذكرون رواية أخرى مفادها: أن طلحة ذهب بنفسه إلى رسول الله فأسلم، وأما أن أبا بكر وطلحة قد سميا القرينين فسيأتي أنه لا يصح أيضاً؛ وذلك ضعف آخر في هذه الرواية»(45) ، قلت ومتن الرواية كما تقدم فيه أن الراهب لما سأل هل في الموسم أحد من أهل الحرم ما أجابه أحد إلا طلحة رضي الله عنه، فكيف يتصدر طلحة على غيره من قريش للجواب في مثل هذه القضية العظيمة وهو بهذه السن! فأين مرتضى من هذا؟.
طلحة والتعذيب في مكة
حين جهر النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته وانتشرت الدعوة الإسلامية بمكة واشتهر أمرها، ودخل في الإسلام عدد كبير من أهل مكة وكان طلحة من أوائلهم، «قرر المشركون ألا يألوا جهدا في محاربة الإسلام، وإيذاء الدّاخلين فيه، والتعرّض لهم بألوان النّكال والإيلام، ومنذ جهر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة إلى الله، وعالن قومه بضلال ما ورثوه عن آبائهم؛ انفجرت مكة بمشاعر الغضب، وظلّت عشرة أعوام تعدّ المسلمين عصاة ثائرين، فزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، واستباحت في الحرم الآمن دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وجعلت مقامهم تحمّلا للضيم، وتوقّعا للويل»(46) ،وكان ممن نال نصيبا من الأذى والتعذيب، طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وكان ذلك من أقرب الناس إليه، أمه الصعبة بنت الحضرمي، وقد حكى مسعود بن حراش(47) ما تعرض له طلحة إبان إسلامه، فقال:«بينا أنا أطوف بين الصفا والمروة إذا أناس كثير يتبعون إنسانا فتى شابا موثقا يده إلى عنقه، قلت: ما شأنه؟ قالوا: هذا
طلحة بن عبيد الله صبأ، وامرأة وراءه تذمه وتسبه، قالوا: هذه أمه الصعبة بنت الحضرمي»(48)
ولك أن تتصور هذا الموقف المهين الذي تعرض له طلحة: فيده موثقة إلى عنقه وهذا نهاية الإذلال، فإذا انضم إلى ذلك اطلاع الناس عليه فتلك قمة الإهانة، فكيف إن كان الأمر في الطواف حيث يجتمع زوار البيت!! ويرى هذا كل أحد! بل بماذا أحس طلحة حينئذ وهو يرى أمه، أقرب الناس إليه ومن يفترض فيها أن تكون أحن وأرفق الناس به تسبه أمام الملأ؟ وقديما قيل:
| وظلم ذوي القربى أشد مضاضة | على المرء من وقع الحسام المهند |
|---|
ومع كل هذا يظل طلحة جبلاً صامداً، لا يتزحزح، ولايصده شيء عن الثبات على الإسلام فقد علم أن كل هذا الأذى الذي يلقاه أهون من أن يشرك بالله ما لا يضره ولا ينفعه، وأن ما سيلقاه يوم القيامة لو ضعف واستسلم وعاد إلى دين آبائه، أعظم من هذا الموقف الذي لو طال لاستمر سويعات أو أياما أو شهورا على أقصى تقدير!، فأين هذا من الخلود في النار، ولذا لما أيقن طلحة رضي الله عنه بصحة هذا الدين، و ترسخ في قلبه الإيمان باليوم الآخر، واستحضر ما أعده الله لمن صبر وثبت على هذا الدين، وما توعد به المشركين، آثر الآخرة على الدنيا، و
بقي صامدا بالرغم من التعذيب.
طلحة والصديق، القرينان
لم يقتصر الأذى الذي تعرض له طلحة على إذلاله أمام الناس، بل تعدى ذلك إلى تقييد حريته، ومنعه من عبادة ربه، ولكنه في هذه المرة كان شريكا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في هذا البلاء، وقد حكى ذلك ابنه عيسى بن طلحة فحكى «أن عثمان بن عبيد الله أخا طلحة بن عبيد الله قرن طلحة مع أبي بكر ليحبسه عن الصلاة ويرده عن دينه، وحرز يده مع يد أبي بكر في قد(49) فلم يرعهم(50) إلا وهو يصلي مع أبي بكر»(51) ، ولذلك قيل: إن طلحة والصديق سميا القرينين(52) وهذه الواقعة تبين إصرار قرابة طلحة على رده عن إيمانه، وعظم صبره وثباته، فضلا عن شجاعته، فالسب والشتم والإذلال يهون في سبيل الله. ولذا ما صده كل هذا عن السجود بين يدي الرحمن والتقرب إليه دون غيره من الأوثان والأصنام التي ما أنزل الله بها من سلطان.
طلحة والهجرة إلى المدينة
بعد أن يئس النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إسلام قومه وازداد أذى قريش للمسلمين حتى بلغ بهم الأمر إلى أن يخططوا لاغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أيام من هجرته، كان عدد من الصحابة قد هاجروا إلى يثرب موطنهم الجديد، وكان طلحة رضي الله عنه من الذين هاجروا وتركوا الأهل، وتخلوا عن الأموال والديار فرارا بدينهم، إلى مكان لا يمنعهم فيه أحد من عبادة الواحد الأحد، وذكر موسى بن عقبة أن طلحة خرج إلى الشام قبل أن يذهب إلى المدينة(53) والظاهر أنه خرج مهاجرا إلى المدينة أول الأمر ثم توجه للشام للتجارة، وكان عمره حينذاك ثمان وعشرين سنة، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم المدينة كان طلحة رضي الله عنه ممن تلقاه وكساه وأبا بكر رضي الله عنه ثياباً بيضاً(54) وكان هذا اللقاء بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخرار متوجها للمدينة، ثم مضى طلحة إلى مكة(55)
،وهذا بناء على قول من ذهب إلى الجمع بين هذه الرواية وما جاء في الصحيح من أن من فعل ذلك هو الزبير(56)
ويذكر أهل السير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلموأبا بكر قد تركا أهليهما في مكة، فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع ليأتيا بآل محمد، وبعث الصديق ابن عمه طلحة ليأتي بآل أبي بكر، فاصطحبهم طلحة جميعا إلى المدينة(57) ، وهذه الواقعة دليل واضح على العلاقة الطيبة والوثيقة التي كانت قائمة بين الصديق وطلحة رضوان الله عليهما.
طلحة وكعب بن مالك، المؤاخاة لله ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾(58)
بعد وصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة كان الصحابة حينها صنفين، المهاجرون والأنصار، «المهاجرون قوم تركوا في سبيل الله أموالهم وأراضيهم، فجاؤوا المدينة لا يملكون من حطام الدنيا شيئا، والأنصار قوم أغنياء بزروعهم وأموالهم وصناعتهم»(59) فآخى بينهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك أخوين في الله(60) وقد ظلت المودة والألفة قائمة بينهما، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(61) وقد تجلت هذه المودة حين كان كعب بن مالك يعاني من أكبر مصيبة حلت به، لما تخلف هو واثنان من الصحابة عن غزوة تبوك من غير عذر، فهجرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته لمدة خمسين يوما، ثم نزلت توبة الله عليهم في قوله جل شأنه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾(62) فلما بلغ
الخبر كعبا وجاء إلى المسجد للقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلقاه الصحابة بالتهنئة والسرور، غير أن طلحة عامله معاملة خاصة، فما إن رآه حتى هرول فرحا إلى أخيه كعب فصافحه وهنأه، مما ترك أثرا طيبا في قلب كعب عبر عنه بقوله: «والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة»(63) وهذا يدلك على أن طلحة ما نسي لكعب مواساته له لما اتخذه أخا وقاسمه داره وماله.
طلحة والجهاد في سبيل الله
في غزوة بدر
لم يشهد طلحة رضي الله عنه غزوة بدر، وذكر في سبب ذلك أمران:
الأول: أنه كان بالشام، وذهب الزبير بن بكار إلى أن سبب ذهابه إلى الشام هو التجارة(64) ، وروي عن عروة بن الزبير أنه قال: «كان (أي طلحة) بالشام فقدم، وكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سهمه، فضرب له بسهمه، قال: وأجري يا رسول الله؟ قال: «وأجرك» يعني يوم بدر»(65) .
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه وسعيد بن زيد للتجسس على عير قريش، فرجعا بعد قفول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بدر، فضرب لهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم
بسهامهما وأجرهما، فكانا كمن شهد بدرا(66)
وذهب الدكتور محمد العواجي إلى إمكانية الجمع بين القولين «بأن يكون طلحة وسعيد رضي الله عنهما كانا قد تجهزا للخروج إلى الشام للتجارة، وفي نفس الأمر يتحسسان خبر العير فلقيا أخبار العير فرجعا يخبران النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، لكنهما لم يدركاه بالمدينة، ثم حصل منهما طلب إشراكهما في الأجر والغنيمة، فتم لهما ذلك»(67) ومال إلى أن رواية الواقدي وابن إسحاق هي «الأقرب إلى الصواب من الناحية النظرية؛ لأن كثيراً من الصحابة كانوا غائبين عن المدينة وقت الوقعة ومع ذلك لم يقسم لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الغنيمة ولم يشركهم في الأجر، فكون طلحة وسعيد رضي الله عنهما لما خرجا في خدمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكأنهما من الجيش، لذلك أشركهما في الأجر»(68) قلت: وما استند إليه الدكتور محمد العواجي في الترجيح قوي،، وهذا ما مال إليه ابن حبان في السيرة حيث ذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج يريد اعتراض
عير قريش القادمة من الشام ثم «بعث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل على طريق الساحل إلى الحوران يتجسسان خبر العير»(69) وحوران أرض بالشام(70) وفي هذا دليل على أنهما كانا في جيش النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتجه إلى بدر، خلافا لمن قال إنهما كانا متجهين للشام للتجارة، مع أن رواية عروة لم يرد فيها ذكر التجارة فلعل الزبير بن بكار ظن أنهما ذهبا للتجارة لأن قريشا ما كانت تقصد الشام إلا للتجارة ولم يبلغه الخبر الآخر الذي فيه بيان سبب ذهاب طلحة وسعيد بن زيد إلى الشام. والله أعلم.
في غزوة أحد
لا يمر ذكر غزوة أحد في أي كتاب من كتب السيرة إلا ويذكر ما صنع فيها طلحة بن عبيد الله من بطولات، وما أظهره من شجاعة، وكيف استرخص نفسه وروحه وجوارحه من أجل حماية محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأبان طلحة يومئذ عن أنه من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أحب إليه من والديه وولده بَلْهَ نفسه، ومهما أثنى المؤرخون والكتاب على مواقف طلحة العظيمة يوم أحد، فإنه لا تبلغ أبدا ما أعد الله له من ثواب في الجنة، وكلما حاولت أن أتحدث عن بطولة طلحة يوم أحد، أجدني حائرا في ما أقدم وأؤخر! فهل أذكر ثباته مع كثرة من انهزم؟ أم أذكر قتاله بقوة أحد عشر رجلا من الأنصار، أم أذكر خوفه على النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أكثر من نفسه فما يلبث أن يأتيه من أمام حتى يعود إلى خلفه خشية أن يتأذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أم أذكر جراحه التي فاقت السبعين؟، أم أذكر يده التي شلت لما وقى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أم أذكر حمله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حين عجز عن القيام حتى أقامه؟.
ومختصر ما وقع في أحد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كان يعد العدة لالتقاء الفريقين، كان قد وضع جماعة من الرماة فوق جبل عرف فيما بعد بجبل الرماة، ليحموا ظهر الجيش إن رامت قريش أن تأتي المسلمين من خلفهم، وتلك خطة نبوية سديدة محكمة تنبيء عن قمة الحنكة والفطنة الحربية لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد أن التقى الجمعان، كان طلحة رضي الله عنه أحد أوائل المبارزين فقد حمل لواء قريش عدد من المشركين، وما إن يحمله أحدهم حتى يحمل عليه أحد فرسان الصحابة ليهزمه ويقتله، ولما حمله الجلاس بن طلحة قتله طلحة رضي الله عنه(71) ،ثم لم يلبث المشركون أن ولوا أدبارهم للمسلمين منهزمين لا يلوون على شيء، فاتبعهم المسلمون يقتلونهم ويجمعون ما تركوا من مغانم، وهنا حسب الرماة أن الأمر قد انتهى وأن المعركة قد حسمت، فتركوا أماكنهم غير متفطنين إلى أن معصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستؤدي إلى انقلاب المعركة رأسا على عقب، فما إن لمح خالد بن الوليد الرماة وهم يتركون الجبل حتى التف على الجبل وأتى المسلمين من ظهورهم وهم مقبلون على الدنيا، فاختلطت عليهم الأمور وانهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وهنا
أظهر عدد من الصحابة شجاعة وبسالة منقطعة النظير، وكان طلحة أحد هؤلاء الأبطال وقد جاء عن الصديق رضي الله عنه أنه قال عن يوم أحد:«ذاك كله يوم طلحة»، ثم قال: «كنت أول من فاء يوم أحد فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دونه، وأُراه(72) قال: يحميه، قال: فقلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلا من قومي أحب إلي»، وفي رواية: «لما صرف الناس يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كنت أول من جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فجعلت أنظر إلى رجل بين يديه يقاتل عنه ويحميه، فجعلت أقول: كن طلحة فداك أبي وأمي، مرتين(73) ثم قال الصديق: فانتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد كسرت رباعيته، وشج في وجهه وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «عليكما صاحبكما»، يريد طلحة، وقد نزف، إلى أن قال: ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار(74) فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر بين طعنة ورمية وضربة وإذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه»(75) وهذه الرواية تجمل بطولات طلحة يوم أحد،
وقد جاءت مفصلة في كثير من الروايات سنستعرضها من خلال ما يلي:
ثبات طلحة والمبايعة على الموت
لما جال الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثبت عدد من الصحابة، وكان طلحة رضي الله عنه أحدهم، والثبات في هذا الموقف الصعب والناس ينهزمون، من أبين الأدلة على شجاعة طلحة وقوة شخصيته، إذ أن العادة أن الفرد يتأثر بالجماعة خاصة في مواطن الخطر، وحين يشتد البأس، كما أن الفتنة إذا عمت هانت! لكن طلحة رضي الله عنه ثبت، وظل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهو يرى أن هذا بلاء نزل بالمسلمين جزاء عصيان طائفة منهم لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأخطار قد أحدقت بأُس الإسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والمشركون قد أتتهم أفضل فرصة للتخلص منه والقضاء على الدين، فكيف يترك محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يتعرض للقتل؟!، فثبت رضي الله عنه وجماعةٌ من الصحابة وبايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الموت(76) ،بل إن
طلحة ظل يقاتل حتى حين علم أن لا أحد يقاتل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سواه وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه(77) وبالرغم من أن هذا الموقف مظنة اليأس وانقطاع الأمل، لكن طلحة أبى إلا أن يثبت مبينا عن شجاعة وبأس شديد في القتال.
طلحة، حصن أمين
في خضم القتال تحلق جماعة من الصحابة ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقاتلون عنه، فكانوا يضطرون في بعض الأحيان إلى الابتعاد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمنازلة المشركين، سوى طلحة! فقد أتى بشيء عجيب انفرد به عن بقية الصحابة، فلم يكتف بعدم مفارقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو للحظة! بل لما أحس بالخطر يحوم حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم شكل من جسده درعا بشريا حصينا، فبدأ يدور على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكي يترس به نفسه ويحميه من أي خطر محتمل!! فكان نعم الحارس الأمين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم(78) .
شجاعة طلحة في القتال
عن جابر بن عبد الله قال: «لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ناحية في اثني عشر رجلا من الأنصار وفيهم طلحة بن عبيد الله فأدركه المشركون، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «من للقوم؟» فقال طلحة: أنا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كما أنت» فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله فقال: «أنت» فقاتل حتى قتل ثم التفت فإذا بالمشركين قال: «من للقوم؟» قال طلحة: أنا، قال: «كما أنت» فقال رجل من الأنصار: أنا فقال: «أنت»، فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقول ذلك ويخرج إليهم رجل من الأنصار فيقاتل قتال من قبله حتى يقتل حتى بقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطلحة بن عبيد الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من للقوم؟» فقال طلحة: أنا، فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه فقال: حس، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون ثم رد الله المشركين»(79) .ولنا وقفات عدة مع هذه الرواية:
استبقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لطلحة
ما السر وراء استبقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لطلحة حتى استشهد أحد عشر رجلا من الأنصار، مع أن طلحة كان مبادرا لصد المشركين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أهي محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لطلحة، فأراد أن يستبقيه؟ كما قد حكي عنه أنه قال للصديق في بدر: متعنا بنفسك يا أبا بكر، أم معرفته صلى الله
عليه وآله وسلم ببأس طلحة في الحرب وشدته وشجاعته ولذا استبقاه حتى بقي وحده فقاتل قتال الأحد عشر، أم أنه أراد لطلحة أن يستمد قوته من بسالة وشجاعة هؤلاء الأنصار؟، فعندما يرى أحد عشر رجلا يسقطون الواحد تلو الآخر من أجل الذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا شك أن هذا سيورثه قوة معنوية أكبر من القوة التي سيقاتل بها لو ابتدأ القتال!
رجل بقوة أحد عشر رجلا
بعد أن رأى أحد عشر رجلاً يستشهدون في سبيل الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما بقي إلا هو فقط، ولا أحد غيره، والمشركون مصممون على النيل من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأكثر المسلمين ابتلوا بالانهزام والتولي، لم يجد طلحة بدا من القتال، ولكن ليس أي قتال، لأنه يعلم أنه لو قاتل قتال من سبقه، لانتهى الأمر بأن يصل المشركون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه، فهنا أظهر طلحة شجاعة منقطعة النظير فقاتل قتالا أشد من قتال الأحد عشر من الأنصار، وبمثل قتال طلحة تنصر القلة على الكثرة، وما فعله طلحة مصداق لقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وقد نصر الله نبيه صلى الله عليه
وآله وسلم في هذا الموقف بطلحة فرد الله به كيد المشركين.
حتى لو قطعت يده
في خضم القتال، وطلحة ينازل المشركين يرد هذا ويدفع ذاك، تأتي ضربة على حين غرة وبعيدا عن سيف طلحة متجهة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فما يملك طلحة إلا أن يردها بيده، ليقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها، فتقطع أصابع طلحة وتشل يده، ولكن هذا عند طلحة أهون من أن يصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأذى، لتصير هذه اليد الشلاء وساما لطلحة وفضيلة من فضائله المشهورة يوردها المحدثون في باب مناقب طلحة(80) .
لو قال طلحة بسم الله! لرفعته الملائكة إلى السماء!
تلقى طلحة تلك الضربة، فما ملك نفسه إلا أن يقول حس(81) وهي كلمة تعبر عن رد فعل لا إرادي تجاه ما آذى الإنسان غفلة، فتقال من غير شعور، ولا لوم على طلحة في هذه الكلمة إذ أنها مما يدخل فيما لا طاقة للإنسان به وما لا يستطيع الإنسان التحكم به، ولذا قال له النبي صلى الله عليه وآله
وسلم: «لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون». وذلك أنه لو فعل وسمى الله حين تأذى سيكون قد بلغ حالة إيمانية تفوق بكثير تلك التي كان فيها! وتجعله يترقى إلى مرتبة سامية يستحق معها كرامة إلهية، وبشرى دنيوية يراها كل من شهد أحدا! فترفعه الملائكة إلى السماء والناس يشاهدون ذلك! لكن تلك المنزلة ما كانت من نصيب طلحة تلك الساعة.
طلحة ينتصر! ويفعل ما لم يفعله أحد عشر رجلا
لم تقتصر بطولة طلحة على مقارعة المشركين ومنعهم من الوصول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل تمكن من صد المشركين حتى انجفلوا وانقطعوا و«صعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون»(82) والتحق عدد من الصحابة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن ظنوا أنه قتل، وبذلك انتصر طلحة في هذه المعركة المصغرة في الوقت الذي هزم فيه المسلمون في المعركة الكبرى!
الجراح السبعين
وبعد أن التحق جمع من الصحابة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم الصديق وأبو عبيدة، وأحاطوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن صعد الجبل، كان طلحة قد تعب، وبلغ منه الجهد مبلغه، «وكان أشد نهكة من رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم»(83) وكان به بضع وسبعون جرحا بين ضربة سيف ورمية سهم وطعنة رمح(84) ما تركت مكانا من جسده(85) !،وكانت جراحه تنزف دما! ومع ذلك ظل صابرا محتسبا ولم ينقل عنه أنه توجع أو تألم أو غضب!، بل بقي جالسا في أحد الحفر حتى جاءه الصديق وأبو عبيدة وأسعفاه(86) وبقيت آثار هذه الجراح بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمد طويل، فقد ذكر موسى بن طلحة بن عبيد الله أنه رأى بطلحة أربعة وعشرين جرحا جرحها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(87) وهذا يدلك على مدى عظم صبر طلحة يومئذ مع عظم ما ابتلي به من ألم وأذى.
ومع كل الآلام يحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ظهره
بعد أن استعاد المسلمون تنظيم صفوفهم، وأحاط بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عصابة من الصحابة لحمايته، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهكا تعبا بعدما
تعرض له من أذى، وكان قد ظاهر(88) بين درعين، فأراد أن يجلس على صخرة بجبل أحد، فما استطاع لما كان به من الجراح، فما كان من طلحة إلا أن برك على ركبتيه حتى يتمكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصعود فوق ظهره، فصعد النبي الصخرة واستوى عليها.
لكل هذا أوجب طلحة واستحق الجنة
فقد أبلى أيما بلاء في هذا اليوم فقد قتل أحد حملة لواء المشركين في أول المعركة(89) ثم لما ابتلي المسلمون بالهزيمة ثبت وصمد، وبقي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقاتل أشد القتال وأبان عن شجاعة وعزيمة، وأظهر بأسا شديدا في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصرف عنه كيد أعدائه الذين أرادوا التخلص منه، وحمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكل جوارحه، وجرح في جميع جسده، وشلت يده، وأنهكه التعب حتى اضطر للاستلقاء في إحدى الحفر، وما إن استعاد شيئا من طاقته ورأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاجزا عن الجلوس على إحدى الصخور، أعانه على الجلوس عليها، لكل هذا ما إن استوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الصخرة حتى بشر طلحة ببشرى عظيمة فقال: «أوجب طلحة»(90) وفي رواية:
«أبشر يا طلحة بالجنة اليوم»(91) وفي رواية:«أوجب طلحة الجنة»(92) وقد فسر عدد من الشراح معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوجب طلحة أي أنه استحق الجنة(93) وفي ذلك يقول المقريزي: «وقاتل طلحة بن عبيد اللَّه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قتالا شديدا- حين انهزم عنه أصحابه وكرّ المشركون فأحدقوا به من كل ناحية- وصار يذب بالسيف من بين يديه ومن ورائه وعن يمينه وعن شماله: يدور حوله يترس بنفسه حول رسول اللَّه، وإن السيوف لتغشاه، والنبل من كل ناحية، وإن هو إلا جنة بنفسه لرسول اللَّه حتى انكشفوا، فجعل صلى الله عليه وآله وسلم يقول لطلحة: قد أوجب، وكان طلحة أعظم الناس غناء عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ»(94) فهنيئا لطلحة بهذه المكرمة.
ومما يؤثر عن طلحة من شعر في هذه المعركة قوله:
| نحن حماة غالب ومالك | نذب عن رسولنا المبارك |
|---|---|
| نصرف عنه القوم في المعارك |
| ضرب صفاح الكوم في المبارك(95) ( 95 ) |
ومما يؤثر عن حسان عن طلحة في أحد:
| وطلحة يوم الشعب آسى محمداً | على ساعة ضاقت عليه وشقت |
|---|---|
| يقيه بكفيه الرماح وأسلمت | أشاجعه تحت السيوف فشلت |
| وكان إمام الناس إلا محمداً | أقام رحا الإسلام حتى استقلت(96) ( 96 ) |
طلحة واستمرار الجهاد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم
بعد أحد لم يغب طلحة عن أي مشهد من مشاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فحضر جميع الغزوات، وفي آخر غزوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي تبوك كان طلحة ممن حمل مالا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من أجل تجهيز الجيش(97) ، وذكر بعض أصحاب السير أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما بلغه أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، وكان بيته عند جاسوم(98) ، يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة رضي الله عنه، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه، فأفلتوا(99) .
مسك الختام: توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو راض عن طلحة!
بعد أن اكتمل مسار الدعوة، وانتشر الإسلام في الجزيرة واشتهر أمره، ودنا أجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان طلحة ممن حظي بشهادة الرضا النبوي، وهو رضا غير الرضا العام الذي عم الله به المهاجرين والأنصار، بل هو رضا خاص يدل على خصوصية لهؤلاء الصحابة الذين خصهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الشهادة دون بقية الصحابة فكانت هذه الشهادة مسك الختام لصحبة طلحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودليلا على أن طلحة بن عبيد الله كان من الناجحين المتفوقين والمتخرجين من مدرسة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
طلحة في عهد الصديق رضي الله عنه
ثناء طلحة على الصديق
ظل طلحة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأيام كئيبا مغتما يعرف ذلك كل من نظر إلى وجهه، وكان عمر رضي الله عنهم قد لاحظ حزن طلحة فكلمه قائلا: ما لي أراك قد شعثت واغبررت منذ توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ لعلك ساءك يا طلحة إمارة ابن عمك؟ قال: معاذ الله، إني لأجدركم أن لا أفعل ذاك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها رجل عند حضرة الموت إلا وجد روحه لها روحا حين تخرج من جسده، وكانت له نورا يوم القيامة فلم أسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنها، ولم يخبرني بها، فذلك الذي دخلني، قال عمر: فأنا أعلمها، قال: فلله الحمد، قال: فما هي؟ قال: هي الكلمة التي قالها لعمه: لا إله إلا الله، قال طلحة: صدقت(100) .
وعند البحث في كتب التاريخ عن أعمال طلحة ومكانته بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستخلاف أبي بكر الصديق رضي الله عنه تجد أن طلحة رضي الله عنه كان له مكانة مهمة في خلافة الصديق تظهر من خلال المناصب والمسؤوليات التي تقلدها في هذه الفترة، وقفت منها على ما يلي:
طلحة أحد قادة حرس المدينة
كان طلحة رضي الله عنه أحد الصحابة الذين اعتمد عليهم الصديق رضي الله عنه في حراسة المدينة من مطامع المرتدين، فبعد أن انصرفت وفود قبائل المرتدين التي نزلت المدينة لمناقشة الصديق في قضية منع الزكاة، خشي أبو بكر أن يغري قلة عدد أهل المدينة بعض الوفود بالإغارة عليها لاستئصال بيضة الإسلام سيما أن كبار الصحابة كلهم كانوا بالمدينة حينها، فوضع الصديق خطة احتياطية محكمة لحماية المسلمين من غدر محتمل من هؤلاء، كان من ضمنها: أمر الصحابة بحراسة المدينة بعد أن جعلهم كتائب وأمَّر على كل كتيبة أحد الصحابة وكان طلحة أحد قادة إحدى الكتائب(101) .
ثبات طلحة لم يكن في أحد فقط!
بعد أن قرر الصديق قتال المرتدين توجه إلى ذي القصة من أجل أن يُجيش الناس للقتال، وأثناء الطريق أتاهم خارجة بن حصن الفزاري(102) في خيل، وهجموا على المسلمين وكان عدد المسلمين قليلا فاختاروا التحيز حتى تصل الأمداد، أما طلحة فصعد على مكان يشرف على المعركة وصاح بأعلى صوته مطمئنا المسلمين:
«لا بأس هذه الخيل قد جاءتكم فتراجع الناس وجاءت الأمداد وتلاحق المسلمون»(103) «فانهزم المشركون واتبعهم طلحة بْن عُبَيْد اللَّه التيمي فلحقهم بأسفل ثنايا عوسجة فقتل منهم رجلا وفاته الباقون فأعجزوه هربا»(104) «ورجع طلحة إلى أبى بكر، فأخبره أن قد ولوا منهزمين هاربين»(105)
في هذا الموقف الخطير أبان طلحة عن شجاعته المعهودة في القتال، فقد قرر أن يعرض نفسه للخطر بالصعود فوق مكان مشرف على المعركة، مع أن غالب المسلمين قرروا التحيز إلى مكان آمن، وقد فعل طلحة ذلك من أجل ثلاثة أمور مهمة:
الأول: أن يطمئن المسلمين إلى أن الخطر ليس كبيرا بل هو هين وبذلك تطمئن نفوسهم، فقد يسبق إلى ظنونهم أن المرتدين لما علموا بخروج الصديق لتجييش بقية المسلمين رأوا أن يباغتوا المسلمين، سيما أن الهجوم كان عن غفلة منهم فبذلك تطمئن قلوب المسلمين وترتفع معنوياتهم النفسية.
الثاني: أن يبلغ الخبر لبقية جيش المسلمين لكي يهبوا لنجدة إخوانهم.
وقد نجحت خطة طلحة في هذه المعركة فالتحق
جماعة من المسلمين بالقتال وانهزم المشركون، وفروا، وبالرغم من فرارهم إلا أن طلحة لحقهم وتمكن من أحدهم فأجهز عليه غير أنه ما لحق البقية لأنهم تمكنوا من الفرار والهرب!.
الثالث: الملفت للانتباه في هذه الواقعة أن طلحة لم يكن بكامل قواه الجسدية، لأنه كان منقوصا من قوة أحد أعضائه!! فطلحة رضي الله عنه كان مشلولا في إحدى يديه، ومعلوم أن الإنسان لا يستغني عن يديه في أمور حياته العادية! فكيف بالقتال الذي يحتاج فيه الإنسان إلى قوته الكاملة، هذا العائق لم يثن طلحة أبدا في المعركة بل كان مقداما ومتصدرا للقتال، وبذا تعلم أن الشجاعة سجية من سجايا طلحة لا تفارقه حين يحمي الوطيس، كيف لا وهو من تلاميذ مدرسة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنعم المدرس ونعم التلميذ.
طلحة وتألف أهل البحرين
ارتأى الصديق تألف أهل البحرين بعد أن أرسلوا إليه بعض رؤسائهم اقتراحا بأن يكفوه مؤونة أهل البحرين، بعد أن ظفروا على المرتدين مقابل حصولهم على خراج البحرين، وكان الواسطة بين الصديق وأهل البحرين في هذه المفاوضات طلحة بن عبيد الله والزبير، وجاء في بعض الروايات أن الصديق أبى قبول هذا الاقتراح في البداية ثم لما راجعه طلحة والزبير وافق على هذا الاقتراح(106) .
طلحة أحد أركان مجلس شورى أبي بكر
«لما أراد أبو بكر رضي الله عنه أن يجهز الجنود إلى الشام دعا عمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبا عبيدة بن الجراح ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم، فأشار عليه عثمان رضي الله عنهأشاأ بالمضي في القتال، وقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد وجميع من حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم: صدق عثمان فيما قال، ما رأيت من رأي فامضه «فإنا سامعون لك مطيعون لا نخالف أمرك، ولا نتهم رأيك ولا نتخلف عن دعوتك، فذكروا هذا وشبهه»(107) .
طلحة من سواعد الصديق
لما بعث الصديق الجيوش إلى الأمصار من أجل محاربة المرتدين ظل طلحة معه في المدينة مع جماعة من كبار الصحابة، كعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم(108) لمراقبة الأمور وإدارة المعركة، وحينما جاء رسول خالد بن الوليد من اليمامة يبشر أبا بكر بالنصر، كان طلحة في جماعة من كبار الصحابة كالفاروق وسعيد بن زيد ونفر من المهاجرين والأنصار ممن خرج مع الصديق لتلقي رسول خالد، فدل هذا على أن طلحة كان من الملازمين للصديق في
المدينة لمتابعة أخبار حروب الردة(109)
ومن خلال ما تقدم يتبين أن طلحة كان ذا دور مهم في خلافة الصديق فقد كان أحد القادة الذين نصبهم للدفاع عن المدينة، وأحد رسل الصديق إلى الأمصار، فضلا عن البطولة التي أبانها في وقعة ذي القصة، إضافة لملازمته للصديق بالمدينة لإبداء المشورة عند الحاجة ومساندة الصديق نفسيا في قتاله للمرتدين.
طلحة في عهد الفاروق، المستشار المؤتمن
بعد أن استلم الفاروق الخلافة وأكمل مسيرة الفتوحات، كان لطلحة رضي الله عنه مشاركة مهمة في الفتوحات سواء بالمشاركة الفعلية أو بإبداء الرأي والمشورة وقت الحاجة:
قبل وقعة القادسية
كان طلحة رضي الله عنه أحد قادة جيش المسلمين في القادسية فقد قلده الفاروق منصب قيادة المقدمة، وعندما عقد مشاوراته مع الصحابة في مسيره وقيادته للجيوش أو الإشراف على القيادة من المدينة، كان طلحة ممن أشار عليه بالمسير(110) .
خطبة طلحة في مشاورة وقعة نهاوند
بعد توالي انتصارات المسلمين أحس يزدجرد ملك الفرس بالخطر يدب إليه وبقرب انتهاء الإمبراطورية الفارسية، فأرسل إلى ولاته أمرا بإشغال الفاروق عن الوصول إليه، فأشار عليه بعضهم بأن الحل هو غزو المسلمين في بلادهم، فاجتمعت جيوش فارس لقتال المسلمين، فلما بلغ الخبر الفاروق جمع وجوه المهاجرين والأنصار ليستشيرهم في الأمر فكان طلحة أول المتكلمين في هذا المجلس و«كان من
خطباء قريش وذوي رأيهم ومن علية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا أمير المؤمنين، قد حنكتك الأمور، وجرستك الدهور، وعجمتك البلايا، وأحكمتك التجارب، فأنت ولي ما وليت، لا ننبو في يديك، ولا نخول عليك، فمرنا نطع، واحملنا نركب، وقدنا ننقد، فإنك مبارك الأمر، ميمون النقيبة، وقد أخبرت وخبرت وجربت، فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار»(111)
ولم يقتصر دور طلحة على إبداء الرأي في الأمور الحربية بل كان يحضر مشاورات الفاروق في بعض القضايا الشرعية، ومن ذلك قضية حد شارب الخمر بثمانين جلدة، فقد ذكر بعض المحدثين أن طلحة كان من ضمن الصحابة الذين أقروا عليا على تحديد حد شارب الخمر بثمانين جلدة بعد أن طلب الفاروق رأيهم في المسألة(112) .
تأييد طلحة لخروج عمر إلى خيبر
ذكر بعض المؤرخين أن اليهود لما ألبوا عَبيدا لمظهر بن رافع حتى قتلوه، وبلغ الخبر عمر بن الخطاب خطب في الصحابة مبلغا إياهم أنه خارج إلى خيبر وطارد لليهود منها، فقال طلحة رضي الله عنه: «قد والله أصبت يا أمير المؤمنين ووفقت» إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أقركم ما أقركم الله»، وقد فعلوا ما فعلوا بعبد الله بن سهل في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما حرضوا على مظهر بن رافع حتى قتله أعبده، وما فعلوا بعبد الله بن عمر، فهم أهل تهمتنا وظنتنا. فقال عمر رضي الله عنه: من معك على مثل رأيك؟ قال: المهاجرون جميعا والأنصار. فسر بذلك عمر رضي الله عنه»(113) .
عضو مجلس شورى الفاروق
كانت الحوادث والنوازل تستجد أثناء خلافة الفاروق، فيراجع فيها كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى رأسهم: المهاجرون، مثل طلحة والزبير وعلي وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عن الجميع، وجعل لهم عمر مجلسا بين المنبر والقبر في المسجد النبوي «فإذا كان الشيء يأتي عمر من الآفاق جاءهم فأخبرهم ذلك واستشارهم فيه»(114) ، فكان طلحة أحد أعضاء هذا المجلس وكان نعم المستشار.
طلحة في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنهما
طلحة أحد أعضاء الشورى
توفي الفاروق رضي الله عنه وترك أمر الخلافة إلى ستة من العشرة المبشرين بالجنة لكي يختاروا واحدا منهم، وهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم،لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي وهو راض عنهم، وعندما تشاور هؤلاء كان طلحة قد اختار أن يجعل أمره في عثمان بن عفان رضي الله عنه وانتهت المشاورات بتولي عثمان للخلافة(115) .
طلحة أحد أعضاء المجلس القضائي لعثمان!
في عصر عثمان لم يكن لطلحة مشاركة في الحروب والقتال بل كان مقيما بالمدينة قريبا من الخليفة، وكان عثمان إذا جاءه الخصمان، شكل مجلسا قضائيا مكونا من عدد من الصحابة، منهم: علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، ثم يقول لهم أشيروا علي، فإن قالوا ما يوافق رأيه أمضاه عليهما، وإلا نظر فيقومون مسلِّمين بالحكم(116) .
طلحة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما
صدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد
بعدما استشهد عثمان رضي الله عنه وقتل مظلوما بتدبير من أصحاب الفتنة، دب الخلاف بين المسلمين في الموقف من قتلته، فكان فريق منهم يرى المبادرة بالقصاص من قتلة عثمان، ويتزعمه طلحة والزبير وعائشة، بينما رأى فريق آخر تأخير القصاص إلى أن يستتب الأمن في دولة المسلمين وتقوى شوكة الخليفة، وكان هذا رأي علي رضي الله عنه، ثم نشب القتال في وقعة الجمل فاستشهد طلحة رضي الله عنه في هذه الموقعة وصدقت فيه نبوءة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين قال وهو على جبل حراء:«اسكن حراء فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد» وعليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم(117) .
من أخلاق طلحة بن عبيد الله
كرم طلحة رضي الله عنه
لعل من أشهر صفات طلحة رضي الله عنه كرمه، فقد كان رضي الله عنه من أغنياء الصحابة، وكان يشتغل بالتجارة من شبابه، فأول ما خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة توجه إلى الشام، ومعلوم أن الشام حينها كانت عاصمة تجارية، وما لبث فيها قليلا حتى عاد بعدما علم بقدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأهدى إليه ثيابا بيضا، لكنه بعد ذلك انشغل بالجهاد فلم يفته مشهد من مشاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا غزوة بدر، واستمر على ذلك في عهد الصديق ثم في عهد الفاروق، حيث رأى عمر رضي الله عنه أن يحتفظ بكبار أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كطلحة قريبين منه كي يأخذ برايهم فيما ينزل به من أمور، فتفرغ طلحة لاستثمار أمواله في التجارة والزراعة، ولذلك لم يكن بالمدينة لما طعن عمر لأنه كان في أمواله بالسراة(118) وقد بارك الله في أموال طلحة حتى صارت «غلته(119) كل يوم ألف واف»(120) لكنه لم يكن
يكدس الأموال ويحتفظ بها، بل كان يبذلها في سبيل الله، وقد حفظ لنا التاريخ مواقف مشرقة من بذله للمال، قالت زوجته سعدى بنت عوف المرية: «دخلت على طلحة بن عبيد الله يوما حائرا فقلت له: ما لي أراك حائرا أرابك شيء من أهلك فنعتبك؟ فقال: ما رابني منك ريب ولنعم حليلة المرء المسلم أنت، إلا أنه اجتمع في بيت المال مال كثير غمني. قالت: فقلت: وما يمنعك منه، أرسل إلى قومك واقسمه بينهم، قالت: فأرسل إلى قومه فقسمه بينهم، قالت سعدى: فسألت الخازن: كم كان؟ قال: «أربع مائة ألف»(121)
وعن الحسن البصري: «أن طلحة بن عبيد الله باع أرضا له بسبعمائة ألف فبات ليلة عنده ذلك المال، فبات أرقا من مخافة ذلك المال حتى أصبح ففرقه»(122) .
وفي رواية أن طلحة بن عبيد الله باع أرضا له من عثمان بن عفان بسبعمائة ألف، فحملها إليه، فلما جاء بها قال: «إن رجلا تبيت هذه عنده في بيته، لا يدري ما يطرقه من أمر الله، لغرير بالله، فبات ورسله
مختلف بها في سكك المدينة حتى أسحر وما عنده منها درهم»(123)
قلت: هذه نهاية الكرم وغايته، أن يفرق مثل هذا المال الكثير- الذي يتمنى كثير من الناس أن يحصل على ربعه- في يوم واحد! فصنيعه هذا جمع فيه بين الزهد في الدنيا والإنفاق في سبيل الله.
وكان رضي الله عنه يجزل في العطاء من غير مسألة، فعن قبيصة بن جابر قال: «صحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلا أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه»(124) ، ولا غرو أن ترى هذا الجود والسخاء من طلحة، فهو تلميذ من تلامذة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، تعلَّم من مجالسته ومصاحبته أن هذه الدنيا زائلة فانية، وأن ماله لن ينفعه في الدنيا كما سينفعه في الآخرة، فلذلك هان عنده إنفاق مثل هذه المبالغ الكبيرة في سبيل الله عز وجل.
حلمه رضي الله عنه
«كان رضي الله عنه من الحلماء، فإن الحلم هو احتمال الأذى وعدم
مقابلته بمثله، وعدم الفحش، ولم يكن ذلك من خلقه رضي الله عنه، فلم يرد عنه أنه سب أحدا، ولا شتمه ولا نال منه، ولا نفر يوما على أحد من أصحابه في حالة ولايتهم، ولا نازعهم في مناصبهم ولا نازع غيرهم على الدنيا رضي الله عنه وأرضاه»(125)
ورعه رضي الله عنه
«كان رضي الله عنه ورعاً متقشفاً وكان من أورع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى إنه كان يتورع عن الحلال، فإن الورع ترك الحرام وهو رضي الله عنه كان يترك ذلك حتى إنه كان يترك بعض الحلال، ومن أكبر ورعه خروجه من حقه في الخلافة خوفا من أن يقع في محظور إن وليها، فتركها تورعا ولم يردها»(126) .
زهده رضي الله عنه
«كان رضي الله عنه زاهداً في الدنيا، فإن الزهد في الدنيا هو إطراحها وعدم الاطلاع إليها، وكان رضي الله عنه غاية في ذلك، فإنه كان يتصدق بماله الذي يتحصل له من غلته، ومن أعظم زهده أن زهد في الخلافة ولم يردها، وترك حقه فيها لعثمان، وهذا غاية ما يكون من الزهد فإن حب الشرف أعظم من حب المال، وحب الرياسة أكبر فإنه أعظم ما في الدنيا وقد ترك ذلك رضي الله عنه»(127) .
تواضعه رضي الله عنه
«كان رضي الله عنه متواضعا جدا مبذلا لنفسه لا يحب رفعتها ولا سؤددها ولهذا لم يرد الخلافة والملك، ورد ذلك، وكان لا يحب الشهرة والذكر ولا يدخل نفسه في غالب أمور الناس.
قلت: وهذا والله أعلم هو السبب في عدم اشتهاره وذكره كغيره من الصحابة، وكان لا يدخل نفسه في الأمور التي يدخل فيها أصحابه من الأمور التي يحصل بها الشرف والرفعة، ولما ذكر له علم أبي هريرة، أقرَّ أنه لا يمتنع أن يكون أعلم منه لأنه كان يلزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر منه»(128) .
فطنته وذكاؤه وفراسته رضي الله عنه
«من أعظم ذكائه وفراسته، إشارته على أصحاب الشورى بالاتفاق
وأن يبذل كل واحد من الستة حقه للآخر، هذا من غاية الفراسة والذكاء، ثم أعظم من ذلك ذكاء وفراسة أن صاحبيه بذلا لعلي وعبد الرحمن بن عوف، وأما هو فإنما بذل حقه لمن أراده الله لها عثمان بن عفان، وهذا غاية ما يكون من الذكاء والفراسة وحسن النظر، والله أعلم»(129)
ولذا قربه الخلفاء الثلاثة إليهم للأخذ برأيه عند نزول الأمور العظام بالأمة، وقد تقدم أن عمر كان يرجع إلى مشورته، وأن عثمان جعله أحد الذين يرجع إليهم في القضايا.
في كتمانه التعبد رضي الله عنه
«كان رضي الله عنه محافظا على كتمان العبادة لا يحب إظهارها ولا التجاهر بها، قلت: وهذا والله أعلم هو السبب في أن غالب عباداته لم تنقل كما نقلت عن غيره من الصحابة، فإنه لم يكن يفعلها بحيث يراه الناس والله أعلم»(130) .
فضائل طلحة بن عبيد الله
طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه من أجلاء الصحابة، وتأتي مرتبته في الأفضلية بعد الخلفاء الأربعة، لأنه معدود في العشرة المبشرين بالجنة وهم أفضل هذه الأمة بعد الخلفاء الأربعة كما نص عليه جمع من أهل العلم(131) .
النصوص العامة الواردة في فضل طلحة
أثنى الله سبحانه وتعالى على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آيات كثيرة من كتابه، وزكاهم في ظواهرهم وبواطنهم وبشرهم بالفوز في الدنيا والآخرة، ومن يتأمل في النصوص الواردة في الثناء على الصحابة في القرآن، يجد أن مدارها على الإيمان والهجرة والجهاد، ولذا قرن الله بين هذه الثلاثة في غير ما موضع، فالإيمان أصل الدين، وما مكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأرض إلا بعد الهجرة، ثم بعد الهجرة نصر الله دينه بالجهاد، ولا شك أن النصوص العامة التي تمدح أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم تشمل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه لقدم إسلامه ولهجرته وجهاده، وسنحاول في هذا المبحث أن نستعرض بعض الآيات الواردة في هذا المبحث.
إن تسأل عن السبق إلى الإسلام،فطلحة أحد السابقين الأولين
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(132) ، هذه الآية وإن كانت عامة في جميع المهاجرين والأنصار إلا أن للسابقين منهم مزية وفضلا على غيرهم، وفي ذلك يقول الفيض الكاشاني: «ويكون سبب فضل الأوائل صعوبة قبول الإسلام، وترك ما نشئوا عليه في تلك الزمن، وسهولته فيما بعد استقرار الأمر وظهور الإسلام وانتشاره في البلاد، مع أن الأوائل سبب لاهتداء الأواخر إذ بهم وبنصرتهم استقر ما استقر، وقوي ما قوي، وبان ما استبان واللَّه المستعان»(133) .
وقد اتفق أهل السنة على تقدم إسلام طلحة ولا يخالف في ذلك أحد منهم، وتقدم أيضا نقل كلام المسعودي الإمامي في سبق طلحة إلى الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وعليه فطلحة رضي الله عنه بهذا النص القرآني أحد الصحابة الذين نالوا الرضى الرباني.
وإن تسأل عن الهجرة! فطلحة من كبار المهاجرين
أثنى الله عز وجل على المهاجرين في غير ما موضع من كتابه، فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا
وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾(134) وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾(135) يقول الطوسي: «هم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة و ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ بمعنى أوذوا في طاعتي وعبادتي، وديني. وذلك هو سبيل الله ﴿وَقَاتِلُوا﴾ يعني في سبيل الله ﴿وَقُتِلُوا﴾ فيها ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ يعني لأمحونها عنهم، ولأتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي، ولأغفرنها لهم. وذلك يدل على أن إسقاط العقاب تفضل على كل حال. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا﴾ يعني جزاء لهم على أعمالهم ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ معناه أن عنده من حسن الجزاء على الأعمال ما لا يبلغه وصف واصف مما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر»(136)
وقال جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾(137) ويقول جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾(138) وقال عز من قائل: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون﴾(139) وقال أيضا: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون﴾(140) ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ
هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيم﴾(141)
فقد وصف الله عز وجل المهاجرين بصدق الإيمان، وأنهم أحق الناس بوصف الإيمان الحق! وعظم درجتهم عنده، وذكر مغفرته لذنوبهم، وبشرهم بالفوز في الدنيا والآخرة، فزكاهم في ظواهرهم وبواطنهم. وطلحة بن عبيد الله من المهاجرين بإجماع طوائف الأمة، فهو ممن يتناوله هذا الثناء العام على المهاجرين، ولو ما كان لطلحة من الفضل غير الهجرة لكفاه ذلك شرفا مع هذا الثناء العطر الوارد في المهاجرين، فكيف إذا اجتمع هذا إلى بقية فضائله؟.
وقد جاءت في السنة النبوية أحاديث كثيرة في فضل الهجرة، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمرو بن العاص: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان
قبلها؟»(142) وعن أبي فاطمة أنه قال: يا رسول الله، حدثني بعمل أستقيم عليه وأعمله، قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «عليك بالهجرة، فإنه لا مثل لها»(143) وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد أوجه التقديم في إمامة الصلاة قِدم الهجرة فقال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء، فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فليؤمهم أكبرهم سنا»(144)
وإن تسأل عن الجهاد فطلحة من أبطال المجاهدين
الجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال، والآيات التي تثني على الجهاد والمجاهدين في سبيل الله كثيرة جدا، وقد تقدم عدد من الآيات في فضل المهاجرين في المبحث السابق، حيث قرن ذكر الجهاد مع الهجرة وهذا دليل على فضله العظيم، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾(145) فذكر أن المجاهدين أفضل من القاعدين،وقد جعل الملك جل شأنه خروج المسلم إلى الجهاد علامة على إيمانه فقال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾(146) .
وجعل الجهاد من علامات صدق الإيمان فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾(147) .
وجعل كراهة الخروج إلى الجهاد صفة من صفات المنافقين، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾(148) وقال : ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾(149) .
ووعد المجاهدين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخير والفلاح فقال: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(150) وقال: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾(151) ووعد المجاهدين بالهداية فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾(152)
وبشر المجاهدين بالفوز العظيم فقال: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾(153) .
أما فضل الجهاد في السنة فالأحاديث في فضل الجهاد والمجاهدين كثيرة ومتواترة أفردها عدد من الأئمة في مصنفات مستقلة فضلا عما ورد في أبواب الجهاد في الكتب الستة وغيرها(154) ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور»(155) وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» قال: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل
الله»(156) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله»، قالوا: ثم من؟ قال: «مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله، ويدع الناس من شره»(157) وغيرها كثير(158)
فبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الجهاد من أفضل الأعمال، وأن المجاهدين من أفضل الناس، قد ذكرنا أن طلحة رضي الله عنه قد شهد جميع المشاهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوى بدر، وقد ضرب له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسهم أهل بدر، وشهد له بأن له أجر من شهدها، لأن كان يترصد عير قريش بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما رجحنا سابقا.
لقد رضي الله عن طلحة
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾(159) ولا أحد يخالف في أن طلحة رضي الله عنه كان أحد الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة(160) فهو مشمول بهذه الشهادة الربانية الصريحة بأنه ممن رضي الله عنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «لا يدخل النار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها»(161) وقال صلى الله عليه
وآله وسلم مخاطباً من بايعه في الحديبية: «أنتم خير أهل الأرض»(162) وعن جابر، أن عبدا لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشكو حاطبا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية»(163) وكل هذه الفضائل ثابتة لطلحة رضي الله عنه.
لقد تاب الله عن طلحة
قال تعالى: ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾(164) ، والمقصود بساعة العسرة هي غزوة تبوك(165) ، وهي آخر غزوات النبيصلى الله عليه وآله وسلم وطلحة ممن حضرها بلا خلاف، فهو من الذين تاب الله عليهم بنص القرآن.
مناقب طلحة رضي الله عنه
طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة
اشتهر عند العلماء والمحدثين أن طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة، فلا يمر ذكره في كتاب من كتب التراجم من دون ذكر هذه المنقبة العظيمة التي اختص بها كبار الصحابة، وأي فضل أعظم من أن يذكر طلحة مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وأبي عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد رضي الله عنهم، «أفضل قريش، وأفضل السابقين المهاجرين، وأفضل البدريين، وأفضل أصحاب الشجرة، وسادة هذه الأمة في الدنيا والآخرة»(166) ، ولذا قال ابن عبد الهادي:«وقد تواترت الشهادة للعشرة بالجنة عن الأمة تواترا يفيد القطع لمن تأمله عند الخاص والعام»(167) .
روى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة والزبير في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وتاسع المؤمنين في الجنة لو شئت أن أسميه لسميته، قال: فضج أهل المسجد يناشدونه يا صاحب رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم من التاسع؟ قال: ناشدتموني بالله، والله عظيم أنا تاسع المؤمنين، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، العاشر، ثم أتبع ذلك يمينا، قال: والله لمشهد شهده رجل يغبر فيه وجهه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أفضل من عمل أحدكم، ولو عمر عمر نوح»(168)
ومبشر بالشهادة
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان على حراء هو وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اهدأ فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد»(169) .
حُق لهذا الجبل أن يهتز وقد صعده النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وجبال الصحابة!
ومعلوم أن الصديق هو أبو بكر فهو الذي اختص بهذا الوصف دون بقية الصحابة وأما البقية فقد استشهدوا ومنهم طلحة.
رضا إلهي، ورضا نبوي!!
لما قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أوص يا أمير المؤمنين استخلف، قال: «ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راض، فسمى عليا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعداً، وعبد الرحمن»(170) .
أقول: هنيئا لطلحة بهذه المنقبة العظيمة، فهو لم ينل الرضا الرباني وحده بل الرضا النبوي أيضا، وهذا دليل على أنه كان مرضي السيرة والسريرة.
طلحة من البدريين وإن لم يشهد بدراً
اتفق أهل السير على ذكر طلحة في عداد أهل بدر مع اتفاقهم على أنه رضي الله عنه لم يشهدها، وذلك للحديث الذي يروى عن عروة بن الزبير أنه قال:«كان (أي طلحة) بالشام فقدم، وكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سهمه، فضرب له بسهمه، قال: وأجري يا رسول الله؟ قال: «وأجرك» يعني يوم بدر»(171) ، وقد ذكر طلحة ضمن البدريين موسى بن عقبة(172) ، وابن إسحاق(173) والواقدي(174) وغيرهم.
مناقب طلحة يوم أحد
سبق أن استعرضنا مواقف طلحة يوم أحد، فطلحة أحد أبطال تلك الملحمة وقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثناء عظيما في ذاك اليوم، وسنعيدها هنا:
ثبات طلحة
عن أبي عثمان، قال: «لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، غير طلحة وسعد عن حديثهما»(175) .
وقاية طلحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده
عن قيس، قال: «رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد»(176) .
وعن الشعبي قال: «أصيب يوم أحد أنف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورباعيته، وزعم أن طلحة وقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده فضرب فشلت أصابعه»(177) .
ما كان بينه وبين أن يرفع إلى السماء إلا كلمتان
عن جابر بن عبد الله قال: لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ناحية في اثني عشر رجلا من الأنصار وفيهم طلحة بن عبيد الله فأدركه المشركون، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «من للقوم؟» فقال طلحة: أنا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كما أنت» فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله فقال: «أنت» فقاتل حتى قتل، ثم التفت فإذا بالمشركين، قال: «من للقوم؟» قال طلحة: أنا، قال: «كما أنت» فقال رجل من الأنصار: أنا، فقال: «أنت»، فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقول ذلك ويخرج إليهم رجل من الأنصار فيقاتل قتال من قبله حتى يقتل حتى بقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطلحة بن عبيد الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من للقوم؟» فقال طلحة: أنا، فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه فقال: حس، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون»، ثم رد الله المشركين(178) .
أوجب طلحة لما حمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قد بشر طلحة رضي الله عنه بالجنة في غير حديث العشرة، فقد قال له النبي رضي الله عنه يوم أحد: «أوجب طلحة»(179) وقد ذكرت أن
معنى هذا الحديث أن طلحة استحق الجنة لما أظهره من شجاعة وبأس في القتال، ولأنه حمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ظهره على الرغم من الجراح والآلام التي كانت به.
طلحة ممن قضى نحبه
قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾(180) ، وقد عُد طلحة من هؤلاء الذين قضوا نحبهم.
عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر، فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أين السائل عمن قضى نحبه؟ قال الأعرابي: أنا يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا ممن
قضى نحبه(181)
قال المباركفوري: «قال في النهاية النحب، النذر كأنه ألزم نفسه أن يصدق أعداء الله في الحرب فوفى به، وقيل: النحب الموت كأنه يلزم نفسه أن يقاتل حتى يموت... وعلى المعنيين يحمل قوله سبحانه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ ، فعلى النذر أي: نذره فيما عاهد الله عليه من الصدق في مواطن القتال والنصرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى الموت أي: مات في سبيل الله، وذلك أنهم عاهدوا الله أن يبذلوا نفوسهم في سبيله فأخبر أن طلحة ممن وفى بنفسه أو ممن ذاق الموت في سبيله وإن كان حيا»(182) .
قلت: وفي هذا الحديث تزكية لصدق إيمان طلحة رضي الله عنه.
و«هذا مع ما كان فيه من الزهد والورع والدين والصلاح، وأفعال البر من الصلاة والصدقة والصيام والعتق وما شابه ذلك من الأفعال التي لو انفرد أحدها لكان فضيلة تامة، فما بالكم بمجموعها؟»(183) .
ما لم يثبت في مناقب طلحة
وردت روايات ضعيفة وموضوعة في فضل طلحة منها:
عن طلحة قال: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رآني قال: سلفي في الدنيا وسلفي في الآخرة»(184) عن طلحة قال: «لما كان يوم أحد جعلت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمعلى ظهري حتى استقل، وصار على الصخرة، واستتر من المشركين، فقال: «هكذا» وأومأ بيده إلى وراء ظهري: «هذا جبريل؛ أخبرني أنه لا يراك يوم القيامة في هول إلا أنقذك منه»(185) عن أبي هريرة قال: تذاكرنا يوم أحد، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي، فلما فرغ وانصرف من صلاته التفت إلينا، فقال: «ألا أخبركم عن يوم أحد؟ لقد رأيتني وما معي
إلا جبريل عن يميني، وطلحة عن يساري»(186) عن علي بن أبي طالب، قال: «سمعت أذني من في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: «طلحة والزبير جاراي في الجنة»(187)
5- عن الزبير بن العوام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهم إنك باركت لأمتي في صحابتي فلا تسلبهم البركة، وباركت لأصحابي في أبي بكر فلا تسلبه البركة، واجمعهم عليه ولا تثر أمره فإنه لم يزل يؤثر أمرك على أمره. اللهم وأعن عمر بن الخطاب، وصبر عثمان بن عفان، ووفق عليا، واغفر لطلحة، وثبت الزبير(188) ، وسلم سعداً، ودثر عبد الرحمن، وألحق السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان»(189) .
6- عن زيد بن أبي أوفى قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسجد المدينة، فجعل يقول: «أين فلان؟ أين فلان؟» فلم يزل يتفقدهم، ويبعث إليهم، حتى
اجتمعوا عنده، فقال: إني محدثكم بحديث، فاحفظوه وحدثوا به من بعدكم، إن الله تبارك وتعالى اصطفى من خلقه خلقا، ثم تلا هذه الآية، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾(190) خلقا، قد خلقهم للجنة، وإني أصطفي منكم من أحب أن أصطفيه، ومواخ بينكم كما آخى الله بين الملائكة، قم يا أبا بكر... ثم دعا طلحة والزبير، فقال: «ادنوا مني» فدنوا، فقال: «أنتما حواري، كحواري عيسى ابن مريم» ثم آخى بينهما(191)
7- عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: لما طعن عمر بن الخطاب وأمر بالشورى، دخلت عليه حفصة ابنته، فقالت: يا أبت، إن الناس يقولون: إن هؤلاء القوم الذين جعلتهم في الشورى ليس هم برضى؟ فقال: أسندوني، فأسندوه، وهو لما به، فقال: ما عسى أن يقولوا في عثمان؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يوم يموت عثمان تصلي عليه ملائكة السماء»...ما عسى أن يقولوا في طلحة؟ رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد سقط رحله في ليلة قرة، فقال: «من يسوي رحلي وله الجنة؟» فابتدر طلحة الرحل، فسواه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
«لك الجنة علي يا طلحة غدا»(192)
8- عن عبادة بن الصامت قال: خلوت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: أي أصحابك أحب إليك حتى أحب من تحب كما تحب؟ قال: «اكتم علي يا عبادة حياتي». فقلت: نعم، فقال: «أبو بكر، ثم عمر، ثم علي»، ثم سكت فقلت: ثم من يا نبي الله؟ قال: « من عسى أن يكون بعد هؤلاء إلا الزبير، وطلحة، وسعد، وأبو عبيدة، ومعاذ، وأبو طلحة، وأبو أيوب، وأنت يا عبادة، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وابن مسعود، وابن عوف، وابن عفان، ثم هؤلاء الرهط من الموالي: سلمان، وصهيب، وبلال، وسالم مولى أبي حذيفة، هؤلاء خاصتي، وكل أصحابي علي كريم حبيب إلي، وإن كان عبداً حبشياً»(193) .
9- عن علي قال: قالوا:
أخبرنا عن طلحة. فقال: ذلك امرؤ نزلت فيه آية من كتاب الله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾ طلحة ممن قضى نحبه لا حساب عليه فيما يستقبل(194)
10- عن عبد الرحمن بن عوف: قال: كلم طلحة بن عبيد الله عامر بن فهيرة بشيء، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يا طلحة، فإنه شهد بدرا كما شهدته(195) ، وخيركم خيركم لمواليه»(196) .
11- عن جابر بن عبد الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر
إلى طلحة بن عبيد الله»(197)
12- عن ثور بن مجزأة، قال: «مررت بطلحة بن عبيد الله يوم الجمل وهو صريع في آخر رمق، فوقفت عليه فرفع رأسه، فقال: إني لأرى وجه رجل كأنه القمر، ممن أنت؟ فقلت: من أصحاب أمير المؤمنين علي، فقال: ابسط يدك أبايعك، فبسطت يدي وبايعني، ففاضت نفسه، فأتيت عليا فأخبرته بقول طلحة، فقال: الله أكبر الله أكبر صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبى الله أن يدخل
طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه»(198)
أقول: غالب ما ورد في هذه الأحاديث ثابت في الأحاديث الصحيحة ككون طلحة من أهل الجنة وكونه ممن قضى نحبه، وكونه مبشرا بالشهادة، ولكن في الصحيح غنية عن الضعيف.
طلحة مبرؤٌ مما يقولون
لم يسلم طلحة رضي الله عنه من اعتداءات المعتدين والحاقدين على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد نالته سهامهم المسمومة، وتكلموا فيه رضي الله عنه بكل باطل، ومنشأ هذه الهجمة الشديدة على طلحة هو الخلاف الذي كان بينه وبين علي رضي الله عنه في قضية القصاص من قتلة عثمان، وما جرى بعد ذلك من الفتنة والقتال، فاتخذ هؤلاء هذا الخلاف سلما إلى الطعن في طلحة وسلبه كل فضيلة، بل وصل بهم الأمر إلى إخراجه من الإسلام والحكم بكفره وخلوده في النار، بعد أن اختلقوا ما لا يعد من الأكاذيب والمطاعن عليه، وما كفاهم ذلك حتى ترقوا إلى الطعن في نسبه، وسنحاول أن نبين شيئا من جناية وتعدي المبغضين للوئام بين الآل والأصحاب، حين نبين بطلان شبهاتهم، و العلاقة الطيبة التي جمعت بين طلحة وعلي وذريتهما حتى بعد ما كان بينهما من الخلاف مما يبين براءة آل طلحة وآل علي من الأحقاد والأضغان، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾(199) وكما قال جل شأنه: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(200)
وقد ارتأيت أن أقسم الشبهات المثارة حول طلحة تقسيما تاريخيا أتبع فيه الخطة التالية:
الطعن في نسب طلحة بن عبيد الله.
شبهات عن سيرة طلحة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
طلحة وخلافة الصديق.
طلحة وخلافة الفاروق.
طلحة وخلافة عثمان.
طلحة وخلافة علي.
ثم أختم هذه الشبهات ببيان العلاقة الطيبة التي كانت قائمة بين طلحة وآل البيت لكي تكون دليلا على أن ما يدعى من وجود العداوة بينهما لا حقيقة له في الواقع وبالله التوفيق.
الطعن في نسب طلحة رضي الله عنه
مما يدل على تجني وظلم أعداء طلحة وغاية بعدهم عن إنصاف مخالفيهم، طعنهم في نسب طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وأول من نطق بهذا البهتان هو هشام بن محمد بن السائب الكلبي في كتاب مثالب العرب وقد طعن في نسب طلحة من جهة أبيه وأمه:
روى الكلبي عن أبيه محمد بن السائب: «كان ممن يلعب به(201) ويتخنث عبيد الله(202) أبو طلحة»(203) وقال
في أمه: «وأما صعبة(204) فهي بنت الحضرمي كانت لها راية بمكة فاستبضعت(205) بأبي سفيان فوقع عليها أبو سفيان، وتزوجها عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، فجاءت بطلحة بن عبيد الله لستة أشهر، فاختصم أبو سفيان وعبيد الله في طلحة فجعلا(206) أمرهما إلى صعبة فألحقته بعبيد الله، فقيل لها: كيف تركت أبا سفيان؟ فقالت يد عبيد الله طلقة، ويد أبي سفيان كرة(207) وقال في مكان آخر «وإنما غضب أبو سفيان لأن أم طلحة كانت عند أبي سفيان، وكان بعض الناس ينسبه إليه»(208) وكل من طعن في نسب طلحة إنما نقل من الكلبي كابن طاووس(209) والحلي(210)
والصيمري(211) والتستري(212) والمجلسي(213) وغيرهم(214)
وقد نسبوا الكلبي إلى أهل السنة، فقال ابن طاووس عنه تارة بأنه من علمائهم(215) وتارة بأنه من رجالهم(216) ، أما الحلي فزعم أنه من «من علماء الجمهور»(217) .
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: النظر في صحة الدعوى والجواب بالطعن في ثبوت الدعوى وذلك من طرق:
الطريق الأول: أن يقال إن كون هشام بن محمد الكلبي وأباه من أئمة الكذب والافتراء على الآل والأصحاب معلوم مشهور، أما أبوه فقد كذبه غير واحد من أهل الحديث، وهذه بعض أقوالهم:
قال ليث بن أبي سليم: بالكوفة كذابان: الكلبي والسدي.
وقال قرة بن خالد: كانوا يرون أن الكلبي يزرف، يعني يكذب.
قال يحيى بن معين: ليس بشيء.
وقال البخاري: تركه يحيى بن سعيد وابن مهدي.
وقال أبو حاتم: الناس مجمعون على ترك حديثه لا يشتغل به، هو ذاهب الحديث.
وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه.
وقال علي بن الجنيد، والحاكم أبو أحمد، والدارقطني: متروك
قال الحاكم أبو عبد الله: روى عن أبي صالح أحاديث موضوعة .
ولذا قال ابن حبان: وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه .
ومن أكاذيبه على الآل ما ذكره عنه يعلى المحاربي قال: أما الكلبي فكنت أختلف إليه فسمعته يقول يوما: «مرضت مرضة فنسيت ما كنت أحفظ فأتيت آل محمد فتفلوا في في فحفظت ما كنت نسيت. فقلت: والله لا أروي عنك شيئا، فتركته»(218) .
أما ابنه:
فقد قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: «إنما كان صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحدا يحدث عنه».
وقال الدارقطني، وَغيره: متروك .
وقال ابن عساكر: ليس بثقة .
هذا قول نقاد الحديث ورأيهم في الكلبي وأبيه!
وحتى أهل الأدب ممن له خبرة بكلام العرب قد شهدوا بكون هشام الكلبي
ممن يخترع الأخبار ويصنعها.
قال الجاحظ بعد ذكر جماعة من خطباء بني هاشم: «هؤلاء كانوا أعلم بقريش وبالدولة وبرجال الدعوة، من المعروفين برواية الأخبار. وكان إبراهيم بن السندي يحدثني عن هؤلاء بشيء هو خلاف ما في كتب الهيثم بن عديّ(219) وابن الكلبيّ. وإذا سمعته علمت أنه ليس من المؤلف المزوّر»(220) .
وقال أيضاً: «وعلى كل حال فإنا إذ صرنا إلى بقية ما رواه العباس بن محمد، وعبد الملك بن صالح، والعباس بن موسى، واسحاق بن عيسى، واسحاق بن سليمان، وأيوب بن جعفر، وما رواه إبراهيم بن السندي عن السندي، وعن صالح صاحب المصلّي، عن مشيخة بني هاشم ومواليهم- عرفت بتلك البقية كثرة ما فات، وبذلك الصحيح أين موضع الفساد مما صنعه الهيثم بن عدي، وتكلفه هشام بن الكلبي»(221) .
وقال أيضا نقلا عن أبي يعقوب الخريمي(222) «ما رأيت كثلاثة رجال كانوا يأكلون الناس أكلا(223) حتى إذا رأوا ثلاثة رجال ذابوا كما يذوب الرصاص على النار، كان هشام بن
الكلبي علامة نسابة ورواية للمثالب عيابة فإذا رأى الهيثم بن عدي ذاب كما يذوب الرصاص»(224)
قلت: والجاحظ من تلاميذ الكلبي ومطلع على أخبار العرب فحكمه بأن ما يحكيه الكلبي وأضرابه مزور ومخالف لما يذكره المؤرخون الثقات شهادة ثمينة تبين سقوط أخبار الكلبي.
أما أبو الفرج الأصبهاني فقال في موضعين من الأغاني بعد أن ذكر خبرا رواه الكلبي: «وهذا الخبر مصنوع من مصنوعات ابن الكلبي والتوليد فيه بين، وشعره شعر ركيك غث لا يشبه أشعار القوم»(225) . وقال أيضاً: «وقرأت في بعض الكتب عن ابن الكلبي عن أبيه وهو خبر مصنوع يتبين التوليد»(226) ،وقال في موضع آخر: «ولعل هذا من أكاذيب ابن الكلبي»(227) .
فهذه شهادة أهل الحديث والأخبار والأدب على أن الرجلين ممن يصنعون الأخبار سواء كانت من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو من أخبار العرب، ومن يكون بهذه المنزلة لا يوثق بروايته، سيما وقد تفرد بهذه الحكاية دون سائر النسابين.
ومن يطالع كتاب المثالب يقطع بكذب ما فيه، فإنه إنما تقصد كبار الصحابة بالطعن في أنسابهم، وهذا ينبئك عن
أن منشأ هذه الطعون إنما هو الحقد والتعصب، سيما تلك المثالب إنما اقتصرت على كبار الصحابة، خاصة من وقع بينهم وبين علي رضي الله عنه خلاف وفتنة وبالأخص من كان من بني أمية! والمقصود من هذا الكتاب إنما هو خلق الفوارق الوهمية بين الآل والأصحاب حتى في الأنساب! ولذا قال الحلي مشيرا إلى هذا الكتاب: «وأما المطاعن في الجماعة فقد نقل الجمهور منها أشياء كثيرة حتى صنف الكلبي كتابا في مثالب الصحابة ولم يذكر فيه منقصة واحدة لأهل البيت»(228) كذا قال وكلامه غير صحيح، ففي الكتاب طامة من الطوام وفاقرة من الفواقر تجعله في حيز السقوط، وستعلم نبأها بعد حين فترقب!، وقد نقل ابن أبي الحديد عن الجاحظ في كتاب (مفاخرات قريش) أنه قال: «لا خير في ذكر العيوب إلا من ضرورة ولا نجد كتاب مثالب قط إلا لدعي أو شعوبي ولست واجدة(229) لصحيح النسب ولا لقليل الحسد وربما كانت حكاية الفحش أفحش من الفحش ونقل الكذب أقبح من الكذب، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «اعف عن ذي قبر» وقال «لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات»، وقيل في المثل «يكفيك من شر سماعه» وقالوا: «أسمعك من أبلغك» وقالوا: «من طلب عيبا وجده»(230)
ومما يؤكد بطلان افتراءات الكلبي على أنساب الصحابة وأن هذه الأخبار المذكورة إنما كان منشأها الأهواء المذهبية
ما ورد في تاريخ الطبري من أن تصنيف الكلبي للكتاب إنما كان رد فعل على طعن أحد قادة الدولة الأموية بالأندلس في العباسيين، قال الطبري: «ذكر محمد بن عمر عن حفص مولى مزينة عن أبيه قال كان هشام الكلبي صديقا لي، فكنا نتلاقى فنتحدث ونتناشد، فكنت أراه في حال رثة وفي أخلاق على بغلة هزيل، والضر فيه بين وعلى بغلته فما راعني إلا وقد لقيني يوما على بغلة شقراء من بغال الخلافة، وسرج ولجام من سروج الخلافة، ولجمها في ثياب جياد ورائحة طيبة فأظهرت السرور ثم قلت له: أرى نعمة ظاهرة، قال لي: نعم أخبرك عنها فاكتم، بينا أنا في منزلي منذ أيام بين الظهر والعصر إذ أتاني رسول المهدي فسرت إليه ودخلت عليه وهو جالس خال ليس عنده أحد، وبين يديه كتاب فقال: أدن يا هشام فدنوت فجلست بين يديه، فقال خذ هذا الكتاب فاقرأه لا يمنعك ما فيه مما تستفظعه أن تقرأه، قال فنظرت في الكتاب فلما قرأت بعضه استفظعته، فألقيته من يدي ولعنت كاتبه، فقال لي: قد قلت لك إن استفظعته فلا تلقه اقرأه بحقي عليك حتى تأتي على آخره، قال فقرأته فإذا كتاب قد ثلبه فيه كاتبه ثلبا عجيبا لم يبق له فيه شيئا، فقلت: يا أمير المؤمنين من هذا الملعون الكذاب؟ قال: هذا صاحب الأندلس، قال قلت: فالثلب والله يا أمير المؤمنين فيه وفي آبائه وفي أمهاته، قال: ثم أندرأت أذكر مثالبهم، قال: فسر بذلك، وقال: أقسمت عليك لما أمللت مثالبهم كلها على كاتب، قال: ودعا بكاتب من كتاب السر، فأمره فجلس ناحية وأمرني فصرت إليه، فصدر الكاتب من المهدي جوابا وأمللت عليه مثالبهم
فأكثرت فلم أبق شيئا حتى فرغت من الكتاب ثم عرضته عليه فأظهر السرور، ثم لم أبرح حتى أمر بالكتاب فختم وجعل في خريطة ودفع إلى صاحب البريد وأمر بتعجيله إلى الأندلس، قال: ثم دعا لي بمنديل فيه عشرة أثواب من جياد الثياب وعشرة آلاف درهم وهذه البغلة بسرجها ولجامها فأعطاني ذلك وقال لي: اكتم ما سمعت»(231)
فظهر لك من هذا الخبر أن الكلبي ما صنف الكتاب إلا تقربا من الخليفة للرد على طعن صاحب الأندلس فيه، وأن الكلبي أخذ جائزة ماديا كبيرة على كتابه هذا! وأنه ذكر هذه المثالب أول مرة أمام الخليفة، فهذه قرينة قوية على أن هذه المثالب مخترعة مصنوعة لأن الداعي إلى وضعها قوي وهو التقرب إلى السلطان مع ما اشتهر من كون الكلبي من الكذابين، فضلا عن معاداته لبني أمية، وهذا يزيد هذا الكتاب سقوطا عند العقلاء.
-لا يعترض بأن الكلبي من علماء النسب، وأن كثيرا من أهل العلم ينقلون عنه الأنساب ويعتمدون عليه، لأن الجواب أن ما نحن فيه ليس عرضا للأنساب، بل حكايات وأخبار وأحاديث وقصص ومثالب، وهذا غير الأنساب، فضلا عن أن ما ينقل عن الكلبي في الأنساب لم يتفرد به بل وافقه على ذلك علماء النسب، أما المثالب المذكورة هنا فهي مما تفرد
به الكلبي وأمثاله من الشعوبيين.
الطريق الثاني: أنه قد نقل عن الكلبي ما يناقض الطعن في نسب طلحة من جهة أمه!
قال ابن عبد البر: «الصعبة بنت الحضرمي كانت تحت أبي سفيان بن حرب فطلقها فخلف عليها عبيد الله بن عثمان التيمي فولدت له طلحة بن عبيد الله قال ذلك كله ابن الكلبي»(232) ، ووافق الكلبي على هذا غير واحد من أهل العلم كابن قتيبة وغيره(233) .
وقال في المثالب! كما سبق نقله: «لأن أم طلحة كانت عند أبي سفيان(234) »، قلت: وهذا يناقض الدعوى الأولى التي صرح فيها الكلبي بأن الصعبة كانت من ذوات الرايات! وأنها استبضعت بأبي سفيان، فهنا يصرح بأنها كانت زوجة له فطلقها! ولا شك أن القول الثاني هو الصواب وهو الذي ذكره الناس، وهذه قرينة على تناقض الكلبي وتلونه وأنه إنما تعمد صناعة هذه المثلبة لطلحة وعليه فلا عبرة بكلامه.
الطريق الثالث: مما يدل على بطلان هذه الدعوى أنه قد مضى أن طلحة قد تزوج الفارعة بنت أبي سفيان فلو صح ما زعمه الكلبي لكان أبو سفيان أو غيره قد منعه من هذا، ولكان طلحة قد تجنب الزواج بأخته من أبيه، ولما أقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم
هذا النكاح الفاسد، ولما سكت الخلفاء بعده عن مثل هذا، وهذا عمر رضي الله عنه يأمر في خلافته بأن يفرق «بين كل ذي محرم من المجوس»(235) فكيف يأمر المجوس بذلك ويغفل عن الصحابة!!، فإن قيل إن هذا ما بلغ الصحابة! فالجواب أن يقال: إن خفي مثل هذا الأمر العظيم الذي يؤدي إلى نكاح المحارم وهي مفسدة عظيمة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمن أين علمه الكلبي المتوفى في أوائل القرن الثالث مع أن هذا وقع في الجاهلية؟.
الطريق الرابع: أما دعوى أن عبيد الله كان يمارس اللواط فيردها أن العرب في الجاهلية ما عرف عنهم عمل قوم لوط كما اشتهر عنهم إتيان الأنحكة الفاسدة وشرب الخمور وغيرها من الفواحش، فهذه أشعارهم التي تؤرخ لفترة الجاهلية ليس فيها شيء من هذا، وقد ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «أول ما اتهم بالأمر القبيح يعني عمل قوم لوط على عهد عمر اتهم به رجل، فأمر عمر بعض شباب قريش ألا يجالسوه!(236) .
قال ابن كثير رحمه الله وهو يتحدث عن هذه الفاحشة: «وكانت لا تعرف بين العرب قديما كما قد ذكر ذلك غير واحد منهم. فلهذا قال الوليد بن عبد الملك: «لولا أن الله عز وجل قص علينا قصة قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا»(237) وقال ابن القيم
رحمه الله: «ولم يثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قضى في اللواط بشيء؛ لأن هذا لم تكن تعرفه العرب»(238) وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «وقد كانوا في الجاهلية لا يعرفون اللواط، حتى إن بعضهم يقول: لولا أن الله قص علينا ما قص من نبأ قوم لوط، لما كنا نتصور أن هذا يقع؛ لأنه لا يتصور أن رجلاً يرضى أن يُفعل به كما يفعل بالمرأة»(239) ،أقول والوليد توفي سنة 96 هـ، ففي زمنه ما كان يعرف هذا!واللواط ما ظهر إلا بعد انتهاء الدولة الأموية في فئة قليلة معدودة من أرباب الفسق والفجور في زمن الكلبي، لكن الكلبي ألصقها بعدد من الجاهليين افتراء وزورا ومنهم والد طلحة.
الوجه الثاني: أن الكلبي وابنه من خصوم الأصحاب فشهادته عليهم مردودة!
فقد اشتهر الكلبي بأنه ممن يختلق الأكاذيب على الأصحاب ويعاديهم(240) ولكن الحقد الذي يحمله هؤلاء على الأصحاب يجعلهم يتلونون بحسب أهوائهم، ولذا صرح الحلي وقبله ابن طاووس بأن الكلبي من رجال أهل السنة ومن علمائهم! ولا
يخفاك بعدما سبق نقله من النصوص أن هذا افتراء واضح! ولكنك ستعجب حينما ترى الحلي يتناقض فيقول في مكان آخر عن هشام بن محمد الكلبي: «كان مختصا بمذهبنا»(241) وظني أن ابن طاووس لا يخفى عليه هذا أيضا، فقد صنف كتاب «حل الإشكال في معرفة الرجال» وجمع فيه بين أصولهم الرجالية ومنها رجال النجاشي التي وردت فيه تلك العبارة التي نقلها الحلي، ومع ذلك زعم أنه من علماء أهل السنة ومن رجالهم، مع أن نقاد الحديث برؤوا من مذهبه لما اتهموه بالكذب، ولكن الحلي لما احتاج للكلبي للدعاية لمذهبه صرح بأنه مختص بمذهبه لكن حينما أراد الطعن في الصحابة نسبه إلى أهل السنة! والخلاصة أنه لا عبرة بكلام الكلبي لأنه من الخصوم، وشهادة الخصم على خصمه غير مقبولة.
الوجه الثالث: التسليم الجدلي بصحة الدعوى:
هب أيها القارئ أن ما ذكره الكلبي ثابت وصحيح، وأن هذا قد وقع من أبوي طلحة في الجاهلية، فيجاب عن ذلك بجملة من الأجوبة:
الأول كيف يكون هذا مثلبة في حق طلحة وقد وقع ذلك في الجاهلية، وقد وقع للناس في الجاهلية ما هو أعظم من الزنا بلا نزاع وهو الشرك بالله تعالى وعبادة الأصنام، فإن كان وقوعهم في الشرك في الجاهلية معفوا عنه بعد إسلامهم، مع كون
الشرك أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، فكيف يلحقهم الذم بما هو دون ذلك بمفاوز وهو قد وقع من آبائهم لا منهم.
الثاني أن أنكحة الجاهلية صحيحة ويثبت بها النسب، وعلى فرض صحة ما ذكره الكلبي، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما تكلم في طلحة ولا غيره ولا نظر في أنساب الصحابة لتصحيحها مع ما يترتب على ذلك من مفاسد كالاختلاط ونكاح المحرمات وغيرها من المفاسد، فلو كان لأنكحة الجاهلية أثر على صاحبها في الإسلام لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بضبطها و تصحيحها، فلما أقر الصحابة على أنسابهم دل على صحتها، فكيف يلحق الذم طلحة بمثل هذا إن كان قد أقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد قرر الاثنا عشرية أن أنكحة الكفار وأصحاب الملل الأخرى صحيحة شرعا، قال الروحاني: «قد دلت النصوص على أنه لكل قوم نكاح وأنه يصح النكاح الفاسد في شرعنا بالنسبة إليهم إذا كان يصح في دينهم، لاحظ صحيح عبد الله بن سنان قال: قذف رجل مجوسيا عند أبي عبد الله عليه السلام فقال الرجل: إنه ينكح أمه وأخته فقال عليه السلام:« ذلك عندهم نكاح في دينهم» إلى أن قال: «وبالجملة: لا إشكال في صحة نكاحهم وعليه فالسبب الفاسد عندنا صحيح ويترتب عليه النسب الصحيح»(242) ومعلوم أن نكاح الاستبضاع من الأنكحة التي كانت الجاهلية تعمل بها و تثبت بها النسب وعليه يسقط طعنهم في نسب
طلحة من جهة أمه.
الثالث: من العجيب أنه قد ورد في روايات من يطعن في نسب طلحة النهي عن الطعن في أنساب الملل الأخرى بناء على أن ما يأتونه محرم ومخالف لشريعة المسلمين!! فقد رووا بسند موثق عندهم عن جعفر الصادق أنه قال:«نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآله أن يقال للإماء يا بنت كذا وكذا وقال: لكل قوم نكاح»(243) قال البحراني معلقا على الرواية:«فيه دلالة على عدم جواز قذف أصحاب الملل والأديان والطعن في أنسابهم بما خالف مقتضى شريعتنا إذا كان سائغا في شرائعهم، وعليه تدل جملة من الأخبار، منها ما رواه في التهذيب عن عبد الله بن سنان في الحسن قال: قذف رجل رجلا مجوسيا عند أبي عبد الله عليه السلام فقال: مه، فقال الرجل: إنه ينكح أمه وأمته، فقال: ذاك عندهم نكاح في دينهم وعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كل قوم يعرفون النكاح من السفاح فنكاحهم جائز» إلى غير ذلك من الأخبار»(244) ومع أن البحراني صرح بهذا الكلام في حدائقه، فإنه تناقض فما تورع عن الطعن في أنساب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم(245) ،ومنهم طلحة، قال في سلاسل الحديد «وقد
تقدم الكلام في طلحة وبيان حال أمه صعبة»(246) فيقال للبحراني:إن كان الطعن في أنساب الملل الأخرى منهيا عنه أفلا يكون الطعن في أنساب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى وأوجب أن يكون محرما، أم أن أنساب المجوس واليهود والنصارى أكرم على البحراني من أنساب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!.
الرابع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحدا بنسبه ولا يذم أحدا بنسبه؛ وإنما يمدح بالإيمان والتقوى ويذم بالكفر والفسوق والعصيان»(247) فعلم من هذا أنه لا تعلق للأنساب بالمدح والذم، فلا يذم الإنسان ولا يمدح لمجرد نسبه، وإنما الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب من أمور الجاهلية التي جاء الإسلام بردها وعدم اعتبارها، ولذا روى الفريقان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أربع من الجاهلية لا يتركن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب»(248) الحديث، وفي لفظ آخر: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في
النسب والنياحة على الميت»(249)
وبعد هذا لعلي أختم ببعض الطامات التي تضمنها هذا الكتاب، والتي وعدتك بها أيها القارئ سابقا!، فقد زعم الحلي أن الكلبي ما ذكر في الكتاب منقصة واحدة لأهل البيت!
أقول لك أيها القارئ تعال معي في جولة قصيرة مع كتاب المثالب للكلبي:
1-قال في ص92: وأما سمراء ذات الراية فهي أم أبي سفيان بن الحارث ، وفيها يقول حسان بن ثابت لأبي سفيان بن الحارث:
| فإن امرءاً كانت سميّة أمه | وسمراء مغلوب وإن بلغ الجهد |
|---|
أقول: أبو سفيان بن الحارث هو المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وهو أخ النبي صلى الله عليه وآله وسلممن الرضاعة وصديقه قبل البعثة ، ومن زوجاته جمانة بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، أخت علي بن أبي طالب(250) ! ، فصديق النبي وابن عمه صلى الله عليه وآله وسلم وصهر علي رضي الله عنه كانت أمه ذات راية ومذكور في كتاب المثالب!.
2-قال في ص107 في باب الأمهات: وكانت سلمى بنت عمرو أم عبد المطلب بن هاشم من النسوة اللاتي طلاقهن إليهن، إذا كرهت زوجها تركته.
قلت: هذه جدة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجدة علي رضي الله عنه مذكورة أيضا في كتاب المثالب!!
3- في ص 53 بوب الكلبي بابا بعنوان: باب اللاطة، وقال فيه: « ويقال: إن العباس بن عبد المطلب كان أحد اللاطة ، والله أعلم».
قلت: وقد علق نجاح الطائي على ذلك في الهامش قائلا: «أظن وقوف الأمويين خلف هذه الإشاعة». أقول: كيف يكون الأمويون هم الواقفون خلف هذه الإشاعة وغالب المنقول في الكتاب إنما هو في الطعن في أنساب بني أمية؟!.
والمقصود أن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسلم أيضا من الطعن فيه، وذُكر في كتاب المثالب!!.
4- بوب الكلبي في ص106باباً سماه أبناء الحبشيات، فعلق نجاح الطائي في الحاشية قائلا: «كانت العرب تنظر إلى انتساب الأفراد إلى غير العرب من المثالب وخاصة من كان ينتسب إلى الحبشة لاختلافهم في اللون والقومية عن العرب»، أقول: لكنني وددت أن أرى تعليق نجاح على ذكر الكلبي لمحمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي وهو الإمام التاسع عند الاثني عشرية في قائمة أبناء الحبشيات في الصفحة 115!! لكن للأسف لم أر له أي تعليق!.
فهل صدق الحلي في زعمه أن الكلبي ما ذكر منقصة واحدة لأهل البيت؟.
5-أما الطامة الكبرى فهي ما ذكره في
ص77، روى تحت باب نكاح المقت عن أبيه قال:
«كانت برة بنت مرّ بن أد، أخت تميم بن مر، تحت خزيمة بن مدركة ، فولدت له أسد بن خزيمة، ثم هلك عنها، فخلف عليها ابنه كنانة بن خزيمة نكاح المقت ، فولدت له ولده كلهم إلا عبد مناف بن كنانة ، فإنه لغير برة لكنانة النضر ومالك وملكان وسعد وعامر».
أقول: النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة هو جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجد الصديق والفاروق وذي النورين وحيدرة وجد بقية العشرة، وجد قريش كلها، ففهر المعروف بقريش هو فهر بن مالك بن ا لنضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة! فذكر الكلبي لهذه القضية في كتاب المثالب تجعل هذا الكتاب كله في حيز السقوط! وذلك أن منشأ غلط هذا الطاعن أنه «حاسب الجاهليين بمقاييس الإسلام»، «وإنما يحاكم الناس بمقاييس عصرهم وأعرافه وليس بمقاييس العصر الذي جاء بعدهم ولم يدركوه»(251) .
ومن أثبت هذا النسب من أهل السنة وذكر أن كنانة خلف على زوجة أبيه ذكر أن هذا كان معدودا عندهم في الجاهلية نكاحا صحيحا فلا يلزم فيه أي طعن على نسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهؤلاء لا اعتراض عليهم، وإنما يلزم بهذا الأمر من جعل كتاب المثالب عمدة في الطعن في أنساب الصحابة رضوان الله عليهم، فبماذا يجيب هؤلاء إدراج جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتاب المثالب؟.
وهذه المرة علق نجاح الطائي على القضية وأجاب بجواب طريف ظنا منه أنه قد أزال الإشكال في نسب النبي صلى الله
عليه وآله وسلم فقال: «ولم يكن عبد مناف من نكاح المقت بل من النكاح الصحيح والحمد لله تعالى»، قلت: يقصد ما ذكره الكلبي حين قال: «فولدت له ولده كلهم إلا عبد مناف بن كنانة فظن نجاح أن عبد مناف هذا هو جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المشهور! ولو كان له أدنى علم بالنسب لعلم أن هذا غير جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاسمه: عبد مناف بن قصي! وهو الجد الثالث للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أما كنانة والد عبد مناف الآخر! فهو الجد الثالث عشر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعبد مناف هذا لا يقع في شجرة نسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل إن بين عبد المناف الأول والثاني عشرة آباء!! ولكن نجاح خلط بينهما وظن أن الإشكال ارتفع! وهذا مبلغ علم نجاح الذي تصدى لتحقيق كتاب مليء بالطعن في الأنساب!.
وبعد هذا البيان المفصل يتبين لك سقوط طعون الكلبي ومن نقل عنه في نسب طلحة رضي الله عنه وبالله التوفيق(252) .
شبهات عن سيرة طلحة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم
دعوى عدم ثبات طلحة يوم أحد! وأنه أراد أن يتهود بعدها!
وهذا الدعوى من أعجب الدعاوى التي يذكرها الطاعنون في طلحة وذلك أن أهل السير مجمعون على أن طلحة أحد أبطال يوم أحد وقد فصلت الكلام عن موقفه العظيم في ذلك اليوم في ترجمته وذكرت عدة أحاديث بعضها في الصحيحين!
-قال المفيد: «وثاب إليه من أصحابه المنهزمين أربعة عشر رجلاً منهم طلحة بن عبيد الله(253) » وقال أيضا: «قال الراوي للحديث - وهو زيد بن وهب - قلت لابن مسعود: انهزم الناس عن رسول الله حتى لم يبق معه إلا علي بن أبي طالب؛ وأبو دجانة وسهل بن حنيف؟! - قال: انهزم الناس إلا علي بن أبي طالب وحده وثاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفر، وكان أولهم عاصم بن ثابت وأبو دجانة وسهل بن حنيف ولحقهم طلحة بن عبيد الله»(254) .
-قال ابن طاووس: «ومن طرائف ما شهدوا به على طلحة وعثمان من شكهما في الإسلام وشهادة الله عليهما بالكفر بعد إظهار الإيمان ما ذكره السدي في كتاب تفسيره في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾(255)
قال السدي لما أصيب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأحد قال عثمان: لألحقن بالشام فإن لي به صديقا من اليهود يقال له دهلك فلآخذن منه أمانا فإني أخاف أن يدال علينا اليهود، وقال طلحة بن عبيد الله لأخرجن إلى الشام فإن لي صديقا من النصارى فلآخذن منه أمانا فإني أخاف أن يدال علينا النصارى، قال السدي فأراد أحدهما أن يتهود والآخر أن يتنصر، قال: فأقبل طلحة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده علي بن أبي طالب عليه السلام فاستأذنه طلحة في المسير إلى الشام وقال: إن لي بها مالا آخذه ثم أنصرف، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: عن مثل هذا الحال تخذلنا وتخرج وتدعنا، فأكثر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاستيذان، فغضب علي فقال: يا رسول الله ائذن لابن الحضرمية فوالله ما عز من نصر، ولا ذل من خذل، فكف طلحة عن الاستيذان عند ذلك فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾(256) يعني: أولئك، يقول: إنه يحلف لكم إنه مؤمن معكم فحبط عمله بما دخل فيه من أمر الإسلام حين نافق فيه»(257)
وقال شقيقه أحمد بن طاووس مشيرا لهذه الرواية: «وقد جرى
لهما يوم أحد أعني عثمان وطلحة رضوان الله عليهما ما رواه السدي مما لا أرى حكايته».(258)
-قال جعفر مرتضى العاملي: «فرار طلحة:
ويدل على فراره:
1 - جميع ما تقدم في أنه لم يثبت سوى علي (ع).
2 - ويدل على ذلك أيضا قول سلمة بن كهيل المتقدم.
3 - انتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يحبسكم؟ قالوا: قتل رسول الله. فقال: فما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا، فموتوا على مثل ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل. ويروي السدي: أنه خاف هو وعثمان أن يدال عليهم اليهود والنصارى، فاستأذنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج إلى الشام ليأخذ أحدهما العهد لنفسه من اليهود، ويأخذه الآخر من النصارى، فرفض صلى الله عليه وآله وسلم طلبهما»(259) .
وقال الكوراني: «وذكر رواة السلطة أن طلحة كان مع النبي صلى الله عليه وسلم عندما سقط، مع أنهم نصوا على أنه كان مع الفارين في الجبل عند الصخرة، وذكر ابن مسعود أنه كان من أول الراجعين، لكن بعد انتهاء المعركة!»(260) .
والجواب مجمل ومفصل:
الجواب المجمل: أن أهل السير مجمعون على أن طلحة كان ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل إني أجزم أنه أكثر من لازم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحد، وأكثر الأحاديث الواردة في فضل طلحة رضي الله عنه ترجع إلى بطولته يوم أحد، بل إن طلحة رضي الله عنه كان لا يرى الإكثار من الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تورعا، وأحاديثه في المسانيد قليلة جدا ومعدودة، مع أنه رضي الله عنه عاش بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأكثر من عشرين سنة، ومع كل هذا كان رضي الله عنه يحدث عن يوم أحد(261) ، فمن يكون أمره كذلك، أيكون من الذين فروا وتولوا؟! ولكنه الحقد والعداوة التي تعمي الأبصار والبصائر، نسأل الله الإنصاف.
أما الجواب المفصل فسنبين فيه عدم صحة ما استُدِل به على فرار طلحة يوم أحد!
أما المفيد فقد استند إلى تلك الرواية التي حكاها عن ابن مسعود، أما إسنادها فلا يصح على قواعد الاثني عشرية مع ما فيه من التصحيف في أوله، إذ قال المفيد: «وروى زيد بن وهب الجهني قال: حدثنا أحمد بن عمار(262) قال حدثنا: الحماني قال: حدثنا شريك، عن
عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب»، ولم أجد لهذه القصة أصلا في كتب السنة، ولذا فلا بد من دراسة السند بحسب قواعد الاثني عشرية، فأقول:السند معلق جزما فالمفيد من أهل القرن الخامس، وأحمد بن عمار أعلى منه بثلاث طبقات، إذ أن ابن بابويه شيخ المفيد يروي عنه بواسطتين، فالواسطة بين المفيد وأحمد بن عمار مجهولة، وأحمد بن عمار لا ترجمة له في كتب الاثني عشرية ولذا قال الشاهرودي:«لم يذكروه»(263) والحماني هو يحيى بن عبد الحميد قال الخوئي:«لم تثبت وثاقته»(264) وشريك بن عبد الله بن أبي نمر المدني ليس له ترجمة في كتب الاثني عشرية، ولذا قال الشاهرودي: «لم يذكروه»(265) وزيد بن وهب قال عنه الجواهري وبسام مرتضى:«مجهول»(266) وعليه فسند القصة ضعيف جدا لا يدرى أوله، وفيه ثلاثة مجاهيل، فمثل هذه الأسانيد التالفة لا ينبغي أن تجعل حجة في مقابل الأحاديث الثابتة.
أما متنها ففيه ما يدل على الصناعة والوضع، فقد نسب المفيد إلى ابن مسعود أنه قال: «انهزم الناس إلا علي بن أبي
طالب وحده»، فجعل عليا هو الوحيد الذي ثبت، وقد صح عند المحدثين وأهل السير والتواريخ أن عددا من الصحابة ثبتوا يوم أحد، وعلي رضي الله عنه أحدهم وليس الوحيد الذي ثبت(267) وهذا الذي نُسب إلى ابن مسعود لا يصح عنه أصلا، فكيف وقد صح عنه خلاف هذا الزعم، فقد روى أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال:
«فلما خالف أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعصوا ما أمروا به ، أفرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تسعة ، سبعة من الأنصار ورجلين من قريش وهو عاشرهم، فلما رهقوه قال: رحم الله رجلا ردهم عنا، قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه أيضا قال: يرحم الله رجلا ردهم عنا، فلم يزل يقول حتى قتل السبعة، فقال النبي عليه السلام لصاحبيه: «ما أنصفْنا أصحابنا»(268) .
وثبت
هذا أيضا في صحيح مسلم من حديث أنس: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه، قال: «من يردهم عنا وله الجنة؟» أو «هو رفيقي في الجنة» فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا، فقال: «من يردهم عنا وله الجنة؟ أو «هو رفيقي في الجنة» فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لصاحبيه: «ما أنصفنا أصحابنا»(269) فبطل بذلك ما نسب إلى ابن مسعود وظهر أنه مختلق ومصنوع عليه، أما دعوى أن طلحة كان من المنهزمين ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسنفصل فيها الجواب عند مناقشة شبهات جعفر مرتضى العاملي.
أما ما ذكره ابن طاووس فعلائم الوضع والتزوير لائحة عليه، وبطلان تلك الرواية التي عزاها إلى السدي ظاهر وواضح لكل من شم شيئا من رائحة علم الحديث ويتضح ذلك من وجوه:
الأول: أن الرواية لا تثبت سندا ولا متنا.
أما سندا فإنها من رواية السدي وهو تابعي فالرواية مرسلة غير ثابتة، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما هو أصح منها(270) ، ثم إن الثابت عن السدي أنه أبهم اسم الرجلين فقال:
«لما كانت وقعة أحُدٍ،
اشتدّ على طائفة من الناس، وتخوَّفوا أن يُدَال عليهم الكفَّار، فقال رجل لصاحبه أمَّا أنا فألحق بدهلك اليهوديّ، فآخذ منه أمانًا وأتهَوّد معه، فإني أخاف أن تُدال علينا اليهود. وقال الآخر أمَّا أنا فألحق بفلانٍ النصراني ببعض أرض الشام، فآخذ منه أمانًا وأتنصَّر معه، فأنزل الله تعالى ذكره ينهاهما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾(271)(272) فحرف ابن طاووس الرواية وجعل الرجلين المبهمين طلحة وعثمان رضي الله عنه، ثم زاد فيها كلاماً نسبه إلى علي! وليس في رواية السدي التي في تفسير الطبري شيء منه، ولم يذكر هذا عن عثمان وطلحة أحد من أهل السنة وإنما ذكره أبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف وهو اثني عشري من فقهائهم(273)
أما متنا، فقد ثبت عن عثمان ما يناقض هذه الفرية قال رضي الله عنه:«فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منذ هداني الله»(274) ، وهؤلاء يزعمون أنه أراد أن يتهود!.
ولا شك أن نسبة هذا الكلام إلى طلحة وعثمان ممتنع، إذ أن طلحة وعثمان من كبار المهاجرين، والآية نازلة في المنافقين إذ قال الله تعالى عقب الآية الماضية: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾(275) ، ومعلوم أن النفاق إنما ظهر في طائفة من أهل المدينة ليحقنوا دماءهم وأموالهم بعد ظهور الإسلام في المدينة، أما المهاجرون، فلم يكن فيهم النفاق البتة، ولذا لا تجد ذكرا للنفاق والمنافقين في أي آية مكية!! وسياق الآية يبين أنها تتكلم عن المنافقين فتبين بذلك عدم صحة الرواية سندا وما حصل فيها من تزوير في متنها(276) .
الثاني: أن عثمان قد هاجر إلى الحبشة قبل الهجرة إلى المدينة، والحبشة حينها كانت نصرانية ولم يستطع النجاشي أن يُظهر الإسلام فيها لسطوة النصارى والرهبان عليه، فما منع عثمان أن يبدل دينه والمسلمون بأضعف حال؟ حيث ابتلوا بالتعذيب ومنعوا من إظهار دينهم بمكة فاضطروا إلى الهجرة؟؟
أيترك عثمان التنصر بالحبشة حيث دولة النصارى وحيث كان مقيماً فيها، ثم بعدها يرجع إلى مكة ثم يهاجر إلى المدينة بعد أن
استيقن المسلمون أنهم لن يتمكنوا من إظهار دينهم، ثم بعد سنتين من الهجرة ولمجرد بلاء واحد وهو أهون مما لقيه عثمان بمكة! يقرر عثمان أن يتكبد مشقة السفر إلى الشام لكي يتهود!! لا شك أن هذا إفك مبين لا يَرُوج إلا على من كان جاهلا بأحوال الصحابة ولا يُرَوجه إلا حاقد عليهم!
ويتأكد هذا إن عرفت أن اليهود لم تكن لهم شوكة ولا دولة ولا سلطة! بل كانوا كما قال الله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾(277) ، فما يفعل عثمان باللحاق باليهود وهم على هذه الحال!؟.
الثالث: وكذلك الشأن بالنسبة لطلحة رضي الله عنه، فقد تقدم أن طلحة قدم الشام قبل أحد مرتين، مرة عندما هاجر من المدينة، ومرة عندما ذهب يترصد عير قريش بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلو كان يريد أن يتنصر لتنصر حين أخرج المسلمون من بيوتهم وهم ضعفاء أذلة، واضطروا لترك الديار والأهل والأموال من أجل دينهم! أيترك طلحة التنصر عندما كان بالشام وهو مطرود من بيته ثم ينتظر إلى غزوة أحد ليقرر التنصر!!
الرابع: أن أمر المسلمين حينها ما بلغ أن يتربص بهم النصارى، فلم يظهر أمر المسلمين بصفة تشكل خطراً على من يحيط بهم من الملوك، إلا في السنة السادسة عندما كاتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الملوك ودعاهم إلى الإسلام ولذا ترى ملك الروم كسرى لما بعث إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم
رسوله ليسلم ذهب يسأل أبا سفيان عنه، وفي الحديث قال أبو سفيان رضي الله عنه: «لقد أَمَرَ أمْرُ ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام»(278) أما في أحد فلم يكن من أمر المسلمين غير انتصارهم في بدر، وإنما اشتهر أمرهم بين عرب الجزيرة.
أما اليهود فلم تكن لهم لا شوكة ولا دولة، والذين كانوا منهم بالمدينة كانوا لا يجسرون على المسلمين، لما لحق بني قينقاع من الإجلاء عندما تجرؤوا على هتك ستر إحدى نساء المسلمين، وكانوا يبطنون العداوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يجرؤون على إظهارها، وما ظهر منهم خيانة إلا بعد أحد بفترة طويلة بعد أن رأوا ما حل بالمسلمين في وقعتي الرجيع وبئر معونة حيث قتل سبعون من القراء.
الخامس: كل هذه الأجوبة مبنية على التسليم الجدلي بأن قوة المسلمين ضعفت في أحد! فكيف إن علمت أن المسلمين كانوا أعزة بعد أحد، فبعد أن رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بعث الزبير وأبا بكر وعليا رضي الله عنهم في جماعة من الصحابة لما بلغه أن الكفار قد نزلوا بحمراء الأسد مخافة أن يرجعوا إلى المدينة(279) ، فكيف يخاف طلحة وعثمان وهما يريان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبعث وراء قريش بالرغم مما لحق به وأصحابه!
أما جعفر مرتضى العاملي فلنا معه وقفات:
الوقفة الأولى
قال مرتضى عن طلحة رضي الله عنه: «ويدل على فراره:
1 - جميع ما تقدم في أنه لم يثبت سوى علي (ع)».
قلت: يعني به ما استدل به من أدلة على أنه لم يثبت يوم أحد إلا علي رضي الله عنه وأن سائر الصحابة انهزموا! وإليك هذه الأدلة:
الدليل الأول: نقل عن القوشجي!! في شرح التجريد أنه قال: «فانهزم الناس عنه سوى علي ( ع )».
والجواب من وجهين:
الأول: انفرد القوشجي وحده بذكر هذه القضية والقوشجي من أهل القرن التاسع!!، والرجل عالم فلك وكلام ولا ترى في ترجمته اشتغاله بالعلوم الشرعية ولا الأحاديث النبوية، فما دخله بالسيرة، ومن يكون بمثل هذه المنزلة هل يجوز جعل كلامه حجة على فرار أمة كاملة من الصحابة!!؟
الثاني: أن القوشجي إنما كان ينقل كلام ابن المطهر الحلي في شرحه للتجريد(280) وطريقة القوشجي في مبحث الإمامة من شرحه أنه ينقل كلام الطوسي ثم يتبعه بكلام الحلي ثم ينقل ما أجاب به بعض
علماء السنة من غير أن يعزو الكلام لقائله، ومن يقارن بين هذا النص وكلام الحلي في شرحه يجده نفس كلام الحلي(281) فيرجع الدليل إلى نقل الخصم وهو غير حجة علينا!! مع مخالفته للثابت في الصحيح والسير من ثبات عدد من الصحابة غير علي.
الدليل الثاني: قال مرتضى: «وقد قالوا: كان الفتح يوم أحد بصبر علي رضي الله عنه وقد يقال: إن هذا النص لا يدل على فرارهم، وانما هو يدل على عظيم جهاد علي (ع) وصبره»(282) .
أقول: يذكرني مرتضى في قوله: «وقد يقال: إن هذا النص لا يدل على فرارهم» بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾(283) فإن كان لا يدل على المدعى فما وجه إيراده! فالمقصود عند الرجل تكثير الكلام والأدلة ولو كان يعتقد أنها لا تدل على المدعى! مع العلم أن هذا النص منقول عن مؤمن بن حسن الشبلنجي المتوفى في القرن 14 هـ!!، وهذا النص الذي استدلوا به لم أهتد إليه في كتابه نور الأبصار لكني وجدته في مصادر أخرى نقلا عن ابن إسحاق(284) وابن إسحاق بريء من هذا فلا أثر في سيرته لهذا النص ولا نقله عنه أحد من أهل السير، بل أثبت في سيرته ثبات غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبلاءهم وبطولته، وعلي أحدهم بلا شك، لكن أن يقال: إن الفتح كان بصبر علي
وحده فهذا باطل ومنكر وزور وغمط لبقية الصحابة.
والمقصود أن تنظر إلى أدلة المرتضى!! يترك كتب السير وكتب الحديث وينقل عن أهل القرن العاشر والرابع عشر!!.
الدليل الثالث: قال: «عن ابن عباس، قال: لعلي أربع خصال، هو أول عربي وعجمي صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم(285) ، وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، وهو الذي صبر معه يوم المهراس (أي يوم أحد)، انهزم الناس كلهم غيره، وهو الذي غسله وأدخله قبره»(286) .
وعزا الرواية لمستدرك الحاكم ومناقب الخوارزمي!
والجواب من وجهين:
الأول: أن المرتضى قد دلس في النقل فعزا النص للمستدرك!! ولم يشر إلى خلو المستدرك من قول الراوي: «انهزم الناس كلهم غيره»، فلا أثر لهذه العبارة في المستدرك! فرواية المستدرك في نفس الطبعة التي أحال عليها المرتضى هي كالتالي: «عن ابن عباس رضي الله عنهماقال لعلي أربع خصال ليست لأحد هو أول عربي وأعجمي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف والذي صبر معه يوم المهراس(287) وهو الذي غسله وأدخله قبره»(288) .
فلماذا يعزوها للمستدرك وهو خالٍ من تلك العبارة التي هي محل الشاهد! سيما أنه يقر بنفسه أن عبارة: «كان الفتح يوم أحد بصبر علي» لا تدل على فرار غيره! وما ورد في المستدرك مشابه لتلك العبارة!.
الثاني: أن الرواية تنادي على نفسها بالوضع والاختلاق سندا ومتنا:
أما سنداً فإن مدارها على المفضل بن صالح(289) وهو ضعيف:
قال أبو حاتم، والبخاري: منكر الحديث .
وقال الترمذي: ليس عند أهل الحديث بذاك الحافظ(290) .
وقال ابن حبان: منكر الحديث كان ممن يروي المقلوبات عن
الثقات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها من كثرتها فوجب ترك الاحتجاج به»(291)
وقد طعن فيه الاثنا عشرية أيضاً!
قال النجاشي في ترجمة جابر بن يزيد الجعفي: «روى عنه جماعة غمز فيهم وضعفوا ، منهم: عمرو بن شمر، ومفضل بن صالح»(292) .
وقال ابن الغضائري: «ضعيف، كذاب، يضع الحديث»(293) .
وقال الخوئي رداً على من وثقه: «ضعف المفضل بن صالح كان من المتسالم عليه عند الأصحاب ، ومع ذلك فقد مال المحقق الوحيد إلى إصلاح حاله، لرواية الأجلة ومن أجمعت العصابة إلى تصحيح ما يصح عنه، كابن أبي عمير، وابن المغيرة، والحسن بن محبوب، والبزنطي في الصحيح، والحسن بن علي بن فضال، يشهد بوثاقته والاعتماد عليه، ويؤيده كونه كثير الرواية سديدة مفتي بها (انتهى). أقول: مر غير مرة أن كثرة الرواية ورواية الأجلة، وأصحاب الإجماع عن رجل لا تدلان على وثاقته ، وعلى تقدير تسليم الدلالة، فلا يمكن الأخذ بها مع ما سمعته من النجاشي من التسالم على ضعف الرجل، والله العالم(294) » .
وقال حسين الساعدي في الضعفاء من رجال الحديث: « الرجل ضعيف لذا عدّه العلاّمة الحلّي من الضعفاء في القسم الثاني من الخلاصة، وذكره ابن داود في الجزء الثاني من رجاله المختص بالمجروحين، والجزائري في القسم الرابع من رجاله المختص برواة الضعاف، ومحمّد طه نجف في القسم الثالث من رجاله المختص بالضعفاء. وضعّفه المجلسي في رجاله، وحكم على رواياته بالضعف عند دراسته أسانيد الكافي، والتهذيب.
ودرسه المحقّق البهبودي في الضعفاء، وأسقط جملة من رواياته عند تحقيقه للكافي، ولم يثبتها في كتابه الصحيح من الكافي»(295) ، فالرجل مطرح باتفاق الفريقين.
أما متنا فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: «وأما حديث ابن عباس ففيه أكاذيب: منها قوله: كان لواؤه معه في كل زحف؛ فإن هذا من الكذب المعلوم، إذ لواء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يوم أحد مع مصعب بن عمير باتفاق الناس، ولواؤه يوم الفتح كان مع الزبير بن العوام، وأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يركز رايته بالحجون، فقال العباس للزبير بن العوام: أهاهنا أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تركز الراية؟ أخرجه البخاري في صحيحه»(296) .
قلت: وكذا قوله: «انهزم الناس كلهم غيره» كذب واضح، فقد
ثبت عن البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيح البخاري أنه قال: «فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلمغير اثني عشر رجلا»(297) .وسيأتي عدد من الأحاديث الصحيحة في ثبات غير علي يوم أحد.
هذه أدلة مرتضى على أنه لم يثبت يوم أحد إلا علي! حكايات منقطعة ينقلها عن مصنفين من أهل القرن العاشر أو من كتب الاثني عشرية! أو روايات ضعيفة تعارض الثابت الصحيح .
الوقفة الثانية
قال جعفر مرتضى ضمن حججه على فرار طلحة: «ويدل على ذلك أيضا قول سلمة بن كهيل المتقدم»، قلت: يقصد بذلك ما نقله ابن أبي الحديد عن أبي جعفر الإسكافي قال: «روى يحيى بن سلمة بن كهيل قال: قلت لأبي: كم ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد؟ فقال: اثنان، قلت: من هما؟ قال: علي وأبو دجانة»(298) .
والجواب: بالطعن في صحة النقل، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: الإسكافي لا يعتد به في نقل مثل هذه الحكايات، فليس من أهل رواية الأخبار ولا من أهل الدراية بصحيحها من سقيمها، وإنما سبيله سبيل غالب المعتزلة في مثل هذه القضايا، يذكرون كل ما يقع بين أيديهم من الحكايات ولا تجد عندهم تحريا ولا
تثبتا إلا في النادر، ومن يراجع كتابه نقض العثمانية يجده قد حشاه بالروايات المنكرة والمقطوعة والساقطة والموضوعة! والتي لا أصل لها ولا تجدها إلا عنده، حتى إنه ليسبق إلى القلب أنه من افتعلها مع ما ذكر عنه من الغلو في مذهبه(299)
الوجه الثاني: الرواية لا إسناد لها ولا زمام ولا خطام، فكيف يجعل مثل هذا حجة في الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟.
الوجه الثالث: لو تنزلنا وقلنا بصحة السند إلى يحيى بن سلمة بن كهيل، فالجواب أن الرواية مطرحة لعلتين:
الأولى: يحيى بن سلمة بن كهيل متهم :
قال يحيى بن معين: ضعيف الحديث ، وقال مرة: ليس بشيء .
وقال أبو حاتم: منكر الحديث ، ليس بالقوي .
وقال البخاري: في حديثه مناكير، وقال مرة: منكر الحديث .
وقال الترمذي: يضعف في الحديث .
وقال النسائي: ليس بثقة ، وقال في الكنى: متروك الحديث.
وقال ابن نمير: ليس ممن يكتب حديثه.
وقال الدارقطني: متروك ، وقال مرة: ضعيف.
وذكر العجلي أنه ضعيف الحديث، وكان يغلو .
وقال ابن سعد: كان ضعيفاً جداً .
وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم
وقال: «كنت أسمع أصحابنا يضعفونهم».
وقال الآجري عن أبي داود: ليس بشيء(300) .
الثانية: سلمة بن كهيل من التابعين فحديثه بهذه الصورة يكون مرسلا!.
هذه حال أدلة جعفر مرتضى! رواية لا سند لها، وأحد رواتها من الضعفاء، ومنقطعة الأوصال لإرسالها!!، ومع كل هذا تصير حجة عند مرتضى لأنها توافق هواه في الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم! فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.
الوقفة الثالثة
قال جعفر مرتضى: ضمن حججه على فرار طلحة: «انتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يحبسكم؟ قالوا: قتل رسول الله. فقال: فما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا، فموتوا على مثل ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل».
قلت: هذه الرواية أخرجها الطبري عن ابن إسحاق، من طريق محمد بن حميد الرازي عن سلمة بن الفضل(301) والبيهقي من طريق
يونس بن بكير عن ابن إسحاق(302) ونسبها ابن هشام إلى ابن إسحاق ايضا(303) ولكنها رواية معلولة لأمرين:
الأول: في سندها القاسم بن عبد الرحمن بن رافع النجاري وهو مجهول العين ترجم له ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا(304) ، فضلا عن أن ابن إسحاق من صغار التابعين والغالب أن يكون بينه وبين وقائع السيرة واسطتان، وهنا يروي بواسطة واحدة، فاجتمع في الرواية الضعف الشديد والانقطاع.
الثاني: مخالفته للأحاديث الأخرى الثابتة والمتعددة التي تثبت ثبات طلحة وملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم، والتي تورث القطع بعدم صحة هذه الرواية(305) ، لكن جعفر مرتضى ترك جميع الروايات التي تثبت ثبات طلحة وبلاءه يوم أحد واختار هذه الروايات المطرحة ليجعلها دليلا على دعاويه على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهكذا فليكن الإنصاف.
الوقفة الرابعة
ذكر جعفر مرتضى ضمن حججه على فرار طلحة رواية السدي السالفة التي نسبت إلى عثمان وطلحة أنهما أرادا الالتحاق بالشام خوفا من ضعف المسلمين!
وقد سبق الرد على الرواية وبيان بطلانها وقد التزم جعفر مرتضى الأمانة هذه المرة فعندما نسب الرواية إلى تفسير ابن كثير وتفسير الخازن بين أن الرواية لم يأت فيها تصريح بالاسم.
والجواب: ما علاقة الرواية بأصل البحث؟ وهو إثبات فرار طلحة! فليس فيها ما يدل على ذلك ولكن مرتضى أراد تكثير النصوص والأدلة لكي يظن القارئ أن الأدلة على فرار طلحة كثيرة!
الوقفة الخامسة: مرتضى العاملي والتناقضات المستمرة!
لا يكاد ينقضي عجبي من تناقض مرتضى حينما أراد أن يثبت أن سعد بن أبي وقاص كان من الذين فروا يوم أحد! فقد قال حين ذكر الأدلة التي زعم أنها تدل على فرار سعدٍ: «عن السدي: لم يقف إلا طلحة، وسهل بن حنيف. ولعل عدم ذكر علي عليه السلام بسبب أن ثباته اجماعي، لم يرتب فيه أحد»(306) .
أقول: كذا قال ثم بعد قليل في الصفحة الموالية جعل طلحة من الذين فروا يوم أحد!
فكيف يجعله من الفارين وهو يستدل قبل ذلك على فرار سعد برواية يصرح فيها الراوي بثبات طلحة؟!.
لا شك أن الاضطراب والتناقض دليل على أن الرجل يتبع هواه المذهبي، وهذا هو الغالب على الرجل في كتابه، يثبت قضية في مكان ما ثم ينكرها ويناقضها في مكان آخر، فنسأل الله الإنصاف والتسديد والعدل.
الوقفة السادسة: الانتقائية في الطرح
عندما تعرض جعفر مرتضى للكلام عن دعواه فرار طلحة وسعد وغيرهما، لم يذكر أيا من الأحاديث الثابتة الصحيحة في ثبات طلحة وسعد وجمع من الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شك أن هذا دليل على الانتقائية في الطرح، سيما أن الرجل ترك كتب السيرة والصحيحين وغيرها وذهب ينقل من كتب الكلام والفلسفة ومن كتب المتأخرين وغيرهم! وقد تقدم ذكر الحديث الذي ثبت في الصحيحين عن أبي عثمان قال: «لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، غير طلحة وسعد عن حديثهما»، وهذا الحديث لم يذكره المرتضى في كتابه!.
وثبت في الصحيحين عن أنس قال: «لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو طلحة رضي الله عنه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجوب عليه بحجفة له» وكان أبو طلحة يقول: «يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، لا تشرف، لا يصبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك»(307) وهذا الحديث لم يذكره جعفر مرتضى! ومن العجيب أن أبا طلحة سلم من سهام مرتضى إذ أنه ما تعرض له ببحث مستقل في إثبات فراره كما فعل مع طلحة وسعد
وغيرهما!.
ومما يدل على الانتقائية التامة والمفرطة عند الرجل، نقله عن المسند بواسطة البداية والنهاية لابن كثير وحياة الصحابة للكاندهلوي المتوفى سنة 1384هـ(308) روايةً وقع فيها تصحيف، ليثبت أن من ثبت هو علي وحده، فقال: «وهنا نص يقول: إنه لم يثبت أحد من المهاجرين إلا رجل واحد، وسبعة من الأنصار قتلوا كلهم، ولا ريب في أن هذا المهاجري هو علي (ع)، للإجماع. والنص هو: أخرج الإمام أحمد، عن أنس: أن المشركين لما رهقوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد وهو في سبعة من الأنصار، ورجل من قريش»(309) .ثم قال في الهامش: «البداية والنهاية ج 4 ص 26، وحياة الصحابة ج 1 ص 533، وتقدمت الرواية عن صحيح مسلم ج 5 ص 178 الا أن فيه: رجلين من قريش. وكذا في تاريخ الخميس أيضا»، قلت: هذا تصحيف إما من قلم ابن كثير أو من بعض النساخ لأنه قد ورد الحديث في طبعة دار ابن كثير على الصواب بإثبات رجلين(310) وقد تعمد جعفر مرتضى النقل عن المسند بالواسطة ولم ينقل عنه مباشرة أنه قد ورد فيه: «ورجلين من قريش»(311) ولكن جعفر مرتضى أغمض عينه عن هذا و تمسك بما نقله ابن كثير لأنه يوافق هواه!، ولم يشر إلى أن المسند فيه رجلين كما
أشار إلى صحيح مسلم!.
والأغرب والأعجب أن مرتضى رأى ابن كثير بعد ذكره لهذه الرواية، يذكر رواية النسائي الماضية التي تثبت أن طلحة كان أحد الثابتين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه قاتل بعد موت الأنصار الأحد عشر، ومفاد هذا أن ابن كثير فهم أن طلحة أحد المقصودين في حديث المسند بقول الراوي: «رجلين من قريش» لكن جعفر مرتضى كتم هذه الرواية ولم يوردها رأسا في كتابه! هذه هي السيرة الصحيحة التي يريد أن يقدمها جعفر مرتضى للقراء!!
الوقفة السابعة
أنه لو سلمنا جدلا بصحة كلامه في أنه لم يثبت إلا علي رضي الله عنه فيلزمه الطعن في عمار بن ياسر وسلمان الفارسي والمقداد وأبي ذر وغيرهم ممن يواليهم الاثنا عشرية، إذ أن الرجل ما استثناهم من الفرار، فهو بين أمرين: إما أن يطعن في أصحاب علي كما طعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصفهم بأقذع الأوصاف! أو يجيب عنهم! وجواب أهل السنة سيكون من جنس جوابه بل سيكون جواب أهل السنة أولى وأقوى وأصح في طلحة لأنه قد وردت فيه أحاديث تثبت ثباته وبلاءه، وهؤلاء لم يرد فيهم أي نص يثبت في أي فريق كانوا!.
أما الكوراني فقد استند في مقالته إلى رواية السدي التي في التاريخ وقد تقدم نقدها! غير أنه زاد على ذلك وأقدم على تغيير الحقيقة والتدليس على القراء بأمرين :
الأول: الإتيان بجزء من الرواية وكتم بقيتها، والجزء الذي كتمه يناقض ما أراد أن يوهم به القراء، فقد أتى برواية ابن إسحاق التي ورد
فيها أن أنس بن النضر انتهى إلى عمر وطلحة في رجال من المهاجرين يئسوا لما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل، ثم أتبعها بجزء من رواية الطبري عن السدي التي فيها أن أصحاب الصخرة أرادوا مراسلة أبي سفيان بواسطة ابن سلول، لكي يوهم القراء أن طلحة منهم، مع أن رواية السدي هذه تثبت أن طلحة كان ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم! وأنه جرح لما كان يدافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال السدي: «وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الناس: إلي عباد الله! إلي عباد الله! فاجتمع إليه ثلاثون رجلا، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف فحماه طلحة، فرمي بسهم في يده فيبست يده»(312) وقد تقدم أن مرتضى استدل بجزء من هذه الرواية حين أراد إثبات فرار سعد! وهذا النص يقع قبل سطور من الجزء الذي استدل به الكوراني! فلك أن تعجب من هذا البتر والانتقائية التامة لهذا الرجل! فلا يكتفي بالاستدلال بالضعيف في مقابل الصحيح بل يزيد عليه بالبتر والاقتطاع وإيهام القراء ما يخالف ما جاء في الرواية! فالله المستعان.
الثاني: تحميل الروايات ما لا تحتمل، فقوله: «وذكر ابن مسعود أنه كان من أول الراجعين، لكن بعد انتهاء المعركة»، يقصد به رواية المفيد عن ابن مسعود أنه قال: «انهزم الناس إلا علي بن أبي طالب وحده وثاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفر، وكان أولهم عاصم بن ثابت وأبو دجانة وسهل بن حنيف ولحقهم طلحة بن عبيد الله»،
قلت وليس فيها- على سقوطها- ما يدل على أن هذا كان بعد انتهاء المعركة!!، فمن أين جاء الكوراني بهذا(313)
وفي ختام هذا الرد فإني لا أستغرب على المفيد وجعفر مرتضى والكوراني وغيرهم الطعن في طلحة وبقية الصحابة واتهامهم بالفرار لأن هؤلاء يجعلون سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانتصارات المسلمين في الغزوات كلها راجعة إلى علي وحده دون بقية الآل والأصحاب(314) ، ولك أن تقارن أيها القارئ بين صورتين قدمهما أهل السنة والاثنا عشرية في هذه الواقعة:
صورة أهل السنة لغزوة أحد: أن الله نصر أصحاب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أول الأمر لكن الله عاقبهم بعصيان جملة منهم لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكانت الهزيمة، فهب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنصرته، فمنهم من ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم كطلحة وسعد وأبي طلحة، ومنهم من ثبت في القتال كأبي
دجانة وأنس بن النضر وغيرهم، ومنهم من رجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما علم أنه في خطر كالصديق وأبي عبيدة وعلي رضي الله عنه، بل حتى نساء الآل كان لهن دور في المعركة فهذه أم المؤمنين عائشة وأم سليم رضي الله عنهمافي أوج القتال تنقلان الماء في القرب ليشرب المجاهدون، وبعد المعركة نرى فاطمة تداوي جراح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهكذا كان الآل والأصحاب في أحد كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.
يا لها من صورة رائعة مشرقة عطرة تنشرح لها الصدور.
أما صورة الاثني عشرية: فهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان محاطا بجماعة من الناس بمجرد ما ابتلوا في المعركة فروا جميعهم ولم يثبت أحد سوى علي، صاحب القدرات الخارقة الذي كان يقاتل في بداية المعركة في المقدمة فقتل «جميع أصحاب اللواء»(315) ثم بعد أن التفت الخيل على المسلمين من جهة الرماة انهزم جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم «ولا يثبت إلا علي»(316) فإنه بقي بجنبه، وكان يقاتل وحده كتيبة من خمسين فارسا حتى تفرقت وهزمهم علي(317) أما سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم تركوا «النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرضة للشدائد والبلايا»(318) ثم يختمون هذه الصورة بقولهم «وكان النصر بثبات علي عليه السلام ونزول الملائكة»(319) و«لولا
و«لولا علي عليه السلام لم يبق الإسلام ولا حفظ(320) الدين»
فهذه هي الصورة القاتمة المظلمة التي يقدمها هؤلاء لمدرسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم! وهكذا تكون دعوة خاتم الأنبياء وخير المربين لا تخرج لنا إلا رجلا واحدا فقط عند الشدائد!
مع العلم أن من الاثني عشرية من أنصف أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقصر الثبات على علي وحده، بل ذكر عددا ممن ثبت من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنهم طلحة رضي الله عنه.
قال الطوسي: «وذكر البلخي أن الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد فلم ينهزموا ثلاثة عشر رجلا: خمسة من المهاجرين: علي (ع) وأبو بكر، وطلحة، وعبد الرحمن ابن أبي عوف(321) ، وسعد بن أبي وقاص، والباقون من الأنصار. فعلي وطلحة لا خلاف فيهما . والباقون فيهم خلاف»(322) .
وقال هاشم معروف: «وتؤكد أكثر المصادر أن طلحة قد وقف موقفا سليما في ذلك اليوم»(323) .ونسأل الله الإنصاف.
بهذا ينتهي الرد على الشبهات التي ذكرها الطاعنون في طلحة في غزوة أحد وهي كما رأيت كقول الشاعر:
| شبه تهافت كالزجاج تخالها | حججا وكل كاسر مكسور |
|---|
شبهة أن طلحة أراد الزواج بأم المؤمنين عائشة
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
زعم بعض الناس أن طلحة أراد الزواج بأم المؤمنين عائشة بعد نزول قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾(324) ، فنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾(325) .
وعمدتهم في هذه الدعوى ما ورد في بعض كتب التفسير من روايات في سبب نزول الآية، وهي ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: الروايات التي لم تحدد متى قال طلحة ذلك
-قال ابن وهب: حدثني الليث بن سعد أن طلحة بن عبيد الله قال: لئن قبض رسول الله عليه السلام تزوجت عائشة؛ قال: فنزل القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ قال الليث: عائشة بنت عمه لأنه من قومها؛ قال: وظننت أن عمر بن الخطاب حين قال: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنه على طلحة لعاتب(326) لهذا الأمر(327) .
قلت: هذا معضل، الليث بن سعد توفي سنة 175هـ، وأعلى ما بينه وما بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلان، فهذا سند شديد الضعف.
وما ذكره عن عمر وجدته مرويا عن أبي بحرية عنه أنه قال: «وأما أنت يا طلحة فلقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنه عليك لعاتب»(328) ، وهذا إسناد لا يصح رواه الزهري عن عبد الملك بن مروان عن أبي بحرية، وعبد الملك بن مروان، قال فيه ابن حبان:«كان من فقهاء أهل المدينة وقرائهم قبل أن يلي، وهو بغير الثقات أشبه»(329) ، قلت: وهذا الحديث من غرائبه فإنه قد تفرد به عن أبي بحرية، وعبد الملك بن مروان وإن ذكروا في ترجمته أنه جالس الفقهاء وكان قليل الحديث غير أن هذا لا يرفعه إلى مرتبة الثقة(330) ، وأبو بحرية لا يعرف عنه رواية عن عمر إلا هاهنا، ولا يصح أنه أدرك الجاهلية(331) ، فالإسناد شديد الضعف.
-عن قتادة أن رجلا قال: لو قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لتزوجت فلانة يعني عائشة: فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ قال
معمر: سمعت أن هذا الرجل طلحة بن عبيد الله(332)
قلت: معمر توفي سنة 154 هـ وهو من أتباع التابعين، وبينه وبين الصحابة واسطتان في الغالب ولم يبين ممن سمع هذا، فهذا الخبر لا يعتمد عليه.
- عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا﴾، قال:« نزلت في طلحة بن عبيد الله لأنه قال: إذا توفي رسول الله تزوجت عائشة»(333) .
قلت وهذا لو صح عن أبي بكر بن حزم لكان معضلا! لأنه من صغار التابعين، ولكنه لا يصح إليه، ففي سنده الواقدي وهو متروك(334) ، وقد تفرد بهذا الإسناد.
الطائفة الثانية: الروايات التي ذكرت أن طلحة قال ذلك بعد نزول الحجاب.
-عن ابن عباس قال: فلما ضرب عليهن الحجاب قال رجل من قريش وهو طلحة بن عبيد الله أننهى أن ندخل على بنات عمنا ونكلمهن
إلا من وراء حجاب، أما والله لو قد مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأتزوجن عائشة فنزلت هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾(335)
قلت: هذا حديث موضوع، فيه عدة مجاهيل، ولو صح إلى السدي فتلك سلسلةُ الكذب وهي رواية محمد بن مروان السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس!
أما محمد بن مروان السدي فقال عنه ابن نمير وجرير بن عبد الحميد: كذاب.
والكلبي مرت ترجمته وهو أحد أئمة الكذب.
وأما أبو صالح فهو متهم في روايته عن ابن عباس:
قال ابن معين: «ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي، فليس بشيء ».
وقال ابن حبان: «يحدث عن ابن عباس، ولم يسمع منه(336) » .
وهذا السند سماه ابن حجر: سلسلة الكذب(337) .
-قال مقاتل: قال طلحة بن عبيد الله القرشي من بني تيم بن مرة: ينهانا محمد أن ندخل على بنات عمنا يعني عائشة رضي الله عنها وهما من بني تيم ابن مرة، ثم قال في نفسه: والله لئن مات محمد وأنا حي
لأتزوجن عائشة فأنزل الله- تعالى- في قول طلحة بن عبيد الله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾(338)
قلت: وهذا أوهن من الذي قبله، فمقاتل متروك ومتهم بالكذب(339) ، كما أنه لم يبين عمن روى هذا الخبر فتفسيره ملفق فيما زعمه في مقدمته من تفاسير عدد من التابعين، ومنهم قتادة، فلا يبعد أن يكون قد أخذه من قتادة.
-عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي قال: بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال: أيحجبنا محمد، عن بنات عمنا، ويتزوج نساءنا من بعدنا، لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده. فنزلت هذه الآية(340) .
قلت: السدي توفي سنة 125هـ فهو من صغار التابعين فحديثه دائر بين الإرسال والإعضال، وهو هنا يرويه بلاغا فلم يبين الواسطة، فالإسناد ضعيف جدا.
الطائفة الثالثة: الروايات التي أبهمت اسم القائل
-قال ابن وهب: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ قال: ربما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الرجل يقول: لو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
توفي تزوجت فلانة من بعده، قال: فكان ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فنزل القرآن ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآية(341)
قلت: هذا سند ضعيف جدا، ابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ضعيف جدا، قال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه(342) .
- عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ قال:« نزلت في رجل همَّ أن يتزوج بعض نساء النبيصلى الله عليه وآله وسلم، قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذاك(343) » ، وفي رواية:عن ابن عباس رضي الله عنه قال: « قال رجل من أصحاب النبيصلى الله عليه وآله وسلم لو قد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتزوجت عائشة أو أم سلمة ، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾(344) .
قلت هذا لا يثبت عن ابن عباس لأمرين:
الأول: في إسناده محمد بن أبي حماد لم يرد فيه جرح ولا تعديل، وقد تابعه محمد بن حميد الرازي عند البيهقي وهو من المتروكين(345) ، وقال في روايته: « لتزوجت عائشة أو أم سلمة ».
الثاني:
فيه مهران بن أبي عمر الرازي وهو وإن وثق فقد قال فيه ابن معين: «وكان عنده غلط كثير في حديث سفيان» وقال العقيلي: «روى عن الثوري أحاديث لا يتابع عليها(346) قلت: وهذا أحدها ولذا قال الطبراني: «لم يروه عن سفيان إلا مهران»(347) فالإسناد ضعيف جداً.
والخلاصة أن هذه الروايات لا يصح فيها شيء البتة، وبعض أهل العلم فسر الرجل والمرأة المبهمين في بعض الروايات بطلحة وعائشة(348) ، وبعض الروايات تذكر أن القائل قال ذلك بعد نزول آية الحجاب وبعضها لم يذكر ذلك وقد أجاب أهل العلم عن هذه القضية بأجوبة.
الجواب الأول: وهو الصحيح، وهو نفي ثبوت هذا عن طلحة.
قال ابن عطية: « هذا عندي لا يصح على طلحة، الله عاصمه منه(349) » .
ونقله القرطبي عن ابن عطية ثم نقل عن شيخه أبي العباس وهو أحمد بن عمر القرطبي صاحب المفهم في شرح صحيح مسلم أنه قال: «قد حكي هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة، وحاشاهم عن مثله! والكذب في نقله، وإنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين الجهال(350) » .
وقال الآلوسي بعد
أن نقل كلام ابن عطية: «وهو الذي يغلب على ظني ولا أكاد أسلم الصحة، إلا إذا سلم ما تضمنه خبر ابن عباس مما يدل على الندم العظيم» ثم قال: ولعمري إن ذلك غير بعيد عن المنافقين وهو أبعد من العيوق عن المؤمنين المخلصين لا سيما من كان من المبشرين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين(351)
قلت: وهذا الذي لا يتجه غيره فإن ما روي في نزول الآية لا يصح بحال، فهو دائر بين الإعضال والضعف الشديد والكذب، وأمثلُ ما روي فيه، يحتمل فيه الإعضال أكثر من الإرسال، وهو ما رواه قتادة، مع غلبة الظن أن مخرج هذا واحد، ولا أُراه إلا الكلبي فإنه أحد الحاقدين على طلحة وبقية الأصحاب ومعروف بصنع الأخلوقات عنهم ، وقد توحي كثرة الأسانيد بالثبوت لكن هذا لا يتجه في مثل هذه الأسانيد، لأن بعضها يوهن بعضا ، وعليه فلا صحة لما ذكر في كتب التفسير من نسبة هذا إلى طلحة، ولا يصح في هذا الباب شيء على موازين المحدثين.
الجواب الثاني: أن طلحة قال ذلك قبل العلم بالتحريم، وهو جواب جيد لولا ما يعكر عليه ما جاء في بعض الروايات أن طلحة قال ذلك لما نزل الحجاب(352) .
الجواب الثالث: أن القائل ليس طلحة بن عبيد الله المشهور، بل طلحة بن عبيد الله بن مسافع بن عياض بن صخر بن
عامر بن كعب بن سعد بن تيم، ذكره ابن الأثير والحافظ ابن حجر وقال: «قيل: هو الّذي نزل فيه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾...ذكره أبو موسى في «الذّيل» عن ابن شاهين بغير إسناد، وقال: إن جماعة من المفسّرين غلطوا فظنوا أنه طلحة أحد العشرة، قال: وكان يقال له طلحة الخير، كما يقال لطلحة أحد العشرة»(353)
قلت: وهذا ضعيف، بل فيه تكلف لوجوه:
أحدها: أنه لم يعين جَدُّ القائل في الروايات المتقدمة وليس فيها قرينة على أن المقصود طلحة آخر غير المشهور، فمن أين لمن قال هذا بأنه طلحة آخر، ولو كان غير طلحة المشهور لقاله الرواة.
الثاني: أن هذا اشتباه قطعا، فإن طلحة بن عبيد الله بن مسافع بن عياض هذا متأخر عن طبقة الصحابة، فقد ذكر مؤرج السدوسي ت 195 هـ أن جده مسافع كان معاصرا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه خال أبي بكر الصديق(354) وذكر ابن عبد البر أنه لمسافع بن عياض صحبة(355) وذكر مصعب الزبيري أن طلحة هذا قد تزوج أم كلثوم بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق(356) وبين طلحة رضي الله عنه وجده كعب بن سعد بن تيم ثلاثة أباء، أما طلحة هذا فبينه وبين كعب خمسة آباء،
وعليه فطلحة هذا ليس من الصحابة بل في طبقة متأخرة عنهم! فالقول بأنه هو من قال تلك المقالة اشتباه وغلط عجيب.
وأصح الأجوبة الأول وهو المتعين الذي ينبغي المصير إليه، وهو براءة طلحة من هذا القول والله أعلم.
التزوير والتحريف مستمر!
هذا ومما لا يفوتني أن ابن طاووس عاد إلى عادته في تحريف النصوص حين وقف على الروايات الواردة في نزول الآية، قال: «ومن طرائف ما شهدوا به على عثمان وطلحة ما ذكره السدي في تفسير القرآن في تفسير سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، قال السدي: لما توفي أبو سلمة وخنيس بن حذيفة وتزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(357) بامرأتيهما أم سلمة وحفصة، قال طلحة وعثمان: أينكح محمد نساءنا إذا متنا ولا ننكح نساءه إذا مات، والله لو قد مات لقد أجلنا(358) على نسائه بالسهام، وكان طلحة يريد عائشة وعثمان يريد أم سلمة فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ الآية وأنزل الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾(359) ، وأنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾(360)(361) )( .
قلت:
السدي بريء من هذا! فلم يذكر لا عثمان ولا عبارة «لأجلنا على نسائه بالسهام» ولا نزول آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾! ولكن هذا تلفيق من ابن طاووس بين رواية السدي التي في التفسير مع رواية أخرى، ذكرها ابن الصلاح الحلبي في تقريب المعارف فقال: «وأن عثمان وطلحة القائلان: أينكح محمد نساءنا ولا ننكح نساءه؟!. والله لو قد مات لأجلنا على نسائه بالسهام، وقول طلحة: لأتزوجن أم سلمة(362) فأنزل الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا﴾(363) وقد تقدم مثل هذا عن ابن طاووس في شبهة فرار طلحة في أحد، وقد استيقنت أن ابن طاووس كان يعمد إلى المتون التي ذكرها أبو الصلاح الحلبي في كتابه، فيلفقها مع أصل الرواية التي رويت عن السدي ويزيد ما شاء، ثم ينسب
الرواية إلى السدي، وما جعلني أجزم بهذا، أن أبا الصلاح ذكر في المعارف الرواية الماضية، فقصة أحد السالفة، ثم قصة أخرى، ثم طعن في نسب طلحة، وقد سار ابن طاووس على نفس الترتيب تقريبا، فذكر الرواية الماضية ثم أتبعها برواية أخرى ثم أتبعها بقصة أحد ثم طعن في نسب طلحة، ثم إذا ضممت هذا إلى أنني لم أجد أحدا قبل ابن طاووس نسب لعثمان وطلحة أنهما أرادا تبديل دينهما وأنهما أرادا الزواج بأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا الحلبي، تيقنت ما ذكرته لك من أن ابن طاووس كان يركب متون الحلبي على رواية السدي ثم ينسبها له!.
تحريف رواية أخرى في تفسير القمي:
ليس ابن طاووس وحده من يمتهن حرفة التحريف، بل شاركه أحد المحققين المعاصرين، وهو طيب الموسوي الجزائري، فقد ورد في تفسير القمي: «لما أنزل الله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾(364) وحرم الله نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين غضب طلحة فقال: يحرم محمد علينا نساءه ويتزوج هو بنسائنا، لئن أمات الله محمدا لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا، فأنزل الله عز وجل ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآية»، هكذا جاءت
لكن المحقق طيب الموسوي الجزائري حرف عبارة: « لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا» إلى: «لنفعلن كذا وكذا..»، مع أنه ذكر في مقدمة تحقيقه أنه اعتمد على أربع نسخ منها الطبعة الحجرية المطبوعة بإيران سنة 1313هـ(371) ، وقد قدمنا أن هذه الطبعة أثبتت تلك العبارة، ولم يشر هذا المحقق في الهامش إلى قيامه بالتصرف في لفظ الرواية، وقد راجعت أكثر من عشر نسخ خطية لتفسير القمي فوجدتها متفقة على إثبات هذا اللفظ، وسأكتفي بوضع ثلاث وثائق لثلاث نسخ خطية من ثلاث مكتبات مختلفة.
مخطوطة مكتبة متحف الملك منسوخة بتاريخ 1038 هـ(372)
مخطوطة مكتبة
وكما ترى فإن هذه النسخ الخطية متفقة على إثبات العبارة المذكورة، فلماذا بدل الطيب الموسوي الجزائري لفظ الرواية، أبسبب إغراقها في الفحش؟. أم أن إثبات ذلك قد يؤدي إلى كشف ما حاول طيب الموسوي الجزائري إخفاءه عندما وقف على النص الذي يفتري فيه القمي على طلحة وعائشة كما ستراه في المبحث الموالي؟.
فرية زواج طلحة بعائشة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
يعلم الله أن وجدت ضيقا شديدا عندما بلغ بي الكلام هذه المسألة، وضاق صدري بها أيما ضيق، واستصعبت أن أتكلم في مثل هذا البهتان العظيم، والإفك المبين، الذي يعلم بطلانه من رزق أدنى مسكة من عقل، كيف ورب العالمين يقول في محكم تنزيله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾(375) ، وأم المؤمنين الحيية الطاهرة العفيفة المبرأة من فوق سبع سموات أسمى من ينال منها إفك الأفاكين، وباطل الضالين، ولكن الخطب قد هان عندي حينما ارتأيت أن أجعل طعن الطاعنين في أم المؤمنين وطلحة بتلك الأخلوقة، مسبة وعارا تلحق أولئك الطاعنين، وإلا فبراءة أم المؤمنين وطلحة من تلك الفرية أظهر من أن يحتاج إلى بيانها.
إن الطاعنين في طلحة لم يكتفوا بالادعاء أن طلحة كان يريد الزواج بأم المؤمنين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل أفحش بعضهم القول وزعم أن طلحة تزوج بأم المؤمنين في البصرة والعياذ الله.
قال القمي: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾(376) قال: والله ما عنى بقوله: فخانتاهما إلا الفاحشة وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت
في طريق البصرة، وكان طلحة يحبها فلما أرادت أن تخرج إلى ا لبصرة قال لها طلحة: لا يحل لك أن تخرجي من غير محرم فزوجت نفسها من طلحة نقل الحويزي(377) ومحمد بن محمد رضا المشهدي(378) هذه الرواية المفتراة بهذا اللفظ!، وهذا أصرح لفظ وأوضحه وأبينه، على ما يدعيه هؤلاء على أم المؤمنين، التي برأها الله من فوق سبع سماوات من هذا الإفك وقال محذرا المؤمنين: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(379)
فنقول في الجواب على هذا كما علمنا الله عز وجل: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم﴾، ومثل هذه الأكاذيب التي يدري كل أحد أنها كذب لا يحتاج إلى ردها، وإنما تلحق التهمة قائلها ومروجها، وهذا الأفاك الذي نسب إلى طلحة قوله: «لا يحل لك أن تخرجي من غير محرم»، ما درى أن أم المؤمنين لم تخرج من غير محرم إلى البصرة أبدا؟ بل كان معها ابن أختها عبد الله بن الزبير في الجمل كما ثبت في صحيح البخاري(380) ، وأجمع عليه المؤرخون من الطرفين؟(381)
أما درى هذا الأفاك، أن عائشة كانت محرمة على طلحة حينها، ففضلا عن كونها من أمهات المؤمنين اللواتي حرمهن الله على سائر
المسلمين، فهي محرمة عليه من جهة ثانية، لأن أختها لأبيها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق كانت تحت طلحة حينها، وقد توفي عنها في الجمل فأتت بها عائشة إلى مكة وهي في عدة الوفاة(382) فكيف يتزوج بعائشة وأختها في عصمته؟ إن هذا إلا اختلاق، وصدق من قال: لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ.
التزوير والتحريف لا يتوقف!!
ولبشاعة هذه المقالة الشنيعة، فقد حاول بعض الناس إخفاءها وسترها ووقع ذلك في النسخ الخطية لتفسير القمي وفي مطبوعاته أيضا وفي تفسير البرهان أيضاً!:
التحريف الأول: يبدو أنه قد وقع في مخطوطات تفسير القمي تغيير وتبديل للنص الأصلي، فقد استُبدل اسم طلحة في الموضعين الذي ورد فيهما التصريح باسمه بفلان، وقع هذا في المطبوعة الحجرية لتفسير القمي وفي سائر مخطوطاته التي وقفت عليها(383) ، وكذلك نقله المجلسي عن تفسير القمي(384) .
وقد نقل هاشم البحراني الرواية وذكر لفظ فلان ثم قال في كلا الموضعين: «وفي نسخة طلحة»، أي أنه وقف على التصريح باسم طلحة في نسخة من نسخ تفسير القمي الخطية في زمانه، لكن العجيب
أن هذا التصريح من البحراني كان ثابتا في الطبعة الحجرية لتفسير البرهان(385) وطبعة مؤسسة إسماعيليان(386) لكن محقق طبعة مؤسسة البعثة حذف من المتن عبارة «وفي نسخة: طلحة» وكتب في الهامش: «في نسخة من «ط، ج، ي»: طلحة»(387) قلت: يشير بهذا إلى الطبعتين السابقتين ومخطوطة مؤرخة بسنة 1114هـ، وبقية المخطوطات التي اعتمدها لا تتضمن هذا النص لأنها تنتهي عند سورة الكهف(388) فمعتمده في التصرف في النص هو تفسير القمي المطبوع، فأثبت في المتن نصا يخالف ما اتفقت عليه طبعات كتاب البرهان ومخطوطاته وقد وقفت على مخطوطتين غير التي اعتمد عليها المحقق ووجدتهما متفقتين على إثبات عبارة: «وفي نسخة:طلحة»(389) لكنه بتغييره لما في المتن أذهب على القراء فائدة مهمة وهي أن البحراني نقل الاختلاف عن نسخ تفسير القمي التي عنده وليس عن اجتهاد منه.
التحريف
الثاني: وقع في مطبوعة تفسير القمي، فقد قام طيب الموسوي الجزائري بحذف كلمة البصرة التي وردت في الرواية مرتين(390) فحذفها في الموضع الأول رأسا، وأبدلها بثلاث نقاط في الموضع الثاني!، مع ثبوت لفظ البصرة في الطبعة الحجرية التي اعتمدها من تفسير القمي وكذا في سائر مخطوطاته، وقد تعمد تغيير اللفظ لكي يخفي اتهام القمي لعائشة بهذا البهتان العظيم، فنسأل الله العفو والعافية.
التحريف الثالث: يظهر أنه قد وقع تحريف في نسخ تفسير القمي في قضية الصحابي الذي نسبت إليه القصة، فقد وقفت على أصل الرواية في مخطوطة مؤرخة بتاريخ 1004 هـ لكن الناسخ كتب تحت فلان في الموضع الأول طلحة، وفي الموضع الثاني الزبير كما يظهر في الوثيقة التالية(391) :
وهذا الأمر قد خلت منه كل النسخ التي وقفت عليها وهي متأخرة عن هذا التاريخ، كما تراه في مخطوطة متحف الملك المنسوخة سنة 1038 هـ:
مخطوطة مكتبة متحف الملك منسوخة بتاريخ 1038 هـ.
أكاذيب أخرى:
هناك دعاوى أخرى ذكرها الطاعنون في طلحة أعرضنا عنها لعدم وجود شاهد لها من كتب السنة، وقد اقتصرت على الإشارة لقضية افتراءهم على طلحة وأم المؤمنين عائشة لأبين نموذجا من التحامل الموجود في كتب الاثني عشرية، وإلا فدعاواهم التي لا أصل لها في كتب أهل السنة كثيرة، مثل دعواهم أن طلحة كان من الذين حاولوا اغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة، وأنه كان أحد المتآمرين على منع وصول بني هاشم للخلافة، وغيرها من الافتراءات البينة(392) .
هذا مجمل ما ذكره خصوم طلحة عن سيرته في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد ثبت عدم صحة شيء من دعاواهم عن سيرة طلحة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفضل الله وحمده.
طلحة وخلافة الصديق
زعم بعض الناس أن طلحة رضي الله عنه لم يكن ممن بايع أبا بكر الصديق وأنه اعتزل مع المعتزلين في بيت فاطمة واستدلوا على زعمهم بدليلين:
الدليل الأول: قال ابن إسحاق: «ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إنحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر، وانحاز معهم أسيد بن حضير، في بني عبد الأشهل، فأتى آت إلى أبي بكر وعمر، فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله، قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، حتى ننظر ما هم عليه...»(393) .
ثم أسند عن عمر رضي الله عنه قوله: «إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن الأنصار خالفونا، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة، وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما، واجتمع
المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار»(394)
وأسند البلاذري عن ابن إسحاق عن الزهري قال: «لما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم، انحاز الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي والزبير وطلحة في بيت فاطمة، وانحاز المهاجرون إلى أبي بكر ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته لم يفرغ من أمره. فأتى أبا بكر آت، فقال: أدرك الناس قبل أن يتفاقم الأمر»(395) .
قال محمد مهدي الخرسان: «وفي الخبر ذكر تخلف علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما، وفي إقراره بتخلّف هؤلاء يكفي لنسف زعم الإجماع على خلافة أبي بكر»(396) .
الدليل الثاني: استدل بعضهم(397) برواية للطبري في تاريخه، فروى من طريق محمد بن حميد الرازي عن زياد بن كليب قال: «أتى
عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة»(398)
قال الأميني: «وكيف تقاعس عنها(399) طلحة والزبير... وأبوا إلا عليا، واجتمعوا في داره»(400) .
والجواب عن الدليل الأول أن يقال: ليس في تلك الأدلة ما يؤيد دعوى عدم مبايعة طلحة للصديق بعد أن صار خليفة، لأن سياق رواية ابن إسحاق إنما يدل على أماكن تواجد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبل وقوع البيعة بالسقيفة، بدليل أن ابن إسحاق بعد أن ذكر هذا الكلام ذكر قصة السقيفة، ثم بعدها ذكر وقوع البيعة العامة في اليوم الموالي، فكيف يجعل هذا دليلا على عدم البيعة؟ فطلحة رضي الله عنه وإن لم يحضر السقيفة فلا شك أنه بايع مع الناس في البيعة العامة في اليوم التالي.
أما الدليل الثاني: فالجواب عنه من وجوه
الوجه الأول: أن القصة لا تثبت سندا، لعلتين:
الأولى: محمد بن حميد الرازي وإن كان حافظا إلا أنه كان يغلط غلطا فاحشا حتى صار يكذب من حيث يدري أو لا يدري!، له ترجمة طويلة في تهذيب التهذيب، وقد اختُلف فيه فأثنى عليه من لم يظهر له أمره كالإمام
أحمد، والذهلي، ويحيى بن معين وجعفر الطيالسي، وضعفه غيرهم من النقاد ومنهم البخاري، ويعقوب السدوسي، والجوزجاني، وكذبه أكثرهم بعدما سبروا حديثه فوجدوه يتعمد الكذب ويقلب الأسانيد ويسرق المتون ويحدث بما لم يسمع، كالأزهري، وصالح جزرة، والنسائي، وأبو زرعة الرازي، وابن خراش وأبو حاتم الرازي(401)
الثانية: الإعضال، فزياد بن كليب توفي سنة 120هـ وأعلى ما يرويه يكون عن صغار التابعين من الطبقة الوسطى، فأقل ما بينه وبين القصة واسطتان إن لم تكن ثلاثة، ومثل هذا الإسناد شديد الضعف وليس بحجة فلا يلتفت إليه.
الوجه الثاني: متن الحديث فيه نكارة ظاهرة لأنه يخالف ما صح عن طلحة من ثنائه على الصديق ورضاه بخلافته، فقد مر عمر رضي الله عنه بطلحة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «حين استخلف أبو بكر»(402) فقال: ما لك كئيبا؟ أساءتك إمرة ابن عمك(403) قال: لا، وفي رواية مجالد: لا والله، وفي رواية: معاذ الله إني لأجدركم أن لا أفعل وفي رواية مطرف: وأثنى على أبي بكر ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إني لأعلم كلمة لا يقولها أحد عند موته إلا كانت نورا لصحيفته، وإن جسده وروحه ليجدان لها روحا عند الموت»، فلم أسأله
حتى توفي، قال: أنا أعلمها، هي التي أراد عمه عليها، ولو علم أن شيئا أنجى له منها، لَأَمَره(404)
وهذا الحديث يبطل مزاعم من ادعى أن طلحة لم يبايع الصديق، بدليل قول الراوي:«حين استخلف أبو بكر»، وقول عمر: «أساءتك إمرة ابن عمك»، فدل هذا على أن القصة وقعت قريبة من بيعة الصديق، فكيف يزعم هؤلاء بناء على رواية واحدة ساقطة الإسناد أن طلحة ما بايع الصديق، وتأمل جيدا قول طلحة:« إني لأجدركم أن لا أفعل » وهذا وإن كان قد تفرد به مجالد وهو ضعيف إلا أن معناه صحيح من جهة أن طلحة أقرب الناس إلى الصديق نسبا فكلاهما من بني تيم، إضافة لما ثبت في طرق أخرى من قول الراوي:«وأثنى على أبي بكر»، وكل هذه الأجوبة التي قالها طلحة متعلقة بخلافة الصديق فعلم بهذا عدم صحة ما نسب إلى طلحة رضي الله عنه من رفضه لبيعة الصديق.
الوجه الثالث: قد تقدم عدد من الروايات التاريخية التي تثبت أدوارا مهمة لطلحة في عهد الصديق، سواء في القتال أو المشاورة أو غيرها من الأدوار التي تقلدها طلحة، ولم ينقل أحد من أهل التواريخ أن طلحة رضي الله عنه قام بشيء يفهم منه عدم رضاه ببيعة الصديق، وهذا وحده كاف في إبطال مزاعم أعداء طلحة فكيف إذا انضم هذا إلى ما تقدم؟.
الوجه الرابع: أنه قد ثبت أن طلحة رضي الله عنه قد تزوج أم كلثوم بنت أبي بكر(405) ومعلوم أنها ولدت بعد وفاة الصديق رضي الله عنه، وقد مات عنها طلحة رضي الله عنه يوم الجمل، فما الذي يحمل طلحة على الانتساب إلى بيت الصديق حتى بعد وفاته إلا أن يحفظ ويكرم الصديق في ابنته بعد وفاته، مع أن
طلحة كان حينها متزوجا من غيرها، فلو كان طلحة ناقما على الصديق لما تزوج ابنته بعد وفاته بل زواجه بها دليل على محبته وتعظيمه لأبي بكر رضي الله عنهما جميعاً.
فنسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا الإنصاف والعدل وبالله التوفيق.
طلحة وخلافة عمر بن الخطاب
مراجعة طلحة للصديق في استخلاف عمر:
تعلق بعض الناس بكلام نسب إلى طلحة، حينما استخلف الصديق عمر بن الخطاب، فجعلوه سلما للطعن في عمر رضي الله عنه وخلافته.
قال المفيد: « هذا والأمة مجتمعة على أن أبا بكر لما أراد استخلاف عمر بن الخطاب حضره وجوه المهاجرين وفيهم طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص فقالوا: ما تقول لربك إذا وليت علينا هذا الفظ الغليظ وإنا لم نكن نطيقه وهو رعية لك فكيف إذا ولي الأمر، فاتق الله في الإسلام وأهله ولا تسلطه على الناس، فغضب أبو بكر وقال اجلسوني فأجلس واستند إلى صدور الرجال من ضعفه ثم قال لهم: أبالله تخوفوني...»(406) .
وقال علي البحراني: «وما نرى طلحة أنكر على أبي بكر تقديمه عمر إلا لمفضوليته عنده وكونه على صفة لا يصلح صاحبها للإمامة، وهي كونه فظا غليظا كما صرح به»(407) .
ونقل ابن أبي الحديد عن أبي جعفر محمد بن يحيى البصري أنه
قال: «ولقد قال له طلحة لما ذكر عمر الأمر: ماذا تقول لربك إذا سألك عن عباده، وقد وليت عليهم فظا غليظا! فقال أبو بكر: أجلسوني، بالله تخوفني! إذا سألني قلت: وليت عليهم خير أهلك، ثم شتمه بكلام كثير منقول، فهل قول طلحة إلا طعن في عمر، وهل قول أبي بكر إلا طعن في طلحة»(408)
وزعم علي الكوراني أن طلحة اعترض على الصديق لأنه «أخرج الخلافة من بني تيم وأوصى بها إلى عمر»(409) .
والجواب من وجوه:
الأول: من جهة النقل وذلك بالنظر في الروايات الواردة في الباب والكلام عليها تصحيحا وتضعيفا:
-عن أسماء بن عميس قالت: «دخل رجل من المهاجرين على أبي بكر رحمه الله وهو شاك فقال: استخلفت عمر؟ وقد كان عتا علينا ولا سلطان له، فلو قد ملكنا لكان أعتى علينا وأعتى، فكيف تقول لله إذا لقيته؟».
وفي رواية: «أن رجلا من المهاجرين دخل على أبي بكر رضي الله عنه،
حين اشتد وجعه الذي توفي فيه، فقال: قد استخلف على الناس رجلا فظا غليظا!(410) فقال أبو بكر: «أجلسوني» فأجلسوه فقال: «هل تفرقني إلا بالله؟ فإني أقول إذا لقيته: استخلفت عليهم خير أهلك! قال معمر: فقلت للزهري: ما قوله: خير أهلك؟ قال: خير أهل مكة»(411)
وهذا أصح ما ثبت في هذه المسألة، وقد ورد من طرق أخرى مفاريدها ضعيف، أن القائل هو طلحة من ذلك:
-ما روي عن أسماء قالت: دخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر فقال: استخلفت على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف به إذا خلا بهم؟ وأنت لاق ربك فسائلك عن رعيتك، فقال أبو بكر، وكان مضطجعا: «أجلسوني فأجلسوه فقال لطلحة: أبالله تفرقني، أم بالله تخوفني، إذا لقيت الله ربي فساءلني، قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك»(412) .
-وعن عائشة: لما حضرت أبا بكر الوفاة استخلف عمر، فدخل عليه علي وطلحة فقالا: من استخلفت؟ قال: عمر، قالا: فماذا أنت قائل لربك؟ قال: «أبالله تفرقاني، لأنا أعلم بالله وبعمر منكما، أقول: استخلفت عليهم خير أهلك»(413) .
وهناك روايات أخرى أعرضت عن الاستشهاد بها لوهنها(414) ، والمقصود أنه لم يثبت حديث صحيح لذاته في هذا الباب فيه تصريح بأن القائل هو طلحة، ولذلك قال أبو نعيم: «فإن عارض بأنه قد أنكر ذلك على أبي بكر رضي الله عنه. قيل له: من المنكر عليه؟ فإن قال: طلحة بن عبيد الله واعتل بحديث زبيد اليامي. قيل له: زبيد لم يلق من الصحابة المتقدمين أحدا وأرسل هذا الحديث. ومن أسنده فلا يثبت»(415) .
ولكن مقتضى الجمع بين الروايات يفيد أن طلحة كان ممن كلم الصديق في استخلاف عمر فلا بأس من التسليم بثبوت الواقعة، سيما وأن أصلها صحيح.
الثاني: قد أجاب أهل العلم عن هذه الشبهة بأجوبة:
قال أبو نعيم الأصبهاني: «ولو ثبت لكان وجه الحديث ظاهرا، أن إنكاره ليس عن جهالة بفضله وكماله واستحقاقه، وإنما خاف خشونته وغلظته ولم يتهم قوته وأمانته»(416) .
فبين أن سبب اعتراض طلحة ليس اعتقاده بعدم استحقاق وأهلية الفاروق للخلافة، بل خاف ما عرف عنه من الشدة والقوة في الحق، سيما أن طبيعته كانت مغايرة لطبيعة الصديق الذي عهد عنه اللين والحلم.
قال الآمدي: «قولهم: إنّ طلحة خالف، لا نسلم أن طلحة كان منكرا لصحة العهد، وصحة إمامة عمر؛ بل غايته أنه نقم ما كان يتوهمه من فظاظته، وغلظته لا غير، ولهذا فإنه لم يزل متبعا له، مقتديا به، آخذا لعطائه، وداخلا في رأيه، معينا له في قضاياه، وذلك كله مع إنكار صحة إمامته بعيد»(417) قلت: وهذا جواب سديد فإنه لم ينقل أحد عن طلحة أنه نازع عمر في خلافته، ولذا قال الإمام أبو بكر الباقلاني: «وقد اعترف طلحة بصواب رأيه(418) ووصف عمر لما شاورهم بالخروج بنفسه إلى ملوك نهاوند بما وصفه أبو بكر وفوقه وقال له في كلام مشهور: لقد استقامت العرب عليك وفتح الله على يديك فسر بنا فإنا لا نستعصي عليك، وما هذا معناه من
قول طلحة»(419)
وقال القاضي عبد الجبار المعتزلي: «وأما قول طلحة لأبي بكر: وليت علينا فظا، فأكثر ما فيه الكراهة، فقد بينا ان ذلك لا يطعن في صحة إمامته، على أن هذا الوصف لا يقدح في فضله لأنه إذا استعمل هذا الخُلق مع أعداء الله فهو يجري مجرى قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾(420) ، وقد وصف الله موسى بضرب من الحدة غير قادحة في سكون النفس إليه،...والغلظة في موضعها مدح، كما أن اللين في موضعه مدح، وعلى هذا الوجه يدبر المرء أولاده، فيستعمل مرة اللين ومرة الغلظة، فكيف يكون ذلك ذما له؟، وكل من يطعن بشيء من ذلك في إمامة عمر أريناه باستقامة أمر الدين والسياسة في أيامه فساد قوله»(421) .
قلت: فغاية ما يقال أن الحامل لطلحة على مراجعة الصديق في استخلاف عمر هو ما غلب على ظنه من أن شدة عمر قد تورث لدى الناس تهيبا منه يمنعهم من تحصيل مصالحهم وطلب مظالمهم لا أنه كان يرى عمر ليس أهلا للخلافة، ويدل على ذلك، أن طلحة كان ممن أشار على عبد الرحمن بن عوف بمراجعة عمر في شدته وكان ذلك في خلافته، فعن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: اجتمع علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد، وكان أجرأهم على عمر عبد الرحمن بن عوف، فقالوا: يا عبد الرحمن، لو كلمت أمير المؤمنين للناس، فإنه يأتي الرجل طالب الحاجة فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجة حتى يرجع ولم يقض حاجته، فدخل عليه
فكلمه، فقال: يا أمير المؤمنين، لِن للناس، فإنه يقدم القادم فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجته حتى يرجع ولم يكلمك، قال: يا عبد الرحمن، أنشدك الله أعلي وعثمان وطلحة والزبير وسعد أمروك بهذا؟ قال: اللهم نعم، قال: يا عبد الرحمن، والله لقد لنت للناس حتى خشيت الله في اللين، ثم اشتددت عليهم حتى خشيت الله في الشدة، فأين المخرج؟ فقام عبد الرحمن يبكي يجر رداءه، يقول بيده أف لهم بعدك، أف لهم بعدك»(422) وفي رواية: «أن نفرا من المسلمين كلموا عبد الرحمن بن عوف، فقالوا: كلم عمر بن الخطاب، فإنه قد أخشانا حتى والله ما نستطيع أن نديم إليه أبصارنا، قال: فذكر ذلك عبد الرحمن بن عوف لعمر، فقال: أوقد قالوا ذلك! فو الله لقد لنت لهم حتى تخوفت الله في ذلك، ولقد اشتددت عليهم حتى خشيت الله في ذلك، وايم الله لأنا أشد منهم فرقا منهم مني»(423) قلت: هؤلاء أكابر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسادة هذه الأمة وهم خمسة من العشرة المبشرين، لو كانوا يرون عدم أهليته لقالوا لعبد الرحمن، قم بنا نكلم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عمر فإنه ليس أهلا لهذا الأمر! وحاشاهم من ذلك، كل ما في الأمر أنه قد خفي عليهم لين عمر مع الرعية
في مقابل شدته التي غلبت عليه، فأرادوا مراجعته في ذلك حتى لا يُظلم الناس، فبين لهم عمر رضي الله عنه أنه قد التزم القصد وانتهت المسألة، وزال الإشكال عنهم فلم ينقل أنهم راجعوه في شيء بعدها، وبذلك يظهر وجه اعتراض طلحة في هذه القضية وبراءته من الطعن في عمر رضي الله عن الجميع.
الثالث: أما قول القائل إن الصديق شتم طلحة بكلام كثير منقول، فهذه من الأكاذيب التي تُدعى على طلحة، فقصة الشتم تفرد بها ابن أبي الحديد ولم يعزها إلى مصدرها! فكيف يستند إلى مثل هذه الحكاية؟.
الرابع: ومثل هذا في البطلان قول الآخر إن اعتراض طلحة على الصديق هو بسبب إخراجه الخلافة من بني تيم، وهذا فيه تحامل واضح على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورميهم بنعرات الجاهلية!!، وليس في الروايات الصحيحة ولا الضعيفة أي دليل على هذا الزعم، بل الثابت عن طلحة رضي الله عنه هو نقيض هذا، إذ قد ثبت باتفاق المحدثين والمؤرخين أن طلحة تنازل لعثمان في الشورى، وعثمان من بني أمية وليس من بني تيم! وكفى بهذا دليلا على أن هذه المقالة من بابة التحامل والافتراء، والله المستعان.
هل وصف عمر طلحة بأن فيه زهوا وبأوا؟
زعم الطاعنون في طلحة والأصحاب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما عين الستة للشورى طعن في كل واحد منهم وخص طلحة بوصف الكبر والزهو!
قال المرتضى: «من جملتها(424) أنه وصف كل واحد منهم بوصف زعم أنه يمنع من الإمامة، ثم جعل الأمر فيمن له هذه الأوصاف»(425) ، ثم ساق رواية جاء فيها أن عمر لما قيل له: «فأين أنت عن طلحة؟ قال: فأين الزهو والنخوة»(426) .
وقال أبو الصلاح الحلبي: «قيل(427) : فأين أنت عن طلحة؟ قال: فأين الزهو والنخوة، ومن طريق آخر: طلحة رجل متكبر، أنف في الأرض وأنف في السماء، وهذا أمر لا يصلح لمتكبر»(428) .
وقال الحلي: «وروى الجمهور: أن عمر لما نظر إليهم، قال: قد جاءني كل واحد منهم يهز عفريته، يرجو أن يكون خليفة، أما أنت يا طلحة أفلست القائل: إن قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم لننكحن أزواجه من بعده، فما جعل الله محمدا أحق ببنات عمنا منا، فأنزل الله فيك: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾(429)(430) )( .
وقال
مرة: «ثم طعن في كل واحد ممن اختاره للشورى»(431)
وسود جعفر مرتضى العاملي عشر صفحات تحت عنوان مطاعن عمر في أركان الشورى وأورد فيها روايات كثيرة سنتعرض منها لما هو في كتب أهل السنة دون غيره مما يتفرد به الاثنا عشرية(432) .
والجواب: من وجوه
الأول: بسرد طرق الروايات ونقدها
1-عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ذكرت طلحة لعمر فقال: «ذلك رجل فيه بأو منذ أصيبت يده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»(433) .
قلت فيه أبو بكر الهذلي: متروك ومتهم بالكذب :
قال يحيى بن معين: ليس بشيء .
وقال النسائي وعلي بن الجنيد والدارقطني: متروك .
وقال غندر: كان أبو بكر الهذلي إمامنا وكان يكذب ، وضعفه جماعة غيرهم(434) . فالخلاصة أن إسناد هذه الرواية واه بالمرة.
2-وفي
2-وفي رواية أخرى عن ابن عباس: «قلت: فطلحة بن عبيد الله؟ قال: ذو البأو بأصبعه مذ قطعت دون رسول الله صلى الله عليه وآله(435) وسلم»
قلت: أخرجها ابن شبة من طريق الوليد بن مسلمة عن عمر بن قيس عن عطاء عن ابن عباس، وهذا إسناد مظلم:
الوليد بن مسلمة هو الوليد بن سلمة(436) ولم يصب من فرق بينهما(437) ، أجمعوا على اطراحه وكان من الوضاعين الكذابين:
قال شعيب بن إسحاق: كذابا هذه الأمة وهب بن وهب، والوليد بن سلمة الأردني .
وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث .
وقال العقيلي، عَن أبي مسهر: كذاب .
وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات.
وقال الحاكم والأزدي: كذاب يضع الحديث(438) .
وقال الدارقطني: متروك ذاهب الحديث(439) .
وكذلك شيخه عمر بن قيس المكي لقبه سندل وهو كذاب وماجن :
قال أحمد: متروك الحديث، ليس يسوى حديثه شيئا، لم يكن حديثه بصحيح، أحاديثه بواطيل .
وقال عمرو بن علي، والنسائي: متروك الحديث .
وقال أبو داود: متروك .
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، متروك الحديث، منكر الحديث .
وقال الساجي: ضعيف الحديث جداً، يحدث عن عطاء ببواطيل لا تحفظ عنه .
وقال أبو بكر البزار: ضعيف الحديث ، روى عن عطاء وغيره أحاديث مناكير، كأنه شبيه بالمتروك ، وقال الأزدي وَالدَّارَقُطْنِيّ: متروك الحديث(440) .
ووهم ابن شاهين فذكره في من اختلف نقاد الحديث فيه ونقل عن أحمد بن صالح أنه وثقه(441) .
3-
وفي رواية أخرى: «ذكر عمر من يستخلف... قيل: طلحة، قال: أنفه في السماء وإسته في الماء»(442) قلت: قد نزه الله عمر أن يتكلم بمثل هذا الكلام الساقط، فلا يتصور عاقل أن عمر رضي الله عنه يقول مثل هذا الكلام، وهذه الرواية ساقطة مطرحة كالتي قبلها فمخرجها من الواقدي وهو متروك فلا يلتفت إليها.
4- وفي رواية أخرى عن ابن عباس: «فأين أنت من طلحة بن عبيد الله؟ قال: الأكتع، ما كان الله ليعطيها إياه، ما زلت أعرف فيه بأوا مذ أصيبت يده»(443) .
قلت: في سنده عبيد الله بن حميد، فإن كان الحميري البصري فلم يوثقه إلا ابن حبان(444) وهو متساهل في التوثيق كما هو معروف.
وفيه أيضاً: أبو الفتح الهذلي لم أقف له على ذكر أو ترجمة إلا في هذا
الخبر فهذا إسناد شديد الضعف أيضاً.
5- وعن الحسن أن عمر قال: «وكيف لي بطلحة وهو مؤمن الرضا كافر الغضب»(445) .
قلت: هذا إسناد واه أيضا: يرويه ابن شبة عن شيخه أبي بكر العلمي أو العليمي، ولم أقف على ترجمة له، ولو صح إلى الحسن فليس بشيء لأنه مرسل(446) ، والقول الراجح في مرسل الحسن هو أنه من قسم الضعيف، وقد قال الذهبيرحمه الله : مراسيل الحسن من أوهى المراسيل(447) ، ثم إن هذا مناقض لروايات غيره: فتارة يقولون: إنه قال ذلك في طلحة كما هاهنا، وتارة يقولون: إنه قالها في الزبير(448) !.
6- وعن قتادة عن المغيرة بن شعبة أن عمر قال في طلحة: «رضاؤه رضاء مؤمن وغضبه غضب كافر أما إني لو وليتها إياه لجعل خاتمه في يد امرأته»(449) .
قلت: فيه علل، قتادة مدلس وقد أرسله عن المغيرة لأنه لم يدركه وغالب الظن أن مخرج هذا الحديث من الحسن البصري، والإسناد معضل شديد الضعف، والمتن مخالف لما جاء في الروايات الأخرى التي جاء فيها أن عمر قال هذا لما اختلى به ابن عباس وسأله، وهنا أن الذي خلا به وسأله المغيرة بن شعبة، والجمع ممتنع بين الأمرين.
7- وفي رواية عن أبي حنيفة: «بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لو وليتها عثمان لحمل آل أبي معيط على رقاب الناس، والله لو فعلت لفعل، ولو فعل لأوشكوا أن يسيروا إليه حتى يجزوا رأسه، فقالوا: علي؟ قال: رجل قعدد، قالوا: طلحة؟ قال: ذاك رجل فيه بأو...»(450) .
قلت وهذا بلاغ أقل ما فيه الإعضال، وأبو حنيفة من أتباع التابعين توفي سنة 150هـ والقصة كانت في آخر سنة من خلافة عمر سنة 23 هـ، فبينه وبين الواقعة 120سنة، فهذا أثر لا يعول عليه.
8-وفي رواية عن أبي مجلز: «فقال رجل نستخلف طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، قال: كيف تستخلفون رجلا كان أول شيء نحله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرضا نحلها إياها فجعلها في مهر يهودية»(451) .
قلت: أبو مجلز لم يدرك عمر فروايته عنه مرسلة كما ذكر ابن أبي حاتم، وفي سند الرواية عبد الجليل بن عطية وهو غير
معروف بالرواية عن أبي مجلز، ولذلك فقد يكون وهم في سند الحديث فهو وإن وثق إلا أن البخاري قال عنه: ربما يهم، فغير بعيد أن يكون قد وهم في هذا الخبر سيما أن سياق الرواية مخالف لباقي الروايات فهنا جعل علة عدم استحقاق طلحة للخلافة ما أصدق به طلحة زوجته اليهودية! ومعلوم أن هذا ليس بمانع للاستخلاف شرعا وعقلا وعمر رضي الله عنه أجل من أن يمنع الخلافة عن رجل يستحقها لمثل هذا الأمر.
9- وفي رواية عن ابن عباس: «قلت: طلحة بن عبيد الله؟ قال: الأكيسع! هو أزهى من ذلك، ما كان الله ليراني، أوليه أمر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو على ما هو عليه من الزهو»(452) .
ومن طريق الواقدي عن ابن عباس أن عمر قيل له: «فأين أنت عن طلحة؟ قال: فأين الزهو والنخوة؟»(453) .
10- وفي رواية: «وأما أنت يا طلحة، فوالله لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو عليك عاتب»(454) .
قلت: اللفظ الأول رواه محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عتبة عن ابن عباس وتابعه الواقدي، وهو متروك ولم يدرك الزهري، ولد بعد وفاته بست سنين، فضلا عن أن سياق روايته مخالف لرواية ابن إسحاق.
أما اللفظ الثاني فهو من رواية يونس بن يزيد عن الزهري يرويه عن عبد الملك بن مروان عن أبي بحرية(455) .
أقول إسناد ابن إسحاق غير صحيح لعلل:
الأولى التدليس: فابن إسحاق لم يبين سماعه من الزهري، وروايته عن الزهري إن لم يصرح فيها بالسماع متوقف فيها.
قال الإمام أحمد: « كان ابن إسحاق يدلس ، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يبين إذا كان سماعًا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال(456) » .
وقال أحمد بن محمد: «قلت لأبي عبد الله: ما تقول في محمد بن إسحاق؟ قال: هو كثير التدليس جدًا(457) » ، وقال مرة: « هو كثير التدليس جدًا ، فكان أحسن حديثه عندي ما قال أخبرني وسمعت»(458) .
قال ابن القيم في كلامه عن رواية لابن إسحاق عن الزهري:« ذلك أن مداره على محمد بن إسحاق عن الزهري، ولم يصرح ابن إسحاق بسماعه منه، بل قال ذكر الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تفضل الصلاة التي يستاك لها على
الصلاة التي لا يستاك لها سبعين ضعفا، هكذا رواه الإمام أحمد وابن خزيمة في صحيحه إلا أنه قال: إن صح الخبر،قال: وإنما استثنيت صحة هذا الخبر لأني خائف أن يكون محمد بن إسحاق لم يسمع الحديث من الزهري وإنما دلسه عنه وقد قال عبد الله بن أحمد قال أبي: إذا قال ابن إسحاق وذكر فلان فلم يسمعه، وقد أخرجه الحاكم في صحيحه وقال: هو صحيح على شرط مسلم، ولم يصنع الحاكم شيئا فإن مسلما لم يرو في كتابه بهذا الإسناد حديثا واحدا ولا احتج بابن إسحاق وإنما أخرج له في المتابعات والشواهد، وأما أن يكون ذكر ابن إسحاق عن الزهري من شرط مسلم فلا وهذا وأمثاله هو الذي شَانَ كتابه ووضعه وجعل تصحيحه دون تحسين غيره، قال البيهقي: هذا الحديث أحد ما يخاف أن يكون من تدليسات محمد بن إسحاق وأنه لم يسمعه من الزهري(459)
الثانية: قد تفرد ابن إسحاق بهذا الإسناد عن الزهري، وهذا موجب للتوقف، لأنك حين تفتش في أسانيد هذه القصة فلا ترى إلا متهما أو كذابا، ثم ينفرد ابن إسحاق بمثل هذا الإسناد المضيء عن الزهري دون سائر أصحاب الزهري الذين لازموه وصحبوه مع شهرة حديثه، تجزم بأن مثل هذا لا يصح عن الزهري ويقوى في القلب أن يكون ابن إسحاق دلسه عن أحد الضعفاء عن الزهري أو يكون جمع بين رواية الزهري وغيره، قال المروذي: «سألته (يعني أبا عبد الله) عن
محمد بن إسحاق كيف هو؟ فقال: هو حسن الحديث، ولكنه إذا جمع عن رجلين، قلت: كيف؟ قال: يحدث عن الزهري ورجل آخر، فيحمل حديث هذا على هذا(460) وقال أيوب بن إسحاق بن سافري: سألت أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله، ابن إسحاق إذا تفرد بحديث تقبله؟ قال:« لا والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا»(461) ولهذا لا يطمأن لصحة هذا الحديث عن الزهري.
الثالث: قد خالف يونس بن يزيد ابنَ إسحاق ، فرواه عن الزهري عن عبد الملك بن مروان عن أبي بحرية، ولفظه : «وأما أنت يا طلحة فلقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنه عليك لعاتب»، ويونس بن يزيد الأيلي من أثبت أصحاب الزهري وإن كان في حديثه وهم .
وقال ابن المبارك: ما رأيت أحدا أروى للزهري من معمر إلا أن يونس أحفظ للمسند ، وفي رواية: إلا ما كان من يونس، فإنه كتب الكتب على الوجه .
قال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، عالم بحديث الزهري .
قال أحمد بن صالح المصري: نحن لا نقدم في الزهري على يونس أحدا قال: وكان الزهري إذا قدم أيلة نزل على يونس، وإذا سار
إلى المدينة زامله يونس.
وقال يحيى بن معين: أثبت الناس في الزهري : مالك، ومعمر، ويونس ، وعقيل، وشعيب بن أبي حمزة، وابن عيينة.
وقال أيضا: أثبت أصحاب الزهري: مالك، ومعمر ويونس كانوا عالمين بالزهري(462) .
وقد جعله الإمام أحمد من الأثبات في الزهري لكنه استنكر له أحاديث جعلت البعض يحطون من رتبته مع توثيقهم له، وأعدل الأقوال فيه أنه ثقة في حديثه ومن أثبت أصحاب الزهري وحديثه من كتابه أصح(463) .
أقول: قد ثبت أن هذا الحديث رواه يونس من كتابه فالراوي عنه هو شبيب بن سعيد وهو ثقة من أصحاب يونس وصاحب كتبه:
قال أبو حاتم: كان عنده كتب يونس بن يزيد.
وقال أبو أحمد بن عدي: ولشبيب نسخة الزهري عنده عن يونس، عن الزهري أحاديث مستقيمة(464) .
ويونس بن يزيد من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري، خلافا لابن إسحاق فهو من أهل الطبقة الثالثة الذين في روايتهم عن
الزهري كلام(465) فلو كان هذا الحديث عند الزهري عن عبيد الله بن عتبة لما خفي على مثل يزيد بن يونس الأيلي الذي كان شديد الملازمة له وكان يكتب كل حديثه، فحديث ابن اسحاق هذا معلول لا يصح.
هذا سائر ما وقفت عليه مسندا في هذه القضية من طرق أهل السنة، وقد تبين لك أنه لا يصح شيء في هذه القصة بل كل ما ورد فيها ما بين رواية كذاب ومتروك وإسناد معضل أو معلول.
الوجه الثاني:
أن هذا خلاف ما صح عن عمر من قوله عن أهل الشورى: «توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو راض عن أولئك الستة»، وتعيينه لهم للخلافة، مع تعظيمه لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وثنائه عليهم، لا سيما المهاجرين منهم.
قال أبو بكر الباقلاني بعد أن حكى عن المخالفين هذه الشبهة: «يقال لهم ليس من شأن أهل العلم ومن أراد الله ببحثه وفحصه أن يترك الظاهر المعلوم من حال الصحابة مما يوجب إعظام بعضهم بعضا إلى القول بمجهول من أمرهم والمصير إلى روايات شاذة في ذم بعضهم بعضا، ولا سيما إذا عارضها ما هو أقوى منها وأثبت، فهذه الأخبار أكثرها كذب موضوع لا محالة وإن جاز أن تكون اللفظة واللفظتان منها صحيحة، لأنا علمنا ضرورة من حال عمر أنه عظمهم وقرظهم وأنه جعل الأمر فيهم وأمر الأمة بالانقياد، وأخبر أنهم أفضل من بقي، وهذا
الثابت المعلوم لا يرده ظاهر هذه الروايات والأقاويل التي رويتموها، فوجب دفعها واطراحها، وكيف يجوز أن يظن بعمر في فضله وتيقظه وصرامته وثاقب رأيه وعلمه بمواقع الخطاب وأحوال الكلام وموارد الأمور ومصادرها أن يناقض بمثل هذه المناقضات في كلامه، وهو من أعلمهم بضبط الصحابة وتحصيلهم واستدراكهم للدقيق اللطيف فضلا عن المناقضة الظاهرة، فلو لم نعلم ضرورة بالروايات المعارضة لهذه الأخبار الواردة عنه في تقريظهم وتعظيمهم لوجب أن ينفى عنه مثل هذه المناقضات، فكيف والأمر بخلاف ذلك، وكيف يجوز أن يقبل مثل هذا في طلحة مع ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تفضيله له، وقوله «هذا يوم كله لطلحة»(466) و«لولا أنه قال حس لطار مع الملائكة» وقوله للصحابة وقد أحدقوا به لأخذ درعه وحط السلاح عنه: «عليكم بطلحة» في أمثال لهذه الأخبار معلومة ثابتة»(467)
وقال الطحاوي بعد أن ذكر رواية أبي بحرية: فكبر في قلوبنا ما
حكاه أبو بحرية عن عمر رضي الله عنه في طلحة لجلالته عندنا، ولموضعه من الإسلام، ولصحبته رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن توفي أحسن صحبة ولدخوله في الآية التي أنزلها الله على رسوله، وهي قوله عز وجل: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾(468) فكيف يعتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على من رضي الله عنه؟ هذا عند ذوي العقول من المحال الذي لا يجوز كونه، ثم نظرنا في هذا الحديث أيضا، فوجدنا أبا بحرية لم يذكر فيه حضور ذلك من عمر رضي الله عنه، ولا سماعه إياه منه، ولو كان ذكر سماعه إياه منه لما كان عندنا مقبولا، إذ كان رجلا مجهولا ليس من أهل العلم المؤتمنين عليه، المأخوذ عنهم، فكيف ولم يذكر سماعه إياه منه؟ ثم نظرنا: هل روي عن عمر في طلحةرضي الله عنهماما يخالف ذلك؟! ثم ساق بسنده حديث الشورى ثم قال: «وكان في هذا الحديث ذكر عمر رضي الله عنه في النفر الذين جعل الخلافة إليهم طلحة، و كان محالا أن يجعلها إلى رجل قد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عاتب عليه وكان هذا الذي وجدناه عن عبد الله بن عمر في ذلك، وعبد الله بن عمر هو العدل في روايته، الثبت فيها، المأمون عليها، لا كأبي بحرية الذي هو في هذه الأشياء بضد ذلك، وكان ممن روى عن عمر أيضا في طلحة رضي الله عنهماما يخالف ما روى أبو بحرية عنه أسلم مولى عمر»، ثم ساق عدة أحاديث في أن عمر ذكر أن الستة الذين عينهم للشورى، توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو راض عنهم ثم قال فهذا أسلم مولى عمر، وعمرو بن ميمون الأودي، ومعدان بن أبي طلحة اليعمري، وهم أئمة في العلم، عدول فيه، مأمونون عليه، مقبولة روايتهم
إياه، يروون عن عمر رضي الله عنه خلاف ما روى أبو بحرية عنه، ويحكون ذلك سماعا من عمر مع مشاهدة منهم له، فكيف يجوز لذي عقل، أو لذي دين أن يتعلق برواية مثل أبي بحرية الذي لا يعرف، ولا يعد من أهل العلم، ولا يعرف له لقاء لعمر أن يقبل ما روى عن عمر مما قد خالفه فيه من قد ذكرنا؟ وهو ممن لو روى مثل هذا في من دون طلحة، وهذه أحواله، لم تقبل روايته، ولم يلتفت إليها، فكيف في طلحة رضي الله عنه مع جلالة قدره وعلو مرتبته وموضعه من دين الله، وقيام الحجة له بموضعه من رسول الله وشهادة الأئمة العدول الذين ذكرناهم على عمر فيه بما قد ذكرناه من استحقاقه للخلافة، وأنه لها موضع، ومن موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الرضا عنه، والله نسأله التوفيق(469)
قلت: وهذا الجواب متين وقوي، وقد وقفت على ما يؤيده، ويقطع هذه الشبهة فقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه وصف طلحة بأنه من الأئمة الذين يقتدى بهم: فعن أسلم مولى عمر، أن عمر رأى على طلحة ثوبين مصبوغين بالمشق وهو محرم، فقال: «ما هذان الثوبان عليك؟» فقال طلحة: إنهما ليس بهما بأس، إنهما صبغا بمدر، فقال عمر: إنكم أئمة يقتدي بكم الناس ولو أن أحدا جاهلا رأى عليك ثوبا مصبوغا في الحرم قال: رأيت طلحة يلبس الثياب المصبوغة وهو محرم، فلا يلبس أحد منكم أيها الرهط من هذه الثياب
وهو محرم».
وهذا حديث صحيح إسناده كالشمس ، يرويه أسلم مولى عمر، ورواه عنه نافع مولى ابن عمر، ورواه عن نافع الإمام مالك ومحمد بن إسحاق وفليح بن سليمان وأيوب السختياني وصخر بن جويرية وأسامة بن زيد(470) .
فمن يقول في طلحة إنه إمام يقتدى به وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي وهو عنه راض، لا يتصور أن يقول فيه إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي وهو عليه عاتب، وإن فيه زهوا وبأوا!!.
وخلاصة القول أن ما نسب إلى عمر من كلام في طلحة لا يصح بوجه، سواء من حيث سنده، لأن جُلَّ رواة هذا الحديث من المتهمين، أو من حيث متنه لمخالفته لما صح واستفاض عن عمر من ثنائه على طلحة وبقية أصحاب الشورى.
طلحة وخلافة عثمان
لعل أكثر شبهات الطاعنين في طلحة تتعلق بخلافة عثمان رضي الله عنه وما وقع فيها من فتنة عظيمة ابتدأت باجتماع الغوغاء عليه في المدينة، تلاه حصارهم إياه في داره، إلى أن وقعت المصيبة العظمى بمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وسيأتي في المقدمة الثالثة من هذا المبحث أن أكثر من ينقل هذه الوقائع هم من المنحرفين عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فضلا عن الوضاعين والمشبوهين ومن لا يدرى حاله، فعلى الباحث أن يتحرى غاية العدل والإنصاف في هذا الموضع وأن يعتمد من الأخبار أصحها واللائق منها بصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يزيف ما ينقله الوضاعون من أكاذيب ظاهرة وباطلة كقول بعضهم أن المسلمين بمن فيهم طلحة أجمعوا على قتل عثمان(471) ، والحق أن الباحث في الفترة التاريخية المتعلقة بفتنة عثمان ليهوله حجم الأكاذيب والافتراءات التي صنعها رواة الأخبار حول هذه الفتنة إذ أنه لا يتمكن من تصفية هذه الأخبار وفرز الصحيح من السقيم منها إلا بمشقة وعناء، ولذا قبل أن نبدأ في سرد شبهاتهم حول دور طلحة في هذه الفتنة لا بد أن نقدم بمقدمات إجمالية.
المقدمة الأولى: ملخص أحداث فتنة مقتل عثمان
بعد أن تمكن أهل الفتنة من إقناع جماعة من الغوغاء بما زعموا من أمور نقموها على عثمان رضي الله عنه اجتمعوا بعد أن قدموا من مصر والعراق في المدينة، فاستقبلهم عثمان وطلب منهم أن يذكروا له ما ينقمونه عليه فذكروا أشياء، فرد عليهم بما يبين لهم الحق والصواب في المسألة، ثم عقد معهم صلحا ورجعوا راضين، وفي أثناء رجوع أهل مصر عرض لهم راكب استرابوا في أمره، ففتشوه فوجدوا معه كتابا على لسان عثمان يأمر بقتلهم، فرجعوا إلى المدينة، واتهموا عثمان بأمر الكتاب فتبرأ لهم عثمان من ذلك فما صدقوه، وحاصروا داره لمدة طويلة، منعوه فيها من الصلاة بالمسجد ومن الماء، وأثناء كل ذلك يناظرهم عثمان ويحذرهم من ارتكاب جريمة في حقه، والصحابة يترددون على بيته يعرضون عليه نصرته وعثمان يأمرهم بعدم القتال، ثم استمر الحصار حتى قتل عثمان رضي الله عنه شهيدا مظلوما(472) .
المقدمة الثانية: موقف طلحة من عثمان قبل الفتنة وبعدها
لا شك أن علاقة طلحة بعثمان كانت علاقة أخوة ومودة، فكلاهما كان من أوائل المسلمين ومن كبار المهاجرين وشهدا جميع المشاهد سوى بدر ولم يشهد عثمان بيعة الحديبية لأنه كان بمكة، ومن عجائب الاتفاقات اتفاقهما في عدم شهود بدر مع حصولهما على سهمها وأجرها، وكلاهما من العشرة المبشرين بالجنة، وكلاهما بشر بالشهادة، وكلاهما توفي النبي صلى الله
عليه وآله وسلم وهو عنه راض، وكلاهما من أصحاب الشورى، وكلاهما كان ينفق الأموال الجزيلة في سبيل الله، وكلاهما سمى اثنتين من بناته باسم مريم وعائشة، وأوضح دليل على مدى قوة العلاقة التي كانت تربط طلحة بعثمان هو تنحي طلحة عن الخلافة لصالح عثمان في الشورى فخلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم منزلة عظمى لا ينالها كل أحد، فتنازلُ طلحة عن هذه المنزلة العظيمة لصالح عثمان ينبهك على أن طلحة كان يرى عثمان أهلا لهذا المنصب العظيم، وكفى بهذا دليلا على ما ذكرته له من قوة العلاقة بينهما.
وبعد أن قتل عثمان شهيدا مظلوما كان طلحة من أوائل من طالب بالاقتصاص من قتلته، وندم ندما شديدا على تفريطه في نصرته عند الحصار ، بل تراه وهو يقاسي آلام جراح السهم الذي أصابه، يدعو الله قائلا:«اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى».
فعندما يستحضر الباحث كل هذه القضايا الثابتة عن طلحة وعثمان، كيف يظن بطلحة ما يزعمه الحاقدون والغلاة في عداوة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أنه كان حاقداً على عثمان!! وأنه ألب الناس عليه كي ينزعوه ويتولى الخلافة من بعده ثم لما قتل بتدبير منه صار يطالب بدمه!!، فهذه المقدمة الكلية رد مجمل على مزاعم الطاعنين في طلحة.
المقدمة الثالثة: ضرورة تصفية الروايات التاريخية من أخبار الكذابين والوضاعين والغلاة
إن أكثر الروايات التي يستند إليها الطاعنون في طلحة بن عبيد الله وأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الفترة هي لأشخاص أكلهم الحقد على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويعتبرون امتدادا وخلفا لرؤوس الفتنة في عصر عثمان ، فإن كان سلف هؤلاء الذين شاركوا في هذه الفتنة قد صنعوا كثيرا من الأخلوقات عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم واشتراكهم في التأليب على عثمان، فإن خلفهم قد تكفلوا بصناعة المرويات التاريخية التي تجمل صورة أصحاب الفتنة، وتوهم الناس بصحة هذه الأكاذيب والافتراءات.
- أو روايات لصنف من الرواة غلب على حديثهم النكارة وظهر في أخبارهم الوضع والاختلاق ، أو يعتمدون على روايات لصنف من المجاهيل الذين لا يدرى عنهم شيء .
- أو كتب منحولة على أصحابها، كما هو الحال بالنسبة لكتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة، أو وقع فيها دس وزيادة وتحريف كما هو الحال لتاريخ ابن أعثم المسمى بالفتوح.
وعليه فيبنغي لمن يريد الخوض في هذا الباب أن يصفي مصادره من روايات هذا الصنف، ولذا سنبين حال هذا الضرب من الأخباريين ثم نستعرض بعض الأباطيل التي وردت في روايتهم، فمن هؤلاء:
أبو مخنف: لوط بن يحيى أحد الإخباريين الذين تصدروا لنشر الأباطيل
عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قال ابن معين: ليس بشيء وقال مرة: ليس بثقة .
وقال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث .
وقال الدارقطني: أخباري ضعيف(473) .
قال ابن عدي بعد أن نقل عن ابن معين تضعيفه قال: « حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين، ولا يَبعد مِنْهُ أن يتناولهم »، ثم نسبه إلى الغلو وأعرض عن نقل رواياته المنكرة فقال: «وإنما له من الأخبار المكروه الذي لا أستحب ذكره(474) » ، فهذا ابن عدي رغم أنه يسوق في ترجمة الراوي أحاديثه المنكرة والموضوعة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه يستبشع نقل روايات أبي مخنف في كتابه.
وقد جمع الدكتور يحيى بن إبراهيم اليحيى مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري وقام بدراستها دراسة نقدية مقارنة مع مرويات المحدثين وثقات المؤرخين، فخلص إلى أنه يتعمد تزوير وتحريف الروايات فضلا عن أن سائر أسانيده ضعيفة إذ لا تخلوا من انقطاع يدور بين الإرسال أو الإعضال أو يكون رواتها من الضعفاء(475) .
محمد بن السائب الكلبي وابنه هشام بن محمد وقد استوفيت
الكلام عنهما حين تعرضت لنقض مطاعنهما في نسب طلحة وبينت أنهما من أئمة الكذب.
- نصر بن مزاحم المنقري : له كتاب وقعة صفين ونقل عنه الطبري بعض الروايات في وقعة الجمل.
قال العقيلي: في حديثه اضطراب وخطأ كثير .
وقال أبو خيثمة: كان كذابا .
وقال أبو حاتم: واهي الحديث متروك .
وقال الدارقطني : ضعيف .
وذكر العجلي أنه كان غاليا وأنه ليس بثقة، ولا مأمون.
وقال الخليلي: ضعفه الحفاظ جداً(476) .
- محمد بن عمر الواقدي : أحد المكثرين ومن علماء السير والمغازي، وثقه جماعة من النقاد وضعفه آخرون حتى اتهم بالكذب ، وهو وإن كان له عناية بالسير والأخبار إلا أن المنكرات غلبت على حديثه حتى استحق الترك ، ولذا فإن أعدل الأقوال فيه، حكاية ما رواه مما لا يتعلق بعقيدة أو شريعة، أو طعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، دون أن يبلغ ذلك مرتبة الاحتجاج به، ورد ما تفرد به من منكرات سيما ما يتعلق منها بالروايات التي تُسود تاريخ أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
سيف بن عمر التميمي أجمع أهل الحديث على جرحه والطعن فيه، وارتضاه بعضهم في التاريخ، فقال فيه ابن حجر:
ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ(477) وقد خلص الدكتور محمد الغبان في دراسته لمرويات سيف في مقتل عثمان إلى أنها تدافع أحياناً عن بعض الصحابة رضي الله عنهم بينما نجدها في أحايين أخرى تشوه لنا صوراً لآخرين من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم(478) وعليه فما يقال في الواقدي يقال في سيف بن عمر.
كتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة الدينوري: وهذا الكتاب مصنوع و موضوع على ابن قتيبة رحمه الله كما نص عليه غير واحد من المحققين، وقد ذكروا أدلة وبراهين عديدة تورث القطع بعدم صحة نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة وبراءته منه، ثم إني رأيت أحد الكتاب وهو محمد مهدي الموسوي الخرسان(479) رام أن يصحح نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة وتكلف الرد على الأدلة التي تنافي ذلك لكي يتم له ولمن يسير على مسلكه الاحتجاج بالكتاب للطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحيث أني لم أر من تعرض للرد عليه، مع اشتمال هذا الكتاب على كثير من الأخبار التي تتعلق ببحثي عن طلحة(480) رأيت أن
أفصل الرد على شبهاته وردها وبيان أن الصواب مع من حكم بعدم صحة نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة.
الأدلة على عدم صحة نسبة كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة
ويمكن أن نقسمها إلى قسمين، قسم يتعلق بالأدلة الخارجية، وقسم يتعلق بنصوص الكتاب، وهي الأدلة الداخلية(481) .
الأدلة الخارجية
الدليل الأول: عدم وجود إحالة من ابن قتيبة في كتبه الأخرى على كتاب الإمامة والسياسة
فكتب ابن قتيبة المطبوعة يحيل فيها على كتبه الأخرى في غير ما موضع، وسأكتفي ببعضها:
-فكتاب أدب الكاتب قد أشار إليه في أول كتابه عيون الأخبار(482) .
-وكتاب الشعر والشعراء أشار إليه في أول كتابه عيون الأخبار أيضا وفي كتاب المعارف(483) ،
-وكتاب الأشربة عزا إليه في ثلاثة كتب: الشعر والشعراء، والميسر والقداح، وعيون الأخبار(484) .
-وكتاب الأنواء، عزا إليه ابن قتيبة في كتاب المعاني الكبير(485) .
-وكتاب غريب القرآن ذكره في مشكل القرآن(486) .
-وكتاب مشكل القرآن ذكره في غريب القرآن وذكره في الأنواء(487) .
-وكتاب فضل العرب والعجم ذكره في عيون الأخبار(488) .
لكنه لم يذكر كتاب الإمامة والسياسة في أي من كتبه على الاطلاق، مع أن الداعي قائم، فكتاب الإمامة والسياسة فيه أخبار كثيرة
في تاريخ الخلفاء مناسبة للإشارة إليها في كتاب المعارف، الذي هو كتاب في التاريخ أيضا، ومع ذلك، فلا تجد المعارف مذكورا في الإمامة والسياسة، ولا الإمامة والسياسة مذكورا في المعارف!.
وقد ذكر الدكتور جبرائيل جبور شيئا من هذا فقال: «ونستطيع لو شئنا إضافة أسباب غيرها تبعد الكتاب عن ابن قتيبة، منها مثلا أن من عادة ابن قتيبة، أن يشير في بعض كتبه إلى بعض كتبه الأخرى ولم ترد أي إشارة في الإمامة والسياسة إلى كتاب من كتبه» أ،أما محمد مهدي الموسوي فلم يتعرض لهذا الدليل.
الدليل الثاني : أن جميع من ترجم لابن قتيبة لم يذكر هذا الكتاب في عداد كتبه، وهذا الدليل اعتبره الدكتور جبرائيل جبور من أقوى الأدلة على عدم صحة نسبة الكتاب لابن قتيبة(489) :
وأجاب عنه محمد مهدي الموسوي بنقل كلام للنووي ذكر فيه كثرة مصنفات ابن قتيبة وأنه نسي عددها، ثم قاس على ذلك عدم ذكر المتقدمين للإمامة والسياسة في مصنفات ابن قتيبة، مع أنه حاول أن يطعن في أمانتهم قائلا: «وهذا النسيان الذي اعتذر به محتمل عند غيره من قدامى مترجمي ابن قتيبة إذا أحسنّا الظن بهم ، فلم يذكروا كتاب «الإمامة والسياسة»، ولم يكن إهمالهم لذكره عن سوء نيّة وخبث طوية ، لأنّ في الكتاب ما لا يعجبهم ذكره من أحداث وقعت في صدر الإسلام»(490) .
ثم بعدها نقل كلام ابن خلدون في عدم اعتماده على كتب ابن قتيبة في أمر الجمل، وكلام ابن العربي وابن حجر الهيتمي ثم تكلم عمن نقل عن الكتاب أو نسبه لابن قتيبة.
والجواب من وجوه:
الأول: أن الاتكاء على دعوى نسيان النووي لعدد كتب ابن قتيبة لقياسها على باقي المتقدمين من أضعف الأدلة، خاصة حين يذكر النووي ستين عنوانا ولا يذكر منها كتاب الإمامة والسياسة مع العلم أن غير واحد من المحققين ذكر أن عددها أقل من ذلك وأن بعض المتأخرين ظن أن عناوين بعض الكتب المدرجة في كتاب واحد عبارة عن كتب مستقلة، بينما هي جزء من كتاب واحد.
الثاني: أن ابن النديم من الإمامية الاثني عشرية ، وليس من أهل السنة، ومن الذين لهم عناية تامة بتتبع مصنفات العلماء، ولم يذكر كتاب الإمامة والسياسة في عداد كتب ابن قتيبة، فهل سيشكك محمد مهدي الموسوي في نيته أيضاً !.
الثالث: أما ما نقله عن ابن خلدون وابن العربي والهيثمي وغيرهم فتأتي مناقشته في الدليل التالي.
الدليل الثالث أن النقل من الكتاب من غير واحد من أهل العلم
وفي غير ما موضع، وتطابق المنقول مع الموجود في الكتاب من أهم الأمور والأدلة التي تحكم بالاطمئنان إلى صحة الكتاب عن مؤلفه بالانضمام إلى أدلة أخرى، وهذا الكتاب عار عن هذه المسألة، فلم ينقل عنه أحد قبل ابن الشباط التونسي المتوفى سنة 681 هـ، وأول من أشار إليه هو ابن العربي المالكي ت 543 هـ في العواصم من القواصم لكنه لم يقطع بنسبة جميع ما فيه لابن قتيبة.
وهذا دليل على عدم اطلاع أحد من المتقدمين على هذا الكتاب، خلافا لبقية كتب ابن قتيبة التي تواتر النقل عنها، حتى أنك تجد غالب كتاب الأشربة قد نقله ابن عبد ربه في العقد الفريد.
وأبين من هذا وأوضح، نقل قدماء الاثني عشرية عن كثير من كتب ابن قتيبة، في مسائل تتعلق بالقرآن أو الحديث أو اللغة، وعدم نقلهم ولو نصا واحدا من الإمامة والسياسة مع قيام الدواعي على ذلك:
- فتجد مثلاً المفيد نقل عدة نصوص عن ابن قتيبة من كتاب تأويل مختلف الحديث(491) .
-والمرتضى ينقل من إصلاح غلط أبي عبيد(492) ، ومن تأويل مشكل القرآن(493) ، ومن تأويل مشكل الحديث(494) ، ومن عيون الأخبار(495) .
-وابن إدريس الحلي ينقل من كتاب الأنواء(496) .
- وكذا ابن أبي الحديد وهو من المعتزلة الغلاة في التفضيل، فقد نقل نصوصا من المعارف(497) ، ومن غريب الحديث(498) ، ومن أدب الكاتب(499) ، ومن عيون الأخبار(500) .
والمفيد والمرتضى عهدهما قريب من قتيبة فضلا عن أن كليهما كان ببغداد، وكذا ابن أبي الحديد ، وقد نقل من غير كتاب لابن قتيبة فيما يخدم غرضه، وكتب ابن قتيبة مشهورة ومنتشرة ببغداد، ومن ذكرتهم ينقلون كثيرا من الأخبار التاريخية من كتب من تقدمهم كالواقدي وغيره، ولم ينقلوا ولو خبرا واحدا من الإمامة والسياسة مع أن الداعي قائم على النقل منه، خاصة فيما يتعلق بطلحة رضي الله عنه إذ أن الكتاب حوى نصوصا كثيرة تطعن فيه.
وقد حاول محمد مهدي الموسوي، وقبله حامد حسين اللّكهنوي وعلي الميلاني أن يثبتوا صحة نسبة الإمامة والسياسة لابن قتيبة، بناء على نقل بعض أهل العلم والكتاب المحدثين منه ناسبين إياه لابن قتيبة، فذكر اللكهنوي: عمر بن فهد المكي، وعبد العزيز بن عمر بن
فهد، وتقي الدين الفاسي، وأبو الحجاج يوسف البلوي، وأبو المجد محمد محبوب عالم(501)
وزاد عليه الميلاني : أبا بكر بن العربي، والقاضي ابن الشباط، وابن خلدون، وابن حجر الهيتمي، وشاه سلامة الله البدايوني، ثم ذكر من المعاصرين فريد وجدي، وجرجي زيدان، وعمر رضا كحالة، وإلياس سركيس، إضافة إلى طبعاته المحققة من غير واحد من المحققين(502) .
وذكر الموسوي هؤلاء من غير أن يعزو إلى الميلاني(503) ، ثم زاد عليهم من المعاصرين: الكوثري، وعبد الكريم الخطيب، واثنين ممن حققا الإمامة والسياسة وهما:الدكتور محمد طه زيني، وعلي شيري!!، ثم ذكر من المحدثين: الدكتور أحمد شلبي، والدكتور حسن إبراهيم حسن، وأحمد محمود صبحي، ومحمد المرداوي، وأحمد زكي صفوت، وحسين محمد يوسف، ومصطفى الشكعة، ثم ختم بالاستدلال بطبعات الإمامة والسياسة في مصر والتي نسبت الكتاب إلى ابن قتيبة فذكر منها طبعة مطبعة النيل بتصحيح محمد محمود الرافعي، وطبعة أخرى وقف على طبعها جماعة من أدباء مصر، وطبعة مطبعة الأمة.
والجواب من وجوه:
الأول: حين تدور قضية بين النفي والإثبات فالعبرة حينها بالدليل وليس بمجرد النقل، فمن نقل من الكتاب مع نسبته إلى ابن قتيبة كابن الشباط وتقي الدين الفاسي وسائر المعاصرين، ليس معه دليل سوى أنه وجد الكتاب منسوبا إلى ابن قتيبة، أما الأدلة التي استند إليها النافون فهي تثبت بطلان النسبة، وعليه يصير من نسب الكتاب إلى ابن قتيبة مخطئا ولا حجة في كلامه.
الثاني: أن أقدم هذه النقول ترجع إلى القرن السادس، أما قبل هذا القرن فما وقفت على نص منقول عن ابن قتيبة من الإمامة والسياسة، وكل من نقل عن الإمامة والسياسة من هذا القرن هم من أهل المغرب، وهذا يؤيد النظرية القائلة بأن الكتاب نسب إلى ابن قتيبة بآخرة، وأن المؤلف الحقيقي من أهل المغرب، وإلا فلو كان الكتاب لابن قتيبة لنقل منه المتقدمون كما نقلوا من بقية كتب ابن قتيبة، ولنقل منه أهل المشرق قبل المغرب.
الثالث: أما أبو بكر بن العربي فلا يصح ذكره في عداد المثبتين لصحة نسبة الإمامة والسياسة لابن قتيبة، لأنه لم يجزم بصحة كل ما في الكتاب لابن قتيبة، بل كان أول من شكك فيه، فقال:«فأما الجاهل فهو ابن قتيبة، فلم يبق ولم يذر للصحابة رسما في كتاب الإمامة والسياسة إن صح عنه جميع ما فيه(504) فقوله هذا دليل على أنه لا يقطع
بصحة النسبة، وقد نقل جبرائيل جبور عن الدكتور إسحاق موسى الحسيني في استدراكه على كون المستشرقين أول من شك في أمر الكتاب، أن «هناك عالما عربيا سبق كاينكوس في الشك في صحة النسبة، هو أبو بكر محمد المعافري من علماء القرن السابع»(505) لكن جبور تعقبه قائلا:« والواقع أن أبا بكر لم يشك في صحة نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة، ولكنه نقد ابن قتيبة زاعما أنه تعرض للصحابة...وظاهر من هذه العبارة التي استند إليها الدكتور إسحاق أن قائلها أبا بكر يشك في أن يكون جميع ما في الكتاب هو لابن قتيبة، ولكنه لا ينفي الكتاب عنه»(506)
قلت: لا وجه لاعتراض جبور، فكون ابن العربي يشك في نسبة بعض ما في الكتاب لابن قتيبة يلزم منه عدم قطعه بصحة نسبة كل ما فيه له، وهذا كاف في نسبة التشكيك إليه، وهذا ما قرره الدكتور عبد الله عسيلان، فذكر أن ابن العربي «لم يتأكد تمام التأكد أنه منسوب إليه وليس له»(507) ، وقال الدكتور عبد الله الجبوري: «وأول من ارتاب في نسبته إليه أبو بكر بن العربي»(508) ، وقال الشيخ سلمان حسن آل مشهور: «ولذا؛ شكك ابن العربي من نسبة جميع ما فيه لابن قتيبة»(509) .
والغريب أن محمد مهدي الموسوي علق على كلام ابن العربي قائلا: «نحن حسبنا تصريحه بصحة نسبة كتاب (الإمامة والسياسة) إلى ابن قتيبة، فلنا شهادته بصحة النسبة، وله رأيه في جميع ما فيه(510) » ، قلت: هذه قمة الانتقائية في الطرح، إذ أن الرجل اختار ما يعجبه من كلام ابن العربي ورد ما يخالفه، فكيف ينسب إليه القول بصحة النسبة وهو يرتاب في بعض مادة الكتاب ؟.
الرابع: إنك ستعجب من تشبع هؤلاء القوم بالباطل، ومحاولة تكثير الأدلة ومرجعها واحد، فعندما تراجع النص المنقول من الإمامة والسياسة الذي نقله تقي الدين الفاسي وعمر بن فهد وابنه عبد العزيز، تجد أنه نص واحد مكرر ومصدره واحد!
فالذي نقل النص ابتداء هو تقي الدين الفاسي في شفاء الغرام(511) ثم اختصر النص في العقد الثمين، وأما عمر بن فهد فليس إلا ناقلا لما في الكتابين السابقين وغيرها من كتب الفاسي مرتبا للأحداث على السنين كما صرح بذلك في مقدمة إتحاف الورى(512) ، وأما ابنه عبد العزيز بن فهد فقد صرح في مقدمة كتابه غاية المرام بأن الكتاب مجموع من كتاب العقد الثمين للفاسي ، وإتحاف الورى والدر الكمين لوالده عمر بن فهد(513) !، فرجعت الأدلة الثلاثة المزعومة إلى دليل واحد وأصل واحد، فإحالة هذا النص إلى ثلاث مصادر يعد تدليسا صريحا وإيهاما قبيحا، القصد منه تكثير الأدلة.
الخامس: أما من نسب الكتاب إلى ابن قتيبة من المُحْدَثين والمعاصرين، فكلهم مخطئون، بل غالبهم مما لا عناية له بتحقيق نسبة الكتب إلى أصحابها، خاصة أصحاب المطابع منهم ومن حقق الكتاب. ويقابلهم من نفى نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة وأغلبهم ممن له عناية بتراث ابن قتيبة أو حقق كتبه أو درس كتاب الإمامة والسياسة دراسة فاحصة، ومن هؤلاء الدكتور إسحاق الحسيني في رسالته للدكتوراه عن ابن قتيبة، والدكتور محمود علي مكي في مقالة مصر والمصادر الأولى للتاريخ الإسلامي، والدكتور عبد الله الجبوري في مقالته: دراسة في كتب ابن قتيبة، والأستاذ جبرئيل جبور في كتابه كيف أفهم النقد، والدكتور محمد يوسف نجم في مقالة: كتاب الإمامة والسياسة من هو مؤلفه، والدكتور عبد الله عسيلان في رسالة كتاب الإمامة والسياسة في ميزان التحقيق العلمي، والدكتور علي بن نفيع العلياني في كتابه عقيدة الإمام ابن قتيبة، والدكتور علي الصلابي في مقالة له، والدكتور خالد علال في رسالة نقد كتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة والدكتورة رانيا نظمي في بحث: منهج ابن قتيبة في الرد على المعتزلة، والشيخ حسن سلمان آل مشهور في كتابه:كتب حذر منها العلماء، ونقل أن ممن أنكر نسبته لابن قتيبة: الدكتور عبد الحليم عويس، والدكتورة سيدة إسماعيل الكاشف، والجندي، والدكتور فاروق
حمادة، والدكتور شاكر مصطفى(514)
وممن حقق كتب ابن قتيبة: الشيخ محب الدين الخطيب في مقدمة تحقيقه لكتاب الميسر والقداح، والدكتور ثروت عكاشة في مقدمة تحقيقه للمعارف، والشيخ سليم بن عيد الهلالي في مقدمة تأويل مختلف الحديث، والسيد أحمد صقر في مقدمة تأويل مشكل القرآن، والأستاذ إبراهيم صالح في مقدمة تحقيق تعبير الرؤيا.
ونقل الشيخ حسن سلمان آل مشهور عن الباحث سعيد صالح خليل أنه قال في رسالته الجامعية: الإمامة والسياسة دراسة وتحقيق: «وعلى ضوء هذه الدراسة؛ فقد تبين أن ابن قتيبة الدينوري بعيد عن كتاب «الإمامة والسياسة»»(515) .
فضلاً عن كثير من المستشرقين المتخصصين بالتراث الإسلامي والذين سبقوا المُحدثين في نفي صحة نسبة الكتاب لابن قتيبة.
وهؤلاء قدموا أدلة قاطعة على نفي صحة الكتاب لابن قتيبة، خلافاً للمثبتين الذين ليس معهم دليل سوى أنهم وجدوا الكتاب منسوبا لابن قتيبة.
الأدلة الداخلية
الدليل الأول مخالفة أسلوب الكتاب لأسلوب ابن قتيبة
المعروف في كتبه:
- فمن ذلك أن ابن قتيبة يقدم بمقدمات طويلة لكتبه يذكر فيها سبب التأليف ، وكتاب الإمامة والسياسة خال عن ذلك.
- ومن ذلك أن عادة ابن قتيبة في نقل الأخبار التاريخية هي ذكر السند ، ولا يترك ذلك في الغالب، أما كتاب الإمامة والسياسة فليس فيه إلا أسانيد قليلة في أول كتاب وفي مواضع متفرقة منه، أما غالب الأخبار فجاءت مقطوعة الأوصال بلا أسانيد ولا زمام ولا خطام، بل ترى عبارات غريبة عن طريقة ابن قتيبة وهي قوله: وأخبرني بعض المشيخة، وحدثنا بعض المشيخة!!، وذكروا عن محمد بن سليمان، عن مشايخ أهل مصر .
- ومن ذلك أن ابن قتيبة يعتني بالتنسيق والتنظيم في التأليف ، أما مؤلف الإمامة والسياسة، فهو يورد الخبر ثم ينتقل منه إلى غيره ثم يعود ليتم الخبر الأول.
وهذا الدليل أجاب عنه محمد مهدي الموسوي بقوله: «وأمّا النقطة العاشرة: في مغايرة أسلوب الكتاب للمألوف من أسلوب ابن قتيبة في بقية كتبه، وهذه دعوى لم يأت عليها بشاهد من مقارنة بين الإسلوبين في عرض موضوع واحد ورد في الإمامة والسياسة كما ورد في أحد كتب ابن قتيبة الاُخرى، وبينهما من التغاير ما يثبت ذلك»(516) .
أقول: هذه مكابرة واضحة، وتحكم غريب، إذ ليس شرطا أن يتحد الموضوع بين كتابين لمؤلف واحد للقول بمخالفة الأسلوب ، بل مقصود من انتقد الكتاب هو مخالفة الأسلوب المعروف الذي يسلكه ابن قتيبة في سائر كتبه عن أسلوب مؤلف الإمامة والسياسة، ومعلوم عند أرباب التحقيق أن اختلاف أسلوب الكتاب مما يورث الريبة في نسبته إلى المؤلف، حتى تقوم الأدلة على وجود سبب لهذا الاختلاف، وفي المقابل، كثير من الكتب تثبت نسبتها إلى صاحبها بمجرد قراءتها فيعلم من خلالها صحة نسبتها إليه أو العكس، كما هو الأمر في كتب الجاحظ، أو في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن الموسوي لما لم يجد جوابا على هذا الإشكال تكلف هذا الشرط حتى يوهم القارئ بأنه أجاب عن هذا الدليل.
- ومن ذلك أن مشايخ ابن قتيبة المعروفين لم يرد لهم ذكر في الإمامة والسياسة ، وأجاب محمد مهدي الموسوي بورود رواية وحيدة عن الجاحظ في الكتاب، وهو من مشايخ ابن قتيبة(517) ، والجواب أن هذا لا يشفع لتصحيح نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة، فحين تجد مؤلف الإمامة والسياسة يروي عن عدد من الناس لا ذكر لهم في أي كتاب لابن قتيبة، ثم لا يذكر منهم إلا شيخا واحدا فهذا يورث الريبة، فكيف يخلو الكتاب من مشايخ ابن قتيبة ولا يذكر فيهم إلا رجل واحد؟.
الدليل الثاني: تصريح مؤلف الإمامة والسياسة بالسماع عن
مشايخ لم يدركهم ابن قتيبة:
-فمن ذلك قول المؤلف: «وحدثتني مولاة لعبد الله بن موسى ، وكانت من أهل الصدق والصلاح، أن موسى حاصر حصنها الذي كانت من أهله ، وكان تلقاءه حصن آخر، قالت: فأقام لنا محاصرا حينا ، ومعه أهله وولده، وكان لا يغزو إلا بهم»(518) ، و«المعروف أن فتح الأندلس كان سنة 92 هـ، أي قبل مولد ابن قتيبة بنحو مائة وعشرين عاما»(519) .
أقول: عبد الله بن موسى هذا هو ابن موسى بن نصير جزما فلا ذكر لأحد باسم عبد الله بن موسى إلا ابن نصير، وقد توفي قريبا من سنة 103 هـ(520) ، وابن قتيبة ولد سنة 213هـ، فكيف يتصور أن يدرك ابن قتيبة مولاة عبد الله بن موسى بن نصير!
أجاب محمد مهدي الموسوي بجواب متكلف جدا! فقال: ليس في قبول الرواية أيّ استحالة عقلية، فلو افترضنا أنّ المحدثة كانت من المعمّرين، وكانت سنّها يوم حدثت في حدود المائة والثلاثين فيكون عمرها عند الفتح في حدود السادسة، وعمر السامع منها في حدود العاشرة، وكلاهما يكون في سنّ التمييز، فلا بُعد في ذلك فلماذا نستبعده لمجرد كونه نادر الوقوع، هذا إذا قلنا إنّ قائل: (حدثتني) هو
ابن قتيبة، أمّا إذا كان القائل هو الراوي للحديث المتقدم عليه وهو جعفر بن الأشتر فلا إشكال»(521)
والجواب: هذا الافتراض مبني على أن المولاة ولدت سنة 86 هـ، وكان عمرها حين فتح الأندلس سنة 92 هـ ست سنوات، وأنها بقيت إلى سنة 223 هـ حين صار عمر ابن قتيبة 10 سنوات، فسمع منها ابن قتيبة هذا الخبر.
فعلى هذا يكون سنها يوم حدثت ابن قتيبة هو 137 سنة!!، وليس 130 كما قال الخرسان!. ولا شك أن هذه قمة التكلف في محاولة تفسير امتناع لقاء ابن قتيبة لمن شهد فتح الأندلس!!.
لو تنزلنا جدلا بصحة مدعاه، كيف يتصور أن يروي عنها ابن قتيبة وعمره عشر سنين وهو كان حينها في المشرق وهي في الأندلس؟؟ ثم كيف بقيت هذه المولاة تذكر تفاصيل الحصار مع كبر سنها مع أنه وقع وهي صبية، وكثير من المعمرين إن بلغ المائة تكون ذاكرته في نهاية الضعف، هذا إن سلم من الخرف!!.
ولماذا لم يجد الموسوي حلاً لهذه المعضلة إلا أن يفترض أن تكون المرأة معمرة ؟
ولماذا افترض أن الفتح وقع وهي صغيرة، مع أن المناسب للقصة أن تكون المولاة في سن أكبر لأنه تذكر تفاصيل كثيرة لا يستطيع أن ينتبه لها من كان طفلا أثناء الواقعة!؟.
ولماذا افترض أن ابن قتيبة سمع منها الخبر حين كان عمره 10 سنوات؟! مع العلم أن أقدم شيوخ ابن قتيبة وفاة هو محمد بن سلام الجمحي البصري، وكان معمرا عاش نيفا وتسعين سنة وتوفي سنة 231 هـ حين كان عمر ابن قتيبة 18 سنة، وغالب مشايخه توفي ما بين 240 و 260هـ، وهذا يبطل هذا الاحتمال المتكلف.
أما زعمه أن من حدث بالواقعة هو جعفر بن الأشتر فهو تكلف مثل سابقه ، وذلك أن جعفر بن الأشتر كان في جيش موسى بن نصير في فتح الأندلس ، فلا يحتاج أن يحدث بواسطة المولاة وهو أحد المحاصرين الذين تتحدث عنهم تلك المولاة!!، فضلا عن أن من يقرأ الخبر، يعلم أنه خبر مستقل لا علاقة له بجعفر بن الأشتر، لأن المؤلف روى خبرا عنه وهو يحكي حصار موسى بن نصير للحصون وكان من المحاصرين، ثم بعدها يروي حكاية المولاة وكانت من الذين تعرضوا للحصار، ثم بعدها يروي عن رجل اسمه عبد الرحمن بن سلام، وكان من جيش موسى بن نصير حكاية في الحصار أيضا، ثم عن رجل اسمه ابن صخر، وهكذا، فعلم بذلك أن كل واحد من هؤلاء يروي خبرا مستقلا شهده بنفسه لا كما زعم الموسوي، فسقط بذلك اعتراضه.
الدليل الثالث: تصريح مؤلف الإمامة والسياسة بالتحديث عن مشايخ لا ذكر لهم في بقية كتب ابن قتيبة، ولا يحتمل لقاؤهم إياه:
-يقول مؤلف الإمامة والسياسة: «حدثنا ابن أبي مريم، قال حدثنا
أسد بن موسى»(522)
وقد انتهيت إلى أن ابن أبي مريم هذا، هو أحمد بن سعد بن الحكم بن أبي مريم تـ 253 هـ، لأنه من تلاميذ أسد بن موسى(523) ، وهو أول شيخ ذكر في الكتاب، وقد ورد في بعض النسخ ابن أبي ليلى(524) ، وهو تصحيف جزما لأن اسم ابن أبي مريم تكرر في موضعين آخرين، فضلا عن أن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى المتوفى سنة 148 هـ لا يتصور أن يروي عن أسد بن موسى المولود سنة 132 هـ، وابن أبي مريم هذا لم يرو عنه ابن قتيبة في أي من كتبه، فضلا عن أن ابن قتيبة لم ير قط مصر كي يروي عن مشايخها.
-ويحدث مؤلف الإمامة والسياسة عن الوليد بن مسلم(525) ، بينما لا تجد ابن قتيبة يحدث عنه في بقية كتبه، إلا بلاغا أو تعليقا أو بواسطة شيخه أبي الخطاب(526) .
ويحدث مؤلف الإمامة والسياسة عن ابن أبي شيبة من غير تعيين، ولا تجد لواحد من أبناء أبي شيبة ذكرا في كتب ابن قتيبة!، وهذا غيض من فيض.
الدليل الرابع: أن مؤلف الكتاب يحدث عن مشايخ من مصر وتونس والمغرب وابن قتيبة لم يدخل تلك البلاد.
-يقول المؤلف: «وحدثنا بعض أهل أفريقية»، ويقول أيضاً: «حدثنا الكرير أبو بكر عبد الوهاب بن عبد الغفار شيخ من مشايخ تونس»، ويقول: «وحدثنا بعض مشايخ أهل المغرب»(527) ، قلت: لم يدخل ابن قتيبة تونس أو أفريقية أو المغرب حتى يحدث عن مشايخها، واحتمال لقائه بهم في بغداد بعيد أيضا، لأن سائر كتب ابن قتيبة خالية عن التحديث عن مشايخ المغرب أو مصر، فانفراد كتاب الإمامة والسياسة بهذا الأمر دليل على أنه ليس لابن قتيبة.
وهذا الدليل لم يتعرض له محمد مهدي الموسوي أيضا، وهذه الأدلة بمجموعها تبطل نسبة الكتاب لابن قتيبة، والحق أن هناك أدلة أخرى لم يتعرض لها من تكلم في هذا الكتاب، لأن الكتاب لم يحقق إلى الآن تحقيقا علميا متقنا، ولعل أهم ما وقفت عليه اختلاف النسخ الخطية لكتاب الإمامة والسياسة، فقد وقفت على أحد نسخ هذا الكتاب تتضمن أدلة قاطعة ببراءة ابن قتيبة من هذا الكتاب، وبأن مؤلفه من أهل القرن السادس
جزماً وسأذكر هذه الأدلة بإذن الله في رسالة مستقلة لإثبات براءة ابن قتيبة من كتاب الإمامة والسياسة.
كتاب الفتوح لابن أعثم:
وهو كتاب يعتمد عليه الطاعنون في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً، ومؤلفه هو أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي، والكتاب طبع مؤخرا، ومن يطالع هذا الكتاب يجزم أنه ليس من مؤلفات القرن الرابع، لمخالفة أسلوبه لسائر طريقة المؤرخين، فتراه يعتمد على الأسلوب القصصي الوصفي في عرض الأخبار والوقائع التاريخية، ونظرة واحدة إلى روايته لحادثة السقيفة تكفي للحكم بأن هذا قد وقع فيه دس وزيادة، إن لم يكن مصنوعا وموضوعا بأكمله على ابن أعثم. وأول من تنبه لأمر هذا الكتاب هو الدكتور محمد جبر أبو سعدة في كتابه «ابن أعثم الكوفي ومنهجه التاريخي في كتاب الفتوح»، وسأكتفي بنقل بعض كلامه مرجئا التعرض لسائر أدلة بطلان صحة نسبة هذا الكتاب لابن أعثم لرسالة مستقلة.
الدليل الأول: وجود أسانيد مركبة في الكتاب:
- من ذلك ما جاء في الفتوح «حدثني جعال بن أسيد السكاسكي عن أبيه أسيد بن علقمة وكان من أصحاب عياض بن غنم الفهري».
فهذا الإسناد مركب بدون شك، إذ كيف يحدث ابن أعثم الذي عاش في القرن الرابع عن رجل صحب عياض بن غنم المعدود في الصحابة والمتوفى سنة 20هـ(528) بواسطة واحدة؟.
-ومن ذلك ما جاء في الفتوح: «حدثني أبو الحسن المدائني»(529) ، والمدائني توفي سنة 215 هـ أو 220 هـ فكيف يحدث عنه ابن أعثم الذي بقي إلى ما بعد 320 هـ؟.
-الدليل الثاني: وجود جماعة من الرواة صرح ابن أعثم بالسماع منهم ولا أثر لهم في كتب التراجم، مثل: نعيم بن مزاحم، إسحاق بن يوسف الفزاري، علي بن عاصم، أبو الحسن أحمد بن الحسين النيسابوري، أبو حاتم سهل بن محمد الصانع، إبراهيم بن عبد الله بن العلاء القرشي المدني، أبو يزيد المهلبي، عبد الله بن عبد الرحمن الخزاعي، وهؤلاء لا تجد لهم ذكرا في كتب التاريخ أو الرجال.
-الدليل الثالث: وجود جماعة من الأسماء لا ذكر لها في كتب التاريخ، ذكر منها الدكتور أبوسعدة: سعيد بن رفاعة الحميري، ورقا بن مهلهل، سعداء بنت عاصم الخولاني، عبد الله بن قرط الأزدي، وغيرهم(530) .
قلت: وقد وجدت جماعة منهم مذكورين في كتاب فتوح الشام المنسوب للواقدي والذي نص المحققون من المؤرخين والمستشرقين على أنه منحول على الواقدي(531) فهذا يدل على أن فتوح ابن أعثم من
بابة فتوح الشام للواقدي.
الدليل الرابع: أسلوب الكتاب الذي يمتنع أن يكون أسلوب مؤلف من القرن الرابع، إذ ترى الاعتماد على أسلوب الأساطير والقصص والإثارة والتشويق، والوصف والخيال، إضافة إلى سخافة التراكيب، وركاكة العبارات، والإسهاب الممل، والسجع المتكلف، وكل هذا مجانف ومجانب لأسلوب مؤرخ عاش في القرن الثالث والرابع(532) .
والحق أن هذا الكتاب مثل كتاب الإمامة والسياسة لم يحقق تحقيقا علميا جيدا مبنيا على مراجعة النسخ الخطية الموثوق بها لتمييز الأصيل من الدخيل، وإن كان الدكتور أبو سعدة قد درس الكتاب دراسة شاملة مستوفية، ولذا فقد قررت أن أفرد الكتاب بدراسة مستقلة مع كتاب الإمامة والسياسة، أقوم فيه بدراسة مستفيضة لنصوصه ومصادره، أسأل الله أن ييسر ذلك.
هؤلاء هم الذين يكثر النقل عنهم في الفتن الواقعة بين الصحابة، ولذا استغنيت بذكرهم هنا عن تكرار التعرض لهم أثناء استعراض شبهات الطاعنين في طلحة، وسأتوخى أن يكون ترتيب الشبهات بحسب الأحداث التاريخية المتعلقة بفتنة مقتل عثمان.
الشبهة الأولى: زعمهم أن طلحة كان من المؤلبين على عثمان
قال المفيد: «ونحن نثبت بتوفيق الله مختصراً من الأخبار فيما ذكرناه من كون طلحة والزبير وعائشة فيما صنعوه في أيام عثمان من أوكد أسباب ما تم عليه من الخلع والحصر وسفك الدم والفساد»(533) .
وقال عبد الحسين الموسوي: «وإن أردت المزيد فاعتق رقبتك من رق التقليد وانظر فيما كان من عائشة وطلحة أيام عثمان من تأليب الناس عليه»(534) .
والجواب بالنظر في أصول هذه الأخبار وأسانيدها، فبعد التفتيش فيما روي من روايات تفيد أن طلحة كان ممن ألب الناس على عثمان ودعاهم للمدينة لا ترى فيها إلا الروايات الساقطة والمطروحة!!
نقل المفيد رواية مطولة عن إسحاق بن بشر في ما حصل في مقتل عثمان زعم فيها أن أصحاب الفتنة قالوا: «جئنا نطالبه(535) بالاعتزال عن إمرة المسلمين واستأذنا في ذلك الأنصار والمهاجرين وأزواج النبي أمهات المؤمنين فأذنوا لنا في ورود المدينة ونحن على ذلك»(536) ثم
يحكي أن هؤلاء ما اقتنعوا بتوبة عثمان بعد أن أعلنها على المنبر بل استمروا في التحريض عليه، «وانضم إليهم من المهاجرين طلحة والزبير وجمهور الأنصار على ذلك فخرج إليهم أمير المؤمنين (ع) فقال لهم: يا هؤلاء اتقوا الله ما لكم وللرجل، أما رجع عما أنكرتموه، أما تاب على المنبر توبة جهر بها، ولم يزل عليه السلام يلطف بهم حتى سكنت فورتهم»(537)
هذا ما حكاه المفيد واستدل به على أن طلحة كان من المؤلبين على عثمان، ووصف المفيد إسحاق بن بشر هذا بأنه: « من وجوه أصحاب الحديث المنتسبين إلى السنة والمباينين للشيعة، لا يتهم فيما يرويه لمفارقة خصومه ولا يظن به تخرص فيما يجتنيه من جميع الأخبار»(538) ، قلت كذا قال! والحقيقة خلاف ذلك فأبو حذيفة إسحاق بن بشر هذا كذاب وضاع وفوق ذلك كله مغفلٌ !.
كذبه علي بن المديني ، وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب .
وقال الدارقطني كذاب متروك .
وقال إسحاق الكوسج: قدم علينا أبو حذيفة فكان يحدث عن ابن طاوس وكبار من التابعين ممن مات قبل حميد الطويل، فقلنا له كتبت عن حميد الطويل ففزع، وقال: جئتم تسخرون بي؟ جدي لم ير
حميدا فقلنا: أنت تروي عمن مات قبل حميد، فعلمنا ضعفه وأنه لا يدري ما يقول
وقال أحمد بن سيار المروزي: كان يروي عمن لم يدرك، وكانت فيه غفلة مع أنه يُزَن بحفظ.
وقال مسلم بن الحجاج: أبو حذيفة ترك الناس حديثه .
وقال أبو بكر بن أبي شيبة : كذاب .
وقال النقاش: يضع الحديث .
وقال الخليلي في الإرشاد : اتهم بوضع الحديث .
وقال ابن عدي : أحاديثه منكرة إما إسنادا وإما متنا لا يتابعه عليها أحد.
وقال الخطيب: كان غير ثقة .
وقال العقيلي: مجهول، حدث بمناكير ليس لها أصل .
وقال الأزدي: متروك الحديث ساقط رمي بالكذب .
وقال ابن الجوزي في الموضوعات: أجمعوا على أنه كذاب .
قال الذهبي: يروي العظائم عن ابن إسحاق وابن جريح والثوري .
وقال أيضا: تفرد الداربجردي(539) بتوثيق أبي حذيفة فلم يلتف
إليه أحد لأن أبا حذيفة بين الأمر لا يخفى حاله على العميان(540)
وقال عنه في السير: «الشيخ، العالم، القصاص، الضعيف، التالف»(541) .
هذه حال إسحاق بن بشر، فمن يبلغ في الكذب مثل هذه المنزلة ويتكلم فيه سبعة من نقاد القرن الثالث والرابع، أيصح أن يقال عنه: لا يتهم فيما يرويه!.
أقول: والظاهر أن هذا الأمر كان مما يشيعه مناوئو طلحة الذين جاءوا من بعد الفتنة والذين أرادوا أن يصوروا أن الفتنة كانت بتدبير كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فلم يثبت ذلك عن طلحة من وجه صحيح.
وأقوى ما روي في هذه الشبهة بلاغ يرويه الزهري قال: «لما قدم طلحة والزبير البصرة، أتاهما عبد الله بن حكيم التميمي بكتب كتبها طلحة إليهم يؤلبهم فيها على عثمان ، فقال له: يا طلحة أتعرف هذه الكتب؟ قال: نعم. قال: فما حملك على التأليب عليه أمس والطلب بدمه اليوم ؟ فقال: لم أجد في أمر عثمان شيئا إلا التوبة والطلب بدمه»(542) .
أقول وهذا ينقله الزهري بلاغا ويرويه أبو مخنف من غير إسناد(543)
ورواية أبي مخنف لهذا قرينة على أن أصل هذا الخبر من أحد المطروحين، فإن كتاب أبي مخنف مجمع للروايات الطاعنة في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإذا كان الزهري على سعة رواياته وكثرة مشايخه وعلمه بالتاريخ والسير والمغازي يروي مثل هذا الخبر بلاغا، علمت أنه لو كان عنده عن شيخ موثوق أو بإسناد موصول لما تأخر في حكايته يقول الإمام يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شر من مرسل غيره لأنه حافظ، وكل ما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يحب أن يسميه»
قال الذهبي معلقا: « مراسيل الزهري كالمعضل ؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولما عجز عن وصله، ولو أنه يقول: عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن عد مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ونحوهما، فإنه لم يدر ما يقول، نعم، مرسله كمرسل قتادة، ونحوه»(544) .
وقال يحيى بن معين: « مرسل الزهري ليس بشيء»(545) .
فإذا انضم إلى ذلك رواية أبي مخنف لهذه الرواية تأكد انحطاط رتبتها لأن هذا الراوي لا يختار من الأخبار إلا أردأها وأسوأها ، وعليه لا اعتماد على هذه الرواية في إثبات مثل هذه التهمة على طلحة رضي الله عنه.
وأما
سائر ما يروى في تأليب طلحة على عثمان قبل قدوم المصريين إلى المدينة فيدور بين رواية الهلكى والضعفاء والمتروكين والحاقدين وما لا إسناد له وما لا يصح إسناده، وسنمثل ببعض الأمثلة لأن التعرض لسائر هذه الأخبار متعذر ويورث الملالة لكثرتها مع وهائها.
-من ذلك رواية أبي مخنف وله الحظ الوافر من روايات هذا الباب، عن عثمان أنه قال: « يا ابن الحضرميّة ألَّبت عليّ الناس ودعوتهم إلى قتلي»(546) ، أقول: فضلا عن أن الرواية لا إسناد لها وهي من عمل أبي مخنف جزما، فإن وصف طلحة بابن الحضرمية مما حدث بآخرة ، ومما تداوله أصحاب الأخبار في القرن الثاني ، أما في لسان الصحابة فلم أر حديثا واحدا مسندا وُصف فيه طلحة بابن الحضرمية ، بل يقوى في القلب أن وصف طلحة بابن الحضرمية مأخوذ من الكلبي وابنه، ومما يدل على ذلك أن سائر الأخبار التي سمي فيها طلحة بابن الحضرمية جاءت في مقام ذمه(547) .
وروى أيضا أن طلحة قال لعثمان: « إنّك قد أحدثت أحداثا لم يكن الناس يعهدونها ، فقال عثمان: ما أحدثت حدثا ولكنّكم أظنّاء تفسدون عليّ الناس وتؤلّبونهم»(548) .
-ومن ذلك- رواية أبي عمرو الزهري عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن الزبير زعم فيها أن طلحة قبض مفاتيح بيت المال وطمع في الأمر لكن الناس مالوا إلى علي وتركوه عندما صلى بهم صلاة العيد، ثم قال:« فجاء طلحة إلى عثمان رضي الله عنه يعتذر ، فقال عثمان: الآن يا ابن الحضرمية!! ألبت الناس علي حتى إذا غلبك علي على الأمر، وفاتك ما أردت جئت تعتذر، لا قبل الله منك!(549) .
قلت: هذه فرية بلا مرية، وآفة هذا الخبر أبو عمرو الزهري أحد الكذابين المتروكين:
قال ابن معين: «لا يكتب حديثه، كان يكذب» .
وقال في موضع آخر: « ليس بشيء» .
وقال علي بن المديني: « ضعيف جداً».
وقال البخاري: « تركوه»
وقال النسائي، والدارقطني وأبو أحمد الحاكم: « متروك».
وقال أبو حاتم: « متروك الحديث، ذاهب !.
وقال الجوزجاني: « ساقط» .
وقال الساجي: « يحدث بأحاديث بواطيل» .
وقال ابن حبان: « كان يروي عن الثقات الموضوعات، لا يجوز الاحتجاج به»(550) .
هذا شيء مما يروى في تأليب طلحة على عثمان وأنت ترى حاله، أقوى ما فيها مرسل من أوهى المراسيل، والبقية من روايات الكذابين والمطروحين ومع كل هذا يحتج بها مناوئو طلحة، ولهذا حق لأبي بكر بن العربي أن يقول: «وقد انتدبت المردة والجهلة إلى أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه مشاغبًا مؤلبًا، وبما جرى عليه راضيًا. واخترعوا كتابًا فيه فصاحة وأمثال كتب عثمان به مستصرخًا إلى علي. وذلك كله مصنوع ليوغروا قلوب المسلمين على السلف الماضين والخلفاء الراشدين»(551) .
الشبهة الثانية: دعوى مشاركة طلحة في حصار عثمان
يقول المفيد: « فجدوا في حصاره وتولى ذلك منه طلحة والزبير ومنعاه الماء وضيقا عليه وكان طلحة على حرس الدار يمنع كل أحد يدخل إليه شيئا من الطعام والشراب ويمنع من في الدار أن يخرج عنها إلى غيرها»(552) .
وقال الأميني: « وكان طلحة أشد الناس عليه ، حتى منع من إيصال الماء إليه»(553) .
وزعم علي الكوراني أن المسلمين حاصروا عثمان لأكثر من شهر، « ومنعوا عنه الماء بأمر طلحة»(554) .
أقول: روي في هذه الواقعة أخبار زيد في كثير منها ما ليس له حقيقة.
1-روى ابن أبي شيبة عن حكيم بن جابر قال: «لما حصر عثمان أتى علي طلحة وهو مسند ظهره إلى وسائد في بيته فقال: أنشدك الله لم رددت الناس عن أمير المؤمنين، فقال طلحة: حتى يعطوا الحق من أنفسهم»(555) وفي لفظ قال: «لما حصر عثمان أتى علي طلحة وهو
مستند إلى وسائد في بيته فقال: أنشدك الله! ما رددت الناس عن أمير المؤمنين فإنه مقتول فقال طلحة: لا والله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها»(556)
2- رواها ابن شبة بلفظ «كلم علي طلحة - وعثمان في الدار محصور - فقال: إنهم قد حيل بينهم وبين الماء. فقال طلحة: أما حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها، فلا»(557) .
إسناد رواية ابن أبي شيبة ظاهره الصحة.
أما رواية ابن شبة فإسنادها حسن، شيخه فيها حيان بن بشر القاضي قال عنه ابن معين لا بأس به(558) .
3-روى ابن شبة عن قيس بن أبي حازم قال: «أخبرني من دخل على طلحة وعثمان محصور وطلحة مستلق على سرير، فقال: ألا تخرج فتنهى عن قتل هذا الرجل؟ فقال: لا والله حتى تعطي بنو أمية الحق من
أنفسها»(559) قلت: وقع إسناده في تاريخ المدينة هكذا: «قال إسماعيل عن نيار عن قيس قال»، وإسماعيل هذا هو إسماعيل بن مجالد، وقد وقع في السند الذي قبله، لكن نيار لا أدري من هو، ولا يحتمل أن يكون نيار بن مكرم الأسلمي لأن هذا قديم شهد مقتل عثمان ولا يتصور رواية إسماعيل بن مجالد عنه، والظاهر أن في الإسناد تحريفا ما، وهذا الإسناد ضعيف على كل حال فالراوي عن إسماعيل هو أحمد بن معاوية الباهلي كما في السند الذي سبقه وهو أحد الضعفاء، فهو وإن قال عنه الخطيب: «كان صاحب أخبار وراوية للآداب لا بأس به»(560) إلا أن ابن عدي قد تكلم فيه وقال: حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث»(561) وساق من حديثه ما يدل على ذلك والجرح هنا مقدم على التعديل بل كون الباهلي هذا من رواة الآداب والأخبار قرينة على صحة تضعيفه، فإن البلاء في هذا الصنف من الرواة أكثر من غيرهم فلا تكاد تجد منهم ثقة إلا في النادر، ولا تكاد تجد حديثا لهم في أخبار الفتنة يكون صافيا من طعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ويستدل مناوئو طلحة بهذه الروايات على قضيتين:
الأولى: أن طلحة شارك في حصار عثمان.
الثانية: أن عثمان لم يكن مظلوما في ما وقع له، لأن من أنكر عليه هم الصحابة ومنهم طلحة، وسنسرد أجوبة أهل العلم عن هذه الرواية:
الجواب الأول:
إنكار وقوع أي مشاركة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فتنة مقتل عثمان، وهو ما ذهب إليه الإمام أبو بكر الباقلاني، قال رحمه الله:«وكل من ادعي عليه قتله من الصحابة فقد كذب عليه وأضيف إليه ما ليس منه بسبيل، كعلي وطلحة والزبير رضوان الله عليهم وما من هؤلاء أجمع أحد إلا وقد أظهر المطالبة بدمه ولعن قتلته وأظهر البراءة منهم والتأسف على ألا يمكنه إقامة الحق عليه، وهذا ظاهر معلوم من حال علي وطلحة والزبير وما وراء ذلك إنما هو من الشواذ وأخبار الآحاد، ولا يحل لمسلم اتقى الله وعرف قدر الصحابة أن يضيف إلى أحد منهم قتل عثمان والرضا به والخذلان له، مع دعائه إلى نصرته والدفع عنه بأخبار آحاد يعارضها مثلها تارة وما هو أقوى منها أخرى، ويكون الظاهر من قول علي وطلحة والزبير بخلافها وفي نقيضها، لأن الظاهر المعلوم لا يترك لروايات غير معلومة بل لو لم يظهر منهم مثل هذا لكانت مثل هذه الأخبار مدفوعة بما ورد من أمثالها في نقيضها ومعارضتها، وكيف يجوز لذي علم ودين أن يضيف إلى أدون الصحابة، بعض ما يوجب الفسق من قتل عثمان أو التأليب عليه، أو خذلانه بروايات لا تساوي مدادها ولا الاشتغال بالإصغاء إليها، وقد ظهر عدوان من ذكرناه عليه وتوليه لقتله فكل ما جرى مجرى هذه الروايات فإنه مردود»(562)
الجواب الثاني: عدم تصديق ما يروى من مشاركة طلحة في الحصار وعلى التسليم بحصول ذلك يجاب عنه بحمله على ما يكون من
الخطأ والزلل عند الغضب وما يعتري الإنسان مما لا يسلم منه أي أحد، وعدم اتخاذ ذلك سببا لتنقص أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ما ذهب إليه أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله، فقال بعد أن عد أن القول بأن طلحة ممن حاصر عثمان وأن الناس خذلوا عثمان من حماقات الغلاة(563) «فأما ادعاؤهم على طلحة كان فيمن حصره:
قيل: كيف يقبل هذا على طلحة وهو الذي يلعن قتلة عثمان مع عائشة رضي الله عنها وعن أبيها ومن معها صباحا مساء ومع ذلك هو الذي يقول: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى.
ثم يقال لهم: هل يجوز أن يفعل طلحة فعلاً الحقُّ في غيره؛ أو كلما فعله كان حقاً وصواباً .
فإن قالوا: كل أفعاله حق وصواب. فقد أنزلوه منزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما كان منه من خروجه من البصرة وتنكبه عن الحجاز وتباعده من المدينة عن بيعة علي، ماذا أيضا حقا وصوابا؟ وهذا ما لا يقوله(564) وإن كان بعض ما يفعله حقا وبعضه خطأ فالاحتجاج بقوله في حال الرضا أولى مما يقوله في حال الغضب فلو اتبعتم في أمره(565) ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مناقبه وفضائله الذي لا يجوز الخطأ عليه ولا
في مقالته، كان أولى من احتجاجكم بقول من جوزتم الخطأ عليه وفي قوله(566)(567) ثم بعد أن سرد عدة أحاديث أغلبها صحيح في فضل عثمان قال: «فهذه الأحاديث دالة على أن أحدا من الصحابة لم ينكر على عثمان منكرا فإن قال قائل ثبت... من تكلم في عثمان. قيل له: كذلك نقول، إلا أن من بين الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فضله في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهماواجتمع أفاضل الصحابة والمشهود لهم بالجنة على تقديمه وتوليته وإمامته لا يلزمه إلا ما اجتمعوا عليه (إنه مشى فيه(568) مما لا يمكن لعثمان فيه تأويلاً.
وأما أن يدفع عثمان عن أن يفعل ويفرط منه فلا، لا سيما ومن كان أفضل منه كان يقع منه ما كان يقع عليه ويرجع عنه، ولا يلزم الصفوة من الصحابة الذين شهد لهم صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة إلا ما أشهد فيه، ولا خلاف. وكل من تكلم فيه بسوء لزمه الخطأ حتى يأتي بثبت ما يقوله فيه من الوجه الذي وقع الاتفاق عليه، والتقديم له، وإلا فهو المخطئ ولن يخلو أحد من زلة وغفلة.
إلا أن الأولى أن نذكر في أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما نسب الله إليهم من القدر العظيم، والسوابق القديمة، والمناقب، والثواب
الجزيل، والمحاسن المشهورة المذكورة.
وقد قص الله تعالى علينا في كتابه أحوال أنبيائه وأصفيائه وأضاف إليهم بعض أفعالهم، فقال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾(569) ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾(570) وقال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾(571) وقال تعالى في داود: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب﴾(572) وقال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾(573) وقال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾(574) فعلمنا الاقتداء بهداهم وما مدحوا به، وأن يمسك عن ذكر ما نسب إليهم من الزلل .
فكذلك أتباع أنبيائه وأصحابهم إنما نذكر محاسنهم التي مدحوا عليها ومراتبهم التي نزلوا عليها ونسكت عما سواه من الزلل» ، ثم ذكر أحاديث بسنده وقال: «وقال الله تعالى له: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾(575) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ﴾(576) .
فعفى الله عنهم استزلال الشيطان إياهم عظيم ما كسبوا من قوله: ثم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بحضرة العدد(577) .
وكذلك عفا عن حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى المشركين يخبرهم بشأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويطلعهم على عورة المؤمنين، فشهد له بالإيمان فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾(578) ، وأمر أبا بكر الصديق رضي الله عنه بالعفو عن مسطح، وحسان فقال: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾(579) الآية، فأثبت هجرتهم وأثنى عليهم بها ، بعد ما كانوا اقترفوا الطاهرة المطهرة حبيبة حبيب الله، ثم ما أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحدود على غير واحد من الصحابة من قطع السارق، ورجم المعترف بالزنا ماعزا، وأتي بالنعيمان سكران فأمر بجلده، وكان نعيمان من أهل بدر، وكل هذا مغفورا له، ومسكوتا عنه لما أولاهم الله تعالى من السوابق الكريمة، والمناقب العظيمة وشكر لهم وأثنى عليهم بمحاسنهم فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾(580) الآية.
فالواجب على المسلمين في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إظهار ما مدحهم الله تعالى به وشكرهم عليه من جميل أفعالهم وجميل سوابقهم، وأن يغضوا عما كان منهم في حال الغضب والإغفال وفرط
منهم عند استزلال الشيطان إياهم.
ونأخذ في ذكرهم بما أخبر الله تعالى به فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾(581) ، الآية، فإن الهفوة والزلل والغضب والحدة والإفراط لا يخلو منه أحد، وهو لهم غفور، ولا يوجب ذلك البراء منهم، ولا العداوة لهم، ولكن يحب على السابقة الحميدة ويتولى للمنقبة الشريفة» .
ثم سرد عدة أحاديث بسنده ثم قال: «وقد أقاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما من أنفسهما، وإنما يقتد ممن فعل ما ليس له أن يفعل. وثبت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الشفاعة أنهم يأتون آدم عليه السلام يوم القيامة فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته، ويأتون نوحا فيذكر خطيئته، ويأتون إبراهيم فيذكر خطيئته ويأتون موسى فيذكر خطيئته.
فالنبيون في منازلهم ومراتبهم من الله تبارك وتعالى يذكرون خطاياهم، ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم سيد الأولين والآخرين يقول: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾(582) .
فلا يتتبع هفوات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزللهم، ويحفظ عليهم ما يكون منهم في حال الغضب والموجدة إلا مفتون القلب في دينه،... وقد كان يجري بين الصحابة رضي الله عنهم بحضرة الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم وفي غيبته فيبلغه من الله تعالى ذلك الخصام والسباب في حال الغضب والموجدة أشياء فلا يأخذهم به، ولا يعيب ذلك عليهم بل يأمرهم بالعفو ويحضهم على التآلف ويطفي ثائرة الغضب وثورة البشرية، وذلك مثل ما جرى بين السيدين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وكلاهما من الفضل في الدين بالمحل العظيم حين استعذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ابن أبي بن سلول وأصحابه الذين خاضوا في الإفك وتكلموا في عائشة رضي الله عنها وعن أبيها وصلى الله وسلم على بعلها ونبيها، فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت والله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه ولكنك معه قائل منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ويخفضهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى سكتوا.
ما كان بين العباس وعلي وهما كبيرا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمحين تحاكما إلى عمر بن الخطاب، في نظائر ذلك لم يجعل ذلك منهم أبداً أصلاً ليحتج به عليهم لما عاتبوا.. من إكرام بعضهم بعضا من القول بتفضيله وتقديمه على نفس في حال الرضا، فأما حال الغضب فلا اعتبار به ولا حجة فيه»(583) .
انتهى كلامه
رحمه وقد نقلته على طوله لما فيه من فوائد وأصول لو تحاكم إليها المسلمون في التعامل مع الشبهات التي تروى في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لزال كثير من الخلاف بينهم، والمقصود أن ملخص جواب أبي نعيم:
-إنكار مشاركة الصحابة ومنهم طلحة في حصار عثمان رضي الله عنه بدليل مطالبته بدم عثمان ولعنه لقتلته، ولقوله: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى.
-عند التسليم بصدور ذلك من طلحة يجاب عنهم بأن هذا لا يطعن في عثمان لأن طلحة ليس معصوما ولما ثبت من أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فضائل عثمان، فتقديم حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم المعصوم أولى من اعتماد موقف طلحة وهو غير معصوم، وأن عثمان مصيب ومن عاداه مخطئ فيما حصل في الفتنة.
-أن الأولى مع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر محاسنهم وفضائلهم وعدم التعرض لما صدر منهم على وجه الغضب والخطأ بقصد تنقصهم وعيبهم لأن هذه طريقة القرآن، واستدل بأن الله تبارك وتعالى أثنى على أنبيائه مع ما صدر منهم مما يكون على وجه الغضب أو الخطأ، ومثل لذلك بآدم وموسى وداود ويوسف ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم، «فعلمنا الاقتداء بهداهم وما مدحوا به، وأن يمسك عن ذكر ما نسب إليهم من الزلل»(584) وهكذا الحال في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما صدر منهم من أخطاء
لا ينبغي أن يجعل الأصل دون النظر إلى فضائلهم وثناء الله عز وجل ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، ومثل بالعفو عن حاطب بن أبي بلتعة لما راسل المشركين، ومسطح لما وقع في الإفك، وما حد به بعض الصحابة في حدود الله.
-وفي مقابل ذلك لا ينبغي أن يجعل ما صدر منهم في حال الغضب والإغفال والزلل أصلا في الحكم عليهم، «فإن الهفوة والزلل والغضب والحدة والإفراط لا يخلو منه أحد»(585) ، بدليل أنه قد كان منهم في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم زلات وهفوات مثل ماكان ممن أشاعوا الإفك، وماكان بين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ من اختلاف في القصة، فهذه أحوال عارضة تقتضيها طبيعة بني آدم وكون كل بني آدم خطاء، فلا ينبغي أن تجعل أصلاً في الحكم عليهم.
-وقريب من هذا جواب شيخ الإسلام: قال رحمه الله في أحد وجوه أجوبته على دعوى الحلي أن عائشة قالت: أقتلوا نعثلا فقد كفر، بعد أن أنكر حصول ذلك وعدد عدة أجوبة: «وإن كان المقصود القدح في الجميع: في عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعائشة، واللائم والملوم .
قيل: نحن لسنا ندعي لواحد من هؤلاء العصمة من كل ذنب، بل ندعي أنهم من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين، وأنهم من سادات أهل الجنة ونقول: إن
الذنوب جائزة على من هو أفضل منهم من الصديقين، ومن هو أكبر من الصديقين، ولكن الذنوب يرفع عقابها بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة، وغير ذلك، وهؤلاء لهم من التوبة والاستغفار والحسنات ما ليس لمن هو دونهم وابتلوا بمصائب يكفر الله بها خطاياهم، لم يبتل بها من دونهم، فلهم من السعي المشكور والعمل المبرور ما ليس لمن بعدهم، وهم بمغفرة الذنوب أحق من غيرهم ممن بعدهم والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم»(586)
ويمكن أن نلخص مجموع هذا الكلام في جوابين:
الأول: إنكار مشاركة طلحة أو أي أحد من الصحابة في حصار عثمان رضي الله عنه.
الثاني: بعد التسليم بوقوع ذلك من طلحة، يحمل هذا على الأخطاء التي لا يسلم منها أي أحد، لأن القول بعدالة الصحابة لا يعني العصمة، وأن هذا الخطأ مغفور في مقابل ما ثبت من فضائل طلحة وكونه من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن المبشرين بالجنة.
وقبل تقرير الجواب الذي يميل إليه الباحث لا بد من وضع الرواية التي تذكر عدم إيصال طلحة الماء لعثمان في سياقها واستخراج ما فيها من
دلالة:
الرواية ليس فيها ما يروجه الطاعنون في طلحة من أمور يقطع العاقل بكذبها، فإنهم جعلوا طلحة هو قائد الحصار وزادوا على ذلك أنه وضع الحرس على بيت عثمان وأنه كان يتشاور مع المحاصرين وكل هذه التفاصيل انفرد بذكرها كذبة الأخباريين(587) .
والذي يظهر للباحث أن هذه الواقعة حصلت بعدما عاد أصحاب الفتنة إلى المدينة للمرة الثانية لما عرض لهم الراكب الذي يحمل الرسالة المنسوبة إلى عثمان والتي فيها الأمر بقتلهم، فليس ببعيد أن يكون الأمر قد اشتبه على طلحة رضي الله عنه بعد أن سمع بالخبر فتوقف في نصرة عثمان، ولم يكن يظن أن الأمر قد يصل إلى قتله، فلما قتل عثمان رضي الله عنه عرف أنه كان مظلوما وأن الحق كان معه لأنه هؤلاء تجرؤوا على قتله مع أن حجتهم في ذلك هي دعواهم أنه كتب بقتلهم، ومعلوم أن هذا ليس موجبا للقتل في الشريعة سيما أن البينة لم تقم، فتيقن بذلك طلحة أن هؤلاء أصحاب فتنة فلذلك كان من أوائل المطالبين بدم عثمان، وندم على ما كان منه، ولذلك فقد ثبت عنه أنه قال: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى»(588) وهذا الخبر قد روي عن طلحة بمثل إسناد الخبر الذي قال فيها طلحة: حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها! فتبين بهذا أن طلحة إنما يقصد بكلامه هذا ما كان منه لما جاءه علي يطلب منه نصرة عثمان، وقد ر وي عن علقمة بن أبي وقاص الليثي بإسناد ضعيف أنه قال: لما خرج طلحة، والزبير، وعائشة لطلب دم عثمان رضي الله عنهم،
عرضوا من معهم بذات عرق فاستصغروا عروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فردوهما، قال: ورأيته، وأحب المجالس إليه أخلاها، وهو ضارب بلحيته على زوره، فقلت له: يا أبا محمد، إني أراك، وأحب المجالس إليك أخلاها، وأنت ضارب بلحيتك على زورك، إن تكره هذا اليوم فدعه، فليس يكرهك عليه أحد؟ قال: «يا علقمة بن وقاص، لا تلمني، كنا يدا واحدة على من سوانا، فأصبحوا اليوم جبلين، يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنه كان مني في أمر عثمان رضي الله عنه ما لا أرى كفارته إلا أن يسفك دمي في طلب دمه(589) فعلى هذا التقدير يكون طلحة قد تاب مما صدر منه، وتكون توبته مقبولة عند الله بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بشره بالجنة والشهادة، هذا الذي يميل إليه القلب في الجواب عن هذه الرواية والله أعلم.
أما استدلال المخالفين بهذه الرواية على أن طلحة شارك في حصار عثمان وزادوا على هذا بالادعاء أن طلحة كان هو القائم على الحصار فليس بصحيح وقد تقدم عن بعض أهل العلم أنه أنكر أن طلحة لم يشارك رأسا في حصار عثمان، وكذب سائر ما
يروى في ذلك، وهذا هو الحق، فهذه الرواية الوحيدة التي صح سندها في ذلك وليس فيها ما يفيد أن طلحة كان من المحاصرين كما يزعم الطاعنون في طلحة، بل لا تفيد إلا أن عليا طلب من طلحة أن يرد القوم عن عثمان وذكر الراوي أن عليا ذهب إلى بيت طلحة فقعود طلحة عن إظهار الإنكار على الغوغاء هو السبب الموجب لقدوم علي إلى بيته ليكلمه في ذلك، وهؤلاء يزعمون أن طلحة كان قائدا لأصحاب الفتنة و الصحيح براءة طلحة من ذلك جزما، وعلي رضي الله عنه لم ينسب لا لطلحة ولا غيره من الصحابة أنه شارك في حصار عثمان، بل لو كان من ذلك شيء لكان أكبر حجة لعلي رضي الله عنه على طلحة يوم الجمل، ولأعلن بذلك بين الأشهاد، ولكان هذا من أعظم الأسباب في تفريق جيش طلحة والزبير عنهما، فعدم ذكره لشيء من ذلك دليل على بطلان ما يروى في هذا.
إذا علم هذا فلنستعرض بعض الأكاذيب التي راجت في روايات الأخباريين:
قال أبو مخنف: « واشتدّ عليه طلحة بن عبيد الله في الحصار، ومنع من أن يدخل إليه الماء حتى غضب عليّ بن أبي طالب من ذلك، فأدخلت عليه روايا الماء»(590) .
قلت: قد تقدم أن سائر روايات أبي مخنف ساقطة، وهذه منها وهي بينة الاختلاق، ولم يثبت أن طلحة منع الماء عن عثمان في رواية صحيحة!!.
قال الكلبي: «أرسل عثمان إلى علي رضي الله عنهما يقرئه السلام ويقول: إن فلانا
يعني طلحة قد قتلني بالعطش، والقتل بالسلاح أجمل من القتل بالعطش»(591)
قلت: قد تقدم أن الكلبي أحد أركان الكذب، وأن طلحة لم يمنع الماء عن عثمان، فلا التفات لمثل هذه الأخبار الواهية.
-عن الزهري في حديث طويل: « وكان الزبير وطلحة قد استوليا على الأمر، ومنع طلحة عثمان من أن يدخل عليه الماء العذب، فأرسل علي إلى طلحة وهو في أرض له على ميل من المدينة أن دع هذا الرجل فليشرب من مائه ومن بئره- يعني بئر رومة- ولا تقتلوه من العطش، فأبى، فقال علي : لولا أني قد آليت يوم ذي خشب أنه إن لم يطعني لا أرد عنه أحدا لأدخلت عليه الماء»(592) ، قلت: قد تقدم أن مراسيل الزهري من أوهى المراسيل، فضلا عما في المتن من نكارة، إذ لم تثبت مشاركة الزبير في الحصار بوجه بل ثبت في روايات صحيحة أن عبد الله بن الزبير كان ممن تولى الدفاع عن عثمان(593) ، ولا شك أن ذلك كان بأمر من أبيه كما جاء في بعض الروايات(594) ، فهذا يبين عدم صحة رواية الزهري.
وقد روي عن طلحة بإسناد ضعيف أنه قد حاول إيصال الماء إلى عثمان، فعن سعيد بن أبي هلال قال: «ذكر لنا أن عثمان رضي الله عنه لما حصر في الدار أرسل إلى طلحة بن عبيد الله فقال: يا أخي إنه قد حصرنا، ومنعنا الماء، ومنا الذي لم يصل - وهو طاهر منذ أيام - فأغثنا. فأمهل حتى أتت روايا الناس ثم خرج بسيفه حتى يصرفها إليه، ثم إنهم عطفوا الثانية فقام طلحة ليصرفها إليه، فأبى عمار بن ياسر وقال: والذي نفسي بيده لا تصل إليه حتى تقتلني أو أقتلك. فقال طلحة: ما أحب أن تقتلني ولا أقتلك، فتركها»(595) .
قلت: في إسناده علتان:
الأولى: ابن لهيعة اختلف فيه علماء الجرح والتعديل اختلافا شديدا، فذهب جماعة منهم إلى أن حديثه صحيح قبل اختلاطه، وأنكر بعضهم اختلاطه رأسا وضعف رواياته كلها(596) ، والراوي عنه هنا هو عبد الله بن وهب وقد ذهب بعضهم إلى أن حديث ابن وهب عنه صحيح.
الثانية: سعيد بن أبي هلال اختلف في سنة وفاته، فقيل بعد 130 هـ وقيل 149 هـ وعليه فحديثه معضل(597) .
وفي متنه نكارة وهي دعوى أن عمارا رضي الله عنه منع الماء عن عثمان، وعمار لم يثبت عنه ذلك، ولكن المقصود عندي أن هذه
الرواية لم يتعرض لها الطاعنون لطلحة بذكر، مع أنهم يعتمدون في مثل هذا الأمر على أخبار أوهى من هذه ولكننا وبحمد الله لسنا من أتباع الهوى، و نجل سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن نرميهم بالعظائم بروايات واهية والله المستعان.
وهناك روايات أخرى ورد فيها مشاركة طلحة أو توليه للحصار وكلها روايات شديدة الضعف ومثلها لا يتقوى ولا ينجبر:
-فروى البلاذري عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: « كان طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار ، فبعث عثمان عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطَّلب إلى عليّ بهذا البيت:
| إن كنت مأكولا فكن أنت آكلي | وإلَّا فأدركني ولمّا أمزّق»(598) ( 598 ) |
|---|
وهذه الرواية شبيهة في لفظها مع رواية الكلبي إلا أن فيها زيادة البيت الشعري، والسند إلى يحيى بن سعيد فيه نظر، فإن البلاذري يرويه عن شيخه أبي إسحاق الفروي، ولم أجد من سمي بهذا الاسم والكنية، وبعد البحث وجدت أن هذا الاسم يحتمل أن يكون مترددا بين اثنين هما: إسحاق بن إبراهيم بن موسى، أبو موسى الهروي تـ 233 هـ وإسحاق بن محمد أبو يعقوب الفروي، ت 226 هـ ، والأول وإن وثقه ابن معين وأثنى عليه أحمد، إلا أن ابن المديني غمزه ، وذُكر عنه أنه كان تاجرا مما يفيد أنه لم يكن من أهل الحديث(599) .
وأما الثاني فقد قال فيه أبو حاتم: « صدوق ولكن ذهب بصره فربما لقن وكتبه صحيحة» وقال مرة: « مضطرب».
ووهاه أبو داود، وقال النسائي: « متروك» .
وقال الدارقطني: « ضعيف» وقال مرة: « لا يترك»(600) .
فالسند فيه إشكال على كلا الحالين، وما يزيد الإشكال أني لم أجد في ترجمتهما من ذكر أن البلاذري من تلاميذهما، وأن عبد الله بن إدريس الذي يرويه عن يحيى الأنصاري من مشايخهما، فهذا يوجب التوقف صحة الرواية إلى يحيى بن سعيد ، ويحيى بن سعيد توفي سنة 144 هـ فالسند معضل.
-وقد روي عن الزهري قريب من هذه الرواية، فعنه أنه قال: أرسل عثمان رضي الله عنه إلى علي رضي الله عنه وهو محصور: «إن كنت مأكولا فكن خير آكل. ولا تخل بينها وبين ابن فلانة - يريد طلحة»(601) ، والرواية معلة بالانقطاع لأن الزهري لم يدرك الواقعة وقد تقدم أن مراسيل الزهري من أوهى المراسيل.
ولا ينبغي الاعتماد في مثل هذا الأمر الخطير الذي يمس دين أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدالتهم على روايات بهذه المنزلة من الضعف.
قال الشريف المرتضى: «والظاهر المعروف، أ نه لم يكن على عثمان أشد من طلحة يوم الدار ولا أغلظ ، ولو حكينا من كلامه فيه ما قد روي لأفنينا به قطعة كبيرة من هذا الكتاب، وقد روي أن عثمان كان يقول يوم الدار: اللهم اكفني طلحة ، ويكرر ذلك علما منه بأنه أشد القوم عليه»(602) .
- قلت روى الواقدي أن عثمان قال: «يا ابن عياش تعال»، فأخذ بيدي فأسمعني كلام من على باب عثمان فسمعنا كلاما منهم من يقول: «ما تنتظرون به» ومنهم من يقول:« انظروا عسى أن يراجع» فجاءه ابن عديس فناجاه بشيء ثم رجع ابن عديس فقال لأصحابه لا تتركوا أحدا يدخل على هذا الرجل ولا يخرج من عنده قال:فقال لي عثمان: « هذا ما أمر به طلحة بن عبيد الله» ثم قال عثمان: اللهم اكفني طلحة بن عبيد الله، فإنه حمل علي هؤلاء وألبهم، والله إني لأرجو ا أن يكون منها صفراً»(603) .
قلت: آفة هذا الخبر الواقدي، فقد انفرد به، والنكارة في متنه ظاهرة، وفيه اتهام لطلحة بالمشاركة في الحصار، وهذا مما روجه أعداء أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتلقفه الأخباريون منهم كالواقدي، ونحن لا نصدق الواقدي على طلحة في مثل هذه التهمة العظيمة، وطلحة رضي الله عنه بريء جزما من هذه الفرية، ولذا لم يوافق الواقدي على رواية مثل هذه الأخبار إلا المتهمون والكذابون كما ستراه.
-وروى الواقدي: «أنّ طلحة لما قدم أتاه عثمان فسلَّم عليه، فقال طلحة: يا أبا عبد الله، أرأيت إن رددت الأمر أتردّه حتى يكون فينا على شورى؟ قال عثمان: نعم يا أبا محمد، قال طلحة: فإنّي لا أردّه، فإن شئت بايعتك في مجلسك وإن شئت ففي المسجد، فبايعه، فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح: ما زلت خائفا لأن ينتقض هذا الأمر حتى كان من طلحة ما كان فوصلته رحم . ولم يزل عثمان مكرما لطلحة حتى حصر، فكان طلحة أشدّ الناس عليه»(604) . قلت في إسناده الواقدي، وشيخه هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن طلحة(605) ، لم أقف له على ذكر، فضلا عن النكارة الظاهرة في متنه لمخالفته لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من أن طلحة حضر الشورى وجعل أمره إلى عثمان ، وهذا دليل واضح على أن الخبر مختلق، فإن النقاد جعلوا مخالفة الخبر للتاريخ الصحيح والمعروف دليلا على الوضع .
-وعن عوف الأعرابي قال: «كان أشد الصحابة على عثمان طلحة بن عبيد الله»(606) .
قلت: عوف ولد سنة 60 أو61 هـ فالخبر منقطع، لأن عوفا لم يدرك الواقعة، ثم إن الخبر لا يدل على صحة مزاعم الأخباريين في طلحة، فغاية ما يمكن أن يحمل عليه الخبر أن الشدة المقصودة هنا
هي عدم نصرة طلحة لعثمان أثناء الحصار، وقد تقدم الكلام في موقف طلحة آنذاك وبينا وجه الاعتذار عنه.
-عن ابن سيرين قال: «لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشد على عثمان من طلحة»(607) .
قلت: وهذا لا يثبت عن ابن سيرين رحمه الله، لأنه من رواية أبي جزي نصر بن طريف الباهلي، وهو متروك ومتهم بالوضع:
قال وهب بن زمعة عن ابن المبارك: « إنه ترك حديثه» .
وقال أحمد: « لا يكتب حديثه» .
وقال النَّسَائي، وَغيره: « متروك» .
وقال يحيى: « من المعروفين بوضع الحديث» .
وقال الفلاس: « وممن أجمع عليه من أهل الكذب أنه لا يروى عنهم قوم منهم: أبو جزء القصاب نصر بن طريف وكان أميا لا يكتب، وكان قد خلط في حديثه، وكان أحفظ أهل البصرة، حدث بأحاديث ثم مرض فرجع عنها ثم صح فعاد إليها».
وَقال البُخاري: « سكتوا عنه» .
وقال ابن المثنى: «كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه» .
وقال أبو حاتم: « متروك الحديث» .
ونقل العقيلي أيضًا، عَن أبي داود الطيالسي: « كان شعبة يسمي أبا جزي: أبا خزي» . ونقل عن عفان أنه كان عنده عنه قمطران فلم يحدث عنه منهما بشيء.
وَأورَدَ له ابن عَدِي أحاديث عدة ثم قال: «وله غير ما ذكرت إلا أن الغالب على رواياته أنه يروي ما ليس بمحفوظ وينفرد عن الثقات بمناكير وهو بيِّن الضعف وقد أجمعوا على ضعفه» .
وقال العجلي: « ضعيف الحديث، وَلا يكتب حديثه» .
وقال ابن سعد: « ليس بشيء وقد ترك حديثه» .
وقال النَّسَائي في التمييز: « ليس بشيء، وَلا يكتب حديثه» .
وسئل الدارقطني عن عَدِي بن الفضل فقال: « يترك» ، ثم قال: « وأبو جزء أسوأ حالا منه» . وقال الخليلي في الإرشاد: « ضعفوه» .
ولذا قال الحافظ ابن حجر: « ولم يتخلف أحد عن ذكره في الضعفاء، وَلا أعلم فيه توثيقا»(608) .
-وعن سعيد بن المسيب في خبر طويل أنه قال: حاصر الناس عثمان وأجلب عليه محمد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم، وأعانه على ذلك طلحة بن عبيد الله»(609) .
أقول: هذا حديث منكر، وقع في إسناده تدليس فاحش، فقد رواه محمد بن عيسى بن سميع عن شيخه عبد الرحمن بن أبي ذئب، وابن سميع وإن وثق إلا أن حديثه هذا من الأحاديث الموضوعة لأنه أسقط أحد الكذابين من سنده، وقد نص على ذلك أئمة الجرح والتعديل:
قال الإمام البخاري: «محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع، شامي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد؛ في مقتل عثمان، سمع منه هشام بن عمار، ويقال: أنه لم يسمع من ابن أبي ذئب هذا الحديث»(610) .
وقال صالح بن محمد الأسدي الحافظ: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا محمد بن عيسى بن القاسم، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري حديث مقتل عثمان بن عفان. قال: فجهدت به الجهد أن يقول: حدثنا ابن أبي ذئب، فأبى أن يقول إلا: عن ابن أبي ذئب .
قال صالح بن محمد: قال لي محمود ابن بنت محمد بن عيسى(611) هو في كتاب جدي، عن إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله، عن ابن أبي ذئب. قال صالح: وإسماعيل بن يحيى هذا يضع الحديث. قال: وهو ابن يحيى بن عبيد الله الذي يروي عن أبيه عن أبي هريرة تلك الأحاديث، الذي يروي عنه يعلى بن عبيد وهؤلاء. قال صالح بن
محمد: فحدثت بهذه القصة محمد بن يحيى الذهلي، فقال: الله المستعان.
وقال أبو حفص بن شاهين: «محمد بن عيسى بن سميع شيخ من أهل الشام ثقة، وإسماعيل بن يحيى بن عبيد الله الذي أسقطه ضعيف».
وقال أبو حاتم بن حبان: «هو مستقيم الحديث إذا بين السماع في خبره، فأما خبره الذي روى عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب في مقتل عثمان فلم يسمعه من ابن أبي ذئب، سمعه من إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله، عن ابن أبي ذئب، فدلس عنه، وإسماعيل ضعيف واه».
وقال الحاكم أبو أحمد(612) : « مستقيم الحديث إلا أنه روى عن ابن أبي ذئب حديثا منكرا، وهو حديث مقتل عثمان ، ويقال: كان في كتابه عن إسماعيل بن يحيى التيمي، عن ابن أبي ذئب فأسقطه، وإسماعيل ذاهب الحديث».
وقال أبو أحمد بن عدي: «هو حسن الحديث، والذي أنكر عليه حديث مقتل عثمان أنه لم يسمعه من ابن أبي ذئب»(613) .
ولأجل هذا الحديث ذكر العقيلي محمد بن عيسى بن سميع في الضعفاء(614)
ولا يعتمد على إنكار حفيده محمد بن فلان لتحديثه بهذا الحديث(615) فقد ثبت عنه بالإسناد الصحيح إليه ونسبه إليه كبار الأئمة والراوي الذي دلسه ابن سميع هو أحد المجمع على اطراحهم وهو: إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي
قال صالح بن محمد جزرة: «كان يضع الحديث» .
وقال الأزدي: « ركن من أركان الكذب، لا تحل الرواية عنه» .
وقال ابن عدي: « يحدث عن الثقات بالبواطيل» .
وقال أبو علي النيسابوري والحاكم: « كذاب» .
وقال الدارقطني: « متروك كذاب» .
وقال ابن حبان: « كان يروي الموضوعات عن الثقات، لا تحل الرواية عنه بحال».
وقال الذهبي: « مجمع على تركه»(616) .
وقال أبو
نعيم: حدث عَن مسعر وَمَالك بالموضوعات يشمئز الْقلب وينفر من حَدِيثه، مَتْرُوك»(617)
وهذه الأخبار الواهية يقابلها أخبار مثلها تفيد أن طلحة هو الذي ذهب إلى علي ليطلب منه فك الحصار عن عثمان، روى الطبراني عن عبد الله بن رافع عن أمه قالت:«خرجت الصعبة بنت الحضرمي فسمعناها تقول لابنها طلحة بن عبيد الله: إن عثمان قد اشتد حصره فلو كلمت فيه حتى يرفه عنه، قالت: وطلحة رضي الله عنه، يغسل أحد شقي رأسه فلم يجبها، فأدخلت يديها في كم ذراعها فأخرجت ثدييها، وقالت: أسألك بما حملتك وأرضعتك إلا فعلت، فقام ولوى شق شعر رأسه حتى عقده وهو مغسول، ثم خرج حتى أتى عليا رضي الله عنه وهو جالس في جنب داره، فقال طلحة رضي الله عنه ومعه أمه وأم عبد الله بن رافع: لو رفهت عن هذا فقد اشتد حصره، قال: فنقر بقدح في يده ثلاث مرات ثم رفع رأسه فقال: والله ما أحب من هذا شيئا تكرهه»(618) .
قلت: في إسناده أم عبد الله بن رافع لم أقف لها على ترجمة والراوي عن عبد الله بن رافع وهو محمد بن يعقوب المديني، قال أبو حاتم: «هو مجهول»(619) .
وهذا الإسناد وإن كان فيه ضعف، إلا أنه ضعف أيسر
أو أخف من روايات الواقدي وأبي مخنف، فالذي يحتج بروايات الواقدي وأبي مخنف وأضرابهم يلزمه الاحتجاج بهذه الرواية، ولكننا وبحمد الله لسنا كأصحاب الأهواء الذين يسلكون هذه الطريقة، وإن كان الجمع بين هذه الرواية والرواية السابقة ممكنا بأن يقال بأن أم طلحة لما أكدت عليه الخروج لنصرة استجاب لها وعدل عن رأيه في التوقف عن النصرة ولكن المقصود أن من يحتج برواية هؤلاء يُلزم بمثل هذه الرواية التي جاء فيها أن طلحة قد كلم عليا في فك الحصار عن عثمان.
وروى الدارقطني عن موسى بن حكيم، قال: «كتب ابن عامر إلى عثمان كتابا، فقدمت عليه وقد نزل به أولئك، فعمدت إلى الكتب فخيطتها فجعلتها في قبائي، ثم لبست لباس المرأة، فلم أزل حتى دخلت عليه، فجلست بين يديه، فجعلت أفتق قبائي وهو ينظر، فدفعتها إليها، فقرأها ثم أشرف على المسجد، فإذا طلحة جالس في المسجد في المشرق فقال يا طلحة، قال: يا لبيك، قال: نشدتك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من يشتري قطعة فيزيدها في المسجد وله بها كذا وكذا؟ فاشتريتها من مالي؟ فقال طلحة: اللهم نعم، قال: فأنتم فيه آمنون، وأنا فيه خائف، ثم قال: يا طلحة، قال: يا لبيك، قال: أنشدتك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من يشتري بئر رومة يعني بكذا فيجعلها للمسلمين، وله بها كذا وكذا؟ فاشتريتها من مالي؟ فقال طلحة: اللهم نعم، فقال: يا طلحة، قال: يا لبيك، قال نشدتك بالله هل تعلمني حملت في جيش العسرة على مائة؟ قال طلحة: اللهم
نعم، ثم قال طلحة؟ اللهم لا أعلم عثمان إلا مظلوما»(620)
قلت: وهذه الرواية يصرح فيها طلحة بأن عثمان مظلوم ويقر له فيها بفضائله أمام الناس، وهذه الرواية لم يتعرض لها الأميني ولا جعفر مرتضى العاملي مع أنها من الروايات المهمة في الباب والتي يستدل بها بعض أهل العلم على أن طلحة رجع عن موقفه بعد مناشدة عثمان لمحاصريه وتذكيره لهم بفضائله.
وفي إسنادها عمر بن عبيد الله بن معمر، قال الذهبي: من أشراف قريش، كان جوادا، ممدحا، شجاعا، كبير الشأن، له فتوحات مشهودة، ولي البصرة لابن الزبير، وكان مراهقا عند مقتل عثما ن(621) .
وفي الإسناد: موسى بن حكيم ذكره ابن حبان في ثقاته(622) وصرح الراوي عنه بأنه قد حضر الواقعة، وبقية رجاله ثقات، وهذه أقوى سندا من روايات الواقدي وأبي مخنف وأضرابهما سيما أن عمر بن عبيد الله قد عاصر الحادثة وهو صغير ويروي عمن حضر الحادثة، ويمكن الاستئناس بها لجعلها قرينة على أن طلحة قد رجع عن موقفه بعدما تبين له الصواب، فإن أضيف إلى ذلك ما ثبت عنه من الطلب بدم عثمان والندم على ماكان منه قوي الاستدلال بهذه الرواية وإن كان إسنادها ضعيفا، والله أعلم.
الشبهة الثالثة: دعواهم أن طلحة استولى على بيت المال
في حصار عثمان
لم يكتف الطاعنون في طلحة بنسبة تولي حصار عثمان له، بل زادوا على ذلك أنه استولى على مفاتيح بيت المال!
قال جعفر مرتضى العاملي: «إن طلحة كان قد قطع شوطاً كبيراً في الاستيلاء على الأمور، فإنه كما ذكره النص المتقدم استولى على بيوت الأموال والخزائن، واتخذ عليها مفاتيح ، وقد ذكرت بعض النصوص أيضاً: أنه استولى على الإبل، فلما بويع علي عليه السلام سلمها إليه»(623) .
قلت: هذه التهمة كغالب التهم المتقدمة مما نقل بأسانيد واهية ومع ذلك يعتمد عليها الطاعنون في طلحة رضي الله عنه.
وقد روي في ذلك روايات:
- عن محمد بن كعب القرظي ، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه عن علي في حديث طويل: « إن ابن الحضرمية قد قبض المفاتيح واستولى على الأمر»(624) ، وقد تقدمت هذه الرواية وذكرت هناك أن آفتها أبو عمرو الزهري، ونقلت أقوال أهل العلم فيه.
-عن هشام بن أبي هشام مولى عثمان بن عفان عن شيخ من أهل الكوفة يحدثه عن شيخ آخر في خبر طويل في حصار عثمان «أن علياً
أتى بيت المال فقال: افتحوا هذا الباب فلم يقدر على المفاتيح، فقال: اكسروه، فكسر باب بيت المال، فقال: أخرجوا المال، فجعل يعطي الناس فبلغ الذين في دار طلحة الذي صنع علي، فجعلوا يتسللون إليه حتى ترك طلحة وحده، وبلغ الخبر عثمان فسر بذلك ثم أقبل طلحة يمشي عائدا إلى دار عثمان، فقلت: والله لأنظرن ما يقول هذا فتبعته، فاستأذن على عثمان فلما دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين أستغفر الله وأتوب إليه أردت أمرا فحال الله بيني وبينه، فقال عثمان: إنك والله ما جئت تائبا، ولكنك جئت مغلوباً، الله حسيبك يا طلحة»(625)
قلت: هذا الخبر مسلسل بالعلل:
هشام بن أبي هشام متروك ومتهم ومجمع على ضعفه :
قال عبد الله بن أحمد وأبو زرعة: « ضعيف الحديث ».
وقال ابن معين: « ليس بثقة » وقال في موضع آخر: « ضعيف ليس بشيء ».
وقال البخاري: « يتكلمون فيه »، وهي عبارة يطلقها في الضعفاء كما هو معلوم من طريقته.
وقال أبو داود: « غير ثقة ».
وقال الترمذي: يضعف
وقال النسائي وعلي بن الجنيد الأزدي: متروك الحديث
وقال النسائي: « ضعيف » وقال مرة: « ليس بثقة » ومرة: « ليس بشيء ».
وقال أبو حاتم « ضعيف الحديث ليس بالقوي وكان جارا لأبي الوليد فلم يرو عنه، وكان لا يرضاه ، ويقال: إنه أخذ كتاب حفص المنقري عن الحسن فروى عن الحسن، وعنده عن الحسن أحاديث منكرة! .
وقال ابن حبان: « كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، والمقلوبات عن الأثبات، حتى يسبق إلى قلب المستمع أنه كان المتعمد لها، لا يجوز الاحتجاج به ».
وقال الدارقطني: « ضعيف وترك ابن المبارك حديثه ».
وقال ابن سعد: « كان ضعيفا في الحديث ».
وقال أبو بكر بن خزيمة: « لا يحتج بحديثه ».
وقال العجلي: « ضعيف ».
وقال يعقوب بن سفيان: « ضعيف لا يفرح بحديثه(626) » .
أما العلة الثانية: الشيخان المبهمان في الإسناد لا يدرى من هما؟ وغير بعيد أن يكونا من اختلاق هشام هذا! فالرواية واهية لا يصح الاستدلال بها بحال(627) .
-وروى
أبو مخنف بإسناده عن الشعبي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما قتل أقبل الناس إلى علي رضي الله عنه ليبايعوه ومالوا إليه فمدوا يده فكفها، وبسطوها فقبضها وقالوا: بايع فإنا لا نرضى إلا بك ولا نأمن من اختلاف الناس وفرقتهم. فبايعه الناس وخرج حتى صعد المنبر. وأخذ طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام مفتاح بيت المال، وتخلفا عن البيعة(628)
وعلق محمد باقر المحمودي على الرواية قائلا: «وفيه تسامح أيضا، فإن مفاتيح بيت المال قد أخذها طلحة في أيام حصار عثمان وتأليبه عليه(629) » .
قلت يرويه عباس بن هشام بن محمد الكلبي، ولم أقف له على ترجمة، عن أبي مخنف، بإسناد ضعيف من طريق مجالد وهو ضعيف جدا عن الشعبي لكن المتهم به هو أبو مخنف جزما، وهو
يزعم هنا أن طلحة والزبير أخذا مفتاح بيت المال بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وهذا مخالف للرواية المتقدمة التي زعموا فيها أن طلحها استولى على المفاتيح في حصار عثمان
-عن عكرمة في خبر طويل أن ابن عباس مر بعائشة في الصلصل(630) ، فقالت: «يا ابن عباس أنشدك الله فإنك قد أعطيت لسانا إزعيلا(631) أن تخذل عن هذا الرجل(632) وأن تشكك فيه الناس... وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح، فإن يل يسر بسيرة ابن عمه أبي بكر رضي الله(633) » .
قلت: فيه آفتان:
- الواقدي: وقد تقدم أنه متروك ولا اعتماد على سائر ما يرويه في هذا الباب.
-شيخه أبو بكر بن أبي سبرة، أحد المتروكين :
-قال صالح بن أحمد عن أبيه: « أبو بكر بن أبي سبرة يضع الحديث، وكان ابن جريج يروي عنه» .
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: « ليس بشيء كان يضع الحديث ويكذب ».
وقال ابن معين: « ليس حديثه بشيء، وقال مرة: ضعيف الحديث ».
وقال ابن المديني: « كان ضعيفا في الحديث » وقال مرة: « كان منكر الحديث هو عندي مثل ابن أبي يحيى ».
وقال البخاري: « ضعيف » وقال مرة: « منكر الحديث ».
وقال الجوزجاني: « يضعف حديثه ».
وقال النسائي: « متروك الحديث » وقال ابن عدي: « عامة ما يرويه غير محفوظ وهو في جملة من يضع الحديث ».
وقال ابن حبان: « كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به ».
وقال أبو إسحاق الحربي: « غيره أوثق منه ».
وقال الساجي: « عنده مناكير ».
وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: «أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي سبرة ولي القضاء لزياد الحارثي، ثم ولي القضاء لموسى يعني الهادي، وهو ولي عهد وليس بالقوي عندهم ».
وقال الحاكم أبو عبد الله: يروي الموضوعات عن الأثبات مثل هشام بن
عروة وغيره»(634)
وقد ذكروا عنه أنه كان مفتياً وقاضياً ولكن هذا لا يعتد به، لأن هذا يفيد معرفته بالأحكام أما في الحديث فهو شديد الضعف متروك. ومع أن هذه الرواية بهذه المنزلة من الضعف إلا أنك لتعجب من الطاعنين في طلحة وأم المؤمنين الذين سارت بفضائلهما الركبان يحتجون بمثل هذه الرواية الواهية على هذه التهمة(635) .
وهذه الروايات لا تتفق في وقت الواقعة فبعضها ينص على أن طلحة أخذ مفاتيح بيت المال في الحصار، وبعضها يقول إن ذلك كان بعد مقتل عثمان ، وعلى كل فسائر ما روي في هذه القصة لا يصح، بل هو من الموضوعات في مثالب طلحة كسائر ما ورد في هذا الباب.
ونكارة هذه الروايات بينة وواضحة ، فلا يتصور أصلا أن الاستيلاء على بيت مال المسلمين بهذه السهولة التامة، ثم إن طلحة ما كان له حاجة إلى المال أصلا، فهو كان مشهورا بالتجارة منذ عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فضلا عن أنه كان من أكثر الناس إنفاقا في سبيل الله، وإنما هذا مما اختلقه أهل الأهواء ، وأما دعوى أن عائشة كانت تتمنى أن يتولى طلحة الخلافة للقرابة التي بينهما فهو أيضا من الكذب الواضح البين ، فلو كانت القرابة وإرجاع الخلافة إلى بني تيم هي العلة في سعي عائشة في فتنة عثمان كما يزعم البعض، فإن محمد بن أبي بكر الصديق الذي ثبت أنه كان أحد السعاة في الفتنة أقرب إلى عائشة من طلحة فهو أخوها، أليس الأولى أن تسعى عائشة في نيل أخيها الخلافة بدل طلحة؟
ومما يزيدك يقينا ببطلان هذا الأمر أنه لم يثبت عن عائشة رضي الله عنه أنها حدثت بأي فضيلة من فضائل طلحة بالرغم من أنه من بني تيم، وبالرغم من أنه صاهر الصديق فتزوج أم كلثوم بنته، وكانت عائشة رضي الله عنه هي من أتى بها إلى مكة بعد وفاة طلحة رضي الله عنه(636) ، فأين هذا مما يزعمه هؤلاء؟.
إن أكثر ما يروجه هؤلاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأكاذيب التي لا يمتري فيه عاقل، ولو أن الطاعنين في الصحابة التزموا الاقتصار على الأحاديث والأخبار الصحيحة لزال كثير من الخلاف الذي بيننا وبينهم ولكنهم يأبون إلا التمسك بهذه الأخبار الواهية، فنسأل الله أن يجعل هذا البحث سبيلا لتصفية تاريخ أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأكاذيب التي تروج عنهم والله المستعان.
الشبهة الرابعة: دعوى أن طلحة كان يرامي أهل الدار
قال الشريف المرتضى: «وروي أن طلحة كان عليه، يوم الدار درع، وهو يرامي الناس ، ولم ينزع عن القتال حتى قتل الرجل(637) » .
قلت: روى ابن شبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «رأيت طلحة يوم الدار يراميهم وعليه قباء(638) فكشفت الريح عنه، فرأيت بياض الدرع من تحت القباء(639) » .
قلت: الجواب عن الرواية من جهة الإسناد والدلالة.
أما من جهة الإسناد ففيه يزيد بن أبي زياد ، أخرج له مسلم حديثا واحدا مقرونا بغيره، ووثقه جماعة من أهل الجرح والتعديل وضعفه أكثرهم(640) ، ولخص ابن حبان حاله عنده بقوله: « وكان يزيد صدوقا إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، فكان يتلقن ما لقن، فوقع المناكير في حديثه من تلقين غيره إياه وإجابته فيما ليس من حديثه لسوء حفظه، فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماع صحيح، وسماع من سمع منه في آخر قدومه الكوفة بعد تغير حفظه وتلقنه ما يلقن سماع ليس بشيء(641) » .
أما من ناحية الدلالة فإن الحديث محتمل الدلالة ويحتمل وجهين:
الوجه الأول: حمل الخبر على أن طلحة كان يرامي أهل الدار من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب عثمان الذين كانوا موجودين بها، الظاهر أن هذا هو ما مال إليه ابن شبة لأنه أورد الحديث في باب «ما روي من الاختلاف فيمن أعان عثمان رضي الله عنه، أو أعان عليه من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه رضي الله عنهم وغيرهم»، وأورد بعده حديثا مرويا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى فيه اتهام لطلحة في المشاركة في قتل عثمان.
فالجواب: بالمنع من صحة الخبر، فالمعروف أنه لم يحصل قتال بهذه الصورة، وإنما « حدث احتكاك، واشتباك خفيف أدى إلى حمل الحسن بن علي رضي الله عنهما جريحاً من الدار يوم الدار(642) » ، ثم إن كانت مشاركة طلحة في حصار عثمان بهذه الصورة البينة حتى يطلع عليه مثل ابن أبي ليلى ويحدث بها من بعده، كيف تخفى على علي وأصحابه ومن كان في الدار ، ثم لماذا لم يخبر بها ابن أبي ليلى علياً وهو قد كان شاهدا للواقعة في المدينة، وأقام بالكوفة أيضا حيث مقام علي وسمع منه وحدث عنه مع شهرة عدالة ابن أبي ليلى ، أمَا كانت شهادة ابن أبي ليلى من أعظم الحجج على إدانة طلحة والتي ستؤدي إلى حقن دماء كثير من المسلمين في وقعة الجمل، إذ أنهم لو سمعوا بمثل هذا لرجع كثير منهم عن نصرة طلحة وأصحابه؟.
الوجه الثاني: أن يحمل الحديث على خلاف المعنى الأول، وهو أن طلحة كان يرامي المحاصرين للدار دفاعا عن عثمان، وهذا أيضا ممنوع لأن الثابت أن طلحة ندم بعد مقتل عثمان لأنه لم ينصره ضد المحاصرين.
وعليه يتبين عدم صحة الخبر سندا ومتنا، فلا يصح أن يعتمد عليه في إدانة طلحة رضي الله عنه.
الشبهة الخامسة: دعواهم مشاركة طلحة في قتل عثمان رضي الله عنه
إن الباحث ليعجب من كثرة الافتراءات التي طالت طلحة رضي الله عنه في فتنة عثمان فقد نسبوا لطلحة كل داهية ومصيبة بدءا بالتأليب عليه، ثم المشاركة في حصاره، وختموا ذلك باتهامهم بالمشاركة في قتله، وإن نظرت في مستندهم في ذلك لا ترى خبرا يطمأن إليه، بل روايات ساقطة كسائر الروايات الواردة بالباب، ويتضح بطلانها بما ثبت من اتفاق الناس على أن طلحة من أوائل المطالبين بدم عثمان، ولكن الظاهر أن الغلاة المعادين للصحابة هم من اخترعوا هذه الروايات وروجوها بين الناس، سيما أنهم مشهورون بالكذب والاختلاق على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما قدمناه من أن قدماءهم أرادوا تصوير مقتل عثمان بأنه كان بموافقة من الصحابة ومشاركة منهم، وبذلك يتم لهم الطعن في عثمان وفيمن شارك في قتله، وهذا من العجب، إذ أنك تراهم حين يتعرضون للطعن في عثمان يستدلون بصحة مطاعنهم بما ينسبونه للصحابة من المشاركة في التأليب عليه وقتله، ثم تراهم يذمون من شارك في قتل عثمان، وهذا التلون في المواقف يدل على سوء قصد وعداوة وحقد عجيبين، وهذا مخالف لما قرره القرآن من الدعوة إلى العدل في الأقوال والأحكام حتى مع الكفار حين قال تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾(643) .
يقول الدكتور محمد أمحزون: «وهكذا يظهر من روايات الإخباريين والرواة أن خبر تلك الأيدي التي كانت تحرك الفتنة و تشترك في إثارة الناس على عثمان هي أيدي الصحابة الذين كانوا حول عثمان كعلي وطلحة والزبير وعمرو بن العاص وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود وعائشة وغيرهم، فهل يتصور عاقل أن يكون طلحة والزبير وعائشة وعمرو مشتركين في توجيه الفتنة وإضرام نارها، وهم الذين خرجوا إلى البصرة يطالبون بدم عثمان ويلومون عليا لعدم إسراعه في تنفيذ عقوبة القصاص على قتلة عثمان!، أفما كان يعرف من كان في جيش علي من أهل المدينة وغيرهم أن طلحة والزبير وعمرو بن العاص وعائشة اشتركوا في قتل عثمان، فيرفعون صوتهم ويهزأون بهم ويبكتونهم ويفحمونهم بالحجة الدامغة(644) » .
ولنتعرض لشبهات من زعم أن طلحة شارك في قتل عثمان لنرى هل ترقى لأن تكون حجة لنسبة مثل هذه التهمة العظيمة إلى هذا الرجل العظيم أحد أبطال الإسلام.
قال المفيد : «فأما ما جاء في عناد طلحة والزبير لأمير المؤمنين (ع) وإقدامهما على حرب عثمان طمعا في نيل الأمر من بعده بغير شبهة في ذلك، وأنهما كانا متوليين لقتل عثمان، فلما بايع الناس لأمير المؤمنين (ع) وفاتهما ما كانا يأملانه من التأمر على الناس عمدا إلى حربه ورمياه بما صنعاه بعثمان وعاندا في ذلك وكابرا ودفعا به المعلوم(645) » .
قال الشريف المرتضى متحدثا عن طلحة والزبير: «ثم حملهما خطؤهما القبيح على أن نسبا إليه عليه السلام من المشاركة في دم عثمان ما هو برئ منه، وهما مسببان فيه(646) » .
وقال أيضا: «وكان طلحة ممن حاصر الدار وقاتل أهلها وباشر القتل وتولاه(647) »
وقال البياضي : « وإنما تولى قتله(648) طلحة والزبير في جماعة من المهاجرين والأنصار(649) » .
وقال محسن الأمين: «والطالبون بثأره(650) هم القاتلون في الحقيقة(651) » .
وقال جعفر مرتضى العاملي: « إن طلحة كان من أشد الناس حماساً وجهداً في قتل عثمان(652) »
وقال في موضع آخر: «ويبدو أن الناس كانوا يعرفون أطماع طلحة، وأنه لا يريد قتل عثمان لأجل إحياء دين الله والدفع عن عباده، وإنما يريد الحصول على مآربه، والوصول إلى أهوائه وشهواته.
وقد سعى في قتل عثمان ثم طالب بدمه(653)
هذه أقوالهم وآراؤهم، وإذا نظرنا في مستند من ذهب إلى هذا المذهب المنكر في طلحة رضي الله عنه نجد أن أدلتهم لا ترقى لأن تثبت ذلك سواء من حيث النقل أو من حيث الدلالة.
ولنستعرض بعض الأخبار التاريخية التي يحتج بها هؤلاء لنبين الصحيح من السقيم منها ثم ننظر في دلالة الأحاديث الثابتة على المدعى ونقارن ذلك بما ثبت من الحقائق التاريخية التي لا ينازع فيها أحد ثم نخلص إلى النتيجة في هذه القضية الخطيرة .
مناقشة الروايات التي تتهم طلحة بقتل عثمان:
1-روى ابن شبة عن ابن داب أن الحارث بن خليف قال: سألت سعدا عن قتل عثمان رضي الله عنه فقال: «قتل بسيف سلته عائشة رضي الله عنها: وشحذه طلحة رضي الله عنه ، وسمه ابن أبي طالب رضي الله عنه»(654) .
قلت: هذه الرواية باطلة سندا ومتنا، فابن داب هذا هو عيسى بن يزيد بن داب(655) :
قال خلف الأحمر: «كا ن يضع الحديث ».
وَقال البُخاري وأبو حاتم: « منكر الحديث ».
وقال العقيلي: « ما لا يتابع عليه من حديثه أكثر مما يتابع عليه ».
وقال الخطيب: «وكان ابن داب راوية عن العرب، وافر الأدب، عالما بالنسب، عارفا بأيام الناس، حافظا للسير ، وقيل إنه كان يزيد في الأحاديث ما ليس منها(656) » .
وقال الذهبي: «وكان أخباريا علامة، راوية عَنِ الْعَرَبِ، نَسَّابَةً، نَدِيمًا، وَلَكِنَّ أَحَادِيثَهُ سَاقِطَةٌ(657) » .
قلت فالرجل صاحب أدب وأخبار ولكنه غير موثوق الرواية حتى أنهم نسبوه إلى وضع الأشعار واختلاقها ، ولا شك أن هذا الخبر من اختلاقه، وشيخه الذي يروي عنه لم أقف له على ترجمة ولا يعرف في الرواة عن سعد أحد باسم الحارث بن خليف .
والصنعة ظاهرة على الخبر، فكيف يتهم سعد ثلاثة من كبار المسلمين بمثل هذه التهمة العظيمة وبهذا اللفظ المستبشع.
كيف يكون سعد قد قال هذا في طلحة وهو الذي اتفق مع طلحة في رواية خبر أحد، فروى عنهما أبو عثمان النهدي أنه لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأوقات إلا سعد وطلحة(658) وظاهر أن سعدا حدث بهذا بعد وفاة طلحة لأن أبا عثمان النهدي متأخر الوفاة، توفي سنة 95 هـ.
كيف يكون سعد قد قال هذا في عائشة وهو الذي قد سمى إحدى
بناته عائشة وقد ولدت بعد مقتل عثمان، لأنها توفيت سنة 117 هـ(659)
كيف يكون سعد قد قال هذا في علي وهو الذي روى عنه غير واحد من أبنائه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي : «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي»(660) ؟.
لا شك أن سعداً رضي الله عنه لا يقول مثل هذا الكلام الذي لا يصدر من عاقل فضلا عن واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ورغم بطلان هذه الرواية سندا و متنا إلا أنك لتعجب من الطاعنين في طلحة كيف يسردونها ويجزمون بنسبتها إلى سعد ولا يستنكرونها مع ما فيها من فرية واضحة على علي بأنه شارك في قتل عثمان(661) ! !؟ .
2-وعن عبد الله بن أذينة أنه قال لمحمد بن طلحة بن عبيد الله: والله إن كنت لأحب أن ألقاك، قال له محمد: من أنت؟ قال: عبد الله بن أذينة، فأخبرني عن قتل عثمان رضي الله عنه. قال: أخبرك أن دم عثمان رضي الله عنه ثلاثة أثلاث ثلث على صاحبة الخدر يعني عائشة رضي الله عنها فلما
سمعته يقول ذلك شتمته وأساءت له القول، فقال: يغفر الله لك يا أمتاه، وثلث على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وثلث على صاحب الجمل الأحمر ميمنة القوم يعني أباه طلحة فلما سمعه أبوه أقبل إليه سريعا وقال ويحك هل ثاب رجل بأفضل من نفسه(662)
3-قلت: وقريب منه ما روى الطبري من طريق نصر بن مزاحم: «وأقبل غلام من جهينة على محمد بن طلحة وكان محمد رجلا عابدا فقال: أخبرني عن قتلة عثمان فقال: نعم، دم عثمان ثلاث أثلاث، ثلث على صاحبة الهودج يعني عائشة، وثلث على صاحب الجمل الأحمر، يعني طلحة، وثلث على علي بن أبي طالب، وضحك الغلام وقال: ألا أراني على ضلال ولحق بعلي وقال في ذلك شعرا.(663) ..» .
قلت: والجواب بالنظر في الرواية سندا ومتنا
أما من جهة السند فالروايتان في حيز السقوط:
أما الأولى ففيها علل:
عبد الله بن أذينة العبدي لم أعثر عليه في كتب التراجم والموافق له في هذا الاسم هو عبد الله بن عطارد بن أذينة البصري الطائي، وليس العبدي جزما، لأن هذا متأخر طبقة يروي عنه أهل المئتين(664) أما العبدي فلقي محمد بن طلحة الملقب بالسجاد والمتفق
على أنه مات في وقعة الجمل.
-قتادة مدلس ولم يصرح بالسماع منه، سيما أن عبد الله هذا ليس من شيوخه المعروفين.
-جرير بن حازم وإن كان ثقة إلا أنه ضعيف في قتادة، وله عنه مناكير ولا أحسب هذا الخبر إلا أحدها، فلم يوافقه أحد على رواية هذا الخبر عن قتادة .
قال عبد الله بن أحمد: سألت يحيى بن معين عن جرير بن حازم، فقال: «ليس له بأس»، فقلت: إنه يحدث عن قتادة عن أنس أحاديث مناكير. فقال: « ليس بشيء، هو عن قتادة ضعيف ».
وقال أحمد: « كان حديثه عن قتادة غير حديث الناس، يوقف أشياء، ويسند أشياء(665) » .
وقال ابن عدي: «جرير بن حازم له أحاديث كثيرة عن مشايخه، وهو مستقيم الحديث صالح فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي عن قتادة أشياء لا تتابع(666) » .
قال الذهبي: «وفي الجملة، لجرير عن قتادة أحاديث منكرة(667) » .
ولا يعترض علينا بإخراج البخاري ومسلم لحديث جرير عن قتادة
في الصحيح لأنهما لم يخرجا له إلا ما توبع عليه(668)
أما الثانية : فيرويها نصر بن مزاحم عن سيف بن عمر التميمي، وكلاهما متهمان ساقطان، وقد مر الكلام فيهما لكن الحمل فيه على نصر فإن متن الرواية يتضمن كثيرا مما يكرره الطاعنون في طلحة .
أما متن الرواية فعلائم الوضع لائحة عليه :
أما الرواية الأولى، فكيف يتصور العاقل أن محمد بن طلحة الذي اشتهر بصلاحه حتى لقب بالسجاد يقول مثل هذا الأمر في أبيه، ويعتقد أنه شارك في قتل عثمان، ثم يخرج معه في الجمل حتى قتل في المعركة.
-في الرواية الأولى لم يكن من عبد الله بن أذينة أي موقف مما
صرح به محمد بن طلحة، أما الرواية الثانية المغايرة للأولى فقد زيد فيها أن السائل قد ترك جيش طلحة والزبير وانتقل إلى جيش علي، فلو كان الأمر بهذه الصورة لما ترك الجيش شخص واحد بل لحصل بينه الاختلاف والتفرق، كما حصل للخوارج عندما ناظرهم ابن عباس فرجع منهم المئات، والرواية تذكر أن الذي رجع شخص واحد.
-طلحة وعائشة وعلي رضي الله عنهم برآء من دم عثمان، وقتلة عثمان هم الغوغاء من المصريين الذين أثاروا الفتنة عليه، والروايات التي وردت عن علي وعائشة في البراءة من دم عثمان كثيرة وثابتة، وهي مقدمة على الروايات الضعيفة والموضوعة كالتي بين أيدينا.
خبر آخر:
4-روى الواقدي عن عبد الرحمن بن أبزى قال: رأيت اليوم الذي دُخل فيه على عثمان، فدخلوا من دار عمرو بن حزم خوخة هناك حتى دخلوا الدار، فناوشوهم شيئا من مناوشة ودخلوا، فو الله ما نسينا أن خرج سودان بن حمران، فأسمعه يقول: أين طلحة بن عبيد الله؟ قد قتلنا ابن عفان(669) .
قلت: هذه من روايات الواقدي في الفتنة وهي كغالب رواياته في هذا الباب، وما أظن أنه اتهم بالوضع إلا لروايته لمثل هذه الأخبار المنكرة.
ولو سلم بصحة الخبر فليس فيه ما يدل على أن طلحة كان
مشاركا مع الغوغاء في قتل عثمان وحاشاه، غاية ما يمكن أن يقال: إن أصحاب الفتنة كانوا يرون طلحة على مذهبهم، وقد يكون هذا بسبب ما كان من طلحة أثناء الحصار لما جاءه علي يطلب نصرة عثمان فلم يجبه طلحة إلى ذلك، فظن أصحاب الفتنة أن بقاء طلحة ببيته مع أن احتمال تعرض عثمان للقتل موافقة منه لهم على سفك دم عثمان وطالما أن الأمر هنا مبني على الظنون والاحتمالات فينبغي الرجوع إلى الأدلة القطعية واليقينية وهي هنا: موقف طلحة بعد وفاة عثمان، فقد كان من المطالبين بالقصاص من قتلته وهذا لا يختلف عليه اثنان، ولا يتصور أن يكون المطالب بالقصاص هو القاتل، ويخفى هذا على كل الناس حتى يؤدي إلى حصول القتال بينهم
خبر آخر:
5-عن الحسن البصري قال: «جاء طلحة والزبير إلى البصرة، فقال لهم الناس: ما جاء بكم؟، قالوا: نطلب بدم عثمان ، فقال الحسن: أيا سبحان الله، أفما كان للقوم عقول فيقولون والله ما قتل عثمان غيركم(670) ؟» .
قلت: السند صحيح إلى الحسن لكن لا بد من تحليل الرواية لتبيين الدلالة الصحيحة لها ومحاولة توجيهها توجيهاً صحيحاً.
القضية الأولى: ظاهر الرواية أن طلحة والزبير هما من قتلا عثمان وهذا يحتمل أمرين:
الأول: أن الحسن يقصد أنهما من باشر قتله، ولا أظن أحدا سيفهم هذا المعنى من هذه الرواية، لأن الثابت أن الذي باشر قتله رجل يقال له الموت الأسود ، فروى خليفة بن خياط في تاريخه بسند صحيح عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال:«دخل عليه رجل من بني سدوس يقال له الموت الأسود فخنقه وخنقه قبل أن يضرب بالسيف، فقال: والله ما رأيت شيئا ألين من خناقه، لقد خنقته حتى رأيت نفسه مثل الجان تردد في جسده»(671) ، وأبو سعيد مولى أبي أسيد هذا قيل بصحبته، وذهب ابن سعد إلى أنه من التابعين وذكره ابن حبان في ثقاته، وروى عنه بسند صحيح أن حذيفة وأبا ذر وابن مسعود قدموه في الصلاة فأفاد هذا أنه رجل صالح، وقد ذكر مسلم أنه شهد مقتل عثمان ولم يجرحه أحد، فحديثه لا ينزل عن درجة الحُسن كما قرره الدكتور عبد الله الغبان(672) .
ولأنه لو كان طلحة والزبير هما من باشرا قتل عثمان وحاشاهما لاشتهر هذا الأمر بين الناس
إذ أن هذين من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن العشرة المبشرين بالجنة وكل أحد يعرفهما، فكيف يكونان ممن باشر قتل عثمان ولا يشتهر ذلك بين الناس اشتهار الشمس في رائعة النهار.
وهذه أم المؤمنين عائشة كانت تلعن قتلة عثمان وتسبهم وتنكر عليهم، كيف يتصور في حقها وهي التي تربت في حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تخرج إلى البصرة للمطالبة بالقصاص من قتلة عثمان ورؤوس قتلة عثمان-طلحة والزبير- في جيشها كما يزعم القوم .
الثاني: أن يفهم من ذلك أنهما شاركا في قتل عثمان لكن بطريقة غير مباشرة كما ينسب القوم لطلحة أنه حاصره وألب عليه وغير ذلك مما تقدم نقده ورده ، ويجاب عن ذلك ببراءتهما من دم عثمان جملة وتفصيلا.
فقد صح وثبت عن الزبير من إرسال ابنه عبد الله بن الزبير إلى دار عثمان، ومعروف ومشهور أن عثمان أمَّره على من كان بالدار من أنصاره(673) ، فكيف يكون الزبير مشاركا في قتله؟.
أما طلحة فقد بينا براءته من سائر ما نسب إليه، سوى ما كان منه من عدم الخروج لنصرة عثمان لما دعاه علي إلى ذلك، فيمكن أن يكون هذا هو الحامل للحسن على هذه المقالة، ومعلوم أن طلحة قد تاب مما كان منه، وخرج للطلب بدم عثمان فكيف ينسب إليه أنه من قتلته.
القضية الثانية: يفهم من الرواية أن الحسن يستغرب كيف لم يقل أحد لطلحة والزبير كيف تطلبان بدم عثمان وأنتما مشاركان فيه، وهذا دليل على أن هذه التهمة لو كانت معروفة لما خفيت على أنصار علي وأنصار طلحة والزبير، وأمر خفي عن علي وأنصاره وعن أنصار طلحة والزبير وهؤلاء هم من كانوا بالمدينة، يرى بعضهم بعضا ويعلمون قتلة عثمان الحقيقيين حتى جرهم إلى الوقوع في القتال، لا يتصور أن يكون صوابا بل هو من الخطأ الظاهر البين، ولا يقال إن قول الحسن بهذه المقالة يفيد صحتها، فقد روى بعض وقائع حادثة الدار مباشرة تارة وبواسطة تارة أخرى فضلا عن أنه كان مشهورا بالإرسال،وقد عدوا مراسيله من أوهى المراسيل كما تقدم، وقد وجدت أنه يروي بعض وقائع الدار عن بعض المجهولين(674) ، وعليه لا يستبعد أن يكون قد سمع ذلك من بعض الغوغاء الذين كانوا يروجون أن طلحة والزبير شاركوهم في قتل عثمان .
القضية الثالثة: أن هذا وإن صح سنده إلا أن في القلب شيئا من صحة الخبر خاصة مع احتمال وقوع إرسال فيه من الحسن، فيكون قد أخذ هذا من بعض المجاهيل أو من بعض من كان يروج عن طلحة أنه
ممن شارك في قتل عثمان فإن أضفت إلى ذلك ما ثبت من حكاية الحسن البصري رحمه الله لفضائل طلحة ازدادت لديك الريبة في صحة هذا الخبر فقد صح عنه أنه قال «إن طلحة بن عبيد الله باع أرضا له بسبعمائة ألف فبات ليلة عنده ذلك المال، فبات أرقا من مخافة ذلك المال حتى أصبح ففرقه(675)
القضية الرابعة: لو سلمنا بصحة الخبر عن الحسن، فالجواب أن يقال: كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد وكلام الحسن مخالف لما ثبت من براءة طلحة رضي الله عنه من دم عثمان، والغالب على الظن أن الحسن حَسِب ما يروج عن طلحة صحيحا فنسب إليه ذلك كما ظن مسروق أن عائشة رضي الله عنه كاتبت الغوغاء الذين قتلوا عثما ن، فقد صح عنها أنها قالت حين قتل عثمان: «تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم قربتموه فذبحتموه كما يذبح الكبش، إنما كان هذا قبل هذا»، فقال لها مسروق:« هذا عملك، أنت كتبت إلى أناس تأمرينهم بالخروج قال: فقالت عائشة:« لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبت إليهم بسوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا»، قال الأعمش:«فكانوا يرون أنه كتب على لسانها»(676) قال ابن كثير رحمه الله: وهذا إسناد صحيح
إليها. وفي هذا وأمثاله دلالة ظاهرة على أن هؤلاء الخوارج قبحهم الله، زوروا كتبا على لسان الصحابة إلى الآفاق يحرضونهم على قتال عثمان(677)
قلت: عددت ما لمسروق عن عائشة في الصحيحين فوجدت أكثر من نصف رواياته يرويها عن أم المؤمنين عائشة(678) ،فإن كان مسروق - مع كثرة ملازمته لعائشة حتى أنه روى عنها ما لم يرو لغيرها - يظن أن عائشة قد كتبت تحرض الناس على قتل عثمان، وخفي عليه بطلان ذلك، حتى تبرأت مما روجه عنها الخوارج فما بالك بالحسن البصري الذي كان عمره يوم الدار أربع عشرة سنة ؟.
وعليه حتى لو سلم بصحة نسبة هذا الكلام للحسن ولو سلمنا بأنه قصد مشاركة طلحة في التأليب على عثمان فلا عبرة به لمخالفته لما هو أولى وأثبت في هذه القضية، وهو أن طلحة بريء من دم عثمان، و الأولى هو الأخذ بالأخبار الصحيحة الثابتة المقطوع بها، أما مثل هذا الخبر فهو في حكم الشاذ الذي لا ينبغي أن يعول عليه في مثل هذا الأمر والله أعلم .
ما روي في مقتل طلحة
لعل من أهم الشبهات التي تعلق بها المناوئون لطلحة ، ما قاله مروان بن الحكم لما رمى طلحة بسهم في ركبته فقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم ، وندم طلحة على ماكان منه في أمر عثمان، فحمل الاثنا عشرية هذه الأخبار على أن طلحة شارك في قتل عثمان ، وسنستعرض كلام بعضهم ثم ننظر في أدلته هل ترقى لإثبات هذه التهمة من ناحية النقل والدلالة، ثم بعدها نجيب عن الثابت من الأدلة دون ما لا تقوم به حجة.
الروايات التي رويت في مقتل طلحة:
1-أ-عن قيس قال: «كان مروان مع طلحة يوم الجمل فلما اشتكت الحرب قال مروان : لا أطلب بثأري بعد اليوم ، قال: ثم رماه بسهم فأصاب ركبته، فما رقأ الدم حتى مات، قال: وقال طلحة: دعوه فإنه سهم أرسله الله»(679) . ثبت من طرق عن إسماعيل عن قيس وإسناده صحيح إلى قيس وفي بعض طرقه زيادات:
-فروى الطبراني والحاكم من طريق يحيى بن سليم الجعفي بسنده عن قيس قال: « رأيت مروان بن الحكم حين رمي طلحة يومئذ بسهم ، فوقع في عين ركبته، فما زال يسبح إلى أن مات»(680) .
قلت: زاد يحيى بن سليمان الجعفي في روايته عن قيس: « رأيت طلحة » وهذا يثبت أن قيساً قد شهد الحادثة، و ليست هذه الزيادة في رواية غيره من تلاميذ وكيع فقد انفرد بها، ويحيى هذا قد تُكلم في روايته وإن وثق، وقد لخص العقيلي حاله بقوله: « ثقة، وله أحاديث مناكير رواها(681) » .
والراجح ثبوت هذه الزيادة، لأن قيسا روى كثيرا من وقائع الجمل وتفاصيلها وبعضها قد تفرد به مثل حديث كلاب الحوأب ، على أن علي بن المديني قد نفى شهود قيس للجمل(682) فالله أعلم.
قلت: وهذه الرواية أصح ما في هذا الباب، ولكن لا دلالة فيه على المدعى كما سيأتي.
ب-عن عكراش قال: كنا نقاتل عليا مع طلحة ومعنا مروان، قال: فانهزمنا، قال: فقال مروان: « لا أدرك بثأري بعد اليوم من طلحة »، قال: فرماه بسهم فقتله(683) .
قلت: فيه عتبة بن صعصعة ترجم له البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في الثقات على عادته في المجاهيل، فالإسناد ضعيف.
ج-عن الجارود بن أبي سبرة الهذلي، قال: «نظر مروان إلى
طلحة يوم الجمل، فقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم فرماه بسهم فقتله(684)
وإسناده ضعيف فالجارود لم يدرك القصة، توفي سنة 120 هـ، وقد قيل إن روايته عن طلحة مرسلة، وهو غير معروف بالرواية.
د-ونقل الحافظ ابن حجر عن تاريخ يعقوب بن سفيان عن قيس بن أبي حازم أن مروان بن الحكم رأى طلحة في الخيل فقال: «هذا أعان على عثمان فرماه بسهم في ركبته، فما زال الدم يسيح حتى مات»(685) ، قلت: الخبر ليس في القسم المطبوع من التاريخ فلم يمكني الاطلاع على سنده، وعبارة: « هذا أعان على عثمان »، لا تعرف من رواية قيس في بقية الطرق، فيستبعد صحتها، وسيأتي توجيهها أثناء الكلام على المتن.
2-عن عوف، قال: «بلغني أن مروان بن الحكم رمى طلحة يوم الجمل وهو واقف إلى جنب عائشة بسهم، فأصاب ساقه، ثم قال: والله لا أطلب قاتل عثمان بعدك أبدا ، فقال طلحة لمولى له: ابغني مكانا، قال: لا أقدر عليه، قال: هذا والله سهم أرسله الله، اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى، ثم وسد حجرا فمات » .
قلت: عوف ولد سنة 60 أو 61 هـ، فالخبر منقطع، وقد رواه
عوف بلاغا، وبَينٌ أن هذا الخبر مجموع من روايتين أو ثلاث، أما أن مروان قال لا أطلب قاتل عثمان بعدك، فهذا لا يصح بوجه بل هو منكر ما قاله مروان، والصحيح ما تقدم من قوله لا أطلب ثأري بعد اليوم كما تقدم.
3- أ-عن عبد الملك بن مروان قال: «لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه هو الذي قتل طلحة ما تركت من ولد طلحة أحدا إلا قتلته بعثمان بن عفان(686) » .
قلت: هذا الخبر ضعيف جداً، فيه علل:
-رواه ابن سعد عن شيخ له أبهمه، فلم يبين من هو.
أبو حباب الكلبي مجهول لا يعرف له اسم ولا رسم، ولم أقف له على ذكر إلا في هذا الخبر، إلا أن يكون مصحفا عن أبي جناب الكلبي، فإن كان أبا جناب فالرجل وإن وثق إلا أن كثيرا من النقاد قد ضعفوه سيما فيما دلسه(687) ، وهذا الحديث لو ثبت عنه، فهو من تدليساته إذ أنه دلس اسم من روى عنه ولم يذكره بل أبهمه بقوله «شيخ من كلب»، وغير بعيد أن يكون هذا الشيخ الكلبي المبهم هو محمد بن السائب الكلبي ، لأن الخبر التالي قد رواه ابنه هشام عنه عن عوانة.
ب-روى البلاذري من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي
عن أبيه عن عوانة بن الحكم عن عبد الملك بن مروان قال: «لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه هو قتل طلحة ما تركت من ولد طلحة أحدا إلا قتلته بعثمان، فهو كان أشد الناس عليه حتى قتل(688)
قلت: هذا إسناد ساقط، قد تقدم أن الكلبي وابنه من أئمة الكذب والافتراء على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا شك أن الخبر من توليد أحدهما ولا أراه إلا الأب، فالله المستعان .
ج-وروى ابن شبة: عن أبي فزارة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قال لي عبد الملك بن مروان: أشهدت الدار؟ قلت: نعم، فليسل أمير المؤمنين عما أحب. قال: أين كان علي؟ قلت: في داره. قال: فأين كان الزبير؟ قلت: عند أحجار الزيت. قال: فأين كان طلحة؟ قلت: نظرت فإذا مثل الحرة السوداء فقلت ما هذا؟ قالوا: طلحة واقف، فإن حال حائل دون عثمان قاتله، فقال : لولا أن أبي أخبرني يوم مرج راهط ، أنه قتل طلحة ما تركت على وجه الأرض من بني تيم أحدا إلا قتلته(689) .
قلت: في إسناده علتان:
-شيخ ابن شبة عبد الله بن عمرو، لم يرو عنه سوى خبرين هذا أحدهما ولم أقف له على ترجمة
-عمرو بن ثابت بن هرمز الكوفي: ضعيف وغال.
قال علي بن الحسن بن شقيق: سمعت ابن المبارك يقول: « لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت، فإنه كان يسب السلف » .
وقال الحسن بن عيسى: « ترك ابن المبارك حديث عمرو بن ثابت».
وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: « ليس بثقة، ولا مأمون ، لا يكتب حديثه».
وقال في موضع آخر: « ليس بشيء ».
وقال البخاري: « ليس بالقوي عندهم ».
وقال أبو داود، عن يحيى: « هو غير ثقة ».
وقال معاوية بن صالح، عن يحيى: « ضعيف ».
وقال أبو زرعة: « ضعيف الحديث ».
وذكر أبو حاتم أنه كان رديء الرأي، شديد الغلو وقال: « ضعيف الحديث، يكتب حديثه» .
ووصفه أبو داود بالغلو والخبث ، وقال عنه: « رجل سوء» ومع ذلك وصف أحاديثه بأنها مستقيمة، وقال عنه: «ولكنه كان صدوقا في الحديث».
ووصفه ابن سعد بالغلو المفرط وقال: « ليس هو بشيء في الحديث، ومنهم من لا يكتب حديثه لضعفه ورأيه ».
وقال النسائي: « متروك الحديث »، وقال في موضع آخر: « ليس بثقة، ولا مأمون ».
وذكر البزار أن حديثه لم يترك.
ووصفه العجلي بشدة الغلو وقال عنه: « واهي الحديث ».
قال أبو حاتم بن حبان: « يروي الموضوعات عن الأثبات ».
وقال أبو أحمد بن عدي: « الضعف على رواياته بيِّن ».
وقال أبو أحمد الحاكم: « حديثه ليس بالمستقيم(690) » .
قلت: فالحاصل أن الرجل ضعيف الحديث جدا وغال، ومن جرحه قد فسر جرحه ورماه بالوضع فيقدم على من أثنى عليه.
د- عن عبد الملك بن أبي مروان قال: دخل موسى بن طلحة على الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد: «ما دخلت علي قط إلا هممت بقتلك لولا أن أبي أخبرني أن مروان قتل طلحة(691) » .
قلت: عبد الملك بن أبي مروان لا أراه إلا الجبيلي، فلا أحد غيره مسمى بهذا الاسم، ولم يذكروه في مشايخ سفيان لكن روايته عنه
محتملة لأنه في طبقة مشايخه، وعبد الملك هذا قال عنه أبو حاتم: مجهول، وقال عنه الذهبي: واه وهو من تلاميذ محمد بن السائب الكلبي ولم يبين السماع في هذا الخبر فغالب ظني أنه دلسه عن الكلبي ومتن الخبر خال من اتهام طلحة بالمشاركة في قتل عثمان لكن البعض يستشهد به(692) فأوردته هنا.
والخلاصة أن هذا الخبر موضوع على عبد الملك بن مروان.
4-عن يحيى بن سعيد، قال: حدثني عم، - أو عم لي - قال: بينما نحن متوافقون إذ رمى مروان بن الحكم بسهم طلحة بن عبيد الله، فشكل ساقه بجنب فرسه، فقمص به الفرس موليا، والتفت إلى أبان بن عثمان وهو إلى جنبه فقال: « قد كفيتك أحد قتلة أبيك(693) » .
قلت: عم يحيى بن سعيد الأنصاري مبهم وغير معروف، وقد روي عنه بهذا الإسناد رواية أخرى عن مروان قبل مقتل عثمان، ورواية أخرى في صفين(694) ، فالإسناد شديد الضعف(695) .
أما دلالة هذه الأحاديث ففيها أمور:
الأول: ليس في لفظ الرواية الصحيحة نص صريح يفيد أن طلحة كان من قتلة عثمان كما يزعم المخالفون، وما ورد فيه تصريح بذلك فهو غير صحيح، ومثل هذه القضية التي يترتب عليها طعن في عدالة طلحة لا ينبغي أن يعتمد فيها على روايات ضعيفة وموضوعة لا تثبت من وجه صحيح، بل لا بد من دليل صحيح وصريح.
الثاني: التوجيه الصحيح للرواية هو أن مروان فعل ما فعل لأنه اعتقد أن طلحة أعان على قتل عثمان بعدم نصرته لما حوصر، لا أن طلحة من قتلة عثمان، وقد تقدم لفظ رواية يعقوب بن سفيان التي نقلها عنه الحافظ ابن حجر وفيها أن مروان قال: «هذا أعان على عثمان». ولو كان طلحة من قتلة عثمان لكان مروان من أعلم الناس بذلك، لأنه كان في الدار يوم مقتل عثمان، والروايات التي يعتمد عليها الطاعنون في طلحة تصور أن مشاركة طلحة في قتل عثمان كانت مشاركة بينة واضحة بالتأليب عليه، ثم بتولي حصاره، ثم بمنع الماء عنه، ثم بالمشاركة في قتله، وعليه فلم يكن دور طلحة دورا سريا أو خفيا عندهم، فعلى هذا التقدير لا شك أن مروان كان مطلعا على كل هذه الأمور، فكيف قبل مروان أن يكون في جيش أحد قادته من قتلة عثمان.؟ ولم يأخذ بثأره منه في أول الأمر !
الثالث: أنه قد ثبت بالأدلة الصحيحة القطعية الثبوت والدلالة أن طلحة رضي الله عنه من أهل الجنة، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عده من الشهداء، فيلزم من ذلك أن قاتله قد قتله وهو ظالم له، وعليه فطلحة قتل مظلوما، وعلى هذا لا يمكن أن يكون قد شارك في قتل عثمان رضي الله عنه بأي وجه، فتبشير النبي
صلى الله عليه وآله وسلم له بالشهادة تعتبر براءة له من أن يُقتل ظالما.
الرابع: مما يقطع ببراءة طلحة من هذه التهم الباطلة، أن عبد الله بن الزبير كان قد شهد كل أحداث مقتل عثمان وتفاصيله، وكان قد دعا عثمان إلى قتال البغاة، وقال له يَوْمَ الدَّارِ:
«قاتلهم، فو الله لقد أحل الله لك قتالهم» ، وأمره عثمان على من كان بالدار وقال: «من كانت لي عليه طاعة فليطع عبد الله بن الزبير(696) » ، ولم ينقل عنه أنه نسب طلحة إلى المشاركة في قتل عثمان قط، لا بإسناد ضعيف ولا موضوع ، بل على العكس من ذلك ، كان في جيش طلحة والزبير يوم الجمل مع خالته أم المؤمنين عائشة للطلب بدم عثمان، وكان حامل لواء أصحاب الجمل ، وهو الذي روى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أوجب طلحة»، فلو كان طلحة مشاركا في مقتل عثمان أكان عبد الله بن الزبير يسكت عن وجوده في الجيش؟ وهو الذي كان مستعدا ليعرض حياته للخطر من أجل الدفاع عن عثمان ! !.
الخامس: الحسن بن علي رضي الله عنه شهد الدار أيضا وشهد الجمل مع أبيه، ولم يثبت عنه أنه طعن في طلحة رضي الله عنه، ولا أنه نسب إليه المشاركة في قتل عثمان»، بل على العكس من ذلك، تزوج ابنة طلحة في خلافة معاوية(697) وولدت منه ابنا فسماه طلحة فلم
يرض بإكرام طلحة في ابنته، بل سمى فلذة كبده باسمه، فلو كان طلحة بهذه الصورة التي يزعمها هؤلاء أكان الحسن يفعل هذا؟.
كل هذه الأدلة والقرائن تثبت براءة طلحة رضي الله عنه من فرية مشاركته في مقتل عثمان رضي الله عنه، وأنها من الإفتراءات الكثيرة التي صنعها المنحرفون من الأخباريين ثم روجوها بين الناس لتشويه صورة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الشبهة السادسة: دعوى أن طلحة منع من دفن عثمان
في مقبرة المسلمين
من الأمور التي أشاعها الطاعنون في طلحة، ادعاؤهم أنه منع من دفن عثمان رضي الله عنه في مقبرة المسلمين، ومعتمدهم في ذلك رواية وحيدة لا أخت لها، ثم رجم بالغيب»
قال الأميني: «وقد أوجبت الشريعة الإسلامية المبادرة إلى دفن المسلم، وقد أمر برمي الجنازة ورمي من يتولى تجهيزها بالحجارة، والمسلم حرمته ميتا كحرمته حيا، فلم يرض طلحة بالأخير إلا دفنه في مقبرة اليهود حش كوكب(698) » .
وقال أيضا: «ولم يقنعه الإجهاز عليه حتى أنه منعه عن الدفن في مقابر المسلمين ، وجعل ناسا هناك أكمنهم كمينا ورموا حملة جنازته بالحجارة وصاحوا: نعثل نعثل. وقال طلحة: يدفن بدير سلع يعني مقابر اليهود(699) » .
قلت: وقد اعتمد الأميني في ذلك على روايتين:
الأولى: نقلها ابن أبي الحديد عن المدائني في كتاب مقتل عثمان: قال: إن طلحة منع من دفنه ثلاثة أيام، وإن عليا لم يبايع الناس إلا بعد قتل عثمان بخمسة أيام، وأن حكيم بن حزام أحد بني
أسد ابن عبد العزى وجبير بن مطعم بن الحرث بن نوفل استنجدا بعلي على دفنه، فأقعد طلحة لهم في الطريق ناسا بالحجارة، فخرج به نفر يسير من أهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يعرف بحش كوكب كانت اليهود تدفن فيه موتاهم فلما صار هناك رجم سريره وهموا بطرحه، فأرسل علي إلى الناس يعزم عليهم ليكفوا عنه، فكفوا فانطلقوا به حتى دفنوه في حش كوكب(700)
والجواب من جهة الإسناد من وجهين:
الأول: المطالبة بصحة النقل ، فابن أبي الحديد ليس معتدا به في مثل هذا الأمر لأنه من المتحاملين على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة طلحة والزبير، ولا يطمأن بصحة ما ينفرد به عند عدم وجود المصدر الذي نقل منه بين أيدينا.
الثاني: لو تنزلنا بصحة ما نقله ابن أبي الحديد عن المدائني، فيقال من أين علم المدائني هذا؟ أين وسائط المدائني في هذه القضية، بل إن تفرد أبي الحسن المدائني بهذا الأمر قرينة على اطراح الخبر، فإن الرجل وإن وثق إلا أنك لا تكاد تجده يروي مثل هذه الأخبار عن ثقة، بل إنك لتعجب حين ترى غالب مشايخه في رواية أحداث الفتنة من الكذابين والمتروكين ، كأبي مخنف وأبي عمرو الزهري ويزيد بن عياض بن جعدبة وغيرهم ممن تقدمت ترجمتهم، فضلا عن المجاهيل، وعليه لا نطئمن بثبوت إسناد ثابت في هذه الواقعة.
ولذا قال عماد عازم جوابرة: «وقد اختلفت درجات رجال المدائني وثقافتهم، فمنهم من كان من رجال الحديث، واختلفت درجة ثقته، فمنهم من كان ثقة... ومنهم من كان ضعيفا وكذابا ومنكر الحديث وهم كثر(701) » .
الرواية الثانية: قال الأميني: «أخرج الواقدي قال: لما قتل عثمان تكلموا في دفنه فقال طلحة: يدفن بدير سلع. يعني مقابر اليهود . ورواه الطبري في تاريخه 5: 143 غير أن فيه مكان طلحة: رجل»(702) .
قلت: الرواية التي نسبها إلى الواقدي تفرد بنقلها ابن أبي الحديد بذلك اللفظ ، وقد قدمنا أن الرجل لا يوثق بنقله، والطبري أقدم منه وقد نقلها عن الواقدي بإبهام الرجل فقال: «وأما الواقدي فإنه ذكر أن سعد بن راشد حدثه عن صالح بن كيسان أنه قال لما قتل عثمان رضي الله عنه قال رجل يدفن بدير سلع(703) مقبرة اليهود(704) » ، فمن أين عرف ابن أبي الحديد أنه طلحة؟ أليس هذا من الرجم بالغيب؟
لا يقال إن خبر المدائني قرينة على أن القائل طلحة، فإن هذا لا يتم، لأن الخبر الأول ذكر فيه أن طلحة أراد أن يدفن عثمان بحش كوكب، أما هذا الخبر فزعم أن طلحة أراد أن يدفن عثمان بدير سلع،
وشتان بين حش كوكب ودير سلع كما سيأتي.
ومع كل هذا فالواقدي متروك وقد ذكر هذا من غير أي سند، فكيف يعتمد على مثل هذا الخبر.
وقد ثبت عن الواقدي ما يخالف هذا ، فروى ابن سعد عن مالك بن أبي عامر أنه قال: «كان الناس يتوقون أن يدفنوا موتاهم في حش كوكب ، فكان عثمان بن عفان يقول: يوشك أن يهلك رجل صالح فيدفن هناك، فيأتسي الناس به . قال مالك بن أبي عامر: فكان عثمان بن عفان أول من دفن هناك» قال ابن سعد: «فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر، فعرفه»(705) .
قلت: وتقديم قول ابن سعد على ما نقله الطبري أولى، لأن ابن سعد تلميذه وأعرف الناس به وأروى الناس عنه، أما الطبري فمتأخر عنه بمراحل ولم يبين هل نقل ذلك من كتاب أو بأحد أسانيده.
أما من جهة المتن فيجاب عن هذه الشبهة بأجوبة:
الأول: المعروف عن طلحة أنه ندم كثيرا على مقتل عثمان، فكيف يتصور أن يكون هو من منع من دفنه في مقبرة المسلمين؟
الثاني: قد اختلف الناس في هذه القضية فقيل: إن من منع عثمان من أن يدفن بالبقيع قتلته من المصريين، وقيل: أسلم بن
أوس(706) وقيل: جبلة بن عمرو(707) والصحيح أن هذا لا يثبت فيه شيء إطلاقا، وأنه دفن بحش كوكب وهو بستان اشتراه عثمان لتوسعة البقيع كما قال مصعب الزبيري(708)
الثالث: لا أدري كيف جمع الأميني وجعفر مرتضى العاملي بين الأقوال المتناقضة في هذه القضية إذ أن دير سلع بعيد عن حش كوكب، ولا أحسبه إلا منسوبا إلى جبل سَلْع وهو جبل معروف بالمدينة وهو في الجانب الشمالي الغربي، أما حش كوكب فهو في الجانب الشرقي للبقيع، ومقبرة البقيع موجودة في شرق المدينة، وهذه خريطة توضح موضع جبل سلع مقارنة مع موضع مقبرة البقيع(709) :
لكن الأميني ذكر كلتا الروايتين التي تنص إحداهما على أن عثمان دفن في حش كوكب والثانية في دير سلع ولم يعلق على ذلك بشيء، أما جعفر مرتضى العاملي فجمع بين القولين فجعل حش كوكب هو نفس
دير سلع(710) و الحق أن دعوى دفن عثمان رضي الله عنه في مقبرة اليهود من الأساطير التي راجت في كتب المناوئين للأصحاب(711) .وقد تم إجلاء غالب اليهود من المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أما في عهد عمر فقد طرد اليهود من المدينة!!، وقد تقدم عن مالك بن أبي عامر أنه قال:« كان الناس يتوقون أن يدفنوا موتاهم في حش كوكب، فكان عثمان بن عفان يقول: يوشك أن يهلك رجل صالح فيدفن هناك(712) فهذا يدلك على أن هذا الأمر من الأخلوقات التي روجها أعداء عثمان وطلحة.
الرابع: قد رويت في دفن عثمان روايات لا تذكر أن أحدا من الناس منع من دفنه:
-فعن مالك بن أبي عامر الأصبحي قال: كنت أحد حملة عثمان بن عفان حين توفي، حملناه على باب، وإن رأسه ليقرع الباب لإسراعنا به، وإن بنا من الخوف لأمرا عظيماً، حتى واريناه في قبره، في حش كوكب»(713) وإسناده لين، فالربيع بن مالك قال عنه أبو حاتم:
لم يرو عنه العلم(714) وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يجرح بشيء، وهو يروي عن أبيه قصة دفن عثمان فالخطب في الإسناد يسير وتقديمه على روايات المتروكين هو المتعين
-وصح عن قتادة أنه قال: «صلى الزبير على عثمان رضي الله عنه ودفنه وكان أوصى إليه»(715) وقتادة لم يدرك القصة.
-وصح عن علي أنه قال: «لقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي وجاءوني للبيعة، فقلت: والله إني لأستحيي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة»، وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس فسألوني البيعة»(716) .
فهل يتصور أن علياً رضي الله عنه امتنع من البيعة لأن عثمان لم يدفن بعد، ثم رضي بها بعد أن منع من دفنه في مقبرة المسلمين، ودفن في مقبرة اليهود؟
وهل يتصور في علي وغيره من المهاجرين والأنصار الذين ثبت عنهم الترحم على عثمان والبراءة من قاتليه والندم على عدم نصرته أن يتركوا القوم يدفنونه في مقبرة اليهود؟
ولذلك يقول الإمام الباقلاني رحمه الله: «بل قد وردت الروايات أنه دفن من يومه وحمل من داره إلى بقيع الغرقد، وهذا أظهر وأليق بمثل الصحابة»(717) .
جعفر مرتضى العاملي وبتر النصوص!!
جاء في فتوح ابن أعثم بلا إسناد وهو كتاب غير معتمد كما تقدم، أن عليا لما بويع وأمر بدفن عثمان «قال رجل من المصريين وأمة(718) لا ندفنه إلا في مقابر اليهود قال حكيم بن حزام: كذبت أيها المتكلم! لا يكون ذلك أبدا ما بقي رجل من ولد قصي قال: فحمل عثمان رحمة الله عليه على باب صغير قد جازت رجلاه من الباب، وإن رأسه ليتقعقع، وأوتي به إلى حفرته، فتقدم حكيم بن حزام فصلى عليه، ودفن في بقيع الغرقد(719) وذكر جعفر مرتضى العاملي هذا النص مرتين في كتابه الصحيح من سيرة الإمام علي لكنه توقف في الموضعين عند عبارة: «وأوتي به إلى حفرته»! وقال في الموضع الأول: «وقد دفن عثمان في حش كوكب مقبرة اليهود بالفعل.. ولم يحرك حكيم بن حزام ولا غيره من بني أمية ساكناً، ولم يقتل أحد من ولد قصي في سبيل المنع من ذلك!! بل هم لم
يحضروا لتشييع جنازته، ولا شهدوا دفنه!!»(720) وقال في الموضع الثاني: «ولكن حكيم بن حزام لم يكن صادقاً في قوله هذا أيضاً، فقد دفن عثمان في حش كوكب، وهو مقبرة اليهود بالفعل، وإن ألحقه معاوية بالبقيع فيما بعد(721)
أقول: هل أشكلت تتمة النص على مقصود جعفر مرتضى العاملي، فاضطر أن يخفي على القاريء عبارة « ودفن في بقيع الغرقد !، لو نقل الرواية بتمامها أكان له سبيل على حكيم بن حزام وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟، أم أن الطعن في الصحابة غاية تبررها كل وسيلة ولو كان ذلك بقطع أوصال النصوص؟
والخلاصة أن غاية ما يمكن أن يقال إن الناس كانوا خائفين من قتلة عثمان بالمدينة فأسرعوا بدفنه، أما أن يكون أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلحة أو غيره أو حتى قتلة عثمان منعوا من دفنه في مقبرة المسلمين فهذا بعيد جدا، ولا تنهض الروايات الواردة في هذا الباب لإثبات ذلك .
خلاصة في الرد على الشبهات المثارة
عن علاقة طلحة بعثمان
بعد أن تعرضنا للرد التفصيلي لسائر شبهات القوم عن طلحة وعثمان، لا بد من أن نبين الصورة الحقيقة لما حصل، بناء على الأدلة الصحيحة وما يوافق ما ثبت من عدالة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيما من وقع منهم في الفتن.
لقد كان طلحة رضي الله عنه يرى عثمان أهلا للخلافة ولذلك تنازل عنها في الشورى لصالحه، وقد كان اختياره صائبا بدليل أن المهاجرين والأنصار اتفقوا على تقديم عثمان(722) ثم صار طلحة رضي الله عنه أحد أعوان عثمان في أموره بأن كان أحد مستشاريه في المسائل القضائية، وطوال فترة خلافة عثمان لم يحفظ عن طلحة ما يفيد أنه كان ساخطا على عثمان أو خلافته، حتى إذا بدأت الفتنة وحوصر عثمان بالمدينة، وقام الغوغاء بالحضور إلى المدينة، ناظرهم عثمان وناقشهم ووافق على بعض مطالبهم حتى إذا اتفقوا على الرجوع إلى بلدانهم، تظهر واقعة جديدة وهي ادعاؤهم أن عثمان أمر بقتلهم على حين غرة، فاشتبه الأمر على بعض الناس حينها مع ما كانوا يرونه من بعض الأمور التي صدرت من عثمان وكان مخطئاً فيها، وكان منهم طلحة رضي الله عنه فتوقف في أمر عثمان ولم ينصره حتى يظهر من عثمان ما يبرؤه من هذه التهم، ثم يبدأ
الحصار ومنع الماء عن عثمان، ويستنجد علي بطلحة لفك الحصار عنه، فيختار طلحة ألا يشارك في فك الحصار عنه، حتى يتبين له الحق في المسألة، وما كان طلحة يظن أن الأمور ستصل إلى قتله، ليفاجأ بالمصيبة حين علم بمقتل عثمان رضي الله عنه، فتيقن بذلك أن هؤلاء الذين قدموا المدينة بغاة معتدون ظالمون، لأن ما كان من عثمان رضي الله عنه لا يبلغ إلى سفك دمه، فندم طلحة أشد الندم على تفريطه في نصرة عثمان، ولم ير كفارة أعظم من الطلب بدمه بعد موته، فخرج إلى البصرة مع الزبير وأم المؤمنين عائشة وكان ما كان في يوم الجمل رغم أن الأمر فيه مجازفة كبيرة لأن الأمر قد يبلغ إلى القتال، مما يؤدي إلى تعريض حياة طلحة للخطر، لينتهي الأمر بإصابة طلحة بسهم استشهد إثره، وكان من آخر ما تكلم به: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى»
وهنا يتسائل العاقل : رجل تربى على يد محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يعهد عنه خداع ولا خيانة ولا غدر، وعاش نيفا وعشرين سنة في ظل خلافة الخلفاء الراشدين، يسمع ويطيع، ويقاتل عندما يحتاج إليه، ويشير عليهم عندما يطلبون إشارته، أيعقل أن يصير فجأة غدارا خائنا يتآمر على خليفة المسلمين حتى ينتهي الأمر بقتله؟
ثم يُعرض نفسه بعدها للقتل بالخروج في الطلب بدمه، ثم بعد هذا يكون آخر كلامه ما يفيد أنه أخطأ في حق عثمان.
لا شك أن هذا إفك وبهتان وزور، وأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم
منزهون منه.
ومما يؤكد صحة هذا التوجيه أن موسى بن طلحة بن عبيد الله كان ملازما لعثمان لمدة اثنتي عشرة سنة ، وكان يحدث بكثير من أخبار عثمان رضي الله عنه، وهو الذي روى عن أم المؤمنين عائشة خبرا في فضائل عثمان وإدانة المشاركين في قتله ، فعن موسى بن طلحة قال: قالوا: يا أم المؤمنين، أخبرينا عن عثمان، قال: فاستجلست الناس، فحمدت الله وأثنت عليه، فقالت:«يا أيها الناس، إنا نقمنا على عثمان ثلاثا: إمرة الفتى، والحمى، وضربه السوط، ثم تركتموه حتى إذا مصتموه موص الثوب عدوتم عليه الفقر الثلاث: حرمة دمه الحرام، وحرمة البلد الحرام، لعثمان كان أتقاهم للرب، وأحصنهم للفرج، وأوصلهم للرحم(723) » ، وفي رواية:قالت عائشة:« اسمعوا نحدثكم عما جئتمونا له، إنكم عتبتم على عثمان في ثلاث خلال: في إمارة الفتى، وموضع الغمامة، وضربه بالسوط والعصا، حتى إذا مصتموه موص الثوب بالصابون عدوتم عليه الفقر الثلاث: حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام ، وإن كان عثمان لأحصنهم فرجا، وأوصلهم للرحم(724) » . وهذا الكلام قالته عائشة رضي الله عنها في البصرة وهي تتحدث بلسان المطالبين بدم عثمان وعلى رأسهم طلحة رضي الله عنه.
وهذا الحديث قد حدث به موسى بن طلحة بعد وفاة عثمان وطلحة ، فإن عبد الملك بن عمير الراوي عنه ولد سنة 33 هـ وعثمان استشهد سنة 35 هـ، وطلحة قتل سنة 36 هـ.
وموسى بن طلحة هو الذي حدث بحديث: طلحة ممن قضى نحبه، والذي يشهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتزكية إيمان طلحة، بل فيه إشارة إلى استشهاده رضي الله عنه، فلو كانت العلاقة بين عثمان وطلحة بتلك الصورة، أيتصور أن يحدث ابنه موسى بفضائل أبيه وفضائل عثمان أيضا، أم يتصور أن يترك طلحة ابنه يصحب عثمان ثنتي عشرة سنة(725) ؟.
هذا مع أن موسى بن طلحة لم يكن يحابي أباه طلحة أبدا ، فحين قال: «يرحم الله عبد الله بن عمر والله إني لأحسبه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي عهده إليه لم يفتن بعده، ولم يتغير والله ما استغرته قريش في فتنتها الأولى» ، فقال الراوي عنه وهو خالد بن سمير: « إن هذا ليزري على أبيه في مقتله»(726) .
فإن كان موسى بن طلحة يحدث برأيه في عبد الله بن عمر حتى ولو أدى ذلك إلى أن يفهم منه أنه يزري على أبيه ، أكان يسكت عن أبيه لو شارك في مقتل عثمان، ويحدث بفضائله؟
أترك لك الجواب أيها القارئ.
طلحة وخلافة علي
بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه وحدوث فتق عظيم في الإسلام، بويع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخلافة بالمدينة، وبايعه أعيان المهاجرين والأنصار ومنهم طلحة رضي الله عنه، ثم كان من رأي طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة أن يخرجوا للطلب بدم عثمان، بناء على أنه من أولى ما ينبغي للخليفة أن يفعله، أما علي فكان يرى أن الأمور لا زالت مضطربة وأن الأجواء غير مناسبة لذلك، لأنه لم يبسط يده على سائر الأمصار، ولأن قتلة عثمان لا زالوا ذوي شوكة قوية، فوقع خلاف بين الطرفين انتهى بوقعة الجمل والذي استشهد فيها طلحة والزبير وظفر فيها علي رضي الله عنه.
والمقصود أن قضية الخلاف الذي وقع بين الطرفين من أعظم الأسباب التي حملت الاثنا عشرية وغيرهم على معاداة طلحة، ولو أنه لم يحصل بين علي وطلحة رضي الله عنه خلاف في دم عثمان، لما كان موقف المخالفين بهذه الصورة القاتمة التي جعلتهم يصورون طلحة بصورة سوداء ظالمة تلصق به كل مذمة ومثلبة، وتسلبه سائر فضائله ومناقبه مع اعترافهم بها!
وسنستعرض شبهات الطاعنين في طلحة في خلافة علي بحسب تسلسلها التاريخي ثم نختمه بموقف المخالفين من طلحة وتكفيرهم إياه للخلاف الذي حصل بينه وبين علي رضي الله عنه.
ملخص ما وقع في خلافة علي من البيعة حتى وقعة الجمل
بعد أن استشهد عثمان رضي الله عنه «أمست الدولة الإسلامية العظيمة بلا خليفة يديرها ويسوسها ويضبط أمورها، فالمدينة عاصمة الدولة ومقر الخلافة مضطربة، وقد خرج عدد كبير منها للحج، وهربا من الفتنة»(727) ، فكان من أهم الأمور التي ينبغي إقامتها تنصيب خليفة المسلمين، ولم يكن في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد أجدر بالخلافة من علي رضي الله عنه، لما أوتي من علم وخبرة جمعها من مخالطة الخلفاء وكونه مستشارا لهم، فضلا عن أنه كان أفضل من بقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبايعه المسلمون بالخلافة، وكان منهم طلحة رضي الله عنه، وبعد أن تمت البيعة ظهر الخلاف بين المسلمين في قضية مقتل عثمان إذ كان لهم رأيان:
الأول: «إيقاع القصاص بهؤلاء المجرمين الذين قتلوا الخليفة الشهيد عثمان رضي الله عنه، وهذا الاتجاه يمثله منذ البداية جماعة من الصحابة»(728) وعلى رأسهم طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ومعاوية بن أبي سفيان ومن كان معهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: «أن العمل الأول الذي ينبغي أن توجه له الجهود هو توحيد كلمة المسلمين، وتأليف قلوبهم، ورص صفوفهم،
وتوطيد الأمن الذي كاد أن يفقد، ثم يأتي بعد ذلك النظر في تنفيذ القصاص من أولئك القتلة، لأن الأمر يحتاج إلى تحقيق دقيق، فالقتلة غير معروفين بأعيانهم...فالاستعجال حينئذ في تنفيذ القصاص والحالة هذه سيؤدي إلى حرب طاحنة يذهب فيها كثير من الأبرياء، ويمثل هذا الاتجاه خليفة المسلمين الجديد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وشطر كبير من أهل الأمصار، ولا ريب أن أصحاب الاتجاه الأول قد بنوا وجهة نظرهم وهم بعيدون عن المدينة وفق ما وصلتهم من أخبار يحتمل فيها المبالغة وعدم الإحاطة الكاملة بما جرى أو يجري من أحداث في موقع الحدث، بينما أصحاب الاتجاه الثاني قد انطلقوا في وجهة نظرهم من وسط الحدث وتداعياته، على أن من يكون في وسط الحدث قد يحجب عنه بعض ما يحدث، كما أن من يكون بعيدا عن الحدث قد تصله معلومات من مصادر متعددة فيكون حكمه أقوى، ومهما يكن من أمر، فقد نشأ هذان الاتجاهان المتباينان حول مسألة القصاص من قتلة عثمان، منذ أول يوم من خلافة علي رضي الله عنه، فانقسم المسلمون إلى فئتين»(729)
ثم تطور الخلاف عندما خرج طلحة والزبير وأم المؤمنين إلى البصرة ووقعت الفتنة وحصل القتال في وقعة الجمل وانتهت باستشهاد طلحة والزبير رضي الله عنه وظهور علي على أصحاب الجمل.
والذي يهمنا من هذه الفترة، أن ندرس الوقائع والقضايا والاتهامات التي نسبت إلى طلحة رضي الله عنه في كتابات مناوئيه، الذين تأثروا بروايات الأخباريين وبالله التوفيق.
الشبهة الأولى: زعمهم أن طلحة نكث بيعة علي رضي الله عنه
زعم بعض الأخباريين وسائر الاثني عشرية وبعض الكتاب المحدثين أن طلحة رضي الله عنه نكث بيعة علي رضي الله عنه بعد أن بايعه طائعا غير مكره، وإليك نصوصهم وشبهاتهم:
يقول المفيد: «فإن ظاهر الفتنة بالبصرة فهو ما أحدثه طلحة والزبير من نكث البيعة التي بذلاها لأمير المؤمنين (ع) طوعاً واختياراً وإيثاراً(730) » .
وفي الإيضاح المنسوب للفضل بن شاذان: «وكذلك فعل أمير المؤمنين ومولى المسلمين في ما جعله الله له حين قاتل طلحة والزبير بعد أن نكثا بيعته(731) » .
ويقول عباس القمي: «لا يخفى أن ما ظهر من الروايات الكثيرة أن طلحة والزبير بايعا أمير المؤمنين «ع» بعد قتل عثمان ثم نكثا بيعته(732) »
ويقول جعفر مرتضى العاملي:«فإنهما لم يقتلا عثمان إلا بعد أن فرغت يداهما من الحصول على شيء من حطام الدنيا معه، ورجيا بأن يحصلا على شيء من حطام الدنيا بعده. فلما لم يجدا عند علي عليه السلام شيئاً من ذلك نكثا بيعته، وخرجا إلى حربه، فكان ما كان»(733) .
وهذا هو السائد في كتابات سائر الاثني عشرية عن موقف طلحة من البيعة لعلي رضي الله عنه(734) ، ونقل شيخ الإسلام عن بعض المتقدمين أن طلحة والزبير أنكرا خلافة علي(735) وهذا قول مرجوح لا تنهض الأدلة لإثباته وستأتي مناقشته في الجواب المفصل.
وقد مال إلى هذا الرأي بعض الكتاب المحدثين المنتسبين إلى أهل السنة(736) .
والجواب مجمل ومفصل:
أما الجواب المجمل: فالمقطوع به أن طلحة رضي الله عنه لم ينكث بيعة علي ولم ينقضها، ولم يثبت ذلك من وجه صحيح، بل المقطوع به أن طلحة والزبير لم يحدثوا بيعة لأحد، وقد نص على ذلك جماعة من أهل العلم:
نقل ابن حجر عن المهلب بن أبي صفرة قوله: «ويدل لذلك ان أحدا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وانما أنكرت هي ومن معها على علي منعه
من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم»(737)
قال ابن حزم رحمه الله: «وأما أم المؤمنين والزبير وطلحة رضي الله عنهم ومن كان معهم فما أبطلوا قط إمامة علي ولا طعنوا فيها، ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة، ولا أحدثوا إمامة أخرى، ولا جددوا بيعة لغيره، هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه، بل يقطع كل ذي علم على أن كل ذلك لم يكن»(738) .
وقال أبو بكر بن العربي: «فيحتمل أنهم خرجوا خلعًا لعلي لأمر ظهر لهم، وهو أنهم بايعوا لتسكين الثائرة، وقاموا يطلبون الحق» ثم بعد أن ذكر وجهين آخرين وصحح الوجه الأخير قال: «فأما الأقسام الأولى فكلها باطلة وضعيفة... وأما خلعهم فباطل ؛ لأن الخلع لا يكون إلا بنظر من الجميع، فيمكن أن يولى واحد أو اثنان، ولا يكون الخلع إلا بعد الإثبات والبيان»(739) .
وقال أيضا: «وكذلك جرى لطلحة والزبير، فإنهما ما خلعا عليا من ولاية ولا اعترضا عليه في ديانة ، وإنما رأيا أن البداءة بقتل أصحاب عثمان أولى»(740) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وعلي رضي الله عنه لم يقاتل
أحدا على إمامة من قاتله، ولا قاتله أحد على إمامته نفسه، ولا ادعى أحد قط في زمن خلافته أنه أحق بالإمامة منه: لا عائشة، ولا طلحة، ولا الزبير ولا معاوية وأصحابه، ولا الخوارج، بل كل الأمة كانوا معترفين بفضل علي وسابقته»(741)
وقال أيضاً: «ولا تنازع طائفة من المسلمين بعد خلافة عثمان في أنه ليس في جيش علي أفضل منه، لم تفضل طائفة معروفة عليه طلحة والزبير، فضلا أن يفضل عليه معاوية.
فإن قاتلوه مع ذلك لشبهة عرضت لهم، فلم يكن القتال له لا على أن غيره أفضل منه، ولا أنه الإمام دونه، ولم يتسمَّ قط طلحة والزبير باسم الإمارة، ولا بايعهما أحد على ذلك .
وعلي بايعه كثير من المسلمين، وأكثرهم بالمدينة على أنه أمير المؤمنين. ولم يبايع طلحةَ والزبيرَ أحدٌ على ذلك، ولا طلب أحد منهما ذلك، ولا دعا إلى نفسه، فإنهما رضي الله عنهما كانا أفضل وأجل قدرا من أن يفعلا مثل ذلك»(742) .
وقال محب الدين الخطيب: إن طلحة أصدق إيمانا وأسمى أخلاقا من أن يبايع وينكث وإنما كان يريد جمع الكلمة للنظر
في أمر قتلة عثمان»(743)
وأما الجواب المفصل فبالنظر في الروايات التي تزعم أن طلحة نكث بيعة علي رضي الله عنه، والروايات التي جاء فيها التصريح بذلك غالبها من روايات الأخباريين المتهمين بالكذب ، من ذلك:
- ما جاء فيه التصريح بنكث البيعة:
-ما رواه عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف: أن طلحة والزبير استأذنا عليا في العمرة، فقال: لعلكما تريدان الشام أو العراق؟ فقالا: اللهم غفرا إنما نوينا العمرة. فأذن لهما فخرجا مسرعين وجعلا يقولان: لا والله ما لعليّ في أعناقنا بيعة، وما بايعناه إلا مكرهين تحت السيف . فبلغ ذلك عليّا فقال: أخذهما الله إلى أقصى دار وأحرّ نار»(744) .
قلت: هذه الرواية رواها هشام الكلبي عن أبي مخنف، وقد تقدم الكلام فيهما وأنهما من أركان الكذب، والحقد على طلحة والزبير واضح فيها في افترائه عليهما أنهما ادعيا الذهاب إلى العمرة!، وأبطنا خلاف ذلك، وعلامات الوضع ظاهرة في متنها حين ينسب أبو مخنف إلى علي الدعاء على طلحة والزبير بالنار، وهذا لا شك في أنه من افتراءاته، بل الثابت عن علي أنه كان يثني على طلحة والزبير وغيرهما من الصحابة كما سيأتي مفصلا.
عن نصر بن مزاحم بسنده عن الشعبي: أن عليا كتب في كتاب لمعاوية:
«وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي(745)
قلت: نصر بن مزاحم قد تقدم أنه من الكذابين الغلاة فلا عبرة بروايته.
وفي إسناده: عمر بن سعد الأسدي، متهم بالغلو، قال عنه أبو حاتم: « متروك الحديث ».
وفي إسناده: نمير بن وعلة، لا يعرف إلا برواية أبي مخنف، قال عنه أبو حاتم: « مجهول ».
- ذكر ابن حجر أن ابن شبة روى عن المدائني عن العلاء أبي محمد عن أبيه، قال: جاء رجل إلى علي وهو بالزاوية فقال: علام تقاتل هؤلاء؟ قال: «على الحق»، قال فإنهم يقولون إنهم على الحق، قال: «أقاتلهم على الخروج من الجماعة ونكث البيعة»(746) .
قلت: الظاهر أن هذا منقول من أخبار البصرة لابن شبة فإن ابن حجر نقل منه عدة نصوص في كلامه على وقعة الجمل، ولم أجد رواية للمدائني عن العلاء هذا إلا في هذا الموضع، ولم أعرف من هذا الراوي ولا أباه، فالظاهر أنهما من المجاهيل، فالإسناد شديد الضعف.
-وعن علي أنه قال: «وبايعني طلحة والزبير ثم نكثا بيعتي وألَّبا
الناس علي»(747)
قلت: في إسناده عبد الله بن عمير، لم أعرفه، ولم أجد راويا عن ابن الحنفية بهذا الاسم، ولذا قال محقق صحيح وضعيف تاريخ الطبري: «في إسناده عبد الله بن عمير أخو عبد الملك مجهول، ولم نعرف من هو أبو محمد، وفي متنه نكارة»(748) .
- عن عثمان مؤذن بنى قصي قال: صحبت عليا سنة كلها، ما سمعت منه براءة ولا ولاية إلا أني سمعته يقول: من يعذرني من فلان وفلان فإنهما بايعاني طائعين، غير مكرهين ، ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته، ثم قال والله ما قوتل أهل هذه الآية بعد: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ الآية(749) .
قلت: نسبه السيوطي إلى أبي الحسن البكالي، والظاهر أنه البكائي وقد تصحف إلى البكالي، لأن السيوطي ذكر اسمه كاملا في موضع آخر فقال: «أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أبي السري البكالي في جزء من حديثه».
قلت: والبكائي هذا ثقة توفي سنة376 هـ(750) لكن السيوطي لم يذكر إسناد الرواية، لكني عثرت عليها مسندة عند العقيلي لكن من غير ذكر البيعة، وعند الحسكاني في شواهد التنزيل بتمامها(751) من طريق
مطين، ومطين هذا من مشايخ البكائي، وعند النظر في رجاله وجدت إسناده مسلسلا بالعلل والغلاة، ففيه:
-عباد بن يعقوب الرواجني وهو وإن وثق إلا أنه متهم بالغلو(752) ، وكان فيه انحراف وتجن على طلحة وهو الذي كان يقول: « الله أعدل من أن يدخل طلحة والزبير الجنة(753) » ، فمن يعتقد مثل هذا يسهل عليه حكاية كل ما يوافق هواه من دون تثبت.
-علي بن عابس: وهو من الضعفاء:
قال يحيى بن معين: «علي بن عابس كأنه ضعيف ».
وقال مرة: « ليس بشيء» .
وكذلك قال البخاري عن يحيى.
وقال أبو داود، عن يحيى: «ضعيف»، وكذلك قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، والنسائي، وأبو الفتح الأزدي.
وقال ابن حبان: فحش خطأه فاستحق الترك .
وقال أبو أحمد بن عدي: « له أحاديث حسان ، ويروي عن أبان بن تغلب وغيره أحاديث غرائب، ومع ضعفه يكتب حديثه»(754) .
قلت: وقد خالف ابن عدي من تقدمه من النقاد فلا يعتمد على
حكمه هنا، وقد تفرد علي بن عابس بهذا الإسناد فلم يتابع عليه فهو آفة هذا الخبر.
- بكير الطويل: اتهمه العقيلي بالغلو، وقال عنه ابن معين: «بكير الطويل ليس بالقوي » ، وذكره ابن حبان في الثقات من دون أن يوثقه(755) .
- عثمان مؤذن بني أفصى، وتصحف في الجامع الكبير إلى بني قصي ، لا أثر له في كتب التراجم ولا في أي رواية إلا في هذا الخبر، فلا شك أنه من عمل علي بن عابس!
ولذا قال الذهبي عن هذا الحديث: منكر(756) .
-وعن الحسن البصري في حديث طويل أن عبد الله بن الكواء وقيس بن عباد قالا لعلي: «فأخبرنا عن قتالك هذين الرجلين (يعنيان طلحة والزبيررضي الله عنهما) صاحباك في الهجرة، وصاحباك في بيعة الرضوان، وصاحباك في المشورة، فقال رضي الله عنه: بايعاني بالمدينة، وخالفاني بالبصرة ، ولو أن رجلا ممن بايع أبا بكر رضي الله عنه خلعه لقاتلناه، ولو أن رجلا ممن بايع عمر رضي الله عنه خلعه لقاتلناه ».
قلت: روي عن الحسن من طريقين:
الطريق الأول: أبو بكر الهذلي عن الحسن، رواه عنه وكيع(757) ،وأبو معاوية(758) وشيبان(759) وهؤلاء
الثلاثة رووه بلفظ مخالف للرواية المتقدمة، فقد جاء فيها أن عليا قال: «لما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم نظرنا في أمرنا، فوجدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا ما رضي رسول صلى الله عليه وآله وسلم لديننا، فقدمنا أبا بكر رحمه الله» والخبر و اهٍ جداً، ففيه أبو بكر الهذلي وقد تقدم أنه متروك ومتهم بالكذب.
الطريق الثاني: سالم المرادي عن الحسن ووقعت فيه تلك الزيادة(760) .
وهذا الطريق فيه ثلاث علل:
العلة الأولى: سالم المرادي، اختلف فيه:
فقد وثقه العجلي وقال عنه الطحاوي ثقة مقبول الحديث، ونقل مغلطاي أن أبا العرب القيرواني وابن خلفون ذكراه في الثقات.
وقال عنه يحيى بن معين: « ضعيف الحديث » .
ونقل مغلطاي أن ابن الجارود والساجي والعقيلي ذكروه في الضعفاء.
وكذا ذكره ابن الجوزي والذهبي في الضعفاء(761) .
قلت: حديثه قليل والراجح ضعفه، فإن ابن معين أضبط وأعلم من العجلي ومن الطحاوي فقوله مقدم عليهما، وأما بقية من وثقه فهم متأخرون، وبينٌ أنهم اعتمدوا على قول من تقدمهم، ورجل يضعفه ابن معين على قلة حديثه لا شك في ضعفه، فإن قلة الحديث مدعاة إلى ضبطه وحفظه، ومن ليس له أكثر من عشرة أحاديث مسندة، ثم يتفرد بمثل هذا الإسناد، أولى بالتجريح من التوثيق.
العلة الثانية: الانقطاع، فالحسن البصري لم يسمع هذا الخبر من علي قطعا، لأمرين:
الأول: أن الحسن لم يسمع من أحد من أهل بدر، فقد صح عنه ذلك(762) .
الثاني: لأنه ما خرج من المدينة إلا في صفين، فعن أبي رجاء قال: قلت للحسن متى خرجت من المدينة؟،قال: عام صفين قلت: متى احتلمت؟، قال: قبل صفين بعام، قال الشيخ حاتم العوني: هذا إسناد صحيح(763) .
العلة الثالثة: الاختلاف في الإسناد، فإن الحديث معروف من رواية أبي بكر الهذلي عن الحسن عن علي، رواه بهذا الإسناد ثلاثة من الثقات عنه، ورواه عبدة
بن سليمان وحده عن سالم المرادي عن الحسن عن علي، فلا شك أن روايته شاذة بهذا الإسناد.
ورواه يونس بن عبيد بن الحسن عن قيس بن عباد، قال: قلت لعلي رضي الله عنه: أخبرنا عن مسيرك هذا، أعهد عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم رأي رأيته؟ فقال: «ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيء ولكنه رأي رأيته»(764) ، قال الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: إسناده صحيح، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود.
قلت: وهذه العبارة وردت في أول خبر سالم المرادي، فيحكم لها بالاتصال والصحة، أما بقية الخبر فقد تفرد به عن الحسن، ولم يتابعه عليه أحد، وهذا دليل على ضعفه، سيما أن الخبر الذي رواه طويل، ومع سوء حفظه فدخول الغلط عليه في خبر تفرد به عن الحسن بهذا السياق وارد جدا، ومثل هذا يحكم عليه أهل الحديث بالنكارة، خاصة أن يونس بن عبيد المعروف بأنه من أثبت الناس في الحسن البصري، حدث بهذا الخبر عن الحسن بسياق مختصر، وعليه فالخبر شاذ غير صحيح، والشاذ لا يعتبر به ولا يعتضد.
ثم إني عرجت على كلام أم مالك الخالدي في كتابها المشترك مع حسن المالكي عن بيعة علي رضي الله عنه،(765) فوجدتها قد قدمت تخريجها
للخبر بالاستشهاد بسكوت الحافظ ابن حجر عن الخبر في الفتح وتصحيحه إياه في المطالب، ثم بعد أن ذكرت شواهد الخبر في زعمها قالت: الإسناد حسن لغيره، والمتن صحيح(766) بناء على تقوية رواية سالم المرادي برواية يونس بن عبيد، مع أنها حكمت بأن الحسن لم يصرح بالسماع وأنه مدلس وتعقبت كل من صحح إسناد الخبر، ومع أنه لم يرد في رواية يونس أي ذكر لبيعة طلحة والزبير!!،ولم تذكر أيضا رواية أبي بكر الهذلي، ولا شك أن هذا قصور في الحكم على الحديث.
أما الاعتماد على سكوت الحافظ ابن حجر عن ما أورده من تاريخ البصرة فلا ينبغي لمن يدعي البحث والتحقيق، وذلك أن كل من يقرأ كلام الحافظ يرى أنه لم يف بشرطه حينما سرد كثيرا من الأخبار الثابت ضعفها، وقد تعرضنا لكثير منها وبيننا عللها، وهذا الخبر أحدها، وأم مالك نفسها قد صرحت بأن للحافظ أوهاما في
تصحيحه لبعض الأحاديث(767) لكنها هداها الله قلدته في كثير من أحكامه من غير أن يتبين وجه تصحيح الحافظ للحديث.
وأما دعوى تصحيح الحافظ للخبر في المطالب فلم أقف عليها في الطبعة التي بين يدي، فقد ذكر الحافظ الخبر عن ابن راهويه ولم يعقب عليه بشيء، وعليه فلا يصح القول بصحة هذا الخبر كما ذهب إليه البوصيري رحمه الله(768) .
- عن علي أنه قال: «إن طلحة والزبير بايعا طائعين غير مكرهين، ثم أرادا أن يفسدا الأمر ويشقا عصا المسلمين(769) » .
قلت: الخبر بهذا اللفظ والسياق مداره على صفوان بن قبيصة وقد تفرد به، وهو علة هذا الخبر قال عنه أبو حاتم: «مجهول»(770) ، وذكره ابن حبان في ثقاته وهو معروف بتساهله في هذا الباب بل من يتتبع كتابه يراه أدخل غالب من ترجم له البخاري أو ابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، يذكره في ثقاته.
ولذا قال محقق مصنف ابن أبي شيبة: «إسناده ضعيف».
خلافا لأم مالك الخالدي التي قالت: «وهذا إسناد حسن»،
وقالت في الحاشية: «الإسناد كل رجاله بين الثقة والصدوق وفي بعضهم خلاف لا يضر»(771)
قلت: ولا دلالة في الخبر على نكث البيعة، لأن شق عصا المسلمين وإفساد الأمر لا يستلزم نكث البيعة، بل يمكن أن يطلق على خروج طلحة ومن معه إلى البصرة لأنهم قد صار لهم أعوان وأنصار، يرون غير ما يرى علي وأنصاره، فحدث بذلك التفرق بين المسلمين، هذا عند التسليم بصحة الخبر فكيف والخبر لا يصح.
-وقريب من لفظ الخبر السابق، حديث مروي عن علي قال:«ثم إن عثمان قتل، فجاؤوا فبايعوني طائعين غير مكرهين، ثم خلعوا بيعتي»(772) .
قلت: هذا خبر منكر، في إسناده يوسف الحضرمي الصيرفي(773) والد إبراهيم، لم أقف له على ترجمة، وفيه تصريح يحيى بن عروة المرادي وهو يحيى بن هانىء بن عروة بن قعاص المرادي بالسماع من علي!، وهذا غير ممكن، فقد ذكر ابن حبان في ترجمة أبيه هانئ أنه يروي المراسيل(774) وذكر المزي في التهذيب أن المختار قتل هانئ في أمر الحسين بن علي رضي الله عنه، فعلى هذا يكون أبوه من أواسط التابعين، وقد عد ابن حجر يحيى بن هانئ من صغار التابعين، فمن يكون بهذه
المرتبة من أين له السماع من علي رضي الله عنه(775)
-عن علقمة قال: قلت للأشتر: لقد كنت كارها ليوم الدار فكيف رجعت عن رأيك؟ فقال: «أجل، والله إن كنت لكارها ليوم الدار ولكن جئت بأم حبيبة بنت أبي سفيان لأدخلها الدار، وأردت أن أخرج عثمان في هودج، فأبوا أن يدعوني وقالوا: ما لنا ولك يا أشتر، ولكني رأيت طلحة والزبير والقوم بايعوا عليا طائعين غير مكرهين ; ثم نكثوا عليه(776) » .
وصحح سنده الحافظ ابن حجر في الفتح(777) .
قلت: الخبر لا يصح، قال محقق المصنف: «في إسناده عنعنة المغيرة وهو يدلس خاصة عن إبراهيم»(778) .
وهو كذلك فقد نص على ذلك أئمة الفن، يتقدمهم الإمام أحمد، قال عبد الله بن أحمد: سَمِعتُهُ (يعني أَباه) وذكر مغيرة بن مقسم الضبي، فقال: «كان صاحب سنة ذكيًا حافظًا، وعامة حديثه عن إبراهيم مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد، ومن يزيد بن
الوليد، والحارث العكلي، وعن عُبيدة، وعن غيره، وجعل يضعف حديث المغيرة عن إبراهيم وحده(779)
وقال محمد بن فضيل: «كان المغيرة يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: حدثنا إبراهيم ».
وقال العجلي: «مغيرة ثقة فقيه الحديث، إلا أنه كان يرسل الحديث عن إبراهيم ، وإذا وقف أخبرهم ممن سمعه، وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم».
وقال أبو عبيد الآجري: «قلت لأبي داود: سمع مغيرة من مجاهد؟ قال: نعم...، ومغيرة لا يدلس سمع مغيرة من إبراهيم مئة وثمانين حديثا»(780) .
كذا وهو غريب! فإن أبا داود نفسه قد أثبت تدليس المغيرة عن إبراهيم، فقد نقل عن أبي بكر بن عياش أنه قال لمغيرة: «يا كذاب، إنما سمعت من إِبْرَاهِيم مائة وثمانين»، فعلق أبو داود قائلا: « أدخل مغيرة بينه وبين إبراهيم قريبا من عشرين رجلا(781) » .
فلعله تصحيف قديم والظاهر أن الصواب: ومغيرة يدلس، فهذا يتفق مع تحديد أبي داود عدد مسموعاته من إبراهيم في نفس الجملة، وعليه فالخبر معلول ولا يصح.
أما أم مالك الخالدي فقد أوردت هذا الخبر مرتين وجعلتهما روايتين مع أن سند الحديث واحد!!، فقالت تارة: « وهذا سند صحيح أو حسن عند الحافظ ابن حجر(782) »، بعد أن نقلته من أخبار البصرة لابن شبة بواسطة الحافظ ابن حجر، ثم نقلته مرة ثانية بعد صفحتين عن تاريخ الطبري بواسطة الحافظ ابن حجر! ونقلت تصحيح الحافظ لسنده(783) ، قلت: والخبر واحد وسنده واحد في تاريخ المدينة وتاريخ الطبري، فلا أدري ما وجه تكراره؟!
وقد حاولت رد تضعيف الخبر بثلاثة وجوه(784) :
الأول: كثرة الشواهد، وسيأتي الجواب عن هذا بعد استعراض سائر الروايات.
الثاني: أن علي بن المديني ذكر أن مغيرة أعلم الناس بإبراهيم، قلت: وهذا لا ينفي تدليسه.
الثالث: أن بعض الأئمة احتجوا بهذا الطريق، وذكرت منهم مسلما والنسائي.
قلت: أما مسلم فما أخرج بهذا الطريق شيئا في الأصول بل في الشواهد والمتابعات، قال الدكتور عواد الخلف في كتابه روايات المدلسين في صحيح مسلم بعد أن سبر جميع روايات مغيرة فيه: «هذا وليس في صحيح مسلم من رواية مغيرة عن إبراهيم بالعنعنة سوى خمسة أحاديث وكلها في المتابعات والشواهد(785) » . ثم قال عندما تعرض للرواية التي استدلت بها أم مالك: « الحديث في المتابعات والشواهد(786) » .
أما الاستدلال بإخراج النسائي لهذا الحديث وقول أم مالك إن النسائي معروف بالتشدد، وأنه يفوق مسلما في الصناعة الحديثية، فهو دليل أضعف من سابقه، بدليل أن الإجماع قد استقر على تفضيل الصحيحين على سائر الكتب الحديثية الأخرى، ولو سلم بالمدعى فإن مقتضى الصناعة الحديثية هو تقديم أقوال النقاد الصريحة في تدليس المغيرة في حديث إبراهيم على الاستدلال بإخراج النسائي لهذا الطريق، لأن النسائي لم ينف التدليس عن قتادة ولأن سائر ما أخرجه بهذا الطريق عدة أحاديث لها متابعات عند النسائي نفسه أو شواهد عند غيره.
-حديث: «أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين»، فزعموا أن المقصود بالناكثين هم أصحاب الجمل، فوصفهم في الحديث بالناكثين دليل على نكث البيعة، ولذلك لما جاء في بعض طرقه عن أبي أيوب الأنصاري قال: «فأما الناكثون فقد قاتلناهم: أهل الجمل طلحة والزبير»(787) .
والجواب عن هذا الخبر من وجهين:
-الأول : أما من جهة الإسناد فيقال: هذا الحديث له أكثر من عشرة طرق، لكنها طرق يوهن بعضها بعضا، فلا تخلو من كذاب أو وضاع أو متهم أو مجهول، ولذا حكم على الخبر جمع من النقاد بأنه موضوع:
قال الجوزقاني وابن الجوزي: هذا حديث موضوع لا شك فيه(788) .
وقال الجوزقاني في موضع آخر : « هذا حديث منكر، شبيه بالباطل(789) » .
وقال الذهبي: هذا خبر واه(790) .
وجمع الشيخ الألباني طرقه في سلسلة الأحاديث الضعيفة
والموضوعة، وقال: موضوع بهذا التمام(791) وعليه لا عبرة بهذه الرواية.
-الوجه الثاني : أما من جهة نقد الخبر من ناحية الدلالة ففيه أمران:
الأمر الأول: أن الخبر معارض بما هو أصح منه.
فروى الإمام أبو داود بسند كالشمس عن قيس بن عباد أنه قال: قلت لعلي رضي الله عنه أرأيت مسيرك هذا عهد عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم رأي رأيته؟ قال: «ما تريد إلى هذا»؟ قلت: ديننا ديننا. قال: « ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شيء ولكن رأي رأيته(792) » .
وروى الإمام مسلم عن قيس بن عباد، قال: قلنا لعمار : أرأيت قتالكم، أرأيا رأيتموه؟ فإن الرأي يخطئ ويصيب، أو عهدا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟.
وفي رواية : أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي، أرأيا رأيتموه أو شيئا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟.
فقال عمار: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس كافة(793) وهذا الكلام كان في وقعة الجمل قطعا، لأن قيس بن
عباد الراوي للخبر سأل عليا وعمارا رضي الله عنهما نفس السؤال، ومعلوم أن عمارا رضي الله عنه قتل في صفين بعد الجمل.
فإن كان علي رضي الله عنه يصرح بأن النبي لم يعهد إليه شيئا في القتال، بل هو من اجتهاده، وإن كان عمار وهو من أقرب الناس إلى علي وأنصرهم له، يصرح بعدم وجود عهد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه في ما كان من القتال، وأنه رأي رآه علي ومن كان معه من أنصار، فمن أين يدعى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر عليا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
لا يجاب بأن عمارا قد خفي عليه الخبر، فخبر يزعم أن سبعة من أصحاب علي رووه عنه، فضلا عن غيره من أصحاب النبي كابن مسعود وأبي أيوب الأنصاري وأبي سعيد الخدري، ثم يخفى على مثل عمار لا شك أنه خبر باطل خاصة مع قيام الداعي على علم عمار بمثل هذا الخبر، كيف وهو في مقام تثبيت أنصار علي؟، وكيف وهو مبعوث علي قبل الجمل لاستنصار الناس على طلحة والزبير؟، كيف وخطبه في الناس لأجل نصرة علي معروفة؟، وقد اشتهر من قوله لما بعثه علي هو والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم: «إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها» والخبر
في صحيح البخاري(794) أفيبعث علي من لا يدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره بقتال الناكثين فيجاب حين يسأل بأن القتال كان عن رأي لا عن عهد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ لا شك أن هذا يدل على بطلان هذا الخبر.
-الأمر الثاني: مما يدل على عدم صحة هذا الخبر، ما ثبت من اعتزال جماعة من كبار الصحابة للفتنة التي وقعت في خلافة علي رضي الله عنه مع دعوة علي رضي الله عنه لهم للانضمام إليهم، مثل سعد بن أبي وقاص، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وأسامة بن زيد، وسلمة بن الأكوع، وأبي هريرة، وأهبان بن صيفي، وعبد الله بن أبي سرح، وعبد الله بن سلام، وعمران بن الحصين، وأبي بكرة، وأبي أسيد، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين(795) ، فلو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر عليا بالقتال لما تأخر كبار الصحابة في الاستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والحال أن أكثر الصحابة لم يشاركوا في القتال الذي حصل في الجمل وصفين.
- الروايات التي تذكر أن طلحة بايع مكرهاً أو كارهاً:
-عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت أبي يقول، قال: «بلغ علي بن أبي طالب أن طلحة يقول إنما بايعت واللج على قفاي فأرسل ابن عباس فسأله، قال: فقال أسامة: أما اللج على قفاه فلا، ولكن قد بايع وهو كاره قال: فوثب الناس إليه حتى كادوا أن يقتلوه، قال:
فخرج صهيب وأنا إلى جنبه، فالتفت إلي فقال: قد علمت أن أم عوف خائنة».
قال أبو محمد أسامة بن إبراهيم في تحقيقه لمصنف ابن أبي شيبة: « إسناده صحيح(796) » .
-وعن أبي نضرة أن ربيعة كلمت طلحة في مسجد بني مسلمة فقالوا: كنا في نحر العدو حتى جاءتنا بيعتك هذا الرجل، ثم أنت الآن تقاتله أو كما قالوا : قال: فقال: «إني أدخلت الحش ووضع على عنقي اللج وقيل: بايع وإلا قاتلناك، قال: فبايعت وعرفت أنها بيعة ضلالة ».
قال أبو محمد أسامة بن إبراهيم في تحقيقه لمصنف ابن أبي شيبة: «إسناده لا بأس به»(797) .
قلت: لكنه قال في موضع آخر قبل هذا: «في إسناده أبو نضرة منذر بن مالك، ولا أظنه أدرك طلحة والزبير، إنما يروي عن صغار الصحابة رضي الله عنهم»(798) ، قلت: فكأن رأيه استقر على صحة الإسناد.
أقول: وقوله «بيعة ضلالة» ليس فيها طعن بخلافة علي رضي الله عنه كما
قد يتوهم من ظاهر الخبر، بل هو وصف لصورة بيعة طلحة لعلي بالإكراه، لا لخلافة علي رضي الله عنه، فطلحة رضي الله عنه وغيره من الصحابة كانوا يعلمون أن عليا هو أحق الناس بالخلافة، خاصة أن آخر مراحل الشورى انتهت بتفضيل الناس لعثمان على علي بعد أن تخلى عنها طلحة والزبير، فظهور استحقاق علي للخلافة بعد عثمان أمر ظاهر لكل أحد، وإنما كان الخلاف في الموقف من قتلة عثمان، وقد جمع عبد الرحمن بن ناصر الفقيهي الروايات التي تعرضت لأمر البيعة وقال:«بايع الناس عليا رضي الله عنه بالخلافة، كما بايع طلحة والزبير رضي الله عنهما والصحيح أنهما بايعا مكرهين، ليس لعلي وأحقيته في الخلافة، فهذا قد تبين كما مر آنفا، ولكن للطريقة التي تمت بها البيعة»(799)
وقال أيضاً: «ولم ترد رواية صحيحة تدل على أن الخلاف يدور محوره على البيعة، وإن جاءت بعض الروايات فلا تحمل فوق ما ينبغي، لأنهم أي طلحة والزبير وأم المؤمنين، صرحوا بألسنتهم أنهم ما خرجوا إلا لقتل قتلة عثمان وتكفيرا عما وقع منهم في حقه»(800) .
-وأما أم مالك الخالدي في كتابها المشترك مع حسن فرحان المالكي في بيعة علي فقالت: هذا الإسناد صحيح إلى أبي نضرة، لكنه منقطع فأبو نضرة لم يشهد القصة، فالجمل حدثت بداية عام 36 هـ، وأبو نضرة
لا يروي عن طلحة ولا علي وطبقتهم إلا مرسلا، وإنما يروي عن متأخري الصحابة كابن عباس، ولا يؤخذ بهذا المرسل ولا يكون شاهدا لما سبق، كما سنبين من نكارة هذا المتن ومخالفته لما هو أصح منه»(801)
أقول: هذا غير صحيح!، أبو نضرة من أهل البصرة وقد ثبت عنه أنه عاصر وقعة الجمل ولقي طلحة ، فقد أخرج البخاري في التاريخ وأبو نعيم في معرفة الصحابة عن أبي نضرة بسند صحيح(802) أنه قال: « خرج إلينا طَلحَة بْن عُبَيد اللَّه فِي ثوبين مُمَصَّرَين»(803) ، وفي لفظ أبي نعيم: « قدم علينا طلحة بن عبيد الله، وكان من أجمل الفتيان، وخرج علينا في ثوبين ممصرين»(804) .
وأدرك عليا رضي الله عنه، فقد روى البخاري في التاريخ الكبير بسند صحيح عنه أنه قال: «لما هُزِمَ الناس يوم الجَمَل، جاء رجل مِن أصحابِ عليٍّ، فَقَالَ: إن أمير المؤمنين قد أَمَّنَ الناس، فانتزعتُ يدي مِن يده(805) » .
ولهذا قال الذهبي عن أبي نضرة: «بَصْرِيٌّ كَبِيرٌ، أدرك طلحة أَحد العشرة»(806) .
ومن الغريب أن أم مالك لم تشر إلى أن هذا الخبر قد صححه الحافظ أو حسنه على عادتها ! فهي قد أوردت عددا من الأخبار التي ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح نقلا عن أخبار البصرة لابن شبةّ(807) ، ومع أنها صرحت بأن للحافظ أوهاما في بعض أحكامه إلا أنها لم تنقل حكمه هنا ولم تتعقبه بشيء(808) !.
-عن الحسن البصري قال: «قال طلحة بن عبيد الله: بايعت واللج على قفي(809) » .
والحسن البصري لا يعرف له سماع من طلحة وإن أدركه ، لكن هذا الحديث صحيح عن طلحة لأن الحسن قد توبع من أبي نضرة وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف كما في الخبرين المتقدمين.
خلاصة الروايات الواردة في نكث طلحة لبيعة علي:
من خلال ما تقدم يتبين أن الروايات التي تصرح بنكث طلحة لبيعة علي لا تصح بوجه من الوجوه، كما أنه لا يصح تقويتها لكثرة طرقها، لأن الضعف في غالبها هو من الضعف الشديد الذي لا يتقوى ولا يعتضد، فضلا عن الشذوذ والنكارة في متونها.
والخلاصة أن الثابت أن طلحة رضي الله عنه قد بايع مكرها وكارها، وعلة ذلك أنه أجبر على البيعة، ورغم ذلك فقد كان معترفا بخلافة علي ولم يظهر منه ما ينافي ذلك، بدليل قول طلحة والزبير لعلي لما سألهما: ألم تبايعاني؟ فقالا: نطلب دم عثمان(810) ، إسناده صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح(811) .
فإن قالوا: إن علامة نكث طلحة للبيعة خروجه إلى البصرة مما أدى إلى حصول قتال بينه وبين علي، قيل: المعروف أن الخروج إلى البصرة كان سببه الطلب بدم عثمان ، ولذلك كثرت الروايات عن علي في البراءة من دم عثمان رضي الله عنه، فلم يكن الحامل لطلحة وغيره على مخالفة علي في مسألة القصاص من قتلة عثمان كونهم لا يرونهم أهلا للخلافة، والتاريخ المقطوع به يشهد بذلك، فلا نعلم أنهم صرحوا ببطلان بيعة علي، ولا دعوه إلى التخلي عن الخلافة.
الشبهة الثانية: أن طلحة تظاهر بالطلب بدم عثمان طلباً للخلافة والأموال!
لقد حملت العداوة الطاعنين في طلحة إلى أن ينسبوا له كل بلية وقفوا عليها في كتب الأخبار من غير تحقيق ولا تمحيص، ومن غير تثبت ولا تريث، فكان مما ادعوه عليه رضي الله عنه أنه كان يطلب الخلافة ويتستر بطلب دم عثمان من أجل ذلك، بل إن كل من وقع بينه وبين علي خلاف في خلافته، نسبوه إلى حسده على تولي أمور المسلمين ورغبة منافسته في ذلك، وكأن الجيل الذي أخرجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس له هم إلا الدنيا!، ولم يكتفوا بذلك حتى زاد بعضهم أنه كان يطلب الدينار والدرهم!! وإليك أقوالهم وأخبارهم:
قال المفيد: «لما تم أمر البيعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) واتفق على طاعته كافة بني هاشم ووجوه المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان وأيس طلحة والزبير مما كانا يرجوان به من قتل عثمان بن عفان من البيعة لأحدهما بالإمامة...»(812) .
قال محسن الأمين: «فالشورى كانت قد غرست في نفس طلحة والزبير وغيرهما أنهما أهل للخلافة وطمحت بذلك نفوسهما إلى مساماة علي ومجاراته فيها(813) » .
ولم يكتف بذلك فقد نسب إلى طلحة أنه ألَّب الناس على
عثمان لأجل الخلافة أيضا قال: «وكان الباعث لطلحة على التحريض على عثمان الطمع في الخلافة»(814)
وأقوالهم في ذلك كثيرة.
والجواب أن هذا من الإفتراءات البينة الواضحة التي يروجها أعداء طلحة، ويكفي لبيان بطلانها أن طلحة رضي الله عنه قد رشح للخلافة وكان أهلا لها ومع ذلك تنازل عنها لعثمان، بل إن طلحة على مر حياته لم يتول شيئا من الولايات، لا في خلافة الصديق ولا عمر ولا عثمان، وإنما كان مستشاراً يرجع إليه في أمور المسلمين كما بسطته في ترجمته. ومع أنه أهل لأن يولى وكفى بترشيح عمر له مع اثنين من خلفاء المسلمين عثمان وعلي، إلا أنه لم يل شيئا من الأعمال، بل كان رضي الله عنه مشغولا بأمور تجارته وأمور المسلمين.
ولو كان الأمر كذلك لكان طلحة قد دعا الناس إلى بيعة نفسه في الجمل، أو صرح بشيء من ذلك، ولا أحد نقل ذلك، وإنما هو الرجم بالغيب وهذا مجانف ومجانب لما أمر الله به تعالى من العدل مع الخصوم حين قال جل شأنه: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون﴾.
ولذا قال القاضي عبد الجبار: «وما كان من طلحة والزبير من المصير إلى البصرة فلم يكن للرغبة في الإمارة ولكن للطلب بدم عثمان»(815) .
أما دعوى
طلب المال والدنيا فبطلانها أظهر من التي قبلها، وقد ورد ذلك في بعض الروايات الضعيفة، روى ابن أبي شيبة عن أبي نضرة، عن رجل، من بني ضبيعة قال: لما قدم طلحة والزبير نزلا في بني طاحية، فركبت فرسي فأتيتهما فدخلت عليهما المسجد، فقلت: إنكما رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعهد عهد إليكما فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أم رأي رأيتما، فأما طلحة فنكس رأسه فلم يتكلم، وأما الزبير فقال: «حدثنا أن ههنا دراهم كثيرة فجئنا نأخذ منهم»(816)
قلت: هذا خبر مصنوع جزما، ففيه علتان
الأولى: الرجل المبهم، فإن صح الإسناد إليه فهو آفة الخبر.
الثانية: نكارة المتن، فلا يتصور في طلحة مع كرمه وهوان الدنيا عليه حتى أنه كان ينفق من أمواله الآلاف في اللية، ولا في الزبير مع شدة ورعه حتى أنه كان إذا استودعه أحد وديعة قال: «لا ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة»(817) ، وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج، ولا شيئا إلا أن يكون في غزوة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو مع أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم»، أقول: لا يتصور فيه أن يصدر عنه مثل هذا الكلام المنكر!.
ثم لو كان طلحة والزبير وحاشاهما يتظاهران بطلب دم عثمان من أجل الدنيا! لِم يعرضان حياتهما للخطر بالشخوص إلى البصرة حتى
وقع ما وقع من القتال وسفك فيه دمهما.
بل إن العاقل ليعجب كيف أن هؤلاء يزعمون أن طلحة والزبير كانا من المحرضين على عثمان رجاء نيل الخلافة، فكاتبوا الأمصار حتى اجتمع لهم عدد كبير من الناس أجابوهم وقدموا إلى المدينة، ثم تولى طلحة أمرهم وتولى حصار أصحاب الدار ومنع الماء عن عثمان، ثم شارك في قتل عثمان وكان يرامي أصحاب الدار، حتى نجحت خطته وقتل عثمان! لكنه لم ينل مراده بتولي الخلافة، ثم لا يسلك نفس الطريقة التي سلكها مع عثمان!.
أما كان عليه لو كان بتلك المنزلة من الخبث التي ينسبها إليه هؤلاء، أن ينتظر حتى ينظر ماذا يصير بين علي ومعاوية بالشام حيث أبى البيعة بسبب عدم القصاص من قتلة عثمان ، أو يؤلب الناس في المدينة على علي كما ألبهم على عثمان بزعمهم ويكاتب الأمصار، أو يخترع حيلة جديدة تؤدي إلى قتل علي دون أن يكون له مشاركة ظاهرة فيها! أو يختار أي طريقة يتوصل بها إلى مراده من غير أن يعرض نفسه للخطر، لماذا يعرض نفسه للخطر ويخرج مع جيش من المسلمين وهو قد نجح كما يزعمون في قتل عثمان ولم يطالبه أي أحد بدم عثمان! بل أكثر من ذلك نجح في إقناع مئات من المسلمين بالانضمام إلى جيش البصرة ولا أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينجح في كشف حقيقته!!.
إن هذه الأسئلة العقلية لمن أبين الحجج على براءة طلحة رضي الله عنه مما ينسبونه إليه من المكر والخداع وطلب الخلافة والدنيا!.
الشبهة الثالثة: ما وقع بين طلحة والزبير وعثمان بن حنيف في البصرة «الجمل الأصغر»
من الأمور التي ينقمها المخالفون على طلحة رضي الله عنه ومن كان معه من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورضي الله عنهم أجمعين، الفتنة التي وقعت في البصرة بين جيش طلحة والزبير وبين حكيم بن جبلة والي علي على البصرة، فأسالوا كثيرا من المداد في الكلام حول هذه الفتنة، ونسبوا إلى طلحة ومن كان معه كل نقيصة، كعادهم في التجاوز والتجني على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذه الواقعة حدثت عند وصول طلحة والزبير وأم المؤمنين ومن معهم من أنصارهم إلى البصرة، فوقع اختلاف بينهم وبين عثمان بن حنيف الذي كان واليا لعلي على البصرة، أدى إلى وقوع اشتباك بين الفريقين انتهى بسيطرة أصحاب الجمل على زمام الأمور في البصرة.
وهذه القصة وردت في روايات بعضها مجمل لا يذكر دقائق القصة، وبعضها يفصل أحداثها، وهذه التفاصيل لم تصلنا إلا بأسانيد لا ترتقي درجتها إلى الصحة، فهي تدور بين رواية سيف ورواية أبي مخنف، وسائرها مراسيل وأخبار منقطعة وفي هذه الحال، يجب الحذر في التعامل مع هذه الروايات ومحاولة توجيهها وفقا لما هو معروف من سيرة الصحابة وعدلهم، أو محاولة التماس العذر لهم في ما جرى، لا كما يفعله خصوم الصحابة الذين يحملون هذه الأخبار ما لا تحتمل ويغوصون في السرائر ويتهمون أصحاب النبي صلى الله عليه
وآله وسلم بسوء القصد وطلب الدنيا والعياذ بالله.
وعليه فليس يمكن الاعتماد على ما ورد في هذه الأخبار بالكلية، بل ننتقي منها ما هو أليق بأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونرد ما نشم فيه رائحة الكذب، أو التحامل على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
بعد مقتل عثمان رضي الله عنه توجه طلحة والزبير إلى مكة، واجتمعا بأم المؤمنين بعائشة، واتفقت كلمتهم على الطلب بدم عثمان رضي الله عنه فتوجهوا إلى البصرة، ومعهم من وافقهم على ذلك من عمال عثمان وأنصاره الذين رأوا أنه قتل مظلوما، وأنه لا يمكن أن يستقيم أمر المسلمين وقتلة الخليفة في أمن، ولا أحد يطلبهم، وكان على البصرة والي علي عليها عثمان بن حنيف رضي الله عنه، فلما بلغه قدومهم أحس « بأن الشر والفتنة بين المسلمين ستقع، ولكن بصفته نائبا عن الخليفة في ذلك البلد، فعليه تقع مسؤولية ضبطه، فجمع الوالي أهل البصرة لينظر موقفهم من ذلك، فقام رجل من المجتمعين فقال: إن مجيء طلحة والزبير وأم المؤمنين في طلب دم عثمان إلى البصرة ليس صوابا، والرأي أن يرجعوا من حيث جاؤوا»(818) .
روى سيف أن طلحة وأم المؤمنين عائشة خطبوا في الناس يستنصرونهم على دم عثمان رضي الله عنه، «فاتبعهم كثير من الناس فصار الناس
فرقتين، أكثرهم مع طلحة والزبير، ووقع اللغط بين الفرقتين وتراموا بالحجارة، وحاول طلحة رضي الله عنه تهدئة الأمور فلم يعيروه أذنا، فاضطر هو وأصحابه إلى سحب أنفسهم من ذلك المكان إلى موقع آخر»(819)
وذكر سيف أيضاً «أن فرقة من جيش ابن حنيف، عليهم حكيم بن جبلة، أحد رؤوس المشاركين في قتل عثمان، بدأت المناوشة والقتال، فأدركهم الليل فكفوا، وفي الصباح اشتبكوا في قتال كان لحكيم بن جبلة وأصحابه – وهم قوة لا يستهان بها – الدور الأساسي في إيجادها وذلك لعلمه أن القوم يريدونه وأمثاله، ممن دنسوا أيديهم بدم الخليفة الطاهر، وأشعلوا نار الفتنة بين المسلمين، ولما كثر القتلى وآلمتهم الجراح، وخشية من انفلات الأمر وحدوث الكارثة، تداعوا إلى الصلح»(820) .
إلى هاهنا فرواية سيف تقرر أن طلحة والزبير ومن معهما إنما قدموا البصرة لجمع الناس من أجل القصاص من قتلة عثمان، فاعترضهم حكيم بن جبلة وحصل قتال بين الطرفين انتهى بالدعوة إلى الصلح.
وروى سيف أن الصلح كان قائما على أساس أن يُرسَل رسول إلى علي رضي الله عنه بالمدينة ويتحقق من طريقة بيعة طلحة والزبير لعلي، فإن كان باختيار منهما، وجب عليهما الرجوع، وإن كانت بإكراه لهما صار أمر البصرة لهما، وخير عثمان بن حنيف بين البقاء بالبصرة مع الدخول
في طاعتهما أو الخروج منها(821)
فذهب الرسول إلى المدينة يسأل كيف بايع طلحة والزبير؟ فسكت الحاضرون فقال أسامة بن زيد رضي الله عنه: «اللهم إنهما لم يبايعا إلا وهما كارهان»(822) .
«لما وصل الرسول إلى البصرة بخبر البيعة، كان على ابن حنيف رضي الله عنه أن يترك البصرة – حسب الشروط- ولكنه بصفته واليا لعلي على هذا القطر من الدولة الإسلامية فقد رأى أن كتاب علي إليه بأمره وتوجيهاته وقد لزمته طاعته، وتنفيذه مقدم على ما كتبه مع طلحة والزبير رضي الله عنهما، فرأى طلحة والزبير أن ابن حنيف قد أخل بالشرط ومن هنا بدأ الخلاف واشتد»(823) .
قال سيف:«فجمع طلحة والزبير الرجال في ليلة مظلمة باردة ذات رياح وندى، ثم قصدا المسجد فوافقا صلاة العشاء- وكانوا يؤخرونها- فأبطأ عثمان بن حنيف فقدما عبد الرحمن بن عتاب، فشهر الزط والسيابجة(824) السلاح ثم وضعوه فيهم فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد وصبروا لهم، فأناموهم وهم أربعون، وأدخلوا الرجال على عثمان ليخرجوه إليهما، فلما وصل إليهما توطؤوه وما بقيت في وجهه
شعرة فاستعظما ذلك وأرسلا إلى عائشة بالذي كان، واستطلعا رأيها، فأرسلت إليهما أن خلوا سبيله فليذهب حيث شاء ولا تحبسوه، فأخرجوا الحرس الذين كانوا مع عثمان في القصر ودخلوه، وقد كانوا يعتقبون حرس عثمان في كل يوم وفي كل ليلة أربعون، فصلى عبد الرحمن بن عتاب بالناس العشاء والفجر، وكان الرسول فيما بين عائشة وطلحة والزبير هو، أتاها بالخبر، وهو رجع إليهما بالجواب، فكان رسول القوم»(825)
قال سيف: « فأصبح طلحة والزبير وبيت المال والحرس في أيديهما ، والناس معهما، ومن لم يكن معهما مغمور مستسر، وبعثا حين أصبحا بأن حكيما في الجمع، فبعثت: لا تحبسا عثمان ودعاه ففعلا، فخرج عثمان فمضى لطلبته ،... ومضى حكيم بن جبلة فيمن غزا معه عثمان بن عفان وحصره من نزاع القبائل كلها، وعرفوا أن لا مقام لهم بالبصرة ، فاجتمعوا إليه، فانتهى بهم إلى الزابوقة عند دار الرزق، وقالت عائشة: لا تقتلوا إلا من قاتلكم، ونادوا من لم يكن من قتلة عثمان رضي الله عنه فليكفف عنا، فإنا لا نريد إلا قتلة عثمان ولا نبدأ أحدا ، فأنشب حكيم القتال ولم يرع للمنادي، فقال طلحة والزبير: « الحمد لله الذي جمع لنا ثأرنا من أهل البصرة، اللهم لا تبق منهم أحدا، وأقد منهم اليوم فاقتلهم، فجادوهم القتال، فاقتتلوا أشد قتال»(826) .
وانتهى القتال بقتل حكيم بن جبلة وهزيمة أصحابه الذين كانوا من قتلة عثمان وظهور جيش طلحة والزبير واستلامهم زمام الأمور في البصرة وقتلهم من بقي من قتلة عثمان بالمدينة.
هذا ما جاء في رواية سيف، وهذه الرواية على وهن إسنادها إلا أنه أقرب إلى التصديق من رواية أبي مخنف(827) فقد خالفت رواية سيف في سائر التفاصيل وإن اتفقت معه في وقوع القتال بين حكيم بن جبلة وجيش طلحة والزبير وعلى الصلح.
فإن كانت رواية سيف تصرح بأن سبب مقدم طلحة والزبير إلى البصرة هو الطلب بدم عثمان، فإن أبا مخنف يزيد على ذلك أنهم قالوا: « وأن نجعل الأمر شورى(828) » .
ثم بعد خطبة طلحة والزبير وعائشة في أهل البصرة، وافقت رواية أبي مخنف رواية سيف في أن الناس افترقوا فرقتين؛ فرقة مع طلحة والزبير، وفرقة مع عثمان بن حنيف، لكنه زاد على ذلك أن طلحة والزبير ومن معهما لما ذهبوا إلى الزابوقة وتأهبوا للقتال زحف إليهم عثمان بن حنيف «فقاتلهم أشد قتال، فكثرت منهم القتلى وفشت فيهم الجراح. ثم إن الناس تداعوا إلى الصلح فكتبوا بينهم كتابا بالموادعة إلى قدوم علي»(829) .
وأما تفاصيل الصلح في رواية أبي مخنف فكانت «أن لا يعرض بعضهم لبعض في سوق ولا مشرعة، وأن لعثمان بن حنيف دار الإمارة وبيت المال والمسجد، وأن طلحة والزبير ينزلان ومن معهما حيث شاؤوا، ثم انصرف الناس وألقوا السلاح»(830) .
وأما سبب ما حصل مع عثمان بن حنيف فرواية أبي مخنف تزعم أنه من تدبير طلحة والزبير رضي الله عنه وأنهما خافا من قدوم علي « فعزما على تبييت ابن حنيف وهو لا يشعر ، وواطأ أصحابهما على ذلك، حتى إذا كانت ليلة ريح وظلمة جاؤوا إلى ابن حنيف وهو يصلي بالناس العشاء الآخرة فأخذوه وأمروا به فوطئ وطئا شديدا، ونتفوا لحيته وشاربيه فقال لهما: إن أخي سهلا حيّ بالمدينة، والله لئن شاكني شوكة ليضعنّ السيف في بني أبيكما، يخاطب بذلك طلحة والزبير فكفّا عنه وحبساه(831) » .
وزعم أبو مخنف أن مجاشع بن مسعود -وكان في جيش طلحة والزبير- قال: « اضربوه وانتفوا شعر لحيته، فضربوه أربعين سوطا، ونتفوا شعر لحيته ورأسه وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه»(832) .
وأما قصة قتل أربعين من الزط فتزعم رواية أبي مخنف أنها وقعت عند بيت المال لما بعث طلحة والزبير «عبد الله بن الزبير في جماعة
إلى بيت المال وعليه قوم من السبايحة يكونون أربعين، ويقال: أربعمائة، فامتنعوا من تسليمه دون قدوم علي، فقتلوهم ورئيسهم أبا سلمة الزطي»(833)
ثم تختم رواية أبي مخنف القصة أن حكيم بن جبلة توجه إلى الزابوقة لتحرير عثمان بن حنيف، وتسليم بيت المال، ورجوع طلحة والزبير إلى قدوم علي، ولما رفضا ذلك اقتتلوا، فقتل حكيم بن جبلة في سبعين من قومه.
قال: « وركب حكيم بن جبلة العبدي حتى انتهى إلى الزابوقة، وهو في ثلاثمائة ، منهم من قومه سبعون، وقال إخوة له وهم الأشرف والحكيم والزعل، فسار إليهم طلحة والزبير فقالا: يا حكيم ما تريد؟ قال: أريد أن تحلوا عثمان بن حنيف وتقرّوه في دار الإمارة وتسلموا إليه بيت المال، وأن ترجعا إلى قدوم علي. فأبوا ذلك واقتتلوا ... فقتل حكيم في سبعين من قومه وقتل إخوته الثلاثة!(834) .
وورد في رواية الزهري ما يخالف رواية سيف وأبي مخنف في بعض تفاصيل الواقعة فروى يونس بن يزيد عن الزهري أن رجلا من عبد قيس اعترض على قدوم طلحة والزبير فهموا بقتله، فمنعه قومه، ثم في الغد قتلوه وقومه في سبعين رجلا(835) والرواية لا تثبت من جهة السند لأن الزهري لم يشهد الواقعة، فضلا عن نكارة المتن، وقد تقدم
نقدها عند الكلام عند الرد على شبهة تأليب طلحة للناس على عثمان.
والجواب عن هذه القضية يتلخص في وجهين:
الأول: من خلال دراسة متون هذه الروايات والمقارنة بينها نجد أنها تتفق في أصول تفاصيل الواقعة ، كوقوع الاقتتال بين الفريقين أول الأمر، ثم الصلح، ثم أسر عثمان بن حنيف، ثم نهاية الأمر بالاقتتال ومصرع حكيم بن جبلة.
وأهم ما تتفق عليه الروايتان أن طلحة والزبير وأصحابهما لم يبدؤوا الناس بالقتال، بل دعوهم وخطبوا فيهم يبينون أن مقدمهم هو لأجل الدعوة إلى القصاص لعثمان، وأن الاقتتال الأول والثاني كان سببه الرئيسي حكيم بن جبلة.
إلا أنها تختلف في أمور كثيرة، فبينما تقرر رواية سيف أن طلحة والزبير وأصحابهما لم يكونوا البادئين وتجنبوا القتال غير ما مرة، واضطروا إليه للدفاع عن أنفسهم، وأن من أنشب القتال هم قتلة عثمان الذين كانوا بالبصرة، تذهب رواية أبي مخنف إلى اتهام طلحة والزبير بإنشاب القتل ابتداء، وبنقض الصلح والغدر خوفا من علي.
وترجيح تفسير رواية سيف لسبب الفتنة في البصرة أقرب إلى التصديق، وذلك أن طلحة والزبير لم يكن لهم غرض في القتال ابتداء لاختلاط الناس في البصرة مع وجود قتلة عثمان فيها، والروايات التي تتحدث عن سبب مسيرهم إلى البصرة تقرر أنهم كانوا يريدون أن يستعينوا بأهلها على قتلة عثمان، وأنهم لما وصلوا لم يهجموا على
البصرة عنوة بل خطبوا في الناس يبينون سبب مقدمهم.
ولو كان طلحة ومن معه أهل غدر وخيانة كما تزعم رواية أبي مخنف لكانوا قد قدموا البصرة ليلا، وهجموا على أهلها، واستولوا على بيت المال بسهولة.
ثم إن الأمر لو وقع على ما يزعم أولئك لكان أعظم الناس حقدا وبغضا لأصحاب الجمل هم أهل البصرة.
بينما الثابت من التاريخ أن أهل البصرة صاروا أعوانا للمطالبين بدم عثمان، ولو قيل: إنهم إنما نصروه لما خافوا، لكان الجواب أنهم لو كانوا معهم بسيوفهم دون قلوبهم لانقلبوا عليهم بمجرد وصول جيش علي إلى البصرة، لكن ذلك لم يحدث.
ولم يقتصر ولاء البصرة للعثمانيين على وقعة الجمل، بل ظل فيهم حتى بعد انتهائها، فعرف فيهم الميل إلى عثمان وأنصاره، واشتهر فيهم تفضيل عثمان على علي رضي الله عنه وظل فيهم إلى القرن الثالث.
الثاني: الفتنة التي وقعت في البصرة والتي تسمى بالجمل الأصغر، مثال من الأمثلة التي تدل على أن أسلم الطرق التي ينبغي اتباعها في التعامل مع ما ينقل عن الصحابة هو الكف عن الخوض فيما شجر بينهم، وذلك أن الأمور في زمانهم كانت مشتبهة، وما نقل إلينا عنهم أكثره لا يصفو على ميزان النقد الحديثي والتاريخي، وما صح منه مجمل لا يفصل الوقائع، لذا فإصدار الأحكام المتجنية عليهم ونسبتهم إلى الغدر والخيانة والاقتتال من أجل الطمع والأموال بناء على
أمثال هذه الروايات من أعظم الظلم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: « فلهذا كان الإمساك عما شجر بين الصحابة خيرا من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال ، إذ كان كثير من الخوض في ذلك - أو أكثره - كلاما بلا علم، وهذا حرام لو لم يكن فيه هوى ومعارضة الحق المعلوم، فكيف إذا كان كلاما بهوى يطلب فيه دفع الحق المعلوم؟ ! وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار».
فإذا كان هذا في قضاء بين اثنين في قليل المال أو كثيره، فكيف بالقضاء بين الصحابة في أمور كثيرة؟ . فمن تكلم في هذا الباب بجهل أو بخلاف ما يعلم من الحق كان مستوجبا للوعيد، ولو تكلم بحق لقصد اتباع الهوى لا لوجه الله تعالى، أو يعارض به حقا آخر، لكان أيضا مستوجبا للذم والعقاب. ومن علم ما دل عليه القرآن والسنة من الثناء على القوم، ورضا الله عنهم، واستحقاقهم الجنة، وأنهم خير هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس - لم يعارض هذا المتيقن المعلوم بأمور مشتبهة: منها ما لا يعلم عذر القوم فيه، ومنها ما يعلم توبتهم منه، ومنها ما يعلم أن لهم من الحسنات ما يغمره، فمن سلك سبيل أهل السنة استقام قوله، وكان من أهل الحق والاستقامة والاعتدال، وإلا حصل في جهل وكذب وتناقض»(836) .
وأهل السنة حين يتحدثون عما شجر بين الصحابة إنما يفعلون ذلك لإثبات براءة ساحتهم وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي تشاع عنهم ولولا أن الذين يتخذون الصحابة غرضا لسهام التشويه والطعن ملأوا كتبهم بالأكاذيب والأباطيل عنهم لما اضطر أهل السنة إلى الخوض في مثل هذه المواضيع ، فأين الطاعنون في الصحابة من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(837) ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾(838) .
الشبهة الرابعة: وقعة الجمل وتكفير طلحة رضي الله عنه
إن الحق الذي لا مرية فيه، أن القتال الذي حصل بين طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين، وبين علي رضي الله عنهم جميعا، في الوقعة المشهورة بالجمل، هو أصل طعون الطاعنين في طلحة وكل من شارك فيه، فتجد طرفا من الناس يزعمون أن هذا القتال سبب لكفر طلحة ومن معه، وموجب للخروج من الإسلام، وطرفا آخر يطعنون في علي لأنه لم يسب النساء والذرية، بينما الحق وسط بين الطرفين، وقد ترتب عن هذه الواقعة التاريخية -وما حصل بعدها في وقعة صفين- انقسام الأمة الإسلامية إلى فرق وطوائف، اتخذ كل منها موقفا مما حصل في هذه الوقعة، وسنقوم باستعراض موقف هذه الفرق ونقدها من خلال الكتاب والسنة، لإقامة الحجة على براءة طلحة مما نسبه إليه الطاعنون فيه، وبالله التوفيق.
انقسم الطاعنون في أصحاب الجمل إلى فريقين:
الفريق الأول: يحكم بفسق أصحاب الجمل(839) لوجود مانع التكفير وهو أن القتال حصل بتأويل مانع من القول بكفرهم، ثم إن منهم من حكم بفسق كل أصحاب الجمل ومنهم من اسثتنى طلحة والزبير وعائشة لأنهم أظهروا التوبة والندم، وعلى هذا القول كثير من المعتزلة وجماعة من الزيدية(840) .
الفريق الثاني: حكموا بكفر أصحاب الجمل، وحاولوا أن يقيموا على ذلك أدلة تثبت مدعاهم الباطل، وهؤلاء هم سائر الغلاة من الخوارج وغيرهم.
وإليك بعض نصوصهم الناطقة بهذا العدوان:
قال ابن بابويه القمي: «اعتقادنا فيمن قاتل عليا عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من قاتل عليا فقد قاتلني، ومن حارب عليا فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام: (أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم)!.(841)
وقال المفيد: «واتفقت الإمامية والزيدية والخوارج على أن الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام أجمعين كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين (ع)، وأنهم بذلك في النار مخلدون»(842) .
وقال المرتضى: فإن قيل: «الآية تدل على أن القوم الذين قوتلوا ما كانوا مسلمين، لقوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾(843) ومحاربوا أمير المؤمنين عليه السلام في الثلاثة التي ذكرتموها كانوا مسلمين. قلنا: عندنا أنهم كانوا كفارا ... وقد دللنا في كتبنا الشافي وغيره من كتبنا على كفر محاربيه عليه السلام بما ليس هاهنا موضع ذكره!(844) .
وقال أبو الصلاح الحلبي: «ولا يقدح في كونه داعيا قوله سبحانه في المدعو إليهم: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، ومحاربوا علي عليه السلام مسلمون، لأنهم عندنا وعند أكثر أهل العدل ليسوا مسلمين(845) » .
وقال: «وأما محاربوه عليه السلام ، فبرهان كفرهم أظهر من برهان كفر المتقدمين عليه ... ويدل فيهم خاصة: ما أجمعت الأمة عليه من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حربك يا علي حربي وسلمك سلمي، وقوله عليه السلام: من حارب علياً فقد حاربني ومن حاربني فقد حارب الله، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: أنا حرب لمن حاربت وسلم لمن سالمت. وقد اتفقت الأمة على أن حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام لملة كفر، ومحاربه كافر ، فيجب أن يكون حال حرب علي عليه السلام عليه ومحاربه كذلك، حسب ما نص عليه وحكم به»(846) .
وقال الطوسي: «الخارج على أمير المؤمنين عليه السلام والمقاتل له كافر، بدليل إجماع الفرقة المحقة على ذلك»(847) .
وقال الحلي: «ومحاربوا علي عليه السلام كفرة ومخالفوه فسقة. أقول: المحارب لعلي عليه السلام كافر لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حربك يا علي حربي، ولا شك في كفر من حارب النبي صلى الله عليه وآله وسلم»(848) .
وعد المجلسي
البراءة من كل من حارب عليا رضي الله عنه من الضروريات عندهم(849)
وفي الطرف المقابل لهؤلاء تجد محمد بن إبراهيم الكندي الإباضي يقول: « برئنا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل القبلة الذين هم من أهل القبلة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير... قال أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمهم الله نوافقهم على هذا والبراءة ممن سماه.
قال أبو سعيد محمد بن سعيد رضيه الله: نوافقهم على البراءة ممن سمي على الشريطة بما سماهم من الكفر(850) » .
هذه أقوالهم الناطقة بهذا العدوان والبهتان الذي يتضمن الطعن على أشرف وأخير الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، ونسبتهم إلى أعظم المطاعن وهي الكفر والخروج من الملة، والعياذ بالله، وهذا أوان نقض أدلتهم التي نصبوها على هذه الدعوى الباطلة:
-فمن أدلتهم، حديث: يا علي حربك حربي، وسلمك سلمي، قالوا: «حرب النبي كفر بلا خلاف ، فينبغي أن يكون حرب علي مثله»(851) .
والجواب: أن الحديث بهذا اللفظ لا أصل له!، وهو مختلق
مصنوع موضوع، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(852) وظاهر على الخبر أنه موضوع على طريقة أهل الكلام والمنطق في المقدمات والنتائج!.
لكن الميلاني اعترض على شيخ الإسلام بأن هذا الخبر قد ورد في كتب الحديث! بلفظ: «أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم»(853) ، والجواب من وجهين:
الأول: لا اعتراض على شيخ الإسلام، لأن الحلي لم يستدل بهذا اللفظ الذي ذكره المعترض، إنما استدل بخبر: يا علي حربك حربي، وهذا الخبر بهذا اللفظ «لا يوجد في شيء من دواوين أهل الحديث التي يعتمدون عليها لا هو في الصحاح ولا السنن ولا المسانيد ولا الفوائد ولا غير ذلك مما يتناقله أهل العلم بالحديث ويتداولونه بينهم، ولا هو عندهم لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، بل هو أخس من ذلك، وهو من أظهر الموضوعات كذبا»(854) والفرق بين اللفظين ظاهر، فإن الأول معناه أن من حارب عليا فقد حارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أما الثاني فمعناه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من حاربتموه حاربناه، ولو سلم بصحة الخبر فالدلالة بين الخبرين متغايرة، لأن الأول يستفاد منه أن حرب علي هي حرب للنبي بمنطوق اللفط، أما الثاني فلا يستفاد منه ذلك إلا بدلالة الالتزام، ومعلوم أن لازم الكلام ليس بلازم في كل حال، بل لا بد من قرينة راجحة تؤيد الدلالة المدعاة
وهي مفقودة هنا.
ويدلك على عدم دلالة لفظ الخبر على المدعى أمور:
الأول: أن النحاس وهو من أئمة اللغة والتفسير استدل بالحديث على إطلاق لفظ المحارب على المسلم، قال رحمه الله:«قال قوم: المحارب لله ولرسوله من المسلمين، من فسق فشهر سلاحه وخرج على المسلمين يحاربهم، وردوا على من قال: لا يكون المحارب لله جل وعز ورسوله إلا مشركا بحديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من عادى وليا من أولياء الله جل وعز فقد نادى الله جل وعز بالمحاربة»!، ثم ساق النحاس إسناده إلى زيد بن أرقم بلفظ الحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وفاطمة والحسن، والحسين رضي الله عنهم أنا سلم لمن سالمتم، وحرب لمن حاربتم»، ثم قال :« أفلا ترى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن ليس بكافر وتسميته إياه محاربا(855) » .
قلت: وكلامه نفيس جداً، ويشهد له أن الله تبارك وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾(856) ، فآكل الربا محارب لله ورسوله، ومع ذلك لم تر أحدا من أهل العلم قال: آكل الربا محارب لله ورسوله، والمحارب لله ورسوله كافر!!.
وكذلك حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي ذكره النحاس وهو في صحيح
البخاري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب»(857) وفي رواية: «فقد بارزني بالحرب»(858) فمعنى الحديث أن من عادى وليا لله فقد حارب الله وهذا أقوى دلالة في ما يدعيه الطوسي، وذلك أنهم زعموا أن حرب علي حرب النبي، وحرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفر، بينما أكل الربا حرب لله وللنبي معا وهذا أشد وأعظم في الدلالة من حرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده، فلِم لم يقولوا إن آكل الربا كافر؟
ومعاداة أولياء الله وعلى رأسهم المهاجرون والأنصار الذين شهد الله لهم بالإيمان محاربة لله عز وجل، فلم لم يقولوا إن معاداة المهاجرين والأنصار كفر ؟
الأمر الثاني: أن لفظ: أنا سلم لمن سالمت وحرب لمن حاربت ، يستعمله العرب في النصرة والموالاة:
- فقد روى الطبراني عن عبادة بن الصامت، أن أسعد بن زرارة قال: أيها الناس، هل تدرون ما تبايعون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم؟ إنكم تبايعونه على أن تحاربوا العرب والعجم، والجن والإنس، فقالوا: « نحن حرب لمن حارب، وسلم لمن سالم(859) » .
-وثبت عن كعب بن مالك في قصة بيعة العقبة أن الهيثم بن التيهان قال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها - يعني العهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك، وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم، وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم(860) » .
فثبت بهذا أن هذه العبارة موضوعة لبيان النصرة والموالاة وليست للكلام عن الكفر والإسلام، فالاستدلال بها لمحاولة إثبات صحة ذاك الخبر الموضوع غير صحيح.
الوجه الثاني في إبطال اعتراض الميلاني أن هذا الخبر لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد فصل الشيخ المحدث الألباني طرقه في سلسلة الأحاديث الضعيفة(861) والحديث أصله من رواية أسباط بن نصر عن السدي عن صبيح عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كذا رواه الناس عنه، وهذا هو مخرج الخبر، أما سائر الطرق الأخرى فلا أصل لها،
وإنما هي طرق موضوعة مركبة أو معلولة مطرحة لا يصح الاستشهاد بها ولا الاعتماد عليها، وعليه يسقط اعتراض الميلاني.
-ومن أدلتهم: ما روي عن علي قال: «أنا فقأت عين الفتنة، ولولا أنا ما قوتل أهل النهروان ولا أهل الجمل، ولولا أني أخشى أن تتركوا العمل لأخبرتكم بالذي قضى الله عز وجل على لسان نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم، وعارفا للهدى الذي نحن فيه»(862) ، قلت: والخبر لا يصح لأمرين:
الأول: ضعف إسناده:
فقد تفرد محمد بن عبيد بن محمد المحاربي الكوفي بهذا الإسناد، وهو وإن قال فيه النسائي لا بأس به ، إلا أن مثله لا يحتمل منه التفرد، والإسناد غريب جدا.
فإن برئ المحاربي من عهدته فيحتمل أن البلاء من أبي مالك عمرو بن هاشم، وقد اختلف فيه:
فقال فيه أحمد بن حنبل: صدوق، ولم يكن صاحب حديث.
وقال ابن سعد: كان صدوقا، ولكنه كان يخطىء كثيرا .
وقال ابن معين: ولم يكن به بأس.
وقال أبو أحمد بن عدي: هو صدوق إن شاء الله.
وخالفهم جمع:
فقال البخاري: فيه نظر .
وقال مسلم في الكنى: ضعيف .
وقال أبو حاتم: لين الحديث، يكتب حديثه.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم .
وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويروي عن الثقات، ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج بخبره.
وذكره العقيلي في الضعفاء لأجل خبر رواه وقال: لم يتابع عليه .
والراجح ضعفه، فرجل اجتمع البخاري ومسلم على تضعيفه لا يكاد يندمل جرحه، وعدد الجارحين أكثر، والجرح قد فسره ابن حبان، وهذا الخبر الذي تفرد به دليل على ضعفه واطراح حديثه، فعندما يتفرد راو مغمور عن مثل إسماعيل بن أبي خالد المعروف بكثرة تلاميذه بهذا الإسناد فلا شك أن البلاء ممن تفرد به، سيما وهو ليس ممن لازمه وليس من كبار أصحابه، فأين الأعمش والسفيانان وشعبة وأمثالهم من هذا الخبر!، وكيف يتصور أن يتفرد به عمرو بن هاشم وحده!
مع أننا لو سلمنا جدلاً بصحة الخبر، فإن دلالته لا تدل على المطلوب، لأن الضلالة أعم من الكفر.
وقد يستشهد البعض برواية قريبة من
هذه في المعنى وهي رواية عثمان مؤذن بني أفصى التي مضت في مبحث الرد على شبهة نكث البيعة، ولفظها: صحبت عليا سنة كلها ما سمعت منه براءة ولا ولاية إلا أني سمعته يقول: من يعذرني من فلان وفلان فإنهما بايعاني طائعين، غير مكرهين، ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته، ثم قال والله ما قوتل أهل هذه الآية بعد ﴿وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ﴾.
والجواب من وجهين:
الأول: أما الإسناد قد تقدم أن رواية مؤذن بني أفصى موضوعة، وأن إسنادها مسلسل بالضعفاء والغلاة(863) .
الثاني: أما الدلالة ففيها نظرات:
الأولى: أن لفظ أئمة الكفر في الآية إنما قصد به المشركون من قريش، قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(864) .
فسياق الآية يبين أنها واردة في كفار قريش وليس في مطلق نكث الأيمان!
الثانية: أن الله تعالى وصف أئمة الكفر في الآية بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾، والإجماع قائم بين طوائف الأمة على أن طلحة ومن معهم لم يطعنوا قط في دين الإسلام بل كانوا ممن يظهرون شعائر الإسلام، وعليه فحمل الآية على أصحاب الجمل باطل.
الثالث: اختلف أهل التفسير بالمعني بأئمة الكفر في الآية فذكروا أسماء بعض رؤوس المشركين، ولكن لم يقل أحد منهم إن المعني به أصحاب الجمل، وقد حاول بعضهم التمسك بما صح عن حذيفة رضي الله عنه قال: «ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة»، فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، تخبرونا فلا ندري، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا؟ قال: «أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير، لو شرب الماء البارد لما وجد برده»(865) ، وفي رواية: «ما قوتل أهلُ هذه الآية بعد»!(866) .
والجواب أن هذا لا يحمل على أهل الجمل قطعا، بل مقصود حذيفة كما قال ابن حجر: «المراد بكونهم لم يقاتلوا أن قتالهم لم يقع، لعدم وقوع الشرط، لأن لفظ الآية: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا﴾، فلما لم يقع منهم نكث ولا طعن لم يقاتلوا»(867) وعليه فلا يصح حمل مراد حذيفة على أصحاب الجمل! خاصة أن حذيفة مات سنة 36 هـ قبل وقعة الجمل، وعليه فالحديث لا يصح الاحتجاج به على ما يدعيه خصوم طلحة رضي الله عنه.
-ومن الروايات التي يمكن أن يحتج بها من يطعن في إسلام طلحة، الخطبة المروية عن علي في الربذة، وجاء فيها قوله: «لقد ضربت هذا الأمر ظهره وبطنه أو رأسه وعينيه، فما وجدت إلا السيف أو الكفر(868) » ، وقد مر تخريج الخبر عند الكلام عن شبهة نكث البيعة وذكرت أن الخبر بذاك اللفظ لا يصح لأن مداره على صفوان بن قبيصة.
وقد روي من طريق آخر، فأخرجه أبو الجهم في جزئه من طريق مالك بن الجوان عن علي رضي الله عنه قال: «والله إن وجدت له إلا القتال أو الكفر بالله»(869) .
هذا الجواب التفصيلي عن شبهاتهم، أما الجواب الإجمالي فسألخصه في أمور:
الأمر الأول: أن الأصل في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾(870) .
فقد أثبت الله عز وجل وصفين لطائفتين: الإيمان والاقتتال، فدل هذا دلالة قاطعة على إمكان اجتماع الإيمان والاقتتال في طائفتين من المسلمين ، فصار هذا مانعا من الحكم على إحدى الطائفتين بالكفر، لمجرد قتالها للأخرى.
هذه من وجه، ثم إنه لو قدر أن إحدى الطائفتين بغت على الأخرى وظلمتها فإنها تقاتل حتى ترجع إلى الصواب والحق، ومع أنها طائفة باغية إلا أن وصف الإيمان لا يرتفع عنها بمجرد البغي، لأن الله تبارك وتعالى أمر بالإصلاح بين الطائفتين مع وصفهما بالإيمان، فدل هذا دلالة واضحة على أن البغي لا يرفع الإيمان عن الطائفة الباغية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية يدل على وجود الإيمان والأخوة مع الاقتتال والبغي»(871) وعليه فلا يصح الحكم بكفر أحد
من الفريقين المتقاتلين في الجمل لمجرد الاقتتال، بل ولا بفسقه لوجود مانع التأويل، لأن كلا من الفريقين كان يرى الحق معه قال النووي رحمه الله:«واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم ليست بداخلة في هذا الوعيد ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيبا وبعضهم مخطئا معذورا في الخطأ لأنه لاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه وكان علي رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة»(872)
الأمر الثاني: قد ثبت بالأحاديث الصحيحة الصريحة أن طلحة رضي الله عنه من أهل الجنة وأنه شهيد، وهذا مانع منعا قطعيا من الحكم بكفره لأن هذا يتعارض مع حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بالجنة، وعليه لو قدرنا أن طلحة كان مخطئا في قتال علي فهذا الخطأ لا يوجب الكفر ولا الفسق، بل هو ذنب مغمور في بحر حسناته، وأعظمها دفاعه عن نبي الإسلام يوم أحد ، فقد ثبت معه وحماه من الموت ووقاه بيده حتى شلت، وهذا العمل حسنة عظيمة أوجبت له دخول الجنة ، فكيف لو اجتمع مع ذلك قدم إسلامه وهجرته وجهاده وإنفاقه للأموال في سبيل الله؟.
-وفي هذا يقول القرطبي: «هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق
مختلفة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض»، فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانا لم يكن بالقتل فيه شهيدا»...إذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم، وإبطال فضائلهم وجهادهم، وعظيم غنائهم في الدين رضي الله عنهم»(873)
الأمر الثالث: أن الثابت الذي لا ريب فيه أن عليا رضي الله عنه لم يحكم بكفر أصحاب الجمل ولم يعاملهم معاملة الكفار والمرتدين ، بل حكم فيهم بحكم المسلمين، وكان ذلك أحد الأمور التي نقمها عليه الخوارج، وسيأتي التفصيل حول موقف علي رضي الله عنه من أصحاب الجمل وطلحة في الفصل المتعلق بموقف آل البيت عليهم السلام من طلحة رضي الله عنه.
الأمر الرابع: أن غير علي من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن جاء بعدهم من كبار التابعين، لم يحكم بخروج طلحة رضي الله عنه من الإسلام حتى مع ما كان منه في الجمل، بل كانوا يثنون عليه ويحدثون بفضائله:
1-فسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المبشرين بالجنة ومن أفضل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدث بحديث العشرة المبشرين بالجنة ومنهم طلحة، وكان ذلك بعد وقعة الجمل لما كان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه واليا لمعاوية رضي الله عنه على الكوفة(874) .
2- وروى أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي نضرة: قال: ذكروا عليا وعثمان وطلحة والزبير عند أبي سعيد الخدري رضي الله عنه فقال:
أقوام سبقت لهم سوابق وأصابتهم فتنة فردوا أمرهم إلى الله»(875)
3 – وجابر بن عبد الله الأنصاري أحد أفاضل الصحابة، حكى ثبات طلحة يوم أحد وما أصابه من أذى حين وقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
4-وعبد الله بن الزبير وهو من صغار الصحابة هو الذي روى حديث أوجب طلحة.
5-وروى أبو عثمان النهدي وهو من كبار التابعين أن طلحة ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد.
6-وروى قيس بن أبي حازم والشعبي وهما من أفضل التابعين أن طلحة شلت يده لأنه دافع بها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد، مع أن قيسا هو الذي روى حديث أن طلحة رضي الله عنه أبى أن يفك الحصار عن عثمان رضي الله عنه.
فمع هذه الأدلة الصحيحة الصريحة، يثبت بطلان ما ذهب إليه القائلون بكفر طلحة رضي الله عنه وأرضاه، وجمعنا به في الفردوس الأعلى.
طلحة بن عبيد الله وآل البيت
خصصت آل البيت عليهم السلام بمبحث مستقل لبيان موقفهم الحقيقي من طلحة رضي الله عنه، وإجلاء الغبار عن ما ينسب إليهم من معاداة طلحة رضي الله عنه لما وقع بينه وبين علي رضي الله عنه من الخلاف حتى وصل إلى القتال، وقد حاولت أن أستوفي مجمل أقوال أئمة أهل البيت في القضية، خاصة عليرضي الله عنه، إذ أنه أول من دافع عن طلحة ضد من طعن فيه من أصحابه المغالين، ثم كان أهل البيت عليهم السلام من أحرص الناس على نقل أخبار طلحة وفضائله، وتبرئة علي رضي الله عنه مما ينسبه إليه الغلاة، وحاولت الاعتماد على ما صح من أخبارهم ما أمكن، ثم أوردت بعض الأخبار التي لم يثبت سندها على رسم الصحيح من باب الاستئناس لا الاعتماد، وأشرت إلى ضعفها عند ذكرها.
موقف طلحة رضي الله عنه من آل البيت عليهم السلام
ظلت العلاقة بين طلحة وآل البيت علاقة محبة ومودة، فطلحة ممن بث حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة على الآل في التشهد،فقال: قلنا: يا رسول الله قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى
آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد»(876) وهذا لا يروى عن طلحة إلا من طريق ابنه موسى بن طلحة، ويرويه عنه عثمان بن عبد الله بن موهب مولى آل طلحة، وهو مدار الحديث، وهذا يدلك على أن الأمر لو كان كما يصوره الغلاة من أن العلاقة بين طلحة وعلي سيد أهل البيت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت علاقة عداوة، أكان طلحة ينقل هذا الحديث الذي فيه ذكر الآل في الصلوات الخمس؟ بل ولا ينقله عنه إلا أقرب الناس إليه وهو ابنه موسى بن طلحة، بل ولا ينقله عنه إلا أحد موالي آل طلحة، فعلى ماذا يدل تعاقب جيلين من آل طلحة على نقل الصلاة على الآل في التشهد؟.
ولم يقتصر الأمر على نقل الصلاة على الآل، بل تعداه إلى مصاهرة آل طلحة لآل البيت، فقد تزوج نوح بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله، من عبدة بنت علي زين العابدين، بن الحسين بن علي بن أبي طالب(877) .
ومن أجمل المواقف التي وقفت عليها في علاقة آل طلحة بآل البيت، ما فعله إبراهيم بن
محمد بن طلحة بن عبيد الله، حين أوصى إليه أخوه من أمه الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بأولاده، قال مصعب الزبيري: وإلى إبراهيم بن محمد بن طلحة كان أوصى حسن بن حسن بولده، كانوا في حجر إبراهيم حتى دفع إليهم أموالهم مختومة لم يحركها، ثم قال: «ما أنفقت عليكم من مال فهو صلة لأرحامكم»، وكان يوسع عليهم في النفقة ويحملهم على البراذين ويكسوهم الخز(878)
ومن يتأمل هذا يقطع أن ما يدعى من وجود العداوة والقطيعة بين الصحابة والآل لا يمثل الواقع الحقيقي للعلاقة الحميمة بين الصحب والآل، تلك العلاقة التي لم يعكر صفوها الخلافات السياسية المؤقتة التي وقعت بينهم، وانتهت بانتهائها، فنسأل الله أن يرزقنا الاقتداء بالآل والأصحاب.
موقف آل البيت عليهم السلام من طلحة رضي الله عنه
مر معنا موقف طلحة وآله من الآل وروايتهم للصلاة عليهم، والمصاهرة التي وقعت بينهم، فيحسن بنا أن نستعرض موقف آل البيت من طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه
لعل أفضل ما يؤثر في الدفاع عن طلحة والثناء عليه والإغلاظ على من تنقصه، هو ما نقل عن سيد أهل البيت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، علي بن أبي طالب رضي الله
عنه الذي كان أول من تصدى للانحراف الذي ظهر من بعض أنصاره، وقد نقل عنه ذلك من طرق عديدة، ومن وجوه مختلفة:
-فعن ربعي بن حراش، قال: إني لعند علي رضي الله عنه جالس، إذ جاء ابن لطلحة فسلم على علي رضي الله عنه، فرحب به فقال: «ترحب بي يا أمير المؤمنين، وقد قتلت أبي، وأخذت مالي»؟ قال: «أما مالك فهو ذا معزول في بيت المال، فاغد إلى مالك فخذه، وأما قولك قتلت أبي، فإني أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله عز وجل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾(879) ، فقال رجل من همدان:«إن الله أعدل من ذلك» فصاح عليه علي صيحة تداعى لها القصر، قال:« فمن إذاً، إذا لم نكن نحن أولئك»؟(880) .
- وعن أبي صالح، عن علي قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير ممن قال الله عز وجل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾(881) .
-وعن أبي حبيبة مولى طلحة قال: دخل عمران بن طلحة على علي بعد ما فرغ من أصحاب
الجمل قال: فرحب به، وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله عز وجل: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ قال: «ورجلان جالسان على ناحية البساط فقالا: الله عز وجل أعدل من ذلك تقتلهم بالأمس، وتكونون إخوانا في الجنة»؟، قال علي:«قُومَا أبعدَ أرضٍ وأسحقَها، فمن هو؟ إذا لم أكن أنا وطلحة قال: ثم قال لعمران: «كيف أهلك من بقي من أمهات أولاد أبيك، أما إنا لم نقبض أرضكم هذه السنين، ونحن نريد أن نأخذها إنما أخذناها مخافة أن ينتهبها الناس، يا فلان اذهب معه إلى ابن قرظة فمره فليدفع إليه أرضه وغلة هذه السنين، يا ابن أخي جئنا في الحاجة إذا كانت لك»(882)
وفي لفظ الحاكم عن أبي حبيبة، مولى طلحة، قال: دخلت على علي مع عمران بن طلحة، بعدما فرغ من أصحاب الجمل، قال: فرحب به وأدناه، قال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله عز وجل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ فقال: «يا ابن أخي، كيف فلانة كيف فلانة؟» قال: وسأله عن أمهات أولاد أبيه، قال: ثم قال: «لم نقبض أراضيكم هذه السنة إلا مخافة أن ينتهبها الناس، يا فلان انطلق معه إلى بني قريظة، فمره فليعطه غلته هذه السنة، ويدفع إليه أرضه»،
فقال رجلان جالسان إلى ناحية، أحدهما الحارث الأعور: «الله أعدل من ذلك أن نقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة»، قال: «قوما أبعد أرض الله وأسحقها فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة؟ يا ابن أخي إذا كانت لك حاجة فأتنا»(883)
وفي رواية أخرى عن أبي حبيبة قال: جاء عمران بن طلحة، إلى علي فقال: «ها هنا يا ابن أخي، فأجلسه على طنفسة وقال: والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك كمن قال الله عز وجل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾، فقال له ابن الكواء:« الله أعدل من ذلك»، فقام إليه بدرته فضربه، فقال:« أنت لا أم لك وأصحابك ينكرون هذا»(884) .
-عن إبراهيم قال: استأذن ابن جرموز الذي قتل الزبير أو أشرك في قتله على علي، فرأى في الإذن جفوة، فلما دخل على علي قال: «أما فلان فلان فيؤذن لهما، وأما أنا فلا، قاتل الزبير»، قال له علي: «بفيك التراب، بفيك التراب، إني لأرجو أن أكون أنا والزبير وطلحة من الذين قال الله عز وجل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ
مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾(885)
-وعن قتادة: في قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾، قال: «قال علي بن أبي طالب: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾، الآية(886) .
- وروي عن الشعبي قال: رأى علي طلحة في وادٍ مُلقى، فنزل فمسح التراب عن وجهه، وقال: «عزيز علي أبا محمد بأن أراك مجدلاً في الأودية تحت نجوم السماء، الى الله أشكو عجري وبجري، قال الأصمعي: يعني همومي وأحزاني التي ترددني في صدري»(887) .
-وعن طلحة بن مصرف أن عليا انتهى إلى طلحة بن عبيد الله وقد مات فنزل عن دابته وأجلسه فجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه ويقول: «ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة»(888) .
-وقال أبو جعفر الباقر: «جلس علي وأصحابه يوم الجمل يبكون على طلحة والزبير»(889) .
ومن المقطوع به في التاريخ أن عليا رضي الله عنه لما انتصر في معركة الجمل، لم يصدر منه ما يطعن في دين وإسلام أصحاب الجمل بل عاملهم معاملة المسلمين، فورث
ميتهم، ولم يغنم منهم شيئا، ولم يسب النساء والذرية!، وكان هذا أحد الأمور التي نقمها عليه الخوراج حتى اعتزلوه، وانقسموا عن جيشه إلى أن قاتلهم وهزمهم في النهروان، وقد روى شقيق بن سلمة أن عليا لم يسب يوم الجمل ولم يقتل جريحاً(890)
وروى الصادق عن أبيه الباقر قال: «أمر علي مناديه فنادى يوم البصرة: لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح، ولا يقتل أسير، ومن أغلق بابا فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ولم يأخذ من متاعهم شيئا(891) » .
وعدم طعن علي رضي الله عنه في دين أصحاب الجمل مما توارثه أهل البيت وتناقلوه ، فقد صح عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عن أبيه محمد الباقر أن رجلا ذكر عند علي أصحاب الجمل حتى ذكر الكفر فنهاه علي رضي الله عنه(892) .
قلت: فهذا ما أثر عن علي في طلحة، وما أحسن قول القاضي عبد الجبار تعليقا على مثل هذه الآثار حين قال: «وأما طلحة والزبير وعائشة فإنهم إنما سلموا علينا، لأنهم سلموا على أمير المؤمنين، وتوليناهم وزكيناهم لأنه زكاهم وتولاهم ومدحهم وترحم عليهم بعد ما كان منهم بالبصرة وبعد موتهم، فلو عاديناهم لكنا قد خالفناه وسرنا بغير سيرته وسلكنا غير سبيله، ونحن
لا نرى خلافه، بل هو إمامنا وسيدنا والقدوة عندنا، وهو الذي ظاهره كباطنه وسريرته كعلانيته(893)
ونظير هذا قول الخلال رحمه الله: «فعلي يقول هذا لنفسه ولطلحة والزبير، ويترحم عليهم أجمعين، ونحن فلا نذكرهم إلا بما أمرنا الله عز وجل به ﴿اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾(894) . وقال عز وجل: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(895)(896) )( .
موقف الحسن والحسين رضي الله عنهما
لم يختلف موقف الحسن والحسين عن موقف أبيهما من طلحة بن عبيد الله، وقد تجلى هذا بوضوح في المصاهرة التي وقعت بين الحسنين وبين طلحة، رضي الله عنهم أجمعين:
فقد تزوج الحسن بن علي رضي الله عنه أم إسحاق بنت طلحة رضي الله عنه ولم يقتصر الأمر على المصاهرة، بل تعداه إلى أن الحسن اختار لابنه من بنت طلحة، اسم طلحة، وهذا لا يدل إلا على حب الحسن لهذا الإسم وإلا لم
يكن ليسمي به ابنه(897)
-ولم يكتف الحسن رضي الله عنه بذلك، بل تزوج أيضا من خولة بنت منظور التي كانت تحت محمد بن طلحة بن عبيد الله الملقب بالسجاد ، وكان ذلك بعد وفاة محمد بن طلحة في وقعة الجمل(898) ، ووُلد للحسن من خولة الحسن، وهو الملقب بالحسن المثنى(899) .
فجمع الحسن رضي الله عنه بين بنت طلحة، وبين زوجة ابن طلحة».
- ثم لما توفيت أم إسحاق بنت طلحة تزوجها من بعده الحسين ، وهذا دليل إضافي «على أن مكذوبات معركة الجمل ينبغي الحذر منها، وإلا ما الذي دفع آل البيت ليتزوجوا من آل الزبير كما مر سابقا، وآل طلحة كما نشاهده لو كانت الأنفس مشحونة بالبغضاء والعداء...ألم يشترك الحسنان بمعركة الجمل، فلماذا يتزوجان من ذرية طلحة، إذا لو كانت الجمل كما يصورها المستشرقون ومن تبعهم؟»(900) .
موقف أبي جعفر محمد بن علي الباقر وأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق
ولو مررنا بكبار المحدثين من الآل كأبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق، فلن نجد موقفهما مختلفا عن أجدادهما من آل البيت:
-فقد روى سفيان عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه محمد بن علي الباقر قال: «جاء ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي فحجبه طويلا، ثم أذن له فقال: أما أهل البلاء فتجفوهم»، فقال علي: «بفيك التراب، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة، والزبير، ممن قال الله عز وجل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾(901) .
قلت: فهذا العلمان الجليلان الذين يعدان من كبار علماء آل البيت، يرويان مثل هذا الخبر الذي يدافع فيه علي عن طلحة والزبير وعثمان، فعلى ماذا يدل هذا؟.
ألا يدل على أن الآل كانوا يتوارثون الثناء العطر على الصحابة حتى ولو وقع بينهم خلاف مع جدهم علي؟؟.
وصح عن أبي جعفر الباقررحمه الله أنه قال:
لم يكفر أهل الجمل(902)
وقد تقدم أنه قال: «جلس علي وأصحابه يوم الجمل يبكون على طلحة و الزبير»(903) .
وتقدم أيضا أن أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق روى عن أبيه محمد الباقر أن رجلا ذكر عند علي أصحاب الجمل حتى ذكر الكفر فنهاه علي رضي الله عنه(904) .
-وعن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه أبي جعفر الباقر، أنه قال في قصة زواج أم كلثوم بنت علي من عمر رضي الله عنه: «فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين بين القبر والمنبر، وكان المهاجرون يجلسون ثم، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان، وطلحة، وسعد ، فإذا كان العشي يأتي عمرَ الأمرُ من الآفاق ويقضي فيه، جاءهم وأخبرهم ذلك، واستشارهم كلهم...»(905) .
قلت: فهذا جعفر الصادق يحدث عن أبيه الباقر بأخبار طلحة رضي الله عنه، ويعده من المهاجرين، وهو يعلم أن الله تبارك وتعالى أثنى على المهاجرين في كتابه وزكاهم وتاب عليهم ووعدهم بالجنات، مع أنه يعلم بالخلاف الذي وقع بين طلحة وبين جده عليرضي الله عنه، ومع ذلك يتناقل أخبار طلحة التي نقلها إليه أبوه، ويحدث بها أصحابه! فمن يفعل هذا أيتصور في
حقه أنه يكنُّ العداوة لطلحة، أم أنه يحبه ويصفه بأحسن الصفات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه يصف بها أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين تركوا الديار والأوطان لأجل نصرة دينه فاستحقوا ذلك اللقب الذي يعد وساما وفخرا لهم، وهو لقب المهاجرين؟!.
موقف بقية الآل
ولو استعرضنا بقية المصاهرات التي وقعت بين آل علي وآل طلحة لخرجنا بنتيجة مفادها أن آل البيت قد ورثوا لأبنائهم محبة طلحة، ورغبوهم في مصاهرتهم، ولذلك نرى أحفاد علي يتزوجون من حفيدات طلحة:
-فيتزوج كل من عبد الله المحض ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعون بن محمد بن علي بن أبي طالب من حفيدة طلحة، حفصة بنت عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة، (استشهد مع أبيه في معركة الجمل).
-وتتزوج حفيدة الحسين، عبدة بنت علي بن الحسين من حفيد طلحة نوح بن إبراهيم بن محمد بن طلحة! وهي أخت الباقر وعمة الصادق وابنة زين العابدين(906) .
وقد مر أن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أوصى بأموال أبنائه إلى أخيه من أمه إبراهيم بن محمد بن طلحة، قال مصعب بن عبد الله الزبيري: «توفي حسن
وأوصى إلى إبراهيم بن محمد بن طلحة وهو أخوه لأمه»(907)
فهذا موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه من طلحة، وهذه مواقف أهل البيت تشهد ببراءتهم مما يروج عنهم من بغض الصحابة وعداوتهم، وتظهر الصورة المشرقة والموقف الحقيقي لآل البيت من الصحابة.
استشهاد طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وكرامته
توفي طلحة رضي الله عنهم شهيدا في سنة 36 هـ في وقعة الجمل، وقد أكرمه الله بكرامة ظل الأجيال يتناقلونها! فقد صح عن قيس بن أبي حازم أنه قال: «رمى مروان بن الحكم طلحة يوم الجمل في ركبته فجعل الدم يغذو يسيل، فإذا أمسكوه استمسك، وإذا تركوه سال، قال: والله ما بلغت إلينا سهامهم بعد، ثم قال: دعوه فإنما هو سهم أرسله الله، فمات فدفنوه على شط الكلاء، فرأى بعض أهله أنه قال: ألا تريحونني من هذا الماء، فإني قد غرقت ثلاث مرات، يقولها، فنبشوه من قبره أخضر كأنه السلق ، فنزفوا عنه الماء ثم استخرجوه، فإذا ما يلي الأرض من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض، فاشتروا دارا من دور أبي بكرة فدفنوه فيها»(908) .
فهذا هو طلحة بن عبيد الله، وهذه سيرته، وتلك هي الشبهات التي أثيرت حوله تبين وهاؤها وبطلانها، وهذا موقف آل البيت منه، وهذا مسك الختام.
والحمد لله رب العالمين.
المراجع
والمصادر
الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير- الحسين بن إبراهيم الجورقاني- تحقيق وتعليق: الدكتور عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي- دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض المملكة العربية السعودية، مؤسسة دار الدعوة التعليمية الخيرية، الهند- الطبعة الرابعة- 1422هـ 2002م. أبكار الأفكار في أصول الدين- علي بن محمد سيف الدين الآمدي- تحقيق أ. د. أحمد محمد المهدي- الناشر: دار الكتب والوثائق القومية القاهرة-الطبعة الثانية -1424 هـ /2004م. ابن أعثم الكوفي: ومنهجه التاريخي في كتاب الفتوح- محمد حير أبو سعده مطبعة الجبلاوي، القاهرة، مصر- 1408هـ-1987م. إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة- أبو العباس أحمد بن أبي بكر البوصيري الكناني -دار المشكاة للبحث العلمي بإشراف أبو تميم ياسر بن إبراهيم-دار النشر دار الوطن للنشر، الرياض-الطبعة: الأول 1420هـ 1999م. إتحاف الورى بأخبار أم القرى- النجم عمر بن فهد –تحقيق فهيم محمد شلتوت مركز البحث العلمي وإحياء التراث الاسلامي-مكتبة الخانجي، القاهرة- 1983م. الآثار -أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري -تحقيق أبي الوفا-دار الكتب العلمية
بيروت. إثبات الوصية -أبو الحسن المسعودي الهذلي- دار الأضواء لبنان, 1988م. الآحاد والمثاني- أبو بكر بن أبي عاصم الشيباني -تحقيق د باسم فيصل أحمد الجوابرة-دار الراية الرياض-الطبعة الأولى- 1411هـ 1991م. الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة سعود بن عيد بن عمير الصاعدي- نشر الجامعة الإسلامية بالمدينة- سنة 1427 هـ. أحاديث أم المؤمنين عائشة- مرتضى العسكري الطبعة الخامسة--صدر -التوحيد للنشر-1414 1994م. الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان المعروف بصحيح ابن حبان-ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط-مؤسسة الرسالة، بيروت الطبعة الأولى، 1408 هـ 1988م. إحقاق الحق نور الله التستري. أخبار القضاة أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ الضَّبِّيّ البَغْدَادِيّ، المُلَقَّب بِوَكِيع-صححه وعلق عليه وخرّج أحاديثه: عبد العزيز مصطفى المراغي-المكتبة التجارية الكبرى، مصر- الطبعة الأولى- 1366هـ 1947 م. أخبار مكة- أبو الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي -تحقيق رشدي الصالح ملحس-دار الأندلس للنشر بيروت. أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه-أبو عبد الله محمد بن إسحاق الفاكهي –المحقق. د. عبد الملك عبد الله دهيش-دار خضر بيروت-الطبعة الثانية، 1414 هـ. الإرشاد
محمد بن النعمان المفيد المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان-تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لتحقيق التراث الطبعة: الثانية سنة الطبع: 1414- 1993م. الإرشاد- محمد بن النعمان المفيد- مؤسسة الأعلمي- بيروت، لبنان-1399هـ -1979م. أساس البلاغة- أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله-تحقيق محمد باسل عيون السود-دار الكتب العلمية، بيروت لبنان-الطبعة الأولى، 1419هـ 1998م. أسباب النزول أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري-تحقيق عصام بن عبد المحسن الحميدان- دار الإصلاح الدمام-الطبعة الثانية -1412 هـ 1992م. إستخراج المرام من استقصاء الافحام -حامد حسين اللكهنوي، تأليف علي الحسيني الميلاني- قم إيران، 2004م. الإستيعاب أبو عمر يوسف بن عبد الله ابن عبد البر النمري القرطبي -تحقيق علي محمد البجاوي-دار الجيل، بيروت-الطبعة الأولى، 1412 هـ 1992م. أسد الغابة- أبو الحسن علي بن أبي الكرم ابن الأثير -تحقيق علي محمد معوض عادل أحمد عبد الموجود-دار الكتب العلمية-الطبعة الأولى 1415هـ 1994م. الأسماء والصفات أحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي -حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: عبد الله بن محمد الحاشدي-مكتبة السوادي، جدة المملكة العربية السعودية-الطبعة الأولى 1413هـ 1993م.
الأسماء والمصاهرات بين أهل البيت والصحابة أبو معاذ السيد بن أحمد مبرة الآل والأصحاب -الكويت، 1428 هـ- 2007م. الأشربة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني -تحقيق صبحي السامرائي-عالم الكتب-الطبعة الثانية 1405هـ-1985م. الإصابة أبو الفضل أحمد ابن حجر العسقلاني -تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض-دار الكتب العلمية بيروت-الطبعة الأولى 1415هـ. إصلاح غلط أبي عبيد-عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري-تحقيق عبد الله الجبوري-دار الغرب الإسلامي –بيروت- 1403 هـ 1983 م. أصول السنة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني دار المنار الخرج السعودية-الطبعة الأولى- 1411هـ. أطلس السيرة النبوية -الدكتور شوقي أبو خليل 1423هـ-2003م. الإعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث- أحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي- تحقيق أحمد عصام الكاتب-دار الآفاق الجديدة بيروت-الطبعة الأولى، 1401 هـ. الإعتقادات في دين الإمامية لابن بابويه القمي تحقيق عصام عبد السيد دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان الطبعة الثانية 1414 هـ. الأعلام خير الدين بن محمود الزركلي الدمشقي -دار العلم للملايين-الطبعة الخامسة عشر أيار مايو 2002 م. إعلام الورى بأعلام الهدى-الشيخ
الهدى-الشيخ الطبرسي-مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث- ستارة قم -الطبعة الأولى- 1417 هـ. أعيان الشيعة لمحسن الأمين تحقيق حسن الأمين دار التعارف للمطبوعات- بيروت –لبنان. الأغاني علي بن الحسين أبو الفرج الأصبهاني الأموي القرشي تحقيق: سمير جابر- دار الفكر بيروت -الطبعة الثانية. الإقتصاد في الاعتقاد -مطبعة الخيام قم -منشورات مكتبة جامع چهلستون طهران 1400 هـ. الإكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والثلاثة الخلفاء سليمان بن موسى، أبو الربيع الكلاعي الحميري -دار الكتب العلمية بيروت. الآل والصحابة محبة وقرابة: معلقات ذات دلالة عميقة على العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب -علي بن حمد التميمي- مبرة الآل والأصحاب الكويت، 1429 هـ 2008م. إلزام النواصب الشيخ مفلح بن الحسن الصيمري البحراني -الطبعة الأولى- 1420 هـ. الأمالي علي بن الحسين المرتضى- تصحيح وتعليق محمد بدر الدين النعساني الحلبي- الطبعة الأولى-1325هـ- 1907م. أمالي المحاملي-الحسين بن إسماعيل المحاملي، تحقيق: د. إبراهيم القيسي -المكتبة الإسلامية، الأردن، ودار ابن القيم، الدمام، الطبعة الأولى 1412هـ. الإمامة
الحافظ أبي نعيم الأصبهاني المحقق: د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي مكتبة العلوم والحكم السعودية، 1422 هـ 2001م. الإمامة والسياسة منسوب إلى عبد الله بن مسلم بن قتيبة-اعتنى به محمد محمود الرافعي-مطبعة النيل- 1432هـ الإمامة والسياسة- منسوب إلى عبد الله بن مسلم بن قتيبة تحقيق علي شيري-أمير قم-انتشارات شريف الرضي الطبعة الأولى-1413هـ. إمتاع الأسماع أحمد بن علي بن عبد القادر المقريز -تحقيق محمد عبد الحميد النميسي. أنساب الأشراف-للبلاذري –تحقيق وتعليق: الشيخ محمد باقر المحمودي مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت لبنان الطبعة الأولى 1394 هـ. الأنساب- عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني -تحقيق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وغيره-مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الطبعة الأولى- 1382 هـ 1962م. الإنشراح ورفع الضيق في سيرة أبي بكر الصديق عَلي محمد الصَّلاَّبي-دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة مصر-1423 هـ 2002 م. الأنواء في مواسم العرب عبد الله بن قتيبة بدون تاريخ. الأنواء في مواسم العرب عبد الله بن قتيبة-دار الشؤون الثقافية العامة-آفاق العربية. الأيام الأخيرة من حياة الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه-محمد بن عبدالله غبان الصبحي- اختصار مركز البحوث والدراسات بالمبرة- مبرة الآل والأصحاب الكويت، 1432 هـ 2011م. الإيضاح
-الفضل بن شاذان الأزدي- تحقيق السيد جلال الدين الحسيني الأرموي المحدث مؤسسة انتشارات الطبعة الأولى 1351 هـ. بحار الأنوار –محمد باقر المجلسي- تحقيق محمد باقر البهبودي وآخرين- مؤسسة الوفاء- بيروت، لبنان -الطبعة الثانية 1403 هـ. البداية والنهاية –أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير- تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي-دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان الطبعة: الأولى، 1418 هـ 1997م-سنة النشر: 1424هـ 2003م. البرهان في تفسير القرآن هاشم البحراني- إنتشارات دار التفسير- مؤسسة إسماعيليان قم إيران، 1417هـ. البرهان في تفسير القرآن هاشم الحسيني البحراني -مؤسسة البعثة بيروت لبنان،- الطبعة الأولى 1419 هـ 1999م. البرهان في تفسير القرآن -هاشم البحراني حققه لجنة من العلماء والمحققين مؤسسة الأعلمي- لبنان- الطبعة الأولى 1999م. بغية الطلب في تاريخ حلب- عمر بن أحمد بن هبة الله ابن العديم -تحقيق د. سهيل زكار-دار الفكر. بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية- أحمد ابن طاووس- تحقيق علي العدناني الغريفي- مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث قم الطبعة الأولى-1411 1991م. بيان الشرع -محمد بن إبراهيم الكندي -وزارة التراث القومي والثقافة عمان -1404هـ
1984م. البيان والتبيين للجاحظ تحقيق عبد السلام محمد عبد السلام هارون مكتبة الخانجشي القاهرة الطبعة السابعة 1418هـ. بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة مع نقد الدراسات الجامعية في الموضوع-أم مالك الخالدي حسن المالكي مكتبة التوبة الرياض السعودية- الطبعة الثانية 1418 هـ 1997م. تاريخ ابن أبي خيثمة تحقيق صلاح بن فتحي هلل، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر. تاريخ ابن معين، رواية الدوري يحيى بن معين- تحقيق: الدكتور أحمد محمد نور سيف دار المأمون للتراث. دمشق. تاريخ الإسلام الإمام الذهبي- تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري دار الكتاب العربي -لبنان بيروت- الطبعة الأولى 1407 هـ. تاريخ الخميس حسين بن محمد بن الحسن الدِّيار بَكْري دار صادر بيروت. التاريخ الصغير تحقيق: محمود إبراهيم زايد دار المعرفة بيروت-الطبعة الأولى 1406 هـ. تاريخ الطبري الطبري تحقيق: مراجعة وتصحيح وضبط: نخبة من العلماء الأجلاء مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت لبنان الطبعة الرابعة 1403هـ. تاريخ الطبري: تاريخ الأمم –أبو جعفر محمد بن جرير الطبري -دار الكتب العلمية بيروت لبنان،- الطبعة الثانية- 1417 هـ 1997م.
تاريخ الطبري: تاريخ الأمم أبو جعفر محمد بن جرير الطبري -مراجعة نواف الجراح دار صادر- بيروت- الطبعة الثانية- 1426 هـ -2005م. تاريخ الطبري: تاريخ الأمم والملوك -أبو جعفر محمد بن جرير الطبري -تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم روائع التراث العربي- بيروت- لبنان-الطبعة الثانية- 1387 هـ 1967م. التاريخ الكبير –الإمام البخاري- المكتبة الإسلامية ديار بكر- تركيا. تاريخ المدينة المنورة أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري تحقيق فهيم محمد شلتوت دار الفكر قم إيران 1410 هـ. تاريخ المدينة المنورة أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري تحقيق علي محمد دندل، ياسين سعد الدين بيان -دار الكتب العلمية بيروت، لبنان الطبعة الثانية- 1417 هـ 1996م. تاريخ اليعقوبي- أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر الكاتب العباسي -دار صادر بيروت لبنان- مؤسسة نشر فرهنگ أهل بيت عليهم السلام قم إيران. تاريخ بغداد المسمى تاريخ مدينة السلام أبو بكر الخطيب البغدادي- تحقيق الدكتور بشار عواد معروف-دار الغرب الإسلامي بيروت-الطبعة الأولى، 1422هـ 2002 م. تاريخ بغداد للخطيب البغدادي دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا دار الكتب العلمية- بيروت لبنان الطبعة الأولى 1417هـ.
تاريخ خليفة بن خياط، المحقق: د. أكرم ضياء العمري، الناشر: دار القلم، مؤسسة الرسالة- دمشق، بيروت، الطبعة: الثانية 1397 هـ. تاريخ دمشق: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر- تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عام النشر: 1415هـ 1995م. تأويل مشكل القرآن –عبد الله بن قتيبة تحقيق إبراهيم شمس الدين دار الكتب العلمية، بيروت لبنان تأويل مختلف الحديث عبد الله بن مسلم بن قتيبة- تحقيق: محمد زهري النجار--دار الجيل بيروت 1393هـ 1972م. تأويل مختلف الحديث عبدة الله بن مسلم بن قتيبة- تحقيق سليم بن عيد الهلالي-دار ابن القيم-دار ابن عفان-الطبعة الثانية 1430هـ. تأويل مختلف الحديث عبد الله بن مسلم بن قتيبة- دار الكتب العلمية بيروت لبنان. التبيان في تفسير القرآن-محمد بن الحسن الطوسي-تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير العاملي- مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي- الطبعة الأولى- 1409هـ. تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني تحقيق د.عبد الكريم عثمان دار العربية بيروت لبنان 1403 هـ. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي أبو العلا محمد عبد الرحمن ابن عبد الرحيم المباركفوري الناشر: دار الكتب العلمية بيروت.
تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة -الدكتور محمد أمحزون دار طيبة للنشر والتوزيع ومكتبة الكوثر للنشر والتوزيع الطبعة الأولى 1415 هـ. تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الطبري والمحدثين الدكتور محمد أمحزون- دار السلام مصر الطبعة الأولى 1426هـ 2005م. تراجم رجال الدارقطني مُقْبلُ بنُ هَادِي الوادعِيُّ--دار الآثار صنعاء-الطبعة: الأولى، 1420هـ، 1999م. التعجب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة-أبو الفتح الكراجكي تصحيح وتخريج فارس حسون كريم. تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس- ابن حجر العسقلاني -المحقق: د. عاصم بن عبدالله القريوتي-مكتبة المنار عمان -الطبعة الأولى- 1403هـ 1983م. تفسير القرآن من الجامع أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم -المحقق: ميكلوش موراني-دار الغرب الإسلامي -الطبعة: الأولى، 2003 م. تفسير القمي لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمي -مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت لبنان- الطبعة الأولى 1411 هـ 1991م. تفسير القمي لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمي صححه طيب الموسوي الجزائري -مطبعة النجف- 1387 هـ. تفسير القمي لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمي صححه طيب الموسوي الجزائري مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر قم-إيران الطبعة الثالثة 1403هـ. تفسير سورة النساء –محمد بن صالح العثيمين مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية- دار ابن الجوزي الطبعة الأولى 1430 هـ.
تفسير عبد الرزاق –عبد الرزاق بن همام الصنعاني- دراسة وتحقيق د. محمود محمد عبده- دار الكتب العلمية بيروت- الطبعة الأولى 1419 هـ- 1999م. تفسير غريب ما في الصحيحين محمد بن فتوح بن عبد الله الحَمِيدي -تحقيق زبيدة محمد سعيد عبد العزيز-مكتبة السنة القاهرة مصر- الطبعة الأولى- 1415هـ- 1995م. تفسير مقاتل –مقاتل بن سليمان البلخي- تحقيق عبد الله محمود شحاته-دار إحياء التراث– بيروت- الطبعة الأولى 1423هـ. تقريب المعارف أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي -تحقيق: الشيخ فارس تبريزيان الحسون 1417 هـ. التكميل في الجرح والتعديل –أبو الفداء إسماعيل بن كثير- دراسة وتحقيق: د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان-مركز النعمان للبحوث والدراسات الإسلامية وتحقيق التراث والترجمة، اليمن-الطبعةالأولى- 1432هـ 2011 م. تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل-المحقق: عماد الدين أحمد حيدر-مؤسسة الكتب الثقافية– لبنان-الطبعة: الأولى، 1407هـ 1987م. التنبيه والإشراف أبو الحسن علي المسعودي- دار ومكتبة الهلال لبنان, 1993م. تهذيب الآثار وتفصل الثابت عن رسول الله ص من الأخبار-محمد بن جرير الطبري- محمود محمد شاكر- بدون ناشر- مصر، 1983م. تهذيب الأحكام أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي- تصحيح وتعليق علي أكبرالغفاري-مكتبة الصدوق طهران، 1417هـ
تهذيب التهذيب- أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني -مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند، الطبعة: الطبعة الأولى، 1326هـ. تهذيب الكمال تحقيق وضبط وتعليق: الدكتور بشار عواد معروف مؤسسة الرسالة بيروت لبنان الطبعة الرابعة 1406 هـ. تهذيب اللغة-محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، -المحقق: محمد عوض مرعب- دار إحياء التراث العربي بيروت الطبعة: الأولى، 2001م. الثقات ابن حبان –مجلس دائرة المعارف العثمانية. بحيدر آباد الدكن الهند الطبعة الأولى 1393هـ. الجامع الكبير: سنن الترمذي-حققه شعيب الأرنؤوط- دار الرسالة العلمية دمشق سورية، 1430 هـ. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسننه وأيامه–محمد بن إسماعيل البخاري –تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر- دار طوق النجاة-الطبعة الأولى- 1422هـ. الجامع في العلل ومعرفة الرجال رواية: المروذي وغيره- أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل تحقيق الدكتور وصي الله بن محمد عباس -الدار السلفية، بومباي الهند الطبعة: الأولى، 1408هـ 1988م. الجامع لأحكام القرآن المعروف بتفسير القرطبي-أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي -تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش-الناشر: دار الكتب المصرية القاهرة- الطبعة: الثانية، 1384هـ 1964م.
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الطبعة الأولى 1371 هـ. جزء أبي الجهم العلاء بن موسى الباهلي-تحقيق عبد الرحيم بن محمد بن أحمد القشقري-مكتبة الرشد، الرياض- المملكة العربية السعودية الطبعة الأولى-1420هـ-1999م. جزء محمد بن عاصم الثقفي الأصبهاني-تحقيق وتخريج: مفيد خالد عيد-دار العاصمة، الرياض– السعودية-الطبعة: الأولى، 1409هـ. جزء هلال بن محمد الحفار، المسمى بحديث أبي عبد الله المتوثي القطان عن شيوخه-المحقق: أحمد جمال أحمد أبو سيف- الدار الأثرية الطبعة الأولى، 2007 م. الجليس الصالح الكافي المحقق: عبد الكريم سامي الجندي- دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان -الطبعة: الأولى 1426هـ 2005م. الجمل أو النصرة لسيد العترة في حرب البصرة- محمد بن النعمان المفيد حققه السيد علي مير شريفي -دار المفيد بيروت لبنان، 1414 هـ 1993م. جمهرة النسب (رواية السكري عن ابن حبيب) –أبو المنذر هشام بن محمد السائب الكلبي تحقيق ناجي حسن عالم الكتب بيروت لبنان، 1425 هـ 2004م. جواهر التاريخ علي الكوراني العاملي دار المحجة البيضاء بيروت لبنان، 1427هـ 2006م.
الحدائق الناضرة يوسف البحراني تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي خورشيد دار الكتب الإسلامية طهران 1408 هـ. حقيقة الخلاف بين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وعائشة والزبير وطلحة عام الجمل- محمد بن ابراهيم بن صالح أبا الخيل بريدة، 1427 هـ 2006 م. حياة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام-باقر شريف القرشي -دار البلاغة بيروت لبنان،-1413 هـ 1993م. حياة الصحابة- محمد يوسف بن محمد الكاندهلوي –حققه الدكتور بشار عوّاد معروف-مؤسسة الرسالة للطباعة والنشروالتوزيع- بيروت لبنان- الطبعة الأولى، 1420هـ 1999م. الخصال -ابن بابويه القمي-حققه علي أكبر الغفاري مؤسسة الأعلمي لبنان- 1990م. خلاصة الأقوال للعلامة الحلي تحقيق الشيخ جواد القيومي مؤسسة النشر الإسلامي الطبعة الأولى 1417 هـ. خلاصة عبقات الأنوار- حامد النقوي -سيد الشهداء قم -مؤسسة البعثة قسم الدراسات الإسلامية طهران ايران- الطبعة الأولى 1404هـ. خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار علي الحسيني الميلاني اللكهوني -منشورات المكتبة الاسلامية الكبرى طهران، 1401 هـ. الخلافة المغتصبة –إدريس الحسني المغربي-بدون معلومات. خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه دراسة نقدية للروايات من
خلال كتب السنة والتاريخ عبدالحميد بن علي ناصر فقيهي- مكتبة الرشد الرياض, 1427 هـ 2006 م. دراسة في كتب ابن قتيبة، القسم الثاني، للدكتور عبد الله الجبوري، مقالة منشورة بمجلة كلية الآداب بالجامعة المستنصرية، العدد 3 دفاع عن ابن تيمية في اتهامه بالطعن في خلافة علي، منشورة بموقع إسلام ويب. الرجال أحمد بن الحسين الغضائري حققه محمد رضا الحسيني الجلالي- دار الحديث قم- ايران، 1422هـ. رسالة الاعتقادات –محمد باقر المجلسي-تحقيق حسين دركاهي-مؤسسة الهدى للنشر والتوزيع- الطبعة الأولى 1420 هـ. الروايات المتعارضة في غزوة بدر، للدكتور محمد بن محمد العواجي، مقالة منشورة بمجلة مركز بحوث ودراسات المدينة العدد 17. روايات المدلسين في صحيح مسلم- عواد حسين الخلف-دار البشائر الإسلامية –الطبعة الأولى 2000 م. الروض النضير في معنى حديث الغدير فارس حسون كريم روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه محمد تقي المجلسي-بنياد فرهنك اسلامي حاج محمد حسين قم ايران، دون تاريخ. روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه- محمد تقي المجلسي مؤسسة دار الكتاب الاسلامي- قم- إيران، 1429هـ 2008م. زبدة المقال من معجم الرجال بسام مرتضى- دار المحجة البيضاء بيروت لبنان، 1426 هـ 2005م. سؤالات أبي عبيد الآجري
أبو داود السجستاني- تحقيق: أبي عمر محمد بن علي الأزهري-الفاروق الحديثة للطباعة والنشر القاهرة- الطبعة الأولى، 1431هـ 2010 م. سؤالات أبي عبيد الآجري أبو داود السجستاني- تحقيق: محمد علي قاسم العمري الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى 1399هـ 1979م. سؤالات مسعود بن علي السجزي للحاكم -المحقق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر-دار النشر: دار الغرب الإسلامي بيروت -الطبعة الأولى، 1408هـ، 1988م. سر السلسلة العلوية-أبو نصر البخاري-تقديم وتعليق: السيد محمد صادق بحر العلوم- الطبعة الأولى-1413هـ. السرائر-ابن إدريس الحلي -مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم الطبعة الثانية 1410هـ. سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد- يوسف بن أحمد آل عصفور البحراني دار العصمة مملكة البحرين،-1428 هـ 2007م. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، (لمكتبة المعارف)- 1995 -2002م. سلسلة الأحاديث الضعيفة وأثرها السيء في الأمة -محمد ناصر الدين الألباني -مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض، 1420 هـ 2000م. السنن
-أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني –تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد-المكتبة العصرية، صيدا بيروت. السنن الكبرى للبيهقي، المحقق: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت- لبنات، الطبعة: الثالثة، 1424هـ 2003م. السنن الكبرى للنسائي، حققه وخرج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، قدم له: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 هـ 2001 م. سنن سعيد بن منصور، المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: الدار السلفية الهند، الطبعة: الأولى، 1403هـ -1982م. السنن –محمد بن يزيد بن ماجه القزويني- تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي- دار إحياء الكتب العربية فيصل عيسى البابي الحلبي. سير أعلام النبلاء، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي الناشر: دار الحديث- القاهرة، الطبعة: 1427هـ-2006م. سير أعلام النبلاء، المحقق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، 1405 هـ -1985م. سيرة ابن إسحاق (كتاب السير والمغازي)، تحقيق: سهيل زكار، الناشر: دار الفكر بيروت، الطبعة: الأولى 1398هـ /1978م. سيرة المصطفى
نظرة جديدة –هاشم معروف الحسني-دار التعارف للمطبوعات-بيروت 1414هـ. السيرة النبوية عبد الملك بن هشام تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الثانية، 1375هـ 1955م. السيرة النبوية برواية أهل البيت علي الكوراني دار المرتضى بيروت لبنان. الشافي في الإمامة للشريف المرتضى مؤسسة إسماعيليان قم الطبعة الثانية 1410هـ. شبهات وردود- سامي البدري- نشر حبيب الطبعة الثانية 1417 هـ. شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي تصحيح السيد إبراهيم الميانجي -منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي- قم- إيران. شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي دار طيبة الرياض، 1402هـ. شرح الأخبار-القاضي النعمان المغربي-تحقيق محمد الحسيني الجلالي- الطبعة الثاني-مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة-1414هـ. شرح تجريد الكلام– علي بن محمد القوشجي– طبعة1285هـ شرح صحيح البخاري -ابن بطال أبي الحسن علي عبدالملك- ضبطه أبو تميم إبراهيم مكتبة الرشد الرياض- 1420 هـ-2000م
شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر الطحاوي- تحقيق: شعيب الأرناؤوط مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1415هـ 1994م. شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة- علي الحسيني الميلاني-الطبعة الأولى-وفا قم-مركز الحقائق الإسلامية- 1428م. شرح نهج البلاغة -أبو حامد بن أبي الحديد المدائني- تحقيق: محمد عبد الكريم النمري- دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى -1418هـ 1998م. شرح نهج البلاغة-ابن أبي الحديد-تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم- مدار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه-مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان-الطبعة الأولى-1378هـ 1959م. الشعر والشعراء أبومحمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري دار الحديث، القاهرة-عام النشر: 1423هـ. شواهد التنزيل لقواعد التفضيل -عبيدالله بن عبدالله الحسكاني حققه محمد باقر المحمودي- مؤسسة الأعلمي للمطبوعات- 1393هـ 1974م. الشيعة هم أهل السنة- محمد التيجاني-تحقيق وتعليق: مركز الأبحاث العقائدية-الطبعة الأولى-ستارة قم- 1427 هـ. الصافي –الفيض الكاشاني- مؤسسة الهادي قم المقدسة -الطبعة الثانية 1416 هـ. الصحابة المعتزلون للفتنة -دكتور خالد علال. الصحابي الجليل طلحة بن عبيدالله التيمي وآراؤه الفقهية أحمد كريم
محمد العزاوي الصحيح من سيرة الإمام علي؛-جعفر مرتضى العاملي- المركز الإسلامي للدراسات لبنان، 1431 هـ 2010 م الصحيح من سيرة النبي الأعظم جعفر مرتضى العاملي -دار السيرة لبنان- 1414 هـ. الصحيح من سيرة النبي الأعظم-جعفر مرتضى العاملي- المركز الإسلامي للدراسات لبنان، 1427 هـ-2006م. صحيح وضعيف تاريخ الطبري محمد بن طاهر البرزنجي محمد صبحي حسن حلاق -دار بن كثير دمشق بيروت, 2007م. الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم- زين الدين العاملي البياضي- المكتبة المرتضوية لأخبار الآثار الجعفرية (قم) -1384 هـ. صلح الحسن؛ رضا آل ياسين- مؤسسة النعمان بيروت 1991م. ضعفاء العقيلي تحقيق الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي الطبعة الثانية -دار الكتب العلمية بيروت 1418هـ. الضعفاء من رجال الحديث حسين الساعدي مركز بحوث دار الحديث قم إيران، 1426 هـ. الضعفاء والمتروكون- أبو الفرج بن الجوزي -تحقيق: عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1406هـ. الطبقات الكبرى محمد بن سعد- المحقق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر بيروت، الطبعة: الأولى، 1968م. الطبقات الكبرى –محمد بن سعد- المحقق: د علي محمد عمر،
الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، تاريخ النشر: 1421 هـ، 2001 م. الطبقات-خليفة بن خياط أبو عمر الليثي العصفري- تحقيق: د. أكرم ضياء العمري-دار طيبة الرياض -الطبعة الثانية، 1402 هـ 1982م. طرائف المقال -علي البروجردي تحقيق مهدي الرجائي مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي العامة قم الطبعة الأولى 1410هـ. الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف- ابن طاووس- الخيام قم -الطبعة الأولى-1399هـ. عبد الله بن سبأ- مرتضى العسكري- نشر توحيد -الطبعة السادسة -1413هـ 1992م. العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين-تقي الدين الفاسي-تحقيق محمد حامد الفقي- مؤسسة الرسالة-الطبعة الثانية 1406 هـ -1986م عقيدة الإمام ابن قتيبة علي بن نفيع العلياني -مكتبة الصديق -الطبعة الأولى 1412هـ- 1991م. علل الشرايع -أبو جعفر محمد بن علي ابن بابويه القمي منشورات المكتبة الحيدرية النجف، 1385هـ 1966م. العلل الواردة في الأحاديث النبوية-علي بن عمر الدارقطني، دار طيبة، الرياض، تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله السلفي الطبعة الأولى، 1405هـ 1985م. علي بن محمد المدائني ودوره في كتابة التاريخ -عماد عزام جوابرة-رسالة جامعية لنيل الماجستير- جامعة النجاح الوطنية، كلية الدراسات العليا-فلسطين- 1421هـ -2001م.
عمدة الطالب لابن عنبة تحقيق محمد حسن آل الطالقاني منشورات المطبعة الحيدرية النجف الأشرف الطبعة الثانية 1380هـ العواصم من القواصم لابن العربي خرج أحاديثه وعلق عليه محمود مهدي الإستانبولي،حققه وعلق حواشيه محب الدين الخطيب، وثقه وزاد في تحقيقه والتعليق عليه مركز السنة للبحث العلمي منشورات مكتبة السنة بالقاهرة الطبعة السادسة 1412 هـ. عين العبرة في غبن العترة- أحمد آل طاووس-دار الشهاب قم عيون الأخبار –عبد الله بن مسلم بن قتيبة- دار الكتب العلمية –بيروت-1418 هـ. عيون الأخبار –عبد الله بن مسلم بن قتيبة-تحقيق أحمد زكي العدوي-دار الكتاب العربي-بيروت لبنان. غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام عبد العزيز بن عمر القرشي تحقيق فهيم محمد شلتوت-مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي. غريب الحديث ابن قتيبة تحقيق: دكتور عبد الله الجبوري مطبعة العاني بغداد -الطبعة الأولى 1397م. غوامض الأسماء المبهمة -ابن بشكوال المحقق: د. عز الدين علي السيد محمد كمال الدين عز الدين-عالم الكتب بيروت الطبعة: الأولى، 1407هـ. فتوح البلدان -البلاذري دار ومكتبة الهلال- بيروت-عام النشر 1988م. الفتوح-
منسوب لابن أعثم تحقيق علي شيري –الطبعة الأولى -دار الأضواء بيروت لبنان-1411هـ. الفرق بين الفرق-عبد القاهر البغدادي دار الآفاق الجديدة بيروت الطبعة الثانية 1397هـ. الفصل في الملل -أبو محمد ابن حزم- مكتبة الخانجي القاهرة. الفصول المهمة في تأليف الأمة- عبدالحسين شرف الدين الموسوي -قسم الإعلام الخارجي لمؤسسة البعثة- الطبعة الأولى. فضائل الخلفاء الراشدين-أبو نعيم الأصبهاني تحقيق: صالح بن محمد العقيل-دار البخاري للنشر والتوزيع، المدينة المنورة- الطبعة: الأولى، 1417هـ 1997م. فضائل الصحابة-أحمد بن حنبل- تحقيق وصي الله بن محمد عباس دار ابن الجوزي الطبعة الثانية 1420هـ. فقه الصادق -السيد محمد صادق الروحاني-الطبعة الثالثة-مؤسسة دار الكتاب قم-1414 هـ. الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط -قسم التفسير -الناشر: مآب مؤسسة آل البيت 1987م. فهرست أسماء مصنفي الشيعة- النجاشي مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة- الطبعة: الخامسة- 1416هـ قراءة في المسار الأموي من كتاب الغدير للشيخ الأميني-إعداد: مروان خليفات -مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي-الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية -الطبعة الأولى 1419ه 1998م.
قوت المغتذي على جامع الترمذي -عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي -إعداد ناصر بن محمد بن حامد الغريبي1424هـ. الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي الجرجاني، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1997م. كتاب الأربعين-محمد طاهر القمي الشيرازي –حققه مهدي الرجائي أمير -الطبعة الأولى 1418هـ. كتاب الإمامة والسياسة في ميزان التحقيق العلمي- عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان- مكتبة الدار-1405 هـ. كتاب ألف با-أبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي-تصحيح مصطفى وهبي-المطبعة الوهبية. كتاب تلخيص المتشابه في الرسم -أحمد بن علي ثابت أبي بكر الخطيب البغدادي- تحقيق سكينة الشهابي -دار طلاس دمشق 1985م. كذبوا على الشيعة -محمد الرضي الرضوي-بدون تاريخ. كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة،أبو بكر الهيثمي-تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي- مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1399هـ 1979م. كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد -ابن المطهر الحلي-تحقيق حسن زاده الآملي- مؤسسة نشر الإسلامي- قم- الطبعة السابعة 1417 هـ. الكنى والألقاب –عباس القمي-مكتبة الصدر- طهران. كيف أفهم النقد نقد ورد- الدكتور جبرائيل سليمان جبور-منشورات
جبور-منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت- الطبعة الأولى1983م- 1403هـ. متشابه القرآن ومختلفه-ابن شهر آشوب-چاپخانه شركت سهامى طبع كتاب-مكتبة البو ذر جمهري المصطفوي بطهران. مثالب العرب هشام بن محمد بن السائب الكلبي- تحقيق نجاح الطائي. مثالب العرب والعجم- هشام بن محمد بن السائب الكلبي-حققه وضبط نصوصه التاريخية محمد الحسن الحاج مسلم الدجيلي-مطبوعات دار الأندلس-بيروت لبنان-الطبعة الأولى 1420 -2009م. المجتبى من السنن المعروف بسنن النسائي-أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة-مكتب المطبوعات الإسلامية حلب-الطبعة: الثانية، 1406 هـ- 1986م. المجدي في أنساب الطالبين-علي بن محمد العلوي العمري-تحقيق: الدكتور أحمد المهدوي الدامغاني إشراف: الدكتور السيد محمود المرعشي- سيد الشهداء -مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي العامة قم المقدسة -الطبعة الأولى -1422 هـ. محاضرات في الاعتقادات- علي الميلاني- مركز الأبحاث العقائدية قم ايران الطبعة الأولى- 1421هـ. المحبر-محمد بن حبيب-تحقيق إيلزة ليختن شتيتر- دار الآفاق الجديدة، بيروت. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز -عبد الحق بن غالب ابن عطية الأندلسي-تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد-دار الكتب العلمية بيروت -الطبعة الأولى 1422
هـ. المحسن السبط: مولود أم سقط -محمد مهدي السيد حسن الموسوي- مكتبة الروضة الحيدرية قم، الطبعة الأولى 1427هـ. محض الفرحة بفضائل طلحة يوسف بن حسن بن عبدالهادي حققه أبو المنذر الأزهري صالح محمد عبدالخالق- غراس للنشر والتوزيع الكويت-الطبعة الأولى 1433 هـ 2012م. مخطوطة كتاب المثالب لابن الكلبي دراسة للكاتب والكتاب منشورة بمجلة مجمع اللغة العربية الأردني العدد 54 جمادى الأولى 1418 هـ. مروج الذهب ومعادن الجوهر-أبو الحسن علي بن الحسين بن علي تحقيق أسعد داغر-دار الهجرة قم -1409هـ. مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري يحيى بن ابراهيم بن علي اليحيى -دار العاصمة الرياض السعودية-1410هـ. المسائل الصاغانية-محمد بن النعمان المفيد-تحقيق السيد محمد القاضي- دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان الطبعة الثانية- 1414هـ- 1993م. مسار الشيعة في مختصر تواريخ الشريعة-محمد بن النعمان المفيد-تحقيق مهدي نجف- دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان- الطبعة الثانية-1414هـ 1993م. المستدرك على الصحيحين وبذيله تلخيص المستدرك للإمام الذهبي الحاكم النيسابوري-تحقيق عبدالرحمن مقبل بن هادي الوادعي- دار الحرمين للطباعة والنشر-مصر- الطبعة الأولى 1417هـ 1997م.
المستدرك على الصحيحين-الحاكم النيسابوري- تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا- دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى 1411هـ 1990م. المسند أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي -تحقيق محفوظ الرحمن زين الله-مكتبة العلوم والحكم –الطبعة الأولى المدينة المنورة، 1410 هـ. المسند- أبو داود الطيالسي- المحقق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر مصر، الطبعة: الأولى، 1419 هـ 1999م. المسند-أبو يعلى أحمد بن علي بن المثُنى الموصلي- تحقيق: حسين سليم أسد. دار المأمون، دمشق، الطبعة الأولى 1404هـ 1984م. مسند الإمام أحمد بن حنبل-المحقق: شعيب الأرنؤوط عادل مرشد، وآخرون- إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة- الطبعة الأولى- 1421 هـ 2001 م. المسند-إسحاق بن راهويه، المحقق: د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، الناشر: مكتبة الإيمان المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1412 1991. مسند البزار. مسند الشاميين للطبراني تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثانية 1417 هـ. المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسلم بن الحجاج-تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي-دار إحياء التراث العربي بيروت.
المصنف في الأحاديث والآثار –أبو بكر بن أبي شيبة- تحقيق كمال يوسف الحوت- مكتبة الرشد الرياض، الطبعة الأولى، 1409هـ. المصنف في الأحاديث والآثار –أبو بكر بن أبي شيبة-تحقيق أسامة بن إبراهيم محمد-الفاروق الحديثة للنشر والتوزيع-الطبعة الأولى 1429 هـ 2008 م. المصنف في الأحاديث والآثار –أبو بكر بن أبي شيبة-تحقيق محمد عوامة-دار القبلة-الطبعة الأولى 1427 هـ 2006 م. المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية-ابن حجر العسقلاني- إشراف: د. سعد الشثري- دار العاصمة، الرياض، دار الغيث، الرياض- 1419هـ 1998م. المعارف-عبد الله بن مسلم بن قتيبة-تحقيق ثروت عكاشة-الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة -الطبعة الثانية 1992م. المعجم- أبو سعيد ابن الأعرابي- تحقيق وتخريج: عبد المحسن بن إبراهيم ابن أحمد الحسيني- دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية- الطبعة الأولى، 1418 هـ 1997م. معجم البلدان دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان -سنة الطبع 1399 هـ- 1979م. المعجم الكبير سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني تحقيق وتخريج: حمدي عبد المجيد السلفي دار إحياء التراث العربي الطبعة الثانية. معجم ديوان الأدب- أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن الحسين الفارابي-تحقيق: دكتور أحمد مختار عمر-مراجعة: دكتور إبراهيم أنيس-مؤسسة
أنيس-مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر- القاهرة- 1424هـ 2003 م. معجم رجال الحديث أبو القاسم الخوئي- الطبعة الخامسة 1413 هـ. معجم ما استعجم من أسماء البلاد -عبد الله بن عبد العزيز البكري عالم الكتب، بيروت. معرفة الثقات -العجلي الطبعة الأولى مكتبة الدار المدينة المنورة. معرفة الصحابة أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني -تحقيق: عادل بن يوسف العزازي- دار الوطن للنشر، الرياض -الطبعة: الأولى- 1419هـ 1998م. المعرفة والتاريخ -يعقوب بن سفيان الفسوي تحقيق د. أكرم ضياء العُمَري مؤسسة الرسالة بيروت 1401هـ. المعيار والموازنة منسوب لأبي جعفر الإسكافي- تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي-الطبعة الأولى- 1402هـ 1981م. المغازي لموسى بن عقبة –جمع ودراسة وتخريج محمد باقشيش أبو مالك-كلية الآداب والعلوم الإنسانية-المملكة المغربية –أكادير. المغني في أبواب التوحيد والعدل-الإمامة- القاضي عبد الجبار المجلد العشرين والواحد والعشرين-تحقيق الدكتور محمود محمد قاسم. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام الدكتور جواد علي -دار الساقي -الطبعة: الرابعة 1422هـ- 2001م. مقاتل الطالبيين -أبو الفرج الأصبهاني- المحقق: السيد أحمد
صقر، الناشر: دار المعرفة، بيروت. مقاتل الطالبيين-أبو الفرج الأصفهاني-تقديم وإشراف: كاظم المظفر -منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها النجف الأشرف-مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر قم ايران- الطبعة الثانية-1385 هـ- 1965م. ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار -محمد باقر المجلسي- تحقيق مهدي رجائي- مكتبة المرعشي قم ايران، 1407 هـ. الملل والنحل -الشهرستاني -تحقيق محمد سيد كيلاني دار المعرفة بيروت- 1404 هـ. من بشر بالجنة من غير العشرة محمد بن علي صالح الغامدي، مراجعة وتنقيح مركز البحوث والدراسات بالمبرة- مبرة الآل والأصحاب الكويت، 1431هـ 2010م. المنار المنيف في الصحيح والضعيف- محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية. مناقب آل أبي طالب-ابن شهر آشوب-مطبعة الحيدرية النجف الأشرف -1376هـ- 1956م. المناقب-الموفق الخوارزمي-تحقيق-الشيخ مالك المحمودي مؤسسة سيد الشهداء –الطبعة الثانية- مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة-1414 هـ. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة- حبيب الله الهاشمي الخوئي-تحقيق سيد إبراهيم الميانجي-الطبعة الرابعة-مطبعة الاسلامية بطهران- -منشورات دار الهجرة إيران قم.
منهاج السنة النبوية- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية -تحقيق محمد رشاد سالم-جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية-الطبعة الأولى- 1406هـ- 1986م. منهاج الكرامة-ابن المطهر الحلي- تحقيق -عبد الرحيم مبارك- -الهادي قم-انتشارات تاسوعاء مشهد- الطبعة الأولى 1379هـ. منهج ابن قتيبة في الرد على المعتزلة -رانيا نظمي- مقالة علمية محكمة تم نشرها ضمن بحوث مجلة كلية الآداب، جامعة الإسكندرية -2007 م. موسوعة أحاديث أهل البيت –هادي النجفي دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان -الطبعة: الأولى 1423هـ- 2002م. موسوعة أقوال أبي الحسن الدارقطني في رجال الحديث وعلله-تأليف: مجموعة من المؤلفين- عالم الكتب للنشر والتوزيع بيروت، لبنان -الطبعة: الأولى، 2001 م. موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله-مجموعة من المؤلفين-دار النشر عالم الكتب-الطبعة الأولى- 1417 هـ 1997م. موسوعة الدفاع عن الصحابة -عبدالقادر بن محمد عطا صوفي- أضواء السلف الرياض السعودية،-الطبعة الأولى 1426 هـ 2006 م. موسوعة الغدير- عبد الحسين أحمد الأميني-الطبعة الثالثة-دار الكتاب العربي بيروت لبنان-1387 1967م.
موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب -عبد الحسين أحمد الأميني النجفي تحقيق مركز الغدير للدراسات الاسلامية- إشراف محمود الهاشمي الشاهرودي -مؤسسة دار معارف الفقة الاسلامي قم إيران- الطبعة الثانية -1424 هـ 2004م. الموضوعات -جمال الدين عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي-ضبط وتقديم وتحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان-محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة. الموطأ الإمام مالك بن أنس-تحقيق محمد مصطفى الأعظمي-مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية أبو ظبي الإمارات -الطبعة: الأولى، 1425 هـ 2004 م. الموقظة الإمام الذهبي- اعتنى به: عبد الفتاح أبو غُدّة-مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب-الطبعة الثانية- 1412هـ. ميزان الإعتدال- شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي- تحقيق علي محمد البجاوي دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان الطبعة الأولى 1382 هـ. ميزان الإعتدال- شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي-تحقيق الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبدالموجود -دار الكتب العلمية –بيروت 1995م. الناسخ والمنسوخ أبو جعفر النَّحَّاس -المحقق: د. محمد عبد السلام مكتبة الفلاح الكويت -الطبعة: الأولى، 1408 هـ. نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي-حسن بن فرحان المالكي-مؤسسة اليمامة الصحفية- 1418
هـ. نسب قريش مصعب بن عبد الله الزبيري -تحقيق ليفي بروفنسال-دار المعارف، القاهرة-الطبعة الثالثة. نسب معد واليمن الكبير-أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي-تحقيق الدكتور ناجي حسن-عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية-الطبعة الأولى-1408هـ 1988م. نظريات الخليفتين نجاح الطائي. نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار -علي الحسيني الميلاني- دار المؤرخ العربي رابطة أهل البيت الاسلامية بيروت لبنان، العالمية- الطبعة الأولى- 1415 هـ 1995م. نقد كتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة للدكتور خالد كبير علال. نقض الوشيعة أو الشيعة بين الحقائق والأوهام-محسن الأمين العاملي- مؤسسة الأعلمي لبنان- الطبعة الرابعة 1403هـ 1983م. النهاية في غريب الحديث عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير تحقيق: طاهر أحمد الزاوى محمود محمد الطناحي-المكتبة العلمية بيروت، 1399هـ 1979م. نهج الحق وكشف الصدق للحلي تحقيق الشيخ عين الله الحسني الأرموي مؤسسة الطباعة والنشر دار الهجرة قم 1421هـ. نور الأفهام في علم الكلام لحسن الحسيني اللواساني تحقيق السيد ابراهيم اللواساني مؤسسة النشر الإسلامي الطبعة الأولى 1425 هـ.
نور الثقلين- علي بن جمعة العروسي الحويزي- حققه علي عاشور- مؤسسة التاريخ العربي بيروت لبنان- الطبعة الأولى 1422هـ 2001م. نور الثقلين- علي بن جمعة العروسي الحويزي- حققه هاشم المحلاتي -المطبعة العلمية- قم- ايران، 1382هـ. الوافي بالوفيات- صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى دار إحياء التراث بيرزت لبنان 1420هـ. الوافي-الفيض الكاشاني-تصحيح ضياء الدين الحسيني مكتبة الامام أمير المؤمنين علي العامة- الطبعة الأولى 1406هـ. وقعة صفين- نصر بن مزاحم المنقري-تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون- الطبعة الثانية هـ 1382-المدني مصرالمؤسسة العربية الحديثة للطبع والنشر والتوزيع القاهرة-منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم إيران -1403 هـ.
في هذا الكتاب
يطالعك الجزء الثاني من سلسلة أولئك مبرؤون بفصول ومباحث:
أولها تعرفك بتفاصيل سيرة طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه بصورة موسعة، أحسب أنك لا تجدها في غير هذا الكتاب، ثم بعد أن تأخذ بحظك من معرفة سيرة هذا البطل، يأتيك فصل يحدثك عن مناقبه وفضائله، سواء كانت من الكتاب الكريم، أو من السنة النبوية، فإن استأنست بما تقدم، جاءتك فصول عدة في إبرام ما نسب لطلحة من المثالب والمعايب، ونقضها وتفنيدها.
ولأن الكتاب من إصدارات مبرة الآل والأصحاب، فقد حَسُن أن يُختم بفصل يُفصل علاقة طلحة رضي الله عنه بآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ترى فيه تحديث طلحة رضي الله عنه بحديث الصلاة على الآل في التشهد!
وترى كيف كان أحفاده يتزوجون من أحفاد علي رضي الله عنه، وتجد ثناء أبي الحسن حيدرة على طلحة رضي الله عنه، والرد على من تناوله بسوء، ومصاهرة الحسنين رضي الله عنهما لأم إسحاق بنت طلحة، بل ترى تسمية الحسن لابنه من أم إسحاق بطلحة، وترى فيه كلام أبي جعفر محمد بن علي الباقر، وابنه أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق. رحمهم الله جميعاً وأسكنهم فسيح جنانه.
ليكون مسك الختام، حكاية قصة استشهاد طلحة رضي الله عنه، وما أكرمه الله به من كرامة بعد موته.
